الفهرس

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

من أحكام البنوك والمعاملات المصرفية

مسألة: أموال البنوك الأهلية والحكومية ـ باستثناء البنك الأهلي من الأهالي الملتزمين فيه بقواعد الشرعي، والحكومي من الحكومة العادلة كذلك، خليط من الحرام والحلال، سواء كان من أحدهما، أو مختلطاً من كليهما، أو من الحكومة العادلة والظالمة.

والظاهر: ان المال الذي يأخذه الإنسان منه بعنوان القرض أو ما أشبه، حلال، لرواية مسعدة، وقوله (عليه السلام): (كل شيء يكون فيه حلال وحرام)(1) وروايات جوائز السلطان(2) الواردة في الجائرة البحتة ـ فكيف بالخليط منهما ـ فإنها تشمله ولو بالملاك.

واحتمال: ان فيه حلال وحرام خاص بإحدى الشبهتين، غير ظاهر وإن قالوا: بأنه عليه يكون من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، إذ الجامع بينهما ظاهر، سواء في الشبهة الصدقية أو المصداقية.

وما يأخذه بعنوان الربا، فهل هو حقيقة ربا، أو انه من قبيل أن يأخذ الإنسان بنفسه مالاً مجهول المالك؟ احتمالان:

الأول: لأنه بعنوانه، والتعاطي في الأعمال القصدية ـ كالعقود ـ تابعة للقصود.

الثاني: لأن قصد الحكومة الجائرة كلا قصد، لأنها لا تملك، فتأمّل.

وكيف كان: فأخذه بإجازة الحاكم الشرعي ـ لأنه من مجهول المالك ـ عامة وخاصة جائز.

لا يقال: كيف يعطي الحاكم الإجازة العامة وهو يعلم ان إجازته تسبب أكل الحرام، لأن أحد هؤلاء المجازين يأكله بإجازته؟ بخلاف الإجازة الخاصة حيث أن البقية خارجة عن محل الإبتلاء.

لأنه يقال: انه يبين تكليف كل واحد واحد، كواجدي المني.

لا يقال: فهل يجوز له أن يفتي بما يستلزم قتلاً حراماً، أو هتك عرض حرام؟

لأنه يقال: انه خارج ولو من جهة انصراف الأدلة من مثله، أو للأهمية، فهو من (الأهم والمهم) ولا يقاس ذلك بما نحن فيه، مما قام الدليل على جوازه.

أما إعطاء الشخص الربا للبنك، فإنه يجوز مع الاضطرار إليه، من غير فرق بين أقسام الاضطرار إذا كان الاضطرار شرعياً، أما الاضطرار العرفي كما إذا كان لتجارته أو ما أشبه مما ليس باضطرار شرعي، فاللازم، أو الاحتياط: أن لا يعطي للبنك بعنوانه، بل بعنوان الهدية أو نحوها، إذ قد تقد م: انه يشترط فيه قصدهما له معا.

أقسام البنوك وحكم التعامل معها

مسألة: لا يخفى: ان البنوك أو المصارف على قسمين:

الأول: الخاصة.

الثاني: العامة.

والمراد بالأول: ما تقوم ببعض المعاملات الخاصة، مثل الرهن والعقار وتقوية الصناعات، من غير فرق بين أن يكون حكومياً أو أهلياً.

الثاني: ما تقوم بكل المعاملات كذلك.

وحيث انّا نرى: عدم مالكية الحكومة(3) فالمقبوض من البنك الحكومي يكون من مجهول المالك.

أما البنك الأهلي ومن يرى مالكية الحكومة، فالمقبوض يكون كالمقبوض من فرد، أو من جمعية خيرية مثلا.

وفي الثاني(4) لابد من أن لا يكون المقبوض ربويّاً.

وأما الأول(5): فقد تقد م: انه لا ربا فيه، فإذا أعطينا فائدة إلى المصرف المالك، فلابد من اتباع أحد طرق الفرار من الربا.

