الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

المسلمون الأوائل وقريش

كان المسلمون في بادئ الأمر فئة قليلة مستضعفة من الناحية العددية والاقتصادية والعسكرية مقارنة بقريش وسائر الكفار؛ حيث كانت قريش تمتلك قوة اقتصادية هائلة في مكة، ولها تحالفات تجارية قوية مع أغلب القبائل العربية، وتملك أراض واسعة وسلطاناً مترامي الأطراف، تنطوي تحت لوائه قبائل عربية كبيرة ذات سطوةٍ وهيبةٍ كبيرتين مقارنة بغيرها، فضلاً عن العنجهية والتكبّر المتمثلين بجاهلية قريش.

كل هذه العوامل والأسباب جعلت قريشاً تعلن الحرب ضد الإسلام، وحاولت إخماد جذوة هذا الدين الفتي الذي تتعارض تعاليمه السمحاء مع مصالح قريش الدنيوية وجاهليتهم واستكبارهم واستبدادهم، فسارعوا إلى محاربة كل من يؤمن بهذا الدين أو يمت له بصلة، ومارسوا بحق أتباعه شتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، ابتداءً بتسخيف هذا الدين واتهام صاحبه (صلّى الله عليه وآله) بالسحر أو الجنون، وانتهاء بترويج الإشاعات الباطلة بشرعية هذا الدين، وما إلى ذلك من أساليب العاجزين، فقال تبارك وتعالى: ((ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ * وَعَجِبُوا أَنْ جاءهمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ))[1].

وفي هذا المعنى قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«أنا وضعت في الصغر بكلاكل العرب، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر، وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه، ويمسني جسده ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله به (صلّى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلّى الله عليه وآله) فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرنة؟

فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي. ولكنك لوزير وإنك لعلى خير.

ولقد كنت معه (صلّى الله عليه وآله) لما أتاه الملأ من قريش، فقالوا له: يا محمد، إنك قد ادعيت عظيما لم يدعه آباؤك ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمراً إن أنت أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول، وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب.

فقال (صلّى الله عليه وآله): وما تسألون؟

قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك.

فقال (