الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

مدرسة الهجرة

بعد ما ذكرنا بعض التوضيح للآيات الشريفة، والتي موضوعها الهجرة وما يحيط بها، نقول: إن الحياة مدرسة زاخرة بالدروس التي تمد الإنسان بمختلف أسباب التقدم والكمال، ومن هذه الدروس درس (الهجرة)[1]، فعلى الإنسان المسلم أن يستفيد من هذا الدرس، ويوظّفه لصالحه ولصالح مجتمعه.

وكما أن الإنسان يواجه في الهجرة المتاعب والآلام الكثيرة من ترك الوطن والأهل والشعور بالغربة ونحو ذلك، إلا أنه في مقابل ذلك يجني فوائد عظيمة، حيث ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إن الله تبارك وتعالى ليحب الاغتراب في طلب الرزق»[2].

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ليس في الغربة عار إنما العار في الوطن الافتقار»[3].

وهذا بالإضافة إلى الثواب الأخروي العظيم الذي سوف يناله نتيجة هجرته في سبيل الله تعالى، بنص القرآن الكريم، كما قال سبحانه وتعالى: ((وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ))[4]. فإن الذين هاجروا من ديارهم فراراً بدينهم، وإتباعاً لنبيهم، من بعد أن ظلمهم قومهم وآذوهم وبخسوهم حقوقهم، فإن الله تعالى يبوئهم في الدنيا حسنة، والتبوء الإحلال بالمكان للمقام، يقال: تبوأ منزلاً يتبوأ إذا اتخذه، وبوأه غيره تبويئاً إذا أحله غيره[5].

لذا فإن الهجرة تعتبر مدرسة تعلم الإنسان المهاجر الصبر والشجاعة من خلال إقدامه على تحمل المعاناة، وكيفية التكيّف مع الظروف المحيطة به من فقر وقلة ناصر ومعين، ونحو ذلك. وفي نفس الوقت تحفظ نفس الإنسان ودينه وماله من بطش الظَلمة وطغيانهم الذين ترك بلده بسببهم مضافاً إلى ما يقوم المهاجر بتبليغ دينه في أرض المهجر.

الهجرة وتقسيماتها

للهجرة معان متعددة من أهمها:

1: الهجرة المكانية، وهو الخروج من أرض إلى أخرى.

2: الهجرة من السيئات والخروج من ذل معصية الله إلى عزّ طاعته. كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اهجروا الشهوات فإنها تقودكم إلى ركوب الذنوب والتهجم على السيئات»[6].

وبحثنا هنا يدور حول القسم الأول من الهجرة، أي: (الهجرة المكانية)، أما الهجرة من السيئات فهي مما لا تختص بزمان أو مكان، وإنما تتعلق بالإنسان المؤمن مادام حياً، وأينما كل وحلّ، بل إن ذلك من مقومات شخصية المؤمن، وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد: «ياكميل، قل الحق على كل حال، وواد المتقين، واهجر الفاسقين، وجانب المنافقين ولا تصاحب الخائنين»[7].

من أسباب الهجرة

إن الهجرة المكانية تحصل لأسباب عديدة منها:

1. الظلم.

2. التبليغ.

3. الجهاد.

ونحو ذلك.

وللهجرة المكانية مصاديق متعددة في الخارج، وخير مصداق نستشهد به هو هجرة المسلمين إلى الحبشة، وكذلك هجرتهم الثانية إلى المدينة المنورة، ونستخلص من هاتين الهجرتين الدروس الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية الكثيرة، ولعل دراستها والاستفادة منها في وقتنا الحاضر تعيننا أكثر على فهم ظروفنا الحالية وطريقة معالجتها، خصوصاً بعد أن عادت اليوم الجاهلية إلى الناس، ولكن بأسلوب جديد يكاد يكون أكثر خطورة من ذي قبل، فكثرت الضغوط على المسلمين، ومن جميع الاتجاهات، ونشبت الحروب المدمّرة في البلاد الإسلامية، وكثر القتل والسبي والنهب في صفوف المسلمين من قبل الحكّام الظلمة وعملاء الغرب والشرق، وأنشئت السجون والمعتقلات الرهيبة، وانتشر الظلم والفساد في المنطقة،مما أدى إلى ازدياد أعداد المهاجرين والمهجّرين والمشردين من أرض الوطن الإسلامي إلى شتى بقاع العالم[8]، وما أحوج المسلمين اليوم إلى الدروس العظيمة التي أفرزتها هجرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والمسلمين، وأساليبهم المبتكرة في التغلب على الأوضاع الصعبة التي عاشوها، وكيفية تعاملهم مع الأعداء الذين أحاطوا بهم.

