الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

عيسى المسيح (عليه السلام)

تمادى اليهود في غيّهم وطغيانهم..

وقد تصدّروا مكان السادة العلماء، والملوك الأمراء، في الأرض، فقد كانت لهم السلطة الدينية، والسلطة الدنيوية. فهم كل شيء.. وغيرهم ليس بشيء.. وقد اشتدّت قبضتهم على الأمم الضعيفة، فأخذوا يعيثون في البلاد فساداً.

والكل منتظرون لقدوم (المسيح) الذي بشّر به الأنبياء.

الضعفاء ينتظرون قدومه ليخلّصهم من براثن الأقوياء.

واليهود ينتظرون قدومه، لزعمهم أنه يزيدهم قوّة، وسلطة على سلطة.

وفي ذات يوم.. رأى الجميع أغرب الحوادث، فقد جاءت (الصديقة الطاهرة مريم) وهي تحمل طفلاً جميلاً على ذراعيها!

من هذا يا مريم؟! هكذا قالوا، بلسان واحد، مستغربين أن تأتي مريم العذراء بطفل؟

أشارت مريم إلى الطفل أن كلّموه، فإنه هو الذي يجيب عن هذا السؤال.

وهنا أخذ (المسيح) الطفل، يتكلّم، قائلاً: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيّاً وجعلني مباركاً).

إذن.. يا للفرحة، إنه هو الطفل الذي طالما انتظره الأقوياء والضعفاء على حد سواء قد جاء؟

لقد جاء المخلّص، وقد جاء المسيح الموعود. وليس بينهم وبين الخلاص، إلا سنوات، حتى يكبر هذا المولود، ويبلغ مبلغ الرجال، فهو الملك النبي الذي ينقذهم من كل مكروه.

* * *

أخذ المسيح ينمو، لا كنمو الأطفال بل نموّاً مستغرباً، وقد أخذت الألباب الدهشة، لما رأوه في الوليد.

فقد كان عيسى يخبر الأطفال ـ حينما يجتمع بهم ـ بما أكلوا في غذائهم، وما ادّخروه في بيوتهم، وكان ذلك مما يثير عجب الأولاد، والآباء.

وقد كان الكل يعلم أن له مستقبلاً زاهراً، وكان يضاف إلى ذلك، الغرائب التي يشاهدونها حوله.

ففي مرة جاء وفد من عظماء المجوس إلى مريم الطاهرة، مما لفت انتباه الجميع، يا ترى ماذا يريد هؤلاء؟ وكيف تعرّفوا على هذا البيت؟ ومن أين عرفوا هذه المخدّرة الصالحة؟

لما وصلوا إلى دار مريم، سلّموا عليها، وأكبروها، ثم قالوا:

إنا قوم ننظر في النجوم، فلما ولد ابنك طلع بمولده نجمٌ من نجوم الملك ـ مما دل على أنه ولد ملك على الأرض ـ وبعد أن دقّقنا النظر، رأينا أن ملك هذا المولود، ليس من قبل ملك ملوك الأرض.. وإنما ملك نبوة مما لا يزول، ولا يفارقه حتى يرفع إلى السماء ويصير إلى ملك أطول.

ولمّا رأينا ذلك أخذنا نتتبع البلاد، بلداً بلداً، حسب تطلّع النجم المذكور، حتى رأيناه فوق هذا البلد.. وبذلك عرفنا موضع المولود العظيم.

ثم إن عظماء المجوس، بعد ما تبيّنوا صدق تنبؤهم.. ورأوا آثار العظمة في المسيح (عليه السلام) قدموا لمريم الصديقة، هدية غريبة (الذهب، والمرّ، واللبان). ثم قالوا في سبب إهدائهم هذه الهدية:

الذهب: هو سيد المتاع كله، فإهداؤنا له إشارة إلى أن ابنك سيد الناس.

والمرّ: يجبر الجراحات، فهو إشارة إلى أن ابنك يُبرئ الجراحات والأمراض والجنون والعاهات.

واللبان: إذا أُشعل ارتفع دخانه في أجواء الفضاء. فهو إشارة إلى أن ابنك يرفع إلى السماء ولا يرفع إلى السماء غيره. ثم ودّعوا الصديقة مريم، بعد ما أوصوها بابنها خيراً، وذهبوا قافلين..