من أحكام العين المرهونة

ثم إن البنك الحكومي ـ في غير العادلة ـ لا حق له في بيع العين المرهونة عند تخل ف المستلف عن دفع ما عليه، فليس إلا كإجبار، ولو عرف المشتري ذلك لم يجز له إلا بإجازة المالك، وليس الأمر منوطاً بمعرفته بل بالواقع، وإنما ذكرنا العرفان طريقاً لا موضوعاً كما هو واضح.

وحينئذ تكون المعاملة فضولية ويأتي فيها ما ذكر هناك: من ترتّب العقود والإجازة للعقد المتقدّم أو المتأخر أو المتوسط.

أما البنك المالك حكومياً كان أو أهلياً، فله الحق في البيع حسب شرط الراهن، لأنه لا يختلف عن الرهن الشخصي.

ومما ذكرنا يعرف: عكسه وهو: استلاف الحكومة غير المالكة من تاجر أو نحوه، وجعل شيء رهناً عنده وإعطائه الفائدة، ثم بيع التاجر مال الحكومة.

أو استلاف الحكومة العادلة أو بنك أهلي من شخص أو أشخاص ـ كجمعيّة خيرية ـ.

ثم إن شرط البيع قد يكون على نحو شرط السبب، بأن يشترط المرتهن على الراهن أن يوكله حين الاستحقاق على البيع، وقد يكون على نحو شرط النتيجة، بأن يشترط كونه وكيلاً عنه في البيع عند تأخّره في دفع كل المال أو بعضه، من غير فرق بين أن يوكله الآن ويكون التنفيذ حين ذاك، أو يوكله عند عدم الدفع في وقته.

ولا يصح عزل مثل هذا الوكيل لأنه حصل في عقد لازم، كما قال به النائيني (قد س سره) وغيره.

فروع

ثم انه إذا كان شرط الوكالة على نحو السبب وهو: بأن يوكله عند عدم الدفع، فإذا فرض عدم توكيله، يكون له جبره، كما يجبر كل مشروط عليه لا يعمل بالشرط.

وإذا مات يكون التوكيل من الورثة كل بقدر حصته، والظاهر: ان المرأة داخلة في ذلك وإن لم تكن ترث لو كانت العين المرهونة أرضاً، كما ان الأمر كذلك بالنسبة إلى الحبوة وإن لم يرثها غير الولد الأكبر، لأن الحق شيء ومتعلّق الحق شيء آخر.

ثم لو فرض عدم التوكيل لفظاً ولا ارتكازاً، لا لنفس الدائن ولا لشخص ثالث، أو امتناع الشخص عن تنفيذ الوكالة عند توكيله، أو موته أو جنونه أو ما أشبه، فالحاكم الشرعي هو الذي يقوم مقامه ـ كما ذكروه في باب الرهن وغيره ـ.

وإذا أخّر الراهن في الحكومة العادلة ونحوها في أداء ما عليه، حق للمرتهن أن يُبقي أو يفسخ لأنه كالفرد، وإذا كانت الحكومة ونحوها هيئة، فاللازم أن يعمل حسب القرار من نفوذ أكثرية الآراء، أو كيفما اتّفقوا عليه: من القرعة في الاختلاف، أو الاستيمار، أو غير ذلك.

ثم لو صدر العزل ممن وكّل لم ينفذ عزله لما عرفت، وهل إذا أذن له بالبيع بالشرط يكون حاله حال الوكالة؟ الظاهر: ذلك، وقد ذكرنا في بعض مباحث (الفقه): الفــرق بين الإذن والـــوكالة، كما يــأتي هنا (المنصب) أيضاً، المذكور فـــرقه عنهما هناك(6).

ثم إذا كان البنك يحق له البيع فلا إشكال، وإذا لم يحق له توقف صحة اشتراء المشتري على إجازة الراهن ورضاه، وإذا كانوا ورثة اعتبر رضى كل واحد منهم بقدر حصته.

ولو فرض بيع من له البيع قبل وقت جوازه، كان من الفضولي.

