الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

ستالين : اقتلوا كربلاء

وقد شاهدت كيف اعتدى الشيوعيون على الحرمات والمقدسات ، وكيف أرادوا العبث بمقدرات الشعوب ، وقبـل هؤلاء قام المتوكل ومـن قبل هارون ومـن قبلهم بنو أمية بمحاولة للقضاء على واقعة كربلاء ومحو آثارها حتّى آلت النوبة إلـى ستالين، حيث قال ـ وإنّي لأذكر قوله ـ اقتلوا كربلاء ، عندما عاد إليه القادة العسكريون قائلين إنّنا قتلنا خمسة آلاف عالم ديني وزهاء خمسة ملايين من المسلمين في المناطق الإسلامية التي تحتلّها روسيا .

قال لهم ستالين : اقتلوا كربلاء ، لأنّه طالما بقيت كربلاء فمشكلتنا باقية ، لأنّها مادامت موجودة فهـي تصنع المزيد من الرجال وتُخرّج المزيد من علماء الدين وتنشرهم في الآفاق .

وزعم أولئك الذين تطاولوا علـى إرادة الله سبحانه أنّهم قادرون على تغيير الواقع الإسلامي وإطفاء نور الله بأفواههم ، ولكن الشمس لا تنطفئ بالنفخ .

وقد شاهدت بعيني كيف أراد الشيوعيون محو الدين فـي كربلاء المقدسة . وشاهدت كيف وضعوا لوحة كبيرة أمام باب قبلة العبّاس (عليه السلام) كتبوا عليها عبارة « الله في قفص الاتّهام » ، لكن أين الشيوعية والشيوعيون ، لقد بقي العبّاس واندحرت الشيوعية ، ليس في كربلاء وحسب بل في العراق والعالم بأسره .

وهذا جزاء كلّ من يتطاول على الحرمات والمقدسات .

وتأكيداً على ما سبق أذكـر هـذه الحكاية . ذات مرّة قَدِمَ إليّ الخطيب الشهير الشيخ عبد الزهراء الكعـبي (رضوان الله عليه) وبرفقته رئيس بلدية كربلاء .

فقلت لرئيس البلدية لماذا كربـلاء متسخّة بهـذا الشكل ، ألستم تنادون بالنظافة وتدعون إليها ؟

قال : نعم ، لكن ليست عندنا ميزانية لتنظيف البلد .

قلت له : إنّ تنظيف البلد وبالأخصّ الروضتين الشريفتين وحولهما لا يحتاج إلى ميزانية كبيرة .

قال : حتّى الميزانية القليلة لا نملكها .

قلت : فنحن نقوم بتنظيف البلد .

قال : وكيف تتمكّن من ذلك ؟

قلت : إنّنـا نطلب مـن النـاس أن يبنـوا المساجد والمدارس والمستشفيات فيسرعون إلـى ذلك ، فكيف وأمر التنظيف لا يحتاج إلاّ إلى جهد قليل ومالٍ محدود .

ثم أضفتُ : كم تحتاجون من الأفراد لتنظيف المدينة .

قال : مائتان .

قلت : إني سأهيّأ لكم هذا العدد المطلوب من الأفراد .

وأخذ يناقشني في أمور كثيرة وأخيراً ذكر لي بالحرف الواحد : أنا لا أتمكّن أن أسمح لكم بالقيام بهذا العمل .

قلت : ولماذا ؟

قال : لأن الأوامر تطلب منّا أن تبقى المدينة متسخة وبلا نظافة !

أجل ؛ هذا هو مصدر المشكلة ، الأوامر القادمة من بغداد لا تريد النظافة .

وقـد شاهـدت الحالة نفسها فـي النجف الأشرف والكاظمية وسامراء ، وشاهدت الأمر كذلك فـي بعض البلاد الأخرى المشتملة على أماكن مقدّسة .

فكان لزاماً علينا ونحـن نؤمن بأن : (النظافة من الإيمان)(1) وأنّ الأعداء يحاربوننا بإظهارنا بمظهر التخلّف بترك عتباتنا المقدّسة متسخة.

علينـا مسؤولية رفع أية ظاهـرة سلبية عـن هذه المدينة المقدّسة بالحفاظ عليها من الأوساخ والقاذورات ومن الخـطط الشيطانية التي تستهدف ذلك .

العثمانيون والعبّاس (عليه السلام)

حارب العثمانيون مدينة كربلاء المقدّسة أشدّ المحاربة فقـد جهّزوا الجيوش وأصدروا الأوامر بقتل أهالي المدينة وحرق دور سكنهم .

وفي إحدى المرات أمر الوالي العثماني المستقر فـي بغداد بأنّ يُجهّز جيشٌ لمحاربة كربـلاء ، قائلاً لهـم : «خذوا ترابها» وهو كناية عن احتلالهم للمدينة وعدم ترك أيّ شيء فيها .

