الفهرس

فهرس الفصل السادس

المؤلفات

الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

صور بيع الثمار وأقسامه

مسألة: لا يبعد جواز بيع ثمرة النخل والشجر قبل ظهورها وبعده، عاماً واحداً وأكثر، مع الضميمة وبدونها، وبعد الظهور مع بدّو صلاحها أو لا معه، كما أفتى بذلك بعض المعاصرين، وروايت المنع تحمل على الضرورة أو الكراهة أو التقيّة، لا شعار نفس الروايات بها مما يجب حملها عليها.

وقد دلّ على الجواز روايات متعدّدة، مثل ما رواه بريد: (قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرطبة تباع قطعتين أو ثلاث قطعات؟ فقال (عليه السلام): لا بأس، قال: وأكثرت السؤال عن أشباه هذا؟ فجعل يقول: لا بأس به، فقلت: أصلحك الله ـ استحياءً من كثرة ما سألته وقوله لا بأس به ـ انّ من يلينا يفسدون هذا كلّه؟ فقال: أظنهم سمعوا حديث رسول الله (ص) في النخل، ثم حال بيني وبينه رجل فسكت، فأمرت محمد بن مسلم أن يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول رسول الله (ص) في النخل، فقال أبو جعفر (عليه السلام): خرج رسول الله فسمع ضوضاء، قال: ما هذا؟ فقيل له: تبايع الناس بالنخل فعقد النخل العام، فقال: أما إذا فعلوا فلا تشتروا النخل العام حتى يطلع فيه الشيء ولم يحرّمه)(1).

إلى غيرها من الروايات الكثيرة المتضاربة، البالغة أكثر من عشرين، مما يجدها المتتبع في الوسائل والمستدرك وكتب الفقه، مما يتحصّل من ردّ بعضها إلى بعض: الجواز مطلقاً.

ولذا اختار الحدائق وجملة من المحقّقين من المعاصرين وغيرهم: الجواز، غاية الأمر مع الكراهة.

ومنه يعلم: ان ادّعاء الجواهر الإجماع على الخلاف محل نظر، كما أنّ جملة من الاستدلالات على المنع في بعض الصور بالغرر، أو الجهالة، أو انه من العقد على المعدوم، واعتبار الشيء بعد ثبوت المعتبر، وشبه ذلك من الوجوه الاعتبارية، لا يمكن الاستناد إليها، نعم لاشك ان الاحتياط في اتباع المشهور.

ولا حاجة بعد ذلك إلى التكلّم عن بدوّ الصلاح، وشرط الضميمة، والموجود والمتجدّد، وما يلقط أو يجزّ في كل سنة مرّتين أو مرّات، وان المراد بالسنة الشمسية لأن الثمر تابع لها كزكاتها، وزكاة الأنعام، إلى غير ذلك.

فروع

ثم إنه يجوز بيع الثمرة لشخص والأصول لشخص آخر، سواء كانت الأصول من قبيل النخل أم من قبيل السيقان كما في المخروطات، وإذا فعل ذلك تنتقل الأصول إلى المشتري مسلوبة المنفعة تلك المدّة بالنسبة إلى الثمرة، أما النفع بالإستظلال ونحوه فلا مانع منه لأنه تابع للأصول، كما يجوز بيع مثل السعف والليف وما أشبه ذلك لأشخاص متعدّدين، لإطلاق أدلّة البيع.

وإذا باع الثمر لشخص، والأصل لآخر، أو ما أشبه ذلك، ولم يعلم أحدهما بالآخر، وكان مما يوجب ضرراً كان له الخيار، وإلا فلا.

ولا يبطل البيع أصوله وثمره ولا ما أشبه ذلك بموت البائع أو المشتري، وإنما ينتقل إلى الورثة كسائر البيوع، إذ لا وجه للبطلان بعد شمول إطلاق الأدلة له.