التغريم على تأخير الأداء

ولو فرض جعل المقترض على المقرض كذا من المال لكل يوم تأخر فيه عن الأداء، فالظاهر: انه صحيح، وليس من الربا، وإن كان قد يؤدّي مؤدّاه، إلا ان المعيار ليس المؤدّي بل الربا وليس منه، وقد ذكرنا سابقا: ان النتيجة ليست العلة حتى تحرم حيث ما وجدت، وإنما هي على نحو الحكمة.

ففي الأولى: يدور الأمر مدارها مثل حرمة الإسكار فالخمر من صغرياته.

وفي الثانية: لا يدور الأمر إلا على المنصوص، فاختلاط المياه ـ مثلاً ـ حكمة العدّة، فهي موجودة سواء كان اختلاط أم لم يكن، ومحرمية الزوجة بالنسبة إلى الأربع حكمة، ولذا الميتة محرم وإن تزوّج أربعاً، وهكذا.

وربما يقال: ان في العلّة تؤخذ كبى كليّة مثل: (كلما أسكر حرم)، وفي الحكمة ليست كذلك، ولذا لا يصح أن يقال: يجب على المرأة عدم اختلاط المياه، فتأمل.

ثم إن كاشف العلة عن الحكمة: النص، أو فهم الفقهاء حسب استيناسهم بالشرع، والمركوز في أذهان المتشرعة، ولو شك في انه من أيتهما؟ فالأصل: الحكمة، لأن الإطراد إلى سائر الصغريات بحاجة إلى الدليل.

وعلى أي: فإذا اختلفا في انه هل كان وكيلاً أم لا؟ فالأصل: العدم، وإذا اختلفا في ان البيع هل كان في وقته أو قبل وقته؟ فمن يدعي الأول يحتاج إلى الدليل، كما ان لأصل الصحة في مورده مجال أيضاً.

الايداع في البنوك العامة

مسألة: البنوك العامة تعمل أعمالاً، منها الأمانات التي تودع عندها طويلة المدّة أو قصيرها، والبنك يشجع عليها للإستفادة منها بين فترتي الايداع والسحب، وغالباً تعطي فوائد أكثر للأولى لطول أمد المدة.

ثم الايداع على قسمين:

الأول: مع الإذن بالتصرف وهو الغالب.

الثاني: بدونه، ويأخذ البنك أجرة للقسم الثاني وإن كان غالباً يستفيد البنك منه أيضاً، للاعتبار الذي يحصله بالرصيد الذي عنده، وربما يكتفي البنك بذلك عن أخذ الأجرة لأن الاعتبار يكون بقدر أجرته أو أكثر، والظاهر: صحة أن يعطي البنك الزائد عن قدر أجرته للمودع، فإنه ليس من الربا في شيء.

المضاربة بغير الدراهم والدنانير

أما القسم الثاني: فلا اشكال في جعل المال مضاربة، والظاهر: صحة شرط الضرر على هذا أو ذاك أو على كليهما بالنسبة المتعارفة أو غير المتعارفة، بشرط أن لا يكون جهل أو غرر، وهذا الذي ذكرناه ليس من الايداع في شيء، وإنما هو بصورته، وقد ذكرنا في (كتاب المضاربة)(7) إطلاقها لغير الدراهم والدنانير أيضاً، ولو فرض عدم صحّتها إلا فيهما فهي معاملة عقلائية يشملها: (أوفوا)(8) وغيره.

المضاربة والقدر الثابت من الربح

ومن الواضح: انه لا يصح في المضاربة قدر ثابت من الربح لأنه ربا، نعم يصح أن يعطي البنك للمودع مالا ثابتا في كل شهر على نحو (على الحساب) ثم في آخر السنة يقتسمون الأرباح بمقتضى المضاربة، وهذا ليس من الربا، لكنه يحتاج إلى دقّة في المحاسبات، والتزام الطرفين بذلك، لا على نحو الصورية.

وليس فيه ضرر الربا، حيث أن الربا يوجب تعطيل التجارات، وتشكيل جيش من العاطلين، وسحب الأغنياء أموال الفقراء، إلى غير ذلك.