* * *

بعدما كبر المسيح، أخذ يبشّر الناس بدينه، وأنه المبعوث من قبل الله تعالى لهداية البشر من الضلالة، وإنقاذهم من براثن الجهالة، وتعليمهم ما حرّفته اليهود من أحكام الشريعة.

(إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك) بأن جعلتك نبيّاً عظيماً، (وعلى والدتك) حيث أنعمت عليها بأنواع النعم التي منها، هبتك لها.

(وإذ أيدتك بروح القدس) الروح المقدس الذي يلازمك ويسدّدك، ويريك الغيب، وينزل عليك من الله بالشريعة (تكلّم الناس في المهد) حين كنت طفلاً رضيعاً (وكهلاً) حين كنت كبيراً تكلّمهم بالوحي والشريعة الملهمة بك.

(وإذ علّمتك الكتاب) الكتب السماوية (والحكمة) معرفة الأشياء ومواضعها، فلا تقول ولا تفعل شيئاً إلا بالصواب (و) علّمتك (التوراة) كتاب موسى (عليه السلام) (والإنجيل) الكتاب المنزل عليك.

(وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني) كمجسّمة الطير (فتنفخ فيها) في هيئة الطير، (فتكون طيراً) يطير كسائر الطيور (بإذني).

(وتبرئ الأكمه) الأعمى الذي ولد أعمى (والأبرص) الذي صارت على جسمه بقع بيضاء تخالف لون جسمه (بإذني وإذ تخرج الموتى) من قبورهم أحياء (بإذني).

(وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبيّنات) الأدلة الواضحة (فقال الذين كفروا منهم إن هذا) ما هذا الذي تعمله من الغرائب (إلا سحرٌ مبين).

فقد أبى مردة اليهود، الإيمان بالمسيح (عليه السلام)، وإن رأوا منه الآيات الباهرات، والحجج القاطعات، وذلك حسداً منهم وكبراً.

فكانوا يكذبون المسيح، ويغرون السفهاء به، ويقولون إن الذي يأتي به ليس معجزة، وإنما هو سحر، تعلّمه المسيح من بعض الساحرين، فيأتي به لدعم ادّعائه بأنه نبيّ من عند الله تعالى، وهكذا كانوا يصدّون عن سبيل الله.

* * *

لقد كان الأنبياء يأتون بالمعجزات الخارقة، دلالة على صدق كلامهم، أنّهم من قبل الله تعالى، ولولا المعجزة لادّعى كل شخص أنه نبي مبعوث!

وكانت معجزات الأنبياء حسب اقتضاء زمانهم، مثلاً:

موسى (عليه السلام) بعث في زمان كثر فيه السحر والشعبذة، وكان السحرة يملأون الحبال والعصي بالزئبق فيضعونها في الشمس فتتحرك تلك الحبال والعصي بتحرّك الزئبق داخلها، فيقولون للناس: انظروا كيف صنعنا من الحبال والعصي حيّات وأفاعي متحركة ذات حياة.

ولذا جاء موسى بما يشبه سحرهم، لكنه حقيقة لا خيال، فكان إذا ألقى عصاه من يده، صارت حيّة عظيمة تبتلع حبال السحرة، ثم ترجع عصا كما كانت، من دون أن يزيد في ضخامتها شيء.. ولذا آمن السحرة لما رأوا أنها ليست بسحر.

والمسيح (عليه السلام)، كان في زمان كثر فيه الطب، وحذق الأطباء، إلى حد مدهش، فجاء عيسى بما يعجز عنه الطب، من إبراء الأعمى وشفاء الأبرص، وإحياء الموتى.

وأي طبيب يقدر على هذه الأمور، مهما بلغ من السّمو في الطب؟

ولذا آمن أهل فن الطب والحذّاق منهم بالمسيح، وقالوا: إن ما يفعله خارج عن نطاق الطب، وهو خاص بالله سبحانه، وبمن أرسله.

ونبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث في زمان قويت فيه البلاغة، والفصاحة، حتى إن الأعراب والقبائل، كانوا يعقدون الأسواق، للمباراة في البلاغة والأدب والفصاحة والشعر، كسوق (عكاظ) وغيره.

فجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن العظيم، الذي هو فوق كلام الناس، وأرفع من مستوى أعظم البلغاء، ثم تحدّاهم، قائلاً: (فأتوا بسورة من مثله).

لكنهم ارتدّوا، وعجزوا، واعترفوا بأنه ليس مثل كلام البشر، وبذلك ثبتت الحجة عليهم وأنه منزلٌ من قبله سبحانه.

* * *

لقد كان المسيح (عليه السلام)، يعيش عيشة بسيطة متواضعة، ويسيح في الأرض، يسافر من قرية إلى قرية، ومن بلد إلى بلد، ليرشد الناس إلى الحق وإلى طريق مستقيم.

وقد كان أحد أسباب التفاف الناس حوله، هذه البساطة المدهشة في معيشته، فلا زوجة له، ولا دار، ولا أثاث، ولا أموال.

وكان إذا قيل له في ذلك، أجاب بهذا الجواب الذي يقطر عطراً وأرجاً:

خادمي يداي.. ودابّتي رجلاي..

وفراشي الأرض.. ووسادي الحجر..

ودفئي في الشتاء مشارق الشمس..

وسراجي بالليل القمر..

وأدامي الجوع.. وشعاري الخوف..

ولباسي الصوف..

وفاكهتي وريحانتي ما أنبتت الأرض للوحوش والأنعام..

أبيت وليس لي شيء.. وأصبح وليس لي شيء..

وليس على وجه الأرض أحد أغنى مني.

هكذا كان المسيح الطاهر، فلا خادم له يخدمه، وإنما كان يقضي حوائجه بكلتا يديه الكريمتين، بل فوق ذلك، ربّما غسل أرجل تلاميذه، فكانوا ينكرون ذلك منه، فيقول لهم: بحقي عليكم إلا ما خلّيتم، وإنما أفعل ذلك بكم، لتفعلوا مثله بالناس من بعدي.

ولم تكن له دابّة يركبها، في أسفاره المتتالية، وإنما كان ينتقل من هنا إلى هناك ماشياً، وأحياناً حافياً.

كما أنه لم يكن له بساطٌ يفترشه وقت المنام، ولا وساد إلا الحجر، وإذا أصبح في الشتاء القارس توجه إلى نحو المشرق من البيوت، لئلا تحول الأبنية والحيطان دون إشعاع الشمس على جسمه المقروف.

ولا سراج له ليلاً، وغالب أوقاته يطويه جوعاً، وكان خائفاً من الله سبحانه، وإن كانت البسمات الحلوة الهادئة لا تبرح شفاهه.. يلبس الصوف تواضعاً، ويأكل نبات الأرض عوض غذائه.

* * *

كان بنو إسرائيل لكثرة لجاجهم وانحرافهم، أوجبوا شدة بعض الأحكام عليهم حتى إذا جاء عيسى المسيح (عليه السلام)، خففت الأحكام، وأنزلت الشرائع السّمحة، وكان ذلك لطبيعة البشر.. فقد كان البشر في زمن الكليم، مثلهم مثل التلاميذ في المدارس الابتدائية، ثم انتقلوا ـ بصقل الشريعة الموسوية لهم، وبتقديم الحضارة الإنسانية ـ إلى الدور الثانوي، فكان مثلهم مثل التلاميذ في المدارس الثانوية، في زمن ظهور المسيح (عليه السلام) حتى إذا جاء نور رسول الإسلام، كان البشر في دور ثالث، ولذا جاءت الصيغة الأخيرة من الشريعة وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

وقد أُنزلت على عيسى (عليه السلام) في (الإنجيل) المواعظ والأمثال والحدود ـ ليس فيها قصاص ولا أحكام حدود، ولا فرض مواريث ـ ولعل ذلك كان بسبب بقاء شريعة موسى (عليه السلام) التي فيها كل هذه الأشياء.

وأنزل على المسيح تخفيف ما كان نزل على موسى (عليه السلام).. فقال المسيح للقوم: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم). وقد أمر المسيح اتباعه باتباع (التوراة) وما أنزل على النبيين من قبله.