نعم، إذا كان بقيد حياته بطل، وإذا كان بشرط حياته فللشارط الخيار.

وممّا تقد م يعرف: انه لو باع حصّة مشاعة من الثمرة، أو طرفاً من النخل ـ ولم يكن غررـ صح أيضاً.

ولا يخفى: ان اجارة الأصول صحيحة، سواء مع الثمر أم بدونها، وإشكال انه يستلزم ـ في الأول ـ فوت الذات وهو خلاف الإجارة، غير تام، لأن الثمر والأوراق والألياف وما أشبه، حينئذ من قبيل ماء بئر الدار المستأجرة ونحوها.

أما الثمرة الموجودة عند بيع الأصول أو اجارتها، فدخولها فيهما يحتاج إلى الشرط لفظاً أو ارتكازاً.

ولا يخفى: انه لو أبطلنا البيع في بعض الصور ـ كالمشهور ـ صحّ ذلك صلحاً، أو هبة معوضة، أو نحوهما، لأن الدليل على تقدير الدلالة خاص بالبيع، ولعلّه شامل لأقسامه الثلاثة: من كونه ثمناً، أو مثمناً، أو بالمقابلة بدون أن يكون ثمن ومثمن، كما ذكرناه في (كتاب البيع) ولا فرق بين المجانس وغيره إذا لم يكن ربا.

لو تعدّد مالك الأصل والثمرة

مسألة: لو تعدّد مالك الأصل والثمرة، كان تصرف كل منهما في ملكه بسقيه الماء ونحوه، كتصرّف الشريك في المال المشترك، لا يجوز إلا بإذن الآخر، سواء انتفع الآخر أم تضرّر أم لا شيء منهما.

نعم إذا كان يتضرّر ضرراً لا يجوز له بنفسه، فإنه لا يجوز له إجازة الشريك أيضاً بذلك التصرّف.

أما لو انتفع أحدهما وتضرّر الآخر، فالحاكم الشرعي يفصل بينهما ـ إن لم يتصالحا بأنفسهما ونحوه ـ وذلك بأن يقدم أهم الضررين منهما، ولو تساويا تساقطا ويكون الحاكم: (الناس مسلّطون)(2) لأنه دليل أو لي بالنسبة إلى الدليل الثانوي الساقط بالمعارضة.

ولو كان بالنسبة إلى أحدهم عدم النفع، وبالنسبة إلى الآخر الضرر، فعدم النفع وإن لم يكن ضرراً حقيقة إلا انه ضرر عرفاً بالحمل الشائع فحالهما حال الضررين.

وإن شئت قلت: كلما لم يعلم منع ضرر الطرف من تصرف طرفه فقاعدة السلطنة تكون محكمة، وقد ألمعنا إلى هذا البحث في (كتاب الغصب)(3) وفي (الأصول) في مسألة تصرّف الجار الموجب لضرر الجار.

ومما تقدم يعرف: حال الوجوه التسعة الحاصلة من ضرب: نفع أو ضرر أو لا شيء منهما، لمالك أحدهما في مثلها لمالك الآخر.

ولا فرق في الضرر بين الحاصل الآن أو في المستقبل، كما إذا سبب سقي الماء ذبول الشجرة بعداً.

وممّا تقدّم يعلم: حال ما إذا كانت الأصول مستأجرة فكان السقي أو عدمه يضرّ الشجر أو الثمر.

وهكذا حال وضع السماد الضار بالأرض، وعدمه الضار بالأشجار، إلى غير ذلك.

ولو فعل أحدهما ما ادّعى الآخر تضرّره، فعليه الإثبات، وكذلك لو ترك، فإن الرفع كما يشمل الفعل يشمل الترك ـ على ما ذكرناه في الأصول ـ.

ولا يلزم في الضمان أن يكون أحدهما عن علم وعمد، لأن الحكم دائر مدار الواقع، لا مدار أحدهما.