التصرف المأذون في الوديعة وإشكال المشهور

أما الايداع مع الإذن، فقد يشتري البنك البضاعة لصاحب المال فيدخل في كيسه وهذا لا إشكال فيه، وقد يشتريه لنفسه وهذا مورد اشكال المشهور: بأن العوض يجب أن يدخل في كيس صاحب المعوض، لكنا ذكرنا في (البيع): انه لا مانع منه، فهو بالأخرة معاملة عقلائية لا بأس بها برضى الطرفين، فللبنك أن يتاجر ويشتري ويدفع بعد ذلك بقدر مال المودع إليه، فهذا يحفظ ماله ويعطي أحياناً شيئاً جائزة أو هدية أو مضاربة، وذاك يستفيد من المال اعتباراً وربحاً وغيرهما.

أما ما يعطيه البنك من الربا للمودع فهو حرام إذا كان في الحكومة العادلة، أو البنك الأهلي، ويمكن الفرار من الربا حسب ما ذكرناه سابقاً.

لا يقال: كيف يجمع بين عدالة الحكومة وبين اعطاء الربا؟

لأنه يقال: لنفرض انه أخطأ مدير البنك في ذلك، نعم إذا كانت الحكومة كافرة أو للكافر، صح أخذ الربا منه ـ على ما تقد م ـ.

أما إذا كانت الحكومة جائرة فما تعطيه فهو من مجهول المالك ـ على ما سبق ـ وعلاجه: إذن الحاكم الشرعي، ولا يخفى: ان الغالب في البنوك اليوم وبكل أسف هو التعامل الربوي مع ان الشرع جعل لهما طريق الفرار منه بما ذكرناه سابقا، والتي من جملتها: بيع صاحب المال للبنك فعلاً في قبال أكثر منه مؤجّلا.

ثم إنه لا فرق في الحرمة ونحوها بين اشتراط الزيادة لفظاً أو ارتكازاً.

وعلي ما ذكرناه، يصح تصور الإعطاء إلى البنك قرضاً وعاريةً وبيعاً وايداعاً وغير ذلك من المعاملات المعروفة وغيرها، نعم يلزم ملاحظة الشرائط الخاصة كعدم الربا، والعامة كعدم الجهل والغرر، وما أشبه ذلك.

ولو اختلفا في الصحيح والفاسد، فالأصل الصحة.

ولو اختلفا في انه كان من هذه المعاملة أو تلك، فلا أصل وإنما هو من التداعي، وحلّه بموازين القضاء(9).

التوفير

ثم التوفير هو الأمانة المذكورة سابقاً انشيء لتشجيع صغار المدّخرين، فيقبل البنك المبالغ القليلة لإيداعها باسمي أصحابها ويعطيهم الفائدة، والفرق بينهما ان الأمانة التي سبقت يشترط على صاحبها أن لا يسترجعها قبل المدّة المقرّرَة، بخلافه حيث يتمكّن من الاسترجاع أي وقت شاء، فإذا كانت الفائدة الواحدة ـ مثلاً ـ واحداً في المائة وسحبه في ربع السنة كان له الربع، وهكذا.

الكفالة عند البنوك

مسألة: ومن أعمال البنوك العامة الكفالة ـ على اصطلاحهم ـ وهي عندهم: تعهّد شخص لآخر عملاً يقوم به، وحيث قد يطلب الطرف الثاني من الأول ضماناً مالياً، لما قد يصيبه من الخسارة لو انسحب الأول من العمل قبل تمامه، يلجأ المتعهّد (الأول) إلى البنك، ليكفله البنك ويضمن القيام بالعمل الذي اتّفقا عليه، فيصد ر البنك حينئذ خطاباً إلى المتعهد له (الثاني) بكفالة الطرف الأول وضمانه، بأن يدفع عنه مبلغاً من المال إذا طولب بدفعه في صورة عدم قيام المتعهّد بما تعهّد للطرف الثاني.

ومن الواضح: ان الكل ينتفع من هذه الكفالة:

الكفيل هو البنك: لأنه يأخذ من المتعهد مالاً لأجل كفالته.