كما أخبرهم بمجيء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذ منهم الميثاق بأن يؤمنوا به.

وعندما انتشر خبر شفاء المسيح للمرضى، توجه إليه من أطراف البلاد عددٌ كثيرٌ من المرضى الذين كانوا مصابين بأمراض مزمنة، أو نواقص خلقيّة.. حتى إنه ذكر بعض المصادر أن المسيح (عليه السلام) شفى ـ بإذن الله تعالى ـ في حقبة غير طويلة من الزمن ـ خمسين ألف إنسان وهذا غير بعيد عن طبيعة الناس، الذين يجتمعون بهذه الكمّيات، لشبعة بطن أو ما أشبه فكيف للشفاء من الأسقام، والتكميل لنواقصهم الخلقية، كالعمى، والعرج، والشلل، والبكم، وأشباهها؟

وهكذا أخذ المسيح (عليه السلام)، يغزو العقول والأفكار، بما يريه من المعجزات والكرامات. وما يبديه من الأخلاق والفضائل، وما يخفّفه من الشرائع الموسوية المشدّدة، وما يعيشه من البساطة في المأكل والملبس وسائر الشؤون الشخصية.

* * *

وقد كان المسيح (عليه السلام)، قوي العزيمة، صلب الإرادة في تبليغ الناس وإرشادهم. لا يبالي بما يلاقيه من الأتعاب الجسدية والمضايقات الروحية ـ من جماعة اليهود الحساد.

ولم يقتصر تبليغ المسيح بنفسه الكريمة..

فقد جمع حوله نخبة من الرجال الأطهار، الذين سمّاهم (بالحواريّين) وكان هؤلاء في مرتبة رفيعة من السمو الروحي، والرفعة النفسية، ولم يكفر هؤلاء بالمسيح طرفة عين، كما لم يتبرأوا من تعاليمه النيّرة برهة من الزمن ـ لا كما ينسب أهل الكتاب إليهم: من أنهم ارتدّوا، فإن ذلك تحريفات أهل الكتاب في جملة ما حرّفوا من التاريخ والأحكام ـ .

وقد كان الغالب أن يلازم المسيح (عليه السلام) هؤلاء في حله وترحاله.

كما أن المسيح (عليه السلام)، كان يبعث بهم رسلاً إلى مختلف البلاد، لهداية الناس إلى الدين المسيحي الجديد، وتبشيرهم بالنبي المبعوث.

ففي ذات مرة، بعث المسيح بأحد الحواريّين إلى الروم، وزوّده ـ بأمر الله تعالى ـ بمعجزة إبراء الأكمه والأبرص فذهب ـ كما أمر المسيح ـ وأخذ في تبشير الناس ـ وإذا طالبوه بالمعجزة دليلاً على صدقه، أبرأ الأعمى وشفى الأبرص، وبذلك قوي أمره، والتف حوله الناس.

ولم يمض زمان حتى وصل الخبر المدهش إلى ملك الروم.

طلبه الملك.. وقال له، هل أنت رسول النبي الجديد؟ وهل صحيح أنك تبرئ الأكمه والأبرص؟ أجاب (الحواري) بالإثبات.

فأمر الملك بإحضار غلام منخسف الحدقة، لا عين له ـ إطلاقاً ـ وقال: إن كنت صادقاً، فأبرئ هذا الغلام.

فأخذ (الحواري) بندقتين من الطين، وجعلهما في مكان عيني الغلام، ثم دعا الله سبحانه وتعالى، فإذا هو بصير يرى كل شيء، وله عين صحيحة.

تعجّب الملك وآمن بالمسيح. وأنزل الحواري منزلاً حسناً، وقال له: كن معي، ولا تخرج من مصري، وهكذا علا أمر المسيح في تلك المنطقة.

* * *

وذات مرة أرسل المسيح (عليه السلام)، أحد الحواريّين إلى بعض البلاد، وعلّمه الدعاء الذي يحيي به الموتى ـ بإذن الله تعالى ـ.