إذا اشترى أصول الشجر وحدها

مسألة: يجب على من أشتى أصول الشجر ابقاء الثمرة مجاناً إلى بلوغها، لأنه أقدم على ذلك، نعم إذا لم يكن يعرف ان الثمرة لغيره كان له خيار الفسخ، لأنه نوع من النقص والعيب، فلا يشكل: بأن اللازم كون البيع باطلاً، لأن الإيجاب والقبول لم يردا على شيء واحد، إذ حاله حال سائر المعيبات.

نعم، لو علم بكون الثمر للغير، لكن كان يظن انه يبقى أقل مما كان زعمه داخلاً في المصب، كان له الخيار أيضاً، إلا إذا كان على نحو التقييد فيبطل.

ولو اختلفا في وقت البلوغ، كان المرجع أهل الخبرة ـ كما هو شأن الموضوعات ـ ولو اختلفوا، فالاستصحاب يقتضي البقاء، إلا إذا كان من الشك في المقتضي عند من يرى انه ليس مجراه.

فروع

وإذا احتاج كل من مالك الأصل والثمرة إلى السقي، قسّم بينهما حسب نظر أهل الخبرة بكون أي هما يحتاج أيّها قدر من السقي؟ وكذلك في سائر ما يرتبط بهذا أو ذاك، ولو اختلف أهل الخبرة، فالمحكّم: الوسط، كما ذكر ذلك في القوانين.

وإذا سقى الشجر مالك الأصل في وقت سبّب تضرّر الثمر، بالتشق ق في مثل الرمان مثلاً ـ أو التدودّ في مثل التفّاح ـ كما يقولون ـ فالخسارة عليه، وليس المقام من تعارض الضررين، لإمكان سقيه في وقت آخر، وكذا في التسميم والتسميد وما أشبه، وعكسه في عكسه.

ولا فرق في المقام بين تسبيب الضرر القليل أو الكثير، إذ (لا ضرر)(4) يشملهما.

وليس ما نحن فيه من قبيل الغبن الذي ذكروا فيه: انه إذا كان مما يتسامح فلا خيار، فإن هناك كان دليلهم: انه لا يعد ضررا عرفاً، وكونه أكلاً للمال بالباطل، وتجارة لا عن تراضٍ، وقد ذكرنا هناك بأنه لا وجه للقيد المذكور، إذ الضرر ضرر ولو كان واحداً في المائة، خصوصاً إذا كان المبلغ كبيراً.

وعليه: فلا مجال لقولهم: ان المرجع في صورة الشك أصالة اللزوم، إذ لا أصل مع الدليل.

المراد بالثمر في بيع الثمار

مسألة: المراد بالثمر أعم من الفواكه، فيشمل الأوراق والأوراد والأغصان ونحوها ممّا ينتفع بها، لإطلاق الأدلّة، ولو باع المذكورات ثم أصيبت بآفة سماوية أو أرضية قبل القبض، كان من مال المالك، لما قرّر في محلّه من النصّ والفتوى على ذلك.

القبض وأحكامه في بيع الثمار

والقبض هنا هو: التخليلة بدون مانع، فإنه لو منع الغاصب من الإستيلاء لم يكن قبض وإن خلّي المالك بالنسبة إلى نفسه، وكذا حال النهب والسرقة ونحوهما في مورد عدم معلومية الناهب ونحوه، إذ يصدق عليه التلف، بالإضافة إلى رواية (عقبة) في السرقة، وصرّح بذلك العلاّمة وصاحب الجواهر (قدّس سرهما) وغيرهما.

ولو كان المتلف شخصاً معيّنا، كان المشتري بالخيار بين: فسخ البيع، وامضائه مع مطالبة المتلف بالبدل، أما الفسخ: فلخيار تعذّر التسليم مما ذكر في محلّه، وأما مطالبة المتلف فلدليل: (اليد)(5) و: (من أتلف).