والمتعهّد لأنه لولا البنك كان يأخذ منه المتعهد له مالاً وثيقة لوفائه بتعهده، وحيث يقوم البنك بعمل الضمان، فإن المتعهد يتاجر بماله الذي لولا البنك كان يلزم عليه أن يعطيه للمتعهد له.

والمتعهد له: لأنه يستفيد من هذه الكفالة ضمان حقه، فبما يصيبه من الخسارة لو انسحب المتعهد عن تعهده قبل اتمام العمل.

ثم لا يخفى: ان الكفالة بهذا المعنى، غير الكفالة التي ذكرها الفقهاء: من تعهّد شخص بإحضار آخر(10)، ولذا فهو عقد جديد، يكون شرعيا لشمول (أوفوا بالعقود)(11) له، لكن بشرط أن يتوفر فيه كل الشروط العامة: من العقلائية بموازينها، وعدم الجهالة، وعدم الغرر، وغير ذلك.

وإذا كان مشمولاً للآية: (أوفوا)(12) فما يأخذه البنك من المتعهد يكون صحيحا، كما انه يمكن أن يعقد على نحو التصالح بين الأطراف أو بين طرفين وطرفين.

وكذلك: أن يعقد على نحو الجعالة، فالمال يكون بازاء كفالته.

وأن يكون وعداً، لكن ليس بوعد صرف بل وعد في مقابل، وفي مثله يلزم الوفاء.

وعليه: فلا يلزم أن يكون الكفيل بنكاً، بل يمكن أن يكون فرداً أو جماعة.

الإشكال على هذه الكفالة

لا يستشكل على هذه الكفالة: بأنها من ضمان ما لم يجب، لأنا قد ذكرنا في (الفقه): ان ضمان ما لم يجب قد يكون صحيحاً للعقلائية، والشارع لم يردع عنه، بالإضافة إلى قوله تعالى: (أنا به زعيم)(13) بعد ان الشرائع السابقة لازمة الإتباع في غير ما نسخ، لقوله سبحانه: (قولوا آمنّا بالله...)(14) بالإضافة إلى ما ذكروا: من استصحابها في هذه الأمة(15).

وبذلك ظهر: وجه إلزام الكفيل بدفع ما على المكفول للمكفول له، والزام المكفول بغرامة ما دفع الكفيل إلى المكفول له.

وحيث ذكرنا في (الفقه): صّحة العقد العقلائي، فمن الممكن أن يكون هناك رابع، وهو من يلتزم بدفع ما على المكفول للبنك، فإنه لا يبعد صحة ترامي الكفالات لما ذكرناه.

البنوك والكفالة المصطلحة

ثم الظاهر: انه يصح من البنك الكفالة للشخص أيضاً، كما هي الكفالة الاصطلاحية، فإذا لم يستطع البنك من إحضار المتّهم أو المدين أو نحوهما يكون ضامناً للمال، نعم لا اشكال في ان البنك لا يقع عليه القصاص ونحوه، ضرورة ان حاله حال كفالة شخص لشخص، وتفصيل الكلام في (الفقه) .

فروع

وحيث أن البنك محل المال والاعتبار، يتمكن الإستفادة من كل ما أو اعتبار يكون للمال والاعتبار مدخل فيه، فهو يتمكّن من بناء الأبنية الخيرية، والمنشئات السكنية، واحداث الإحياء والمدن، وتأسيس المؤسّسات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والتربوية وغيرها، كما يتمكّن من اقراض الطلاب لأجل تكميل علومهم، في قبال استخدامهم بعد التخرّج لمد ة يلاحظ فيها المال وربحه المعقول.

وبالجملة: فهي قادرة على إجراء كل أنواع العقود المالية، لكن بشرط ملاحظة كل الشرائط المقررة شرعا فيها، حتى في مال الخلع وغيره.

التحويل في البنوك

مسألة: من أعمال البنوك العامة التحويل من مكان إلى مكان، أو بلد إلى بلد، سواء في قطر واحد أو أكثر من قطر، وهو عقد عقلائي شرعي، وكما يأتي من فرد إلى فرد يأتي من هيئة إلى هيئة، أو بالاختلاف.