[1] هجر: الهَجْرُ: ضد الوصل، هَجَره يَهْجُرُه هَجْراً وهِجْراناً: صَرَمَه، وهما يَهْتَجِرانِ ويَتَهاجَرانِ، والاسم الهِجْرَةُ.

يقال: هَجَرْتُ الشي‏ء هَجْراً إِذا تركته وأَغفلته، وهَجَر فلان الشِّرْك هَجْراً وهِجْراناً وهِجْرَةً حَسَنَةً. والهِجْرَةُ وهُجْرَةُ: الخروج من أَرض إِلى أَرض.

والمُهاجِرُونَ: الذين ذهبوا مع النبي (صلّى الله عليه وآله)، مشتق منه. وتَهَجَّرَ فلان أَي: تشبه بالمهاجرين.

قال الأَزهري: وأَصل المُهاجَرَةِ عند العرب خروجُ البَدَوِيّ من باديته إِلى المُدنِ، يقال: هاجَرَ الرجلُ إِذا فعل ذلك، وكذلك كل مُخْلٍ بِمَسْكَنِه مُنْتَقِلٍ إِلى قوم آخرين بِسُكناهُ، فقد هاجَرَ قومَه.

وسمي المهاجرون مهاجرين لأَنهم تركوا ديارهم ومساكنهم التي نشئوا بها لله، ولَحِقُوا بدار ليس لهم بها أَهل ولا مال حين هاجروا إِلى المدينة؛ فكل من فارق بلده من بَدَوِيٍّ أَو حَضَرِيٍّ، وسكن بلداً آخر، فهو مُهاجِرٌ، والاسم منه الهِجْرة.

وقال الجوهري: الهِجْرَتانِ هِجْرَةٌ إِلى الحبشة وهجرة إِلى المدينة، والمُهاجَرَةُ من أَرض إِلى أَرض: تَرْكُ الأُولى للثانية.

وإِذا أَطلق ذكر الهجرتين فإِنما يراد بهما هجرة الحبشة وهجرة المدينة.

وهَجَرَ الشي‏ءَ و أَهْجَرَه. تركه، وهَجَر الرجلُ هَجْراً إِذا تباعد ونَأَى. وقيل: الهَجْرُ من الهِجْرانِ، وهو ترك ما يلزمك تعاهده، وهَجَر في الصوم يَهْجُرُ هِجْراناً: اعتزل فيه النكاح. ولقيته عن هَجْرٍ أَي: بعد الحول ونحوه؛ وقيل: الهَجْر السَّنَةُ فصاعداً، وقيل: بع تة أَيام فصاعداً، وقيل: الهَجْرُ المَغِيب أَيّاً كان. انظر لسان العرب: ج5 ص250 مادة «هجر».

وانظر مجمع ‏البحرين: ج3 ص514 مادة «هجر».

مادة: هجر، في قوله تعالى: ((وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً)) سورة المزمل: 10، الهجر الجميل: أن يخالفهم بقلبه وهواه ويؤالفه في الظاهر بلسانه ودعوته إلى الحق بالمداراة، وترك المكافاة.

وفي قوله تعالى: ((سَامِراً تَهْجُرُونَ)) سورة المؤمنون: 67، هو من الهجر، وهو الهذيان و((تهجرون)) من الهجر أيضا، وهو الإفحاش في المنطق.

وفي قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ هَاجَرُوا)) أي: تركوا بلادهم، ومنه المهاجرون؛ لأنهم هاجروا بلادهم و تركوها و صاروا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكل من هجر بلده لغرض ديني من طلب علم أو حج أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة، أو زهدا في الدنيا فهي هجرة إلى الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله).