ولو أتلفه حيوان، فإن كان لمن يضمن اتلافه فكالمتلف في صورتيه، وإلا فكالتلف السماوي.

ولو أتلفه المشتري بنفسه من دون أن يكون قاصراً ـ والقاصر هو مثل من قدّم له البائع بضاعته التي اشتراها بعنوان انه هدية منه إليه فأتلفها، كما ذكروا ذلك في ضمان من قد م طعام الناس إلى أنفسهم بإظهار انه هدية لهم ـ استقرّ العقد، لانّه بمنزلة القبض عرفاً، فيشمله دليل (القبض) فلا يشكل: بأنه ليس بقبض شرعي فهو كلا قبض ويكون من التلف قبل القبض.

أما إذا كان التلف بعد القبض ـ في غير القاصر ـ فهو من مال المشتري، لكن من الواضح: انه لو سلّمه إليه وهو مجنون أو نحوه، أو غير مميّز حيث عقد وليّه، كان من التلف قبل القبض، وإنما كان من مال المشتري في المستثنى منه، لأنه خرج عن ضمان البائع فتلفه من كيس مالكه.

ومما تقدّم ظهر: حال اشتراك الإتلاف من السماء والمتلف، أو من متلفين بصوره المتعدّدة، وإذا تلف بعض المبيع قبل القبض، كان التالف من مال البائع ـ كما تقدّم ـ إذ لا فرق بين الكل والبعض في الدليل، ويأخذ المشتري البقية بحصّة من الثمن، وقد تقدّم: انه يسقط منه حصة الاجتماع لو كانت له حصّته، لأنه قد فاته أمران(6): وكان له أيضاً خيار تبعّض الصفقة، لأدلّته التي ذكرناها في (كتاب البيع) ولا فرق في ذلك بين ثمرة سنة أو أكثر أو أقل.

لو أثمرت الأصول مرتين

ثم إنه لو اشترى ثمرة السنة فأثمرت مرتين، فإن كان الإطلاق يشمله فهو للمشتري، وإلا كان الأول له والثاني للبائع، ولا يقسم بينهما في كل مرّة، لانصراف الإطلاق إلى الأول، كما ذكرنا في انه لو جعل الموعد الربيع ونحوه.

ولو كان كل البيع على نحو القيد ـ لا الشرط ـ وتلف البعض بطل، فإنّ المقيّد عدم حينئذ.

ثم انه من الواضح: ان كل قبض في كل فصل قبض بالنسبة إليه، لا بالنسبة إلى الفصل السابق أو اللاحق، وذلك لإطلاق التلف قبل القبض، بل قالوا بالإجماع على ذلك أيضاً في ما يباع للسنتين، وملاكه آت في ما ذكرناه.

لو لم تثمر الأصول ثانيا

لو لم يظهر في الفصل الثاني ثمر أصلاً، فلا يشمله التلف قبل القبض، لأنه ليس بتلف، وإنما يرجع فيه إلى المركوز من العقد، أو الملفوظ لو فرض، فإن كان معناه: الأعم منهما، كان للمشتري خيار التبعيض، وكان على البائع الضمان، وإلا، فلا ضمان، ولا خيار، ويكون المال حينئذ بازاء ما حصل، وحاله حال ما إذ لم يأتِ بعض الأشجار بالثمر، وقد أشير إلى ذلك في بعض الروايات.

ولو كان الثمر قليلاً جداً، أو عكسه، بحيث لا يشمله العقد بطل ولا خيار، ولكن إن كان يشمل الجامع ـ كما قالوا في خيار العيب ـ صحّ، مع الخيار للبائع في الزيادة، والمشتري في عكسها.

ولو فرض عدم الثمر أصلاً، فالبيع باطل، لأنه لم يكن في مقابل الثمن شيء.

من صور الاختلاف في بيع الثمار

ولو ادّعى أحدهما الإطلاق، والآخر التقييد، فالأصل مع الأول، لكن لو ادّعى أحدهما القيد، والآخر الشرط، كان مع الثاني.