وجاء الجيش بكامل استعداده وشرعوا في تنفيذ أوامر الوالي ، بقتل الناس الأبرياء دون أدنى سبب ، ونهب أموالهم وهدم بيوتهم(2).

وقد نقل لي والدي (قدس سره) إنّ إحدى الرصاصات انطلقت على مقربة من أذنه، ولو انحرفت نحوه بمقدار قليل لقضت على أذنه أو عليه.

هكـذا فعل العثمانيون بكربلاء ، ولما وصلت جيوشهم إلى مقربة من صحـن العبّاس (عليه السلام) قامت ضجّة كبيرة فـي الصحنين،  وأخذ الناس يركضون ويفرّون في كلّ مكان، وإذا بألسنة النيران تنطلق من القبّة الشريفة وتلتهم أفـراد الجيش ، وقـد نقل لي شاهد عيان كان موجوداً أثناء وقوع الحادث ، أنّ الجيش أخذ يهرب إلى طرف بغداد بكلّ قواه وبكلّ سرعته ، وكانوا يقولـون لبعضهم البعض بالتركية «إمام عبّاس كَلدي» وهي بالعربية تعني «جاءنا الإمام العبّاس» .

هكذا تفرقت جموعهم وولّوا الأدبار ببركة العبّاس (عليه السلام) ولم ينالوا خيراً .

ولما أخبروا الوالـي بذلك أعطاهم الحـقّ في الهروب وقام بدوره بإخبار الخليفة العثماني بما جرى . فاضطر الخليفة أن يغير قراره ويأمر جنوده بالانسحاب من كربـلاء ، فبقيت كربلاء سالمة ، على رغم الهجمات الشديدة التي تعرّضت لها .

وقد هجم الجيش الوهّابي الذي قَـدِمَ من نَجِد عبر الصحراء لقتل الشيعة ولإحراق بيوتهم ونهب الأمـوال والكنوز المحفوظة في العتبات المقدّسة .

وعندما وصل الوهابيون كربـلاء ، أعملوا السيوف في أهل هذه المدينة حتى بلغ عدد من قُتلوا «18» ألف إنسان ، لم يرحموا الصغير ولا الكبير ولا الرجل ولا المرأة ولا العالـم ولا غير ذلك ، والقصة مذكورة في جملة من التواريخ(3).

وطوال أربعين عامـاً أذكرهـا كنت الشاهد على جرائم كثيرة ارتكبت بحقّ هذه المدينة ، فكان مرتكبها الغرب المستعمر تحت أسماء مختلفة منها الشيوعية والقومية والبعثية ، فقد فعلـوا بكربلاء أكثر ممّا فعله الحجّاج وابن زياد(4). وكان القاسم المشترك لجميع هـؤلاء هو عداؤهم لهذه المدينة المقدّسة ، فهم لا يريدون لكربـلاء وجوداً على الأرض ولا لأهاليها حياةً بين البشرية .

ولعل الأمـر سيدوم وستتواصل المحنة طالما ظلّت المعوّقات الكبرى التي تهدد الوجود الاسلامي والـتي لا تنتهـي إلاّ باستعادة حياة العزّة والشرف ، والانطلاق من المسلّمات والركائز الحضارية كالانتخابات الحرّة والمؤسّسات الدستورية والتعدّدية الحزبية . وكان لكربلاء بعض الاستقرار في بعض الفترات نتيجة لتوفر هذه العوامل .

العداء المستمر

البعض وحتّى من غير الأعداء يحارب الإمام الحسين (عليه السلام) أو يحارب العبّاس (عليه السلام) بصورةٍ أو بأُخرى ، لأنّهم لا يستطيعون فهم أو تحمّل عظمتهما أو لغير ذلك، وتبعاً لذلك فهم يحاربون مدينة كربلاء .

ومن أسبابه الحسد ، فإنّه بدأ قديماً ؛ بدأ من عهد أبي سفيان حيث ذكر قائلاً : «كنّا نطعم وكانوا ـ أي بني هـاشم ـ يطعمون وكنّا نسقي وكانوا يسقون، وكنّا نسعف المحتاج وكانوا يسعفون ، ثمّ ظهر فيهم من يقول : أنا نبي مـن عند الله ، والله لا أتحمّل ذلك ، فلابدّ مـن محاربتهم » . وبدأت معركة الحسّاد مع بني هاشم ، حتّى أنّهم ألجؤوهم إلى الشِعب ، وتواصلت هذه الحرب واستمرت حتّى زماننا هذا .