أما قوله تعالى: ((مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي)) سورة العنكبوت: 26، أي: من كوثي، وهو من سواد الكوفة إلى حوران من أرض الشام ثم منها إلى فلسطين، و كان معه في هجرته لوط وامرأته سارة.

وقوله تعالى: ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)) سورة الحشر: 9، أي: من غير بلدهم.

وفي الحديث: «لا هجرة فوق ثلاث» الهجر ضد الوصل، يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة أو تقصير تقع في حقوق العشرة والصحبة دون ما كان في جانب الدين، فإن هجرة الأهواء والبدع دائمة على ممر الأوقات ما لم تظهر التوبة. انتهى.

والهجرة باقية مادام الشرك قائماً، فقد روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها»، وما روي من قوله (صلّى الله عليه وآله): «لاهجرة بعد الفتح» معناه: لاهجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، وقيل المراد لاهجرة بعد الفتح من مكة، لأنها صارت دار إسلام. انظر السرائر: ج2 ص15 أحكام الهجرة من بلاد الكفار.

[2] من لا يحضره الفقيه: ج3ص156 باب المعايش والمكاسب ح3571.

[3] غرر الحكم ودرر الكلم: ص365 ق5 ب3 الفصل1 ح8231.

[4] سورة النحل: 41.

[5] انظر التبيان في تفسير القرآن: ج6 ص283 سورة النحل.

[6] غرر الحكم ودرر الكلم: ص305 ق3 ب3 الفصل5 ح6972.

[7] بحار الأنوار: ج74 ص415 ب15 ح38.

[8] في بعض التقارير: إن اللاجئين يمثلون نسبة واحد من بين كل (255 شخصا) على اتساع رقعة العالم إضافة إلى وجود ما يناهز (30 مليون) من النازحين داخلياً أي في نطاق حدود أوطانهم. ولا يخفى أن عدد اللاجئين المذكور أعلاه يشمل المسجلين لدى الصليب الأحمر الدولي فقط ولا يشمل ما يزيد عليه من اللاجئين أو المهجرين الذين لم يتسن لهم ـ أو لم يستطيعوا ـ التسجيل في مراكز الصليب الأحمر والمنظمات الأخرى التابعة للأمم المتحدة كالهلال الأحمر وما أشبه.

وأوضح التقرير أن أفريقيا تعد أكثر قارات العالم اكتظاظا باللاجئين؛ إذ يبلغ عددهم حوالي (7ر5 مليون) لاجئ إضافة إلى ما يناهز (3ر1 مليون) نازح مقابل (3ر1 مليون) لاجئ و (6ر1 مليون) نازح في أوروبا.

وجاء في التقرير أيضا: إن العالم شهد في تسعينيات القرن الماضي حالة من خيبة الأمل في الانتقال إلى مرحلة جديدة تتراجع فيها النزاعات، بل أصابته حالة من الفوضى اندلعت فيها الحروب الأهلية والصراعات الطائفية والعرقية، التي حفلت بالانتهاكات، وامتدت الصراعات المسلحة من أفريقيا وآسيا وأمريكا إلى أوروبا لتضيف أعداداً جديدة من اللاجئين والنازحين وصلت إلى أرقام مهولة.

وأشار التقرير إلى أن الصراع المسلح أصبح حاليا هو القوة المحركة وراء معظم تدفقات اللاجئين ولم تعد تحركات اللاجئين بمثابة أثر جانبي للصراع بل صارت في كثير من الأحيان عنصراً أساسياً من عناصر الحرب واستراتيجيتها، مؤكدة أنه لا تستطيع المنظمات الإنسانية وحدها حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تؤدي إلى النزوح.

وفي تقرير آخر ذكر أن آخر إحصائية صدرت من الأمم المتحدة تقول: أن عدد المشردين في العالم يبلغ حوالي (70) مليون و (800) ألف نسمة، ولا يخفى بأن نسبة المسلمين المشردين من هذا العدد أكثر من غيرها من الطوائف والأديان الأخرى.