ولو ادعى المشتري التلف قبل القبض، والبائع بعده، فضمان البائع خلاف الأصل، ولا يعارض ذلك بأصل التلف بعده، لأنه لا ثمر له.

ولو ادعى أحدهما: ان التلف كان سماوياً فالبائع ضامن، والآخر: انه أتلفه بنفسه فلا ضمان، فكذلك.

ولو كان التلف قطعياً وكان الاختلاف: في انه في الكل أو البعض، فالأول بحاجة إلى الدليل.

ولو اختلفا: في ان البيع كان لسنتين أو لسنة فيما لو تلف في الثانية، فالأصل عدم السنة الثانية، ولا يدع ذلك مجالا لأصالة الصحة، لأنه سببي بالنسبة إليها، فتأمّل.

ولو اختلفا في القبض فالأصل مع عدمه.

ولو كان الاختلاف في ان القبض كان صحيحاً أم لا؟ فأصالة الصحة محكمة.

ولو كان الاختلاف في انه أتلفه معلوم أو مجهول؟ فالأول يحتاج إلى الدليل.

ولو شك بين سعة الموضوع وضيقة؟ فالأصل مع الثاني، أن دخول ما لا قطع بدخوله في المبيع يحتاج إلى الدليل.

ولو شكّا أو اختلفا في انه كان على نحو الصلح فلا يبطل، أو البيع فيبطل ـ لعدم القبض ـ؟ فلا أصل في أصل المعاملة وإن كان أصالة الصحّة تحكم: بعدم البطلان وعدم الاحتياج إلى القبض، فهو من قبيل جريان المسبّبي إذا لم يكن سببي.

وفي الاختلاف: في بدو الصلاح والضميمة والسنة أو السنتين، الأصل: مع عدمها.

ثم انه لو قبض المشتري بدون إجازة البائع، أو بدون حقّه فيه، فهو ليس بقبض شرعي فليس له أحكامه.

بيع الثمار واستثناء حصّة منها

مسألة: يجوز أن يستثني البائع ـ أو إذا كان مشترياً ـ حصّة مشاعة من الثمرة كالثلث، أو مقدارا معيّنا كمائة من منها، أو من قبيل الكلي في المعيّن أو المردّد، على ما نراه.

كما يجوز أن يستثنى ثمرة نخل، أو شجر خضر، أو ما أشبه ذلك معيّن، أو مردّد ـ على ما تقدّم ـ، وذلك لقاعدة السلطنة، والعقلائية، واطلاقات الوفاء بالعقد، والإجماع، والسيرة، والنص في جملة من المذكورات.

ففي صحيح الربعي (قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّ لي نخلاً بالبصرة فأبيعه وأسمي الثمن، وأستثني الكر من التمر أو أكثر، أو العدد من النخل، فقال (عليه السلام): لا بأس)(7).

ولعل إطلاق قوله: (أو العدد) يشمل ما ذكرناه.

وفي خبره الآخر: (عنه (عليه السلام): في الرجل يبيع الثمرة ثم يستثني كيلاً وتمراً قال (عليه السلام): لا بأس به، قال: وكان مولي له عنده جالساً، فقال المولى: انه ليبيع ويستثني أوساق، يعني أبا عبد الله (عليه السلام) قال: فنظر إليه ولم ينكر ذلك من قوله)(8).

وبذلك تبيّن: انه لا مجال لتوهّم فساد ذلك لاستلزامه الجهالة والغرر.

ومنه يظهر: صحّة ذلك أيضاً في غير النخل ونحوه، مثل الأسماك والدواجن والأغنام وغيرها بالنسبة إلى أولادها وأصوافها وأشعارها وألبانها، ونحو ذلك.