وشمل محاربتهم للإمام الحسين (عليه السلام) محاربتهم لكربلاء ، فلم تقتصر هذه المحاربة على زمن الديكتـاتوريين ، بل كانوا يحاربونها حتّى في عهد الأحزاب شبه الحرّة كالعهد الملكي(5).

ومن نافلة القول ؛ إنّنا طلبنا من السلطات الملكية ترخيصاً لإنشاء مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) الشهيرة. فسوّفوا الأمر لمدّة ستة أشهر مع كثرة الوسائط ومع شدّة اهتمامنا بالأمر ، إلى غير ذلك من المعوّقات اليومية التي كانوا يضعونها سداً أمام طريقنا فـي كلّ مشروع نقدم
عليه . وكنّا قـد استفدنا من ظروف صراع الأحـزاب والتنظيمات التي نشأت بعـد قيـام العهـد الجمهوري ـ كالشيوعية والقومية والبعثية ـ فبدأنا بتأسيس المؤسسات وإقامة المشروعات .

وما إن استتبَّ الأمر للحكومة حـتى أخذت بهدم كل ما بنيناه من مؤسسات ومشـاريع ثقافية وتعليمية ، ولـم يكن منطلقهم في هذه الحرب المدمّرة سوى محاربة الحسين والعباس (عليهما السّلام) .

وذكـر لي رئيس البلديـات آنذاك ـ عباس البلداوي(6) ـ : إذا أردتم إجازة السينما أعطيناكم ، أما إجازة بناء المسجد في كربلاء فليس في قانوننا .

وعندما أردنا الحصول على إجازة بناء مسجد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقرب من شارع العباس (عليه السلام) صرفنا الكثـير من الجُهد وبعثنا بأكثر من خمسين وفداً إلى بغداد ، ولم نحصل على الإجازة إلاّ بشقّ الأنفس .

وهكذا الحال بالنسبة إلـى بناء ضريح العالِم الجليل ابن فهد الحلي وإقامة مدرسة بالقرب من قبره ، وعندما عجزنا عن أخذ الترخيص في بناء المقـبرة والمدرسة ، قـال لنا متصرّف كربلاء : أنا لا أستطيع أن أمنحكم الإجازة ، اذهبوا وابنوا المقبرة والمدرسة ، وإني سأوصي إدارة البلدية بأن يغضّوا الطرف عنكم . وهكذا كان الأمر .

إن تاريخ كربلاء مشهور ومعروف ، ولا أريد إلاّ أن أذكر بعض ما وقع في زماننا من الأحداث(7).

كانت عندنا «40» مكتبة لبيع الكُتب أُغلقت بكاملها ، وكانت لدينـا «40» مكتبة للمطالعة العـامّة فـي المساجد أو في الأماكن المخصّصة لهذه الغاية .

وكان لدينا «دار القرآن الحكيم» للنشر، ولها فروع في سبعين بلداً أغلقت بالكامل ، ونهبت الحكومة كلّ كتبها .

وكانت لدينا «مكتبة القـرآن الحكيم» للمطالعـة مجهّزة تجهيزاً كاملاً، أغلقت ونهبت كتبها .

وكـان لدينـا «نادي القرآن الحكيم» خاصّ للشباب المراهقين لممارسة بعض الأنشطة الإسلامية ، أغلق أيضاً .

وكانت لدينا ثلاث مدارس لحفّاظ القـرآن الحكيم، فيها أكثر من ألف وخمسمائة طالب تمّ إغلاقها .

وكانت لدينا ثلاث مدارس لحافظات القرآن الحكيم، وكان يدرس فيها زهاء ألف طالبة تمّ إغلاقها .

وكانت لدينا مدرسة الإمـام الصـادق (عليه السلام) الابتدائية وأتبعناها بالثانوية ، أغلقت .

وكانت لدينا مطبعة القرآن الحكيم تمّ إغلاقها وسُرق ما فيها .

وكان عندنا مستوصف القرآن الحكيم أغلق ونهب أثاثه .

وكانت عندنا «14» مجلـّة كلّها أغلقت(8)، أمّا المدارس العلمية الدينية ، فقد تجـاوزت أرقامها «28» مدرسة علمية خاصّة لطلاب العلوم الدينية(9) تمّ إغلاقهـا بالقوّة ، وبعض هذه المدارس تعرّض إلى الهدم.

وكانت عندنا عشرات الحسينيات التي تعرّضت للهدم والمصادرة .

وكانت لدينا مؤسّسات ملحقـة بمـؤسّسة الحفّاظ بلغت «33» مشروعاً ومؤسّسة كلّها نُسفت وتعرّضت إلى الدمار . هذا غيض من فيض ما عملته السلطات الجائرة بحقـّـنا ولم يكن وراء ذلك سوى الحقد الدفين على كربلاء ، وعلى من يتوسّد هذه الأرض الطاهرة .