دخل الحواري تلك البلاد، وأخذ يبشر بالدين الجديد، ويقول: أنا أعلم من طبيب الملك، إنه يعرف شفاء بعض الأمراض، وأنا أعرف إحياء الموتى ـ الذي لا يقدر عليه إلا الله ورسُله ـ وسمع الملك بالنبأ، واغتاظ، لأنه اعتبر كلام الحواري حول طبيبه تحدياً بالنسبة إليه، ولذا أمر بعض جلاوزته بقتل الحواري.

لكن طبيب الملك كان رجلاً حكيماً ـ وكان في الباطن ـ من رسل المسيح، ولم يظهر ذلك منذ أن تسنّم هذا المنصب ـ فنهى الملك، وقال: الأفضل ـ أيها الملك ـ أن تحضر هذا المدعي، فإن صدق في مقالته، فما أحسن هذا الذي يقول، وإن كذب كانت لك الحجة عليه أمام الناس.

قبل الملك مشورة طبيبه، فأمر بإحضار (الحواري)، وقال له: أنت الذي تزعم أنك تحيي الموتى؟ قال (الحواري): نعم ـ بإذن الله ـ قال الملك: إنه قد مات لي ابن منذ زمن فإن أحييته آمنت بك وإلا ضربت عنقك.

قبل (الحواري) كلام الملك.. فقام الملك يصحبه خلق كثير إلى المقابر، حتى وقف الجميع على قبر (الولد الميت) فأخذ يدعو (الحواري) في الظاهر، ويُؤمّن طبيب الملك على دعائه في الباطن، وإذا بالقبر ينشق، ويقوم الولد من القبر حياً، ويقذف بنفسه في حجر أبيه الملك.

بهت الجميع لهذا الحادث، وفرح الملك أشد الفرح.

ثم توجّه إلى الولد، وقال له: أي بني! من الذي أحياك؟

توجه الولد إلى الجماهير الحاضرة، حتى وقعت عينه على (الحواري)، فقال: يا أبت إن هذا الذي دعا الله بإحيائي، ثم نظر نظرة أخرى إلى الجماهير، حتى وقعت عينه على (الطبيب) وقال يا أبت! إن هذا أيضاً كان يؤمّن على الدعاء.

وقد أحياني الله سبحانه ببركتهما.

هنا، آمن الملك، وآمن معه جمع غفير، وأعظم جماعةٌ أمر المسيح حتى قالوا فيه بالألوهية، لكن جماعة من اليهود الحساد، لم يبرحوا مقالتهم السابقة من الطعن في المسيح ورسله، وقولهم إن هؤلاء سحرة لا أكثر من ذلك.

* * *

وقد وقعت في زمن المسيح (عليه السلام) قصة تشبه القصة السابقة.

فقد أرسل المسيح (عليه السلام) إلى (أنطاكية) نفرين من تلاميذه، ليبشّرا الناس بالدين الجديد وأمرهما أن يبدءا بالضعفاء، ثم الأقوياء، وأن لا يصطدما بالجبابرة في أول الأمر.

جاء الرجلان إلى (أنطاكية) فدخلاها في يوم عيد لهم، فوجدا أن القوم يعبدون الأصنام، فعجّل الرسولان على القوم بالتعنيف واللوم.

وهنا ثارت ثائرة الجبابرة، لما لاقت الأصنام من الإهانة، وتلقّوه هم من التعنيف، وأمروا بالرجلين إلى السجن، بعد ما وشوا بهما إلى الملك.

وعرف (شمعون) وصي المسيح بأمر الرسولين، فجاء إلى أنطاكية، واخذ يجالس الضعفاء، والفقراء حتى التفّ حوله جمع منهم، وأخذوا يعتقدون بالدين الجديد، وانتهى أمر شمعون إلى الملك فسأل عن جلسائه: منذ متى وهذا الرجل في بلادي؟ قالوا منذ شهرين، فأمر بإحضاره، وحين أحضر وسأله الملك عن مسائل، تحبّب إليه شمعون في الكلام، حتى أحبّه ورأى الملك من عقله وذكائه ما أبهره، ولذا طلب منه أن يصاحبه ويلازمه.