ثم إن خاست الثمرة أو نحوها، سقط ـ في مورد النسبة ـ من الإستثناء بحسابه، أما في الكلّي في المعيّن أو المردّد أو المعيّن فلا سقوط، حال المقام حال البيع لاطنان القصب ونحوه ـ كما في النص والفتوى ـ لكن ذلك إذا كان مقدار الاستثناء باقياً، أما إذا لم يبق أيّ شيء فالبيع باطل كما تقدّم، كما انه كذلك إذا بقي مقدار الاستثناء في المعيّن أو أقل منه، إذ لا حصة للمشتري إلا إذا كان المشتري ـ بالفتح ـ أعم من الثمر كالسعف ونحوه، حيث يبقى للمشتري شيء، فيكون ثمنه في مقابل ما بقي ويكون المستثنى للبائع، بقي كلّه أو بعضه.

فروع

لو اختلفوا: في أن المستثنى كان أقل أو أكثر؟ فالأصل مع الأول.

ولا يقال: مع الثاني بتقريب: ان الكل كان للبائع، فالخارج قطعاً ماعدا الأكثر.

لأنه يقال: المفروض ان البيع للكل وإنما استثني منه كذا، فإذا دار بينهما كان المتيقّن مع الأقل، حاله حال دوران الأمر في المخصّص بينهما.

ولو كان الاختلاف بين متباينين كالتمر الزهدي أو الأشرسي؟ فقاعدة (العدل)، فإنه ولو كان هذا الاختلاف من قبيل ثلاثة أيام في رجب أو خمسة من شعبان، لكن حيث المقام من الماليات تجرى القاعدة، لا انه يعمل بالعلم الإجمالي(9).

ولو كان الخلاف: في انه الثلث من هذا أو النصف من ذاك؟ فالنصف منهما أي: سدس وربع، إلى أمثال ذلك.

ولو كان الخلاف في ان المستثنى الاطنان الامنان أو الكلي في المعيّن؟ فكذلك.

وهكذا لو كان الاختلاف في الثلث أو الربع؟ فيكون من اثني عشر: ثلاثة ونصف.

ولو كان الاختلاف الكلّي في المعيّن أو المشاع؟ احتمل كون الأصل مع الثاني، إذ الأول يحتاج إلى مؤنة زائدة.

ولو كان الاستثناء في أشجار خاصة ففسدت خرج من كيس البائع، ولو تردّد المستثنى بين هذه أو تلك ففسدت إحداهما فالتنصيف، أما لو كان على نحو الفرد المردّد يكون الباقي للبائع، لأنه من قبيل الباقي من أطنان القصب.

وهل يجوز استثناء طرف من الشجرة أو النخلة؟ لم يستبعد ذلك، إذ الغرر الذي فيه ليس بأشدّ من غرر أصل الشجرة، وليس الاستثناء من النصّ الخاصّ حتى يخصّص به.

ثم الاستثناء يصح مطلقاً، أو من القطف الأول، أو الثاني، وهكذا.

وإذا أطلق الاستثناء انصرف إلى المتعارف، حيث يقطف ـ مثلاً ـ حصرماً أو عنباً أو زبيباً، ومثله في النخل، إلا إذا كان تعارف خاص منهما على غيره، فيقدم العرف الخاص لأنه مصب العقد، فلا اعتبار بالعرف العام في المقام.

الثمن في بيع الثمار

مسألة: يجوز بيع الثمرة على النخل والشجر بكل شيء يصح جعله ثمناً في سائر البيوع: من النقود، والمنافع، والأعمال، والحقوق كحق التحجير ـ على المشهورـ بل وما يملك أن يملكه، والاعتبار، وغيرها، لإطلاق الأدلّة.

نعم، المشهور: انه لا يجوز بيع التمر على النخل بالتمر، ويسمى: (المزابنة) سواء من نفس تمره أم تمر غيره، على النخل أم مقطوفاً، وهكذا حال بيع سائر الثمار بجنسها كذلك ويسمى: (المحاقلة).

وذهب بعض إلى الكراهة، جمعاً بين دليل: المنع والجواز.