ويمكن أن ينزّل ذلك على نحو القرض: بأن يقرض البنك المبلغ المدفوع في البلد الأول، ليتسلم وفائه في البلد الثاني بنقيصة معيّنة.

البيع: بأن يبيع مبلغاً معيّنا في البلد الأول، بمبلغ أقل في البلد الثاني.

وفي عكسه: بأن يأخذ الشخص من البنك في البلد الأول، ليدفع له تحويلا بالمبلغ المذكور وزيادة في البلد الثاني.

لكن اللازم ملاحظة التخلص من الربا.

ولو لم يعلم ان الذي وقع حوالة هل كان بعنوانها، أو قرضاً أو بيعاً؟ فالأصل مع الأول، لأنها أخف مؤنة.

ولو تردّد بين الأخيرين، فإن كان في القرض ربا كانت أصالة الصحة مع البيع، إذ لا فرق فيها بين معاملتين وبين فردي معاملة أحدهما صحيح والآخر فاسد، فهو مثل يشك في انه من النسيئة أو الكالي بالكالي، أما إذا كان كلاهما صحيحاً فمن التنازع الذي فيه التحالف.

ولو قال أحدهما: قصدت كذا، وقال الآخر: كذا، مما هما صحيحان لو انصبا على مصبّ واحد، ولا مرجّح من بيّنة أو حلف، بطلا في الظاهر، وإن كان يحتمل صحة أحدهما، حيث أنصب الطرفان على واحد واقعاً، وذلك لأنه يرجع إلى ما لا يعرف إلا من قبله.

وإذا فرض بطلان الحوالة بسبب ما، كان للبنك أجرة المثل، إلا إذا كان المسمى أقل، فإنه ليس له إلا ذلك، حيث تنازل عن حقه بالقدر الزائد، وما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، إلا إذا كان التنازل على نحو التقييد ولو ارتكازاً، أي: ان تنازله كان مقيّدا بصورة صحّة الحوالة، فحيث لا صحة لا تنازل.

اللهم إلا إذا كان البطلان لعدم أهلية المحيل كجنونه ـ مثلاً ـ حيث لا حق للبنك في شيء.

البنوك وتحويل الصكوك

ومن أنواع الحوالة المرتبطة بالبنك، ـ ويأتي فيه التصوّران السابقان ـ حوالات الصكوك، بأن يأمر شخص بموجب الصك البنك الفلاني بدفع مبلغ لحامل الصك، سواء كان البنك في بلده أم بلد آخر، ولو من قطر آخر.

وقد لا يرغب حامل الصك، أو لا يتمكّن من تسلّم المال بنفسه، فيتولى البنك تحصيل المبلغ لحامله، وبذلك يأخذ البنك أجرته، إذ عمله كعمل الفرد محترم، فإذا كان هناك مقرر فهو كما قُرّر، وإلا كان له أجرة المثل.

ثم لو فقد الصك، فإن كان لا يستطع أحد سحبه، لم يكن الذي أخذ الصك وافتقد عنده ضامناً، لأنه مجر د ورقة حوالة، وليس كالنقد حيث استقلاله الاعتباري حتى يكون فاقده ضامناً.

أما إذا كان باستطاعة أحد سحبه، فالذي افتقد عنده يضمنه بميزان الضمان، فإن كان أمانة ولم يتعدَ ولم يفرّط لم يكن عليه شيء، لأنه ليس على الأمين إلا اليمين، وأما مع أحدهما فهو ضامن، وفي غير الأمانة كعمله بأجرة، فهو ضامن أيضاً، وذلك على ما ذكر في بابه.

ومنه يعرف: حال ما إذا كان وقته يوم كذا فلم يأخذه حتى سقط عن الاعتبار.

الصكوك والتعامل عليها

وحيث أن الصك مال اعتباري صح بيعه وقرضه، بل اجارته أيضاً فيما كان للطرفين غرض عقلائي بإجارته، كإظهار الذي يأخذه ان له هذا الاعتبار مما يزيد في شخصيّته الحقوقية.