وقد تأكّد لنا من خـلال الوثائق ، أنّ هـؤلاء الذين جاءوا إلى السلطة فوق ظهر الدبّابات كانوا يخططون لهذه الإبادة الحضارية لمدينة كربلاء المقدّسة .

وقد يسأل البعض عن العلاج فنقول :

إنّ العلاج الحقيقـي للمشاكل وحتّى لا تعود هذه الظواهر الخطرة مجدّداً هو الرجوع إلـى الأمّة الواحدة والأخـوّة الإسلامية والحرّية الإسلامية، على ما ذكرنا تفصيله في بعـض كتبنا السالفة . هذا على صعيد الأمّة .

أمّا على صعيد السلطة فإنّ العلاج الناجع هو قيام الحكم على نظام سياسي يحترم الآراء وينطلق من قاعـدة الاقتـراع العام وينتهج نهج التعدّدية السياسية ، فهـذا هو السبيل الوحيـد لإنقاذ شعبنا من محن الديكتاتورية السوداء وما جلبته لبلادنا من دمار .

 

وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا المختصر والله المستعان

سبحان ربّك ربّ العـزّة عمّا يصفـون وسلامٌ علـى المرسلين والحمد لله ربّ العالمين

 

قم المقدّسة       

محمد الشيرازي     

5 جمادى الثانية 1419هـ‍

 

1 ـ مستدرك الوسائل : ج16 ص319 ، بحار الأنوار : ج62 ص291 .

2 ـ تعرضت كربلاء للهجوم في عهد داود باشا سنة 1224 هـ‍ وعرفت بحادثة الماخور ، وكذلك تعرّضت للهجوم في زمن نجيب باشا سنة 1258 هـ‍ وقد قتل في هذه الحادثة عشـرون ألفاً من الرجال والنساء والأطفال واُّبيحت المدينة ثلاثة أيام قتلاً وسلباً ونهباً، كذلك قتل من لاذ بالحرم الشريف. وقد دونت هذه الحوادث في الكتب التـالية : شهداء الفضيلة للسيد عبد الحسين أحمـد الأميني وتاريخ العراق الحديث للدكتـور عبد العزيز سليمان وتاريخ كربـلاء المعلى للسيد عبد الحسين الكليدار .

3 ـ واشتهرت هذه الحادثة بحادثة الطف الثانية لقساوتها وضراوتها ، فقد قام سعود بن عبد العزيز على رأس قوات من نجد والحجـاز وتهامة وغيرها بمهاجمة كربلاء المقدسة فـي ذي القعدة سنة 1216 هـ‍ . وقد قدّر المستر لونكريك عدد المهاجمين بستمائة هجان وأربعمائة فارس . وقد نقل محمد جواد العاملي المتوفي سنة 1226هـ‍ صاحب كتاب مفتاح الكرامة في الجزء الخامس ص512 عن هذه الحادثة .

4 ـ وقد دوّن الإمام المؤلف دام ظله بعض مشاهداته في كتاب : تلك الأيام .

5 ـ ابتدأت الملوكية في العراق سنة 1339هـ‍ (1920م) ودامت قرابة ثمانية وثلاثين سنة .

6 ـ وزير البلديات في وزارة عبد الكريم قاسم الثانية ، وعين بتاريخ 3/5/1960م وقد تطرق الإمام المؤلف إلى تفصيل الحوار في مذكراته: تلك الأيام: ص110 تحت عنوان : هكذا يفعلون بالمساجد؟.

7 ـ تعرضت مدينة كربلاء إلى أبشع حملات الإبادة، وقصفت القبتين الشريفتين بالمدافع إبان الانتفاضة الشعبانية (آذار 1991) وقد سجلت بعض المشاهد في أشرطة بينت مدى الحقد الأسود على هذه المدينة المقدسة.

8 ـ ومن تلك المجلات: الأخلاق والآداب، أجوبة المسائل الدينية، صوت التوحيد، القرآن يهدي ، صوت العترة ، مبادئ الإسلام ، منابع الثقافة الإسلامية ، أعلام الشيعة ، ذكريات المعصومين ، صوت المبلغين ، نداء الإسلام .

9 ـ ومن تلك المدارس : السليمية ، الهندية الكبرى ، الهندية الصغرى ، ابن فهد ، بادكوبه ، الكتاب والعترة ، البقعة ، حسن خان ، الصدر الأعظم النوري ، السيد المجاهد ، المهدية ، الحسينية ، الرشيدية ، الجعفرية الأولى ، الإمام الصادق ، شريف العلماء ، الحسنية، الحفاظ الأولى، الحفاظ الثانية، الشيخ مهدي المازندراني ، الميرزا كريم الشيرازي ، الخطيب .