أدلة عدم جواز المزابنة والمحاقلة

فمن الأول: صحيحة عبد الرحمن عن الصادق (عليه السلام): (نهى رسول الله (ص) عن المحاقلة والمزابنة قلت: وما هو؟ قال: أن يشتري حمل النخل بالتمر، والزرع بالحنطة)(10).

وفي خبر أبي القاسم بن السلام مسنداً عن النبي (ص): (انه نهى عن بيع المحاقلة والمزابنة، والمحاقلة: بيع الزرع وهو في سنبله بالبر، والمزابنة: بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر)(11).

والأول: على اللف المشوش بقرينة الثاني، أو كل يُطلق على كل باعتبار: ان الزبن بمعنى الدفع(12) والحقل باعتبار الأرض المزروعة (الحديقة)، ومنها زبانية جهنّم، وحقول الدواجن.

وربما استدل للمنع أيضاً بلزوم الربا المردود: بأنه على النخل ونحوه ليس من المكيل والموزون.

وباتّحاد الثمن والمثمن فيما إذا اشتراه بنفسه، المردود أولاً: بأنه أخص، وثانياً: باختلاف الاعتبار، وهو كاف في تصحيح المعاملة.

وبالغرر، المردود: بأنه لو تمّ لزم المنع عن البيع مطلقاً، ولا يقولون به، مضافاً إلى انه ليس بغرر عرفاً مع تحديد أهل الخبرة، كما هو المتعارف في مثل هذا البيع.

وبأنه يقلّ إذا جفّ، المردود: بأنه ليس بمحذور إلا استلزامه الربا الذي عرفت ما فيه.

أدلة الجواز

وعليه: فلم يبقَ إلا الروايات المعارضة، الدالّة على الجواز، والجمع: بالحمل على الكراهة، لصحيح الحلبي عن الصادق (عليه السلام): في رجل قال لآخر: بعني ثمرة نخلك هذا الذي فيها، بقفيزين من تمر أو أقل أو أكثر يسمّى ما شاء، فباعه؟ قال (عليه السلام): لا بأس به وقال: التمر والبسر من نخلة واحدة لا بأس به)(13) الحديث.

ونحوه موثق الكتاني ـ وفيه دلالة على ان المنع تقيّة، لأن ربيعة الرأي لما بلغه الإجازة عن النبي (ص) قال: هذا ربا ـ.

وكذلك موثق يعقوب وخبره إلى غير ذلك.

ولو لا ما يقال: من إعراض المشهور عن هذه الطائفة، لكان الفتوى بالجواز قوياً، إلا انه بعد ذلك، فالاحتياط لا محيد عنه.

وعلى أيّ حال: فلا اشكال في الصلح، والهبة المعوضة، ومعاملتين في كون أحد الشيئين من نفس النخل أو الشجر أو ما أشبه.

فروع

ثم لو قلنا بعدم الصحّة، فلو باع بتمر نفسه وعمل المشتري حتى يوصله إلى التمر ـ مثلاً ـ صح فيما قابل الثاني لا الأول، والنسبة يعرفها العرف، وكذلك إذا جعل مع تمر نفسه شيئاً آخر، ويجوز بلا اشكال لو تبادلا تمريهما وما أشبه، نعم إذا أوقعا البيع من بعد قطفهما فيما استلزم الربا، إذ قد ذكرنا في البيع انه يجوز من وقت متأخّر كالإجازة.

ولو قلنا بالمنع، فالظاهر: انه خاص بما إذا كان من نفس النخل شخصياً، أمّا إذا جعله في قبال كلي وشرط وفائه من نفسه لم يمنع، لأنه ليس موضع النص، اللهم إلا أن يقال بالملاك، وهو غير مقطوع به.

كما انه لو قيل به(14) لا فرق بين جعل الثمن من مكان خاص من البستان ـ مثلاً ـ أو مطلقاً على نحو المشاع، أو الكلّي في المعيّن أو المردّد.