ويختلف الصك عن أوراق القرضة، حيث أن الثانية مال بنفسها كأوراق النقد، ففقدها كفقدها وليس كفقد ورق الحوالة.

ومثل أوراق القرضة أوراق الدوران، كما أشير إليه سابقاً.

وحيث أن الحوالة بشرائطها توجب براءة ذمّة المحيل، فلا يهم أن تكون الورقة المفقودة حوالة أو إحدى الورقتين في براءته، فلا موقع للتنازع: في أنها كانت من أيّتها؟ نعم الفرق في اشتغال ذم ة المحال عليه في الحوالة، دون ما إذا كانت من الورقتين.

البنوك والأوراق التجارية

مسألة: من أعمال البنك تحصيل الأوراق التجارية بأن يقوم بمطالبة المدينين ـ أيّ لون من الدين كان بالأموال المستحقة عليهم على الدائنين، والبنك بذلك يطالب عمولة على الدائن، وهذه العملية يمكن جعلها من الجعالة، وحينئذ لا يستحق البنك إلا إذا حصل على المال، لأن في الجعالة كذلك.

ثم إن كان الجعل على تحصيل الكل بما هو كل وحصل على البعض فلا شيء له، وإن كان يشمل تحصيل البعض بقدر من الجعالة بالنسبة أو بغير النسبة فليس له إلا ذلك.

كما يمكن جعلها من الصلح أو الإجارة، وفي الأول يكون الأمر حسب الصلح، وفي الثاني يستحق البنك وإن لم يحصل على شيء كما هو شأن الإجارة.

ويمكن أن يكون الأمر على نحو الإذن، أو الوكالة، أو المنصب ولكل حكمه المقرّر في (الفقه)(16).

ولو اختلفا في انه كان على وجه الجعالة فلا شيء للبنك، أو الإجازة حتى يكون للبنك شيء؟ فالأصل عدم شيء على المدين.

ولو فرض جعل الورق التجاري على نحو عقد جديد لم يكن له أثر كامل من آثار الأعمال السابقة، فلا بأس به حيث قد تقدّم: صحة المعاملات الجديدة غير المنافية للشرع.

ولو اختلفا في انه هل كان الجعل على سحب الكل أو حتى البعض؟ فالأصل مع الأول.

ولو كان الاختلاف في انه حيث كان الجعل حتى على البعض هل كان بالنسبة أو بغير النسبة مما يرجع بالأخرة إلى استحقاق البنك الأقل؟ فالأصل مع ذلك، إلا أن يكون هناك أصل حاكم عليه.

ودائنية البنك للشخص يرجع إلى ورثته لو مات، وكان كل بقدر حصّته حتى الزوجة في الأرض وغير الولد الأكبر في الحبوة، إذ ليس معنى عدم الإرث من ذلك عدم الحق، نعم من لا يرث لقتل أو كفر لا حق له عليه، ولو لم يعمل حسب الشرط فللشارط الأخذ بشرطه حسب القواعد العامة.

 

1 ـ الكافي: 5 / 313 ح 39.

2 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب المكاسب المحرمة: ج 1 ـ 2.

3 ـ غير الشرعية.

4 ـ الظاهر: ان المراد: البنك الأهلي.

5 ـ الظاهر ان المراد: البنك الحكومي، فإنه لا يملك، فيكون من مجهول المالك.

6 ـ راجع موسوعة الفقه: كتاب البيع.

7 ـ راجع موسوعة الفقه: ج 54 كتاب المضاربة.

8 ـ المائدة: 1.

9 ـ راجع موسوعة الفقه: ج 84 ـ 85 كتاب القضاء.

10 ـ راجع موسوعة الفقه: ج 52 كتاب الكفالة.

11 ـ المائدة: 1.

12 ـ المائدة: 1.

13 ـ يوسف: 72.

14 ـ البقرة: 136.

15 ـ راجع موسوعة الفقه: كتاب القواعد الفقهية.

16 ـ راجع موسوعة الفقه: كتاب البيع.