قبل شمعون مصاحبة الملك، فقد كان هذا منتهى مقصده، إنه كان يريد أن يؤثر في قلب الملك، وذات مرة رأى الملك في منامه ما أدهشه وأفزعه، وحين استيقظ سأل (شمعون) عن تفسير منامه؟ ففسّره بما سرّ الملك، ومرة أخرى رأى رؤيا وفسّر المنام (شمعون) مما ازداد الملك علاقة به، بسبب تفسيره الحسن.

ولمّا علم شمعون أنه استولى على قلب الملك سأله ذات مرة قائلاً: أيها الملك إني قد سمعت أن في حبسك رجلين عابا عليك دينك، وفنّدا رأيك في عبادة الأصنام؟

أجاب الملك: نعم، وقصّ على شمعون قصة الرجلين.

قال شمعون: أيها الملك، مر بإحضار الرجلين، حتى نرى مقالتهما، ونسمع حجّتهما؟ وافق الملك على ذلك وأمر بإحضار الرجلين.. وجرى بين (شمعون) و(الرسولين) الحوار التالي:

شمعون: ماذا تقولان أيها الرجلان؟

الرسولان: إنا ندعو إلى نبذ عبادة الأصنام، وعبادة (الله) الإله الواحد الذي لا شريك له.

شمعون: هل يسمع هذا الإله دعوتكم إذا دعوتماه، ويجيبكما إذا سألتماه؟

الرسولان: نعم..

شمعون: هل يشفي لكما الرجل (الأبرص) إذا سألتماه ذلك؟

الرسولان: نعم.

أمر شمعون بإحضار (أبرص) وطلب منهما الدعاء لشفائه؟ فدعوا الله تعالى. ومسحاه بأيديهما، فبرئ في الساعة.

قال شمعون: وأنا أقدر على هذا العمل، فجيء بأبرص آخر، ودعا (شمعون) سرّاً ومسحه، فشفي فوراً، وإنما فعل ذلك تمهيداً لما يجلب نظر الملك، وأصحابه، حين يظهر عجزه عمّا يأتي به الرسولان.

شمعون: بقي أمر إن قدرتما عليه آمنت بإلهكما؟

الرسولان: وما هو هذا الأمر؟

شمعون: هل يقدر إلهكما على إحياء الميت؟

الرسولان: نعم.

شمعون ـ مقبلاً على الملك ـ : هل لك ميت يعنيك أمره؟ قال الملك: نعم.. ابني مات قبل مدة..

قال (شمعون): أيها الملك: إن الرجلين ألزما على نفسيهما الحجّة، فإن تمكّنا من إحياء ابنك آمنا بهما، وظهر صدقهما وإلا كان لنا معهما خلاف ذلك.

قبل الملك، ثم توجه الجميع إلى المقبرة.

وأخذ الرسولان يدعوان الله سبحانه، في إحياء ولده، ويؤمن شمعون لدعائهما ـ سرّاً ـ فما كان بأسرع من أن انشق القبر، وقام (الفتى) حيّا صحيحاً.

سرّ الملك بذلك سروراً بالغاً ودهش الجميع من هذا الأمر الغريب الذي لم يعهدوه من ذي قبل، وعلموا صدق (الرسولين).

ثم أقبل الملك على ولده قائلاً: من أحياك يا بني؟

قال الولد: لقد كنت ميّتاً، وإذا بثلاثة أنفار على شفير قبري يدعون الله تعالى لإحيائي، فوهبني الله الحياة، بدعائهم.. وهؤلاء الثلاثة هم (هذان، وهذا) مشيراً إلى الرسولين و(شمعون) فأسلم الملك، وأسلم وزراؤه وأسلم كثير من أهل القرية، لله رب العالمين، وآمنوا بنبوّة عيسى المسيح (عليه السلام).

(واضرب) بيّن (لهم مثلاً أصحاب القرية) أي انطاكية (إذ جاءها المرسلون) من قبل المسيح (عليه السلام) (إذ أرسلنا إليهم) أولاً (اثنين) الرسولين (فكذّبوهما) وسجنوهما، (فعزّزنا بثالث) هو شمعون، جاء ليعزهما وينصرهما (فقالوا إنا إليكم مرسلون).

وجرى الأمر على ما تقدّم..

* * *

وقد اشتهر إحياء المسيح للأموات، وشفاؤه للأمراض، وخرقه للنواميس العادية إعجازاً. ولذا ازدلف إليه الناس من كل مكان، يطلبون الشفاء والإحياء منه.

ففي ذات مرة، اجتمع عليه ما يقارب الخمسين ألفاً من المرضى، فأبرأهم بإذن الله تعالى.

وفي قصّة أخرى: دخل دار دهقان، كان أضاف جمعاً، ومن المصادفات أنه لم يكن عنده ماء للأضياف، وكانت في دار الدهقان جرار مصطفّة، فمشى عيسى (عليه السلام) بين تلك الجرار وأخذ يضع يده على أفواهها، فامتلأت ماء بإذن الله تعالى.

وكان لعيسى (عليه السلام) صديق في أحد البلاد، فإذا مرّ المسيح بذلك البلد نزل عنده، وذات مرّة ورد البلد، ودخل دار الصديق، فلم يجده. فسأل عنه؟ قالت أُمه: إنه قد مات منذ زمان فقال لها عيسى (عليه السلام) وهل تحبين أن أحييه؟ فأجابت، وماذا تنتظر؟ وجاء المسيح في الغد وذهب مع الأم إلى المقابر، ثم دعا الله تعالى، فانتفض الرجل حيّاً بإذنه سبحانه، ثم قال المسيح إنه يعيش عشرين عاماً، ويتزوّج، ويولد له فكان كما قال (عليه السلام).

ومرّ عيسى ـ ذات مرّة ـ في الشارع ـ فإذا بسرير يحمل، وعجوز تبكي خلفه فدعا الله سبحانه لإحياء ولدها، وإذا بالولد يجلس على السرير حياً، مما أثار دهشة الناس ثم نزل على أعناق الناس، ولبس ثيابه، وذهب إلى أهله مع أمه، وتزوّج بعد ذلك، وولد له.

ومر عيسى في بعض سياحاته على قبر سام ابن نوح، فدعا الله سبحانه لإحيائه، فقام سام من القبر ينفض عنه غبار التراب، وقد شاب نصف رأسه.

وهكذا أخذ المسيح (عليه السلام) يزرع البلاد والقرى والأرياف وينشر فيها الأخلاق الحسنة والمواعظ والنصائح، والخوارق التي تبهر الألباب. وكان في الغالب يسافر مع تلاميذه من هنا إلى هناك، يرشد الناس إلى أمور دينهم، ودنياهم، ويهديهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم.

لكن اليهود كانوا كلّما رأوا منه فضيلة أو منقبة أو خارقة، ازدادوا حسداً وعتوا، وكانت تلك المعجزات تنقلب في نفوسهم إلى الحقد والغل، كالمطر الطاهر الذي إذا نزل على الجيفة، ازدادت عفونة ونتناً.

* * *

وفي ذات مرة (قال الحواريون) وكان بصحبتهم جمع كثير: (يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء)؟ وكان هذا السؤال من المؤمنين ليرى ضعفاء الإيمان قدرة الله تعالى، بالإضافة إلى أنهم أرادوا (عين اليقين)، أما غيرهم فقد كانوا لا يفرّقون بين استطاعة (الله) واستطاعة الأصنام ويظنّون أنه كما لا يقدر الصنم على مثل هذه الأعمال، كذلك إله المسيح لا يقدر على مثلها.

فـ(قال) لهم عيسى (عليه السلام): (اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) فلا تسألوه سؤال اقتراح وإن كان لا بأس بالسؤال لأجل قوة اليقين ـ كما سأل إبراهيم (عليه السلام) ربّه أن يريه كيف يحيي الموتى ـ.

أجاب الحواريون على كلام عيسى (عليه السلام):

(قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا) بالإيمان، لأن الأكل معاينة وهي فوق العلم (ونعلم) علماً يقينياً (أن قد صدقتنا) في قدرته تعالى على كل شيء، وأنها ليست كقدرة الأصنام ـ فإن الأصنام المعبودة لا تقدر على أقل شيء ـ .

(ونكون عليها) أي على المائدة المنزلة من السماء (من الشاهدين) الذين يشهدون إنها نزلت من السماء بقدرته سبحانه، فإذا سئلنا في المستقبل: هل رأيتم آثار قدرة الله الخارقة؟ نجيب بالإثبات، ويكون ذلك أدعى إلى إيمان الناس.

هنالك دعا المسيح ربه تعالى لإجابة طلب هؤلاء (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدةً من السماء تكون لنا عيداً) يوم عيد، فإن الناس يتخذون الأيام العظيمة التي تجدّد فيها نعمة عظيمة من الله عيداً، فيعيّدون ذكرى ذلك اليوم كل عام ـ كاتخاذ يوم ميلاد، أو نصر، أو ما أشبه، عيداً يعاد السرور والفرح فيه كل عام.

(لأولنا وآخرنا) يكون ذلك العيد لزماننا، وزمان من يأتي بعدنا، (و) يكون نزول المائدة (آيةً) علامةً دالّة على عظيم قدرتك (منك) يا رب (وارزقنا وأنت خير الرازقين) وهنا أجاب الله دعاء المسيح (عليه السلام).

فـ(قال الله إني منزّلها) أي المائدة (عليكم فمن يكفر بعد) أي بعد نزول المائدة (منكم) فيشك في الألوهية أو نبوّة المسيح (فإني أعذبه عذاباً) شديداً (لا أعذّبه) أي لا أعذّب مثل ذلك العذاب في الشدة (أحداً من العالمين) لأنه كفر بعد المعاينة، وذلك عناد ولجاجة.

* * *

رأى الناس سفرة حمراء، بين غمامتين، تهوي من ناحية السماء إلى الأرض حتى وصلت ووقفت أمامهم، وكان عليها أرغفة، وسبع أسماك. فلما رآها عيسى (عليه السلام) بكى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة. فوجدوا منها رائحة طيّبة، لم يجدوا مثل ذلك الطيب قبله. فقام المسيح (عليه السلام) وتوضأ وصلّى، ثم قال للحاضرين وهم جمعٌ غفيرٌ: بسم الله! فأكل الجميع من ذلك الطعام حتى شبعوا. وكان هذا إعجاز آخر.

ومن الطبيعي أن يتذكّر الجميع هنا، ما سمعوه عن أسلافهم، من نزول المائدة ـ المن والسّلوى ـ على أجدادهم، ببركة الكليم موسى (عليه السلام).. فقد أتى هذا النبي بمثل ما أتى به النبي من قبل، كما أن من الطبيعي أن يتذكّر الجميع قصة نزول المائدة على أمه (مريم) حين كان زكريّا (عليه السلام) كلّما دخل عليها وجد عندها رزقاً.. وقد كان من الطبيعي أيضاً أن يشبه نزول المائدة على الأمم السابقة، نزول المائدة على الطهر البتول فاطمة (عليها السلام) ـ في قصة طويلة ـ وينزل (الطير المشوي) على رسول الإسلام فيأكله هو والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

لقد أكل من تلك المائدة المنزلة على المسيح (عليه السلام)، أكثر من ألف وثلاثمائة فقير ومريض وما أشبه من أهل الفاقة والعاهة ـ فقط ـ أمّا غيرهم فكثيرون. ولمّا أتمّوا الأكل، رجع الطعام كما كان، كأن لم يأكل منه أحد. ثم ارتفعت المائدة إلى السماء.

وهكذا كان، تنزل المائدة أربعين صباحاً، عنباً ـ يوماً دون يوم ـ يراها الناس وقت نزولها، ووقت صعودها، ويأكلون منها، ثم ترجع كما كانت بدون نقص.

وقد تكبّر الكبار أن يشتركوا مع الفقراء في الأكل، فقرّروا ـ ذات مرة ـ أن يستأثروا هم وحدهم بها، وان يمنعوا الفقراء منها، كما أنهم جعلوا يكفرون بها، لكن بعد هذا التقرير لم تنزل المائدة، وارتفعت إلى الأبد.. ومسخ جمع كثير منهم ـ جزاءً لكفرانهم وعتوّهم ـ قردةً وخنازير، فأصبحوا يسعون في الطرقات، ويأكلون العذرة والكناسات.. ثم لم يبقوا إلا ثلاثة أيام حتى هلكوا.