وكذلك لو قيل به، لا فرق بين جعله مثمناً، أو ثمناً، أو مقابلة بين الأمرين بدون جعله كالبيع العادي، وإن كان اللازم الاقتصار على المتيقّن من النص، إلا إذا فهم الملاك.

ولو قلنا بالصحة ولم يثمر، بطل لانتفائه بانتفاء موضوعه، وكذلك إذا جعل الثمن نخلاً خاصاً ولم يثمر، أما إذا أثمر معيوباً كان له خيار العيب.

ثم على المنع، لو باع الطلع أو السعف أو ما أشبه بالتمر، لم يكن منع إذا كان من الخارج، أما من نفسه ففيه الكلام السابق، وكذا لا منع لو جعل أياً من الثمن والمثمن مجموع التمر وغيره، لإطلاق أدلّة الجواز، من دون شمول دليل المنع له.

وفي مكان المنع، لو اختلفا: في انه كان من الممنوع أو من غيره؟ فالأصل: الصحّة، فهو مثل ما إذا اختلفا: في أنّه باعه بخمر أو خلّ.

والفروع هنا ليس مثل الفروع في الربا، إلا أن يقال: بأنّ المنع من بابه، أو يرى الملاك في أدلّة المنع، كما أنّ بيع الحنطة بالشعير كذلك.

ولو باع الطيور أو البهائم أو ما أشبه ذلك، بفوائدها كالنتاج ونحوه، فالكلام فيه كالكلام في النخل، فإن المانع هناك ملاكا كان أو اتحاد العوض والمعوض يأتي به هنا أيضاً.

ولو جعل مورد المنع ضمن شرط في عقد، لم يكن به بأس، لأنه ليس من الربا، ولا مورد النص، ولا ملاك مقطوع به.

ولو رآه جائزاً فعمله، ثم رأى المنع اجتهاداً أو تقليداً، كان من مورد: (الواقعة الواحدة)، وفي عكسه: جاز لأنه يراه الآن جائزاً، وقد تقدّم شبهه.

كما أن الطرفين لو رأوه جائزاً، فللثالث أخذه منهما بيعاً أو هبةً أو ما أشبه ذلك، لأن البطلان عنده في عمله لا يسري إلى نتائج الصحّة عند غيره، فهو كما إذا عقد على من يرى عدم الحرمة في عشر رضعات، والعاقد يراها، وكذلك حال عكسه.

وممّا تقدّم في شبه ذلك يعرف: حال ما إذا كان طرف يرى المنع والآخر الجواز، حيث مجرى قاعدة: (الإلزام).

ولو أجازه وهو كافر أو مخالف فعمله، ثم تبدّل مسلماً أو مؤمناً، فقاعدة: (الجبّ) فيهما محكمة.

 

1 ـ وسائل الشيعة: 13 / 2 ب 22 ح 1.

2 ـ بحار الأنوار: 2 / 272 ب 3 ح 7.

3 ـ راجع موسوعة الفقه: ج 78 كتاب الغصب.

4 ـ التهذيب: 7 / 164 ب 22 ح 4.

5 ـ مستدرك الوسائل: 17 / 88 ب 1 ح 20819.

6 ـ البعض، والاجتماع.

7 ـ وسائل الشيعة: 13 / 3 ب 22 ح 4.

8 ـ وسائل الشيعة: 13 / 26 ب 15 ح 1.

9 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب القواعد الفقهية، قاعدة العدل.

10 ـ وسائل الشيعة: 13 / 23 ب 13 ح1.

11 ـ وسائل الشيعة: 13 / 24 ب 13 ح 5.

12 ـ كأن المشتري يدفع صاحب الثمرة بهذا العقد عن ثمره.

13 ـ وسائل الشيعة: 13 / 11 ب 6 ح 1.

14 ـ أي بالمنع.