الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين والصـلاة والسلام علـى أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله المعصومين .

لاشكّ أنّ العصمة خاصّـة بالأنبياء والأئمّـة ومريم بنت عمران والصديقة الطاهـرة (صلوات الله عليهم أجمعين) .. فهـؤلاء حصراً هم المعصومون المنـزّهون عن كلّ نقص ، وليس عن الذنب وحسب .

يبقى هناك أشخـاص هم دون هـذه العصمة كالعبّاس بن علي (عليه السلام) وعلـي الأكبر ابن الإمـام الحسين (عليه السلام) وزينب العقيلة (عليها السّلام) ، فهـؤلاء ليسوا معصومـين عصمة الأنبياء والأئمّة لكنّهم يمتلكون بعـض خواصّ المعصومـين ، وهـذه ما أسماها البعض منّا بالعصمة الصغرى .  

والفرق أنّ من له العصمة الكبرى يستحيل عليه العصيان استحالة وقوعية ، وأمّا مـن له العصمة الصغرى لا يعصي الله سبحانه وتعالى طرفة عين وإن لم يكن العصيان عليه مستحيلاً . وذلك لرِفعة الأنفس وقوّتها في الأوّلين وإن اختلفوا ، كما قـال سبحانه وتعالى : ( تِلكَ الرُسُلُ فَضّلنَا بَعضَهُم على بَعضٍ …)(1)، وأنفس الآخرين ليست لها من الرِفعة والسموّ كالأوّلين .

مثلاً درجات الأوّلين من المليون فأكثر ، أمّا درجات الآخرين فأقل من المليون وتتفاوت الدرجات فيهم أيضاً . 

والمشهور عند العلماء أنّ الأنبياء قـد يصدر منهم «ترك الأوْلى» كما ذُكر في قصص عديدة من القـرآن الكريم ، إلاّ أنّ المعصومين الأربعة عشر لا يصدر منهم ذلك. لكن إقامة الدليل على صدور ترك الأولى من الأنبياء مُشكِل ؛ وظاهر الآيات والروايات في الأنبياء حالُهُ حال ظاهر الأدعية للنبي الأكرم والإمام علـيّ بن أبي طالب والإمام السجّاد (عليهم الصلاة والسلام) . فما يقال في هؤلاء يقال في الظواهر بالنسبة إلى الأنبياء .

أمّا ما يقال في ما ورد عن المعصومين الأربعة عشر من أنّهم كانوا يدعون للتعليم فحسب فغير تام ، كما يظهر ذلك من ألفاظهم .

ويمكن أن يقال كما إنّ للمعنويات مراتب حسب اختلاف الزمان والمكان والشخص والخصوصيات ، فإعطاء الفقير ديناراً، له من الأجر أكثر من إعطاء الغني الدينار ، ومن وقع فـي يده إذا كان فقيراً جدّاً يكون الدينار أكثـر ثواباً فـي مقابل ما إذا كان متوسّط الحال في الفقر .

كذلك الحال فـي مراتب القصور أو التقصير أمام الله سبحانه ، فهناك فرقٌ بين مـن يعصي الله سبحانه عالماً عامداً وبين من يضطر للمعصية أو ما أشبه ذلك ، إلـى أن يصل إلـى ما كان من لوازم الإمكان ، فالرجل الأعرج الذي لا يتمكّن من القيام لعالم كبير عجزاً يعتذر عن عدم قيامه ويُظهر تأسّفه علـى العدم مع أنّه لا قدرة له ، وإنّما يظهر التأسّف ليأخذ تأسّفه مكان الاضطرار الذي تعذر له .

ولكن ممّـا لاشكّ فيـه عدم صدور المعصية من المعصومين (عليهم السلام) وحتّى ممّن له العصمة الصغرى ، كالعبّاس  (عليه السلام) .

وممّا يستند إليه فـي عصمة العبّاس الصغرى أقـوال صدرت عن المعصومين (عليهم السلام) منها :

1 ـ قول الإمام الصادق (عليه السلام) في زيارته للعبّاس (عليه السلام) حيث ورد في هـذه الزيارة : (ولَعَنَ اللهُ أُمّةً استَحَلَّت مِنكَ المحَارِم وانتهكت في قتلك حُرمة الإسلام)(2). كمـا ورد نظير ذلك بالنسبة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) (3).

ولو تمعنّا هـذه العبارة (وانتهكت في قتلك حرمة الإسلام) لرأينا أنّ الذي ينتهك الإسلام بقتله لابد أن يكون شخصاً عظيماً منـزّهاً معصوماً إمّـا عصمةً كبرى كالإمام الحسين (عليه السلام) أو عصمةً صغرى كالعبّاس (عليه السلام).

2 ـ قول الإمام زين العابدين (عليه السلام) حيث ورد عنه : (وإن للعبّاس عند الله تبارك وتعالـى منـزلةً يغبطُهُ عليها جميع الشهداء يوم القيامة)(4) ، فمن هذا الذي يغبطه كـلّ الشهداء بما فيهم المعصومين أيضاً كالشهداء من الأنبياء ، فهذا الشخص لابـدّ وأن يكون مقامه مقام العصمة الكبرى أو أدنى منه قليلاً حتّى يغبطه المعصوم .

فهاتـان العبارتـان وغيرهما تدلان على أنّ للعبّاس (عليه السلام) عصمةً صغرى ؛ وقد رفعه بعض العلماء إلـى درجة العصمة الكبرى التي هـي للأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) . أمّا دون ذلك أي عدم العصمة الصغرى فلم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم(5) .

إذن الآراء في عصمة العبّاس (عليه السلام) بين من طابقها مع عصمة الأنبياء والأئمّة وبين مـن اعتبرها أقل من تلك العصمة ، وسيتضح الأمر في المطالب التالية .

ثم إن بعض العلماء ذكر: إنّ العبـاس حضر غُسل الإمام الحسن (عليه السلام) وأراد أن يستفيد مـن ذلك العصمة الكبرى فيه على اعتبار أنّ المعصوم لا يغسّله إلاّ المعصوم .

لكن هذا الرأي مناقشٌ فيه صغرى وكبرى ، فحضور العباس (عليه السلام) لغُسل الإمام الحسن (عليه السلام) إذا ثبت كان مثل حضور ابن عبّاس غُسلَ الرسول (صلـى الله عليه وآله وسلّم) وحضور أسماء غُسلَ فاطمة (عليها السلام) .

نعم ، قـد تقدّم إنّ للعبّاس (عليه السلام) العصمة الصغرى الاصطلاحية ، ولكن فوق ذلك الكبرى ، ولا واسطة بين الصغرى والكبرى . ثمّ إنّ الإمام لا يغسّله إلاّ الإمام ـ وبعـد استشهاد الإمام الأخير في هذه الدنيا حيث لا إمام بعده . فهنـاك احتمالات ، منها : أن يحيا إمام ويغسله ثمّ يموت بـلا احتياج إلى غُسل ، أو أنّ الملائكة تغسّله وهم أيضـاً معصومون منـزّهون عن كل دنس ، لكنه خارج حينئذ عن الدليل ـ فهو تشريع لا نعلم وجهه كاملاً أو تكوين لا نعلم سببه بأن يكون بين الغُسل وبين التطهير والعصمة ربط تكويني ، ونحن هنا لسنا مطّلعين على مثل هذا التكوين ، بل وعلى أكثر التكوينيات التي نزاولها في الليل والنهار ، فنحن كلّنا ينطبق علينـا قول السبزواري : نعيش دائرة «ذي التوافي» حيث يقول :

وهل بتوليد أو إعداد ثبت      أو بالتوافي عادة الله جرت(6)

ونحن لا نعلم هـل إنّ ذلك مـن قبيل المُثُـل الهندسية والأَعداد الحسابية، أو من قبيل الجعل الإلهي ممّا أمكن خلافه أيضاً ، هذا بالنسبة إلـى الأمـور الممكنة الفهم لنا ، حيث ورد ما مضمونه : إنّ العلم الظاهر للناس إلى قبل ظهـور الإمام المهـدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) حرفان من سبعة وعشرين حرفاً ، حيث تظهـر البقيّة عند ظهوره(7).

أمّا بالنسبة إلى غير الممكن ـ والقصد بذلك الأعم منه ومن ضيق الظرف، وما يكون لعدم المقتضي أو لوجود المانع ـ فلا يمكن الإحاطة  به على أيّ حال ، قال تعالى : (وما أوُتيتمُ مِن العِلمِ إلاّ قَليلاً)(8).

من هنا يمكننا أن نقرر أنّ العبّاس (عليه السلام) على عظمته وعلوّ منـزلته الـتي لا تنالها أفهامنا لضيق ظرفنا وما ورد فيـه مـن نصوص من المعصومين ، ليست لـه العصمة الكبرى كالمعصومين الأربعة عشر (عليهما السلام) . نعم له العصمة الصغرى بلا شكّ .

 

1 ـ سورة البقرة : الآية 253 .

2 ـ من زيارة أبي الفضل العباس (عليه السلام) فـي يوم عرفة ، مفاتيح الجنان : ص454 للمحدّث الشيخ عباس القمي . كما وردت كذلك في ص 436 .

3 ـ راجع زيارة الإمام الحسين فـي يوم عرفة (لعن اللهُ أمةً استحلت منك المحارم وانتهكت فيك حرمة الإسلام) مفاتيح الجنان : ص452 .

4 ـ ونص الحديث كما عن الخصال : ج1 ص68 في باب الاثنين ( رحم اللهُ عمي العباس بن علي، فلقد آثر وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه، حتى قطعت يداه ، فأبدله الله بجناحين ، يطير بهما مع الملائكة في الجنة ، كمـا جعل لجعفر بن أبي طالب ، وإن للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منـزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة) .

5 ـ يذكر السيد المقرّم في كتابه العبّاس : وهذه النظرية فـي أبي الفضل ـ نظرية العصمة ـ لم ينكرها عالم من علماء الشيعة تعرفه بالثقافة العلمية والتقدّم بالأفكار الناضجة ص 237 .

6 ـ شرح منظومة السبزواري قسم المنطق بحث القياس ص114 ، شـرح الإمام المؤلف «دام ظله» .

7 ـ ونص الحديث الوارد عن الإمام الصادق  (عليه السلام) : (العلم سبعة وعشرون جزء ، فجميع ما جاءت به الرسل جزءان، لم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام القائم أخرج الخمس والعشرين حرفاً ، فبثها في الناس ، وضم إليها الحرفين ، حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً) . منتخب الأنوار المضيئة : ص201 . 

8 ـ سورة الإسراء : الآية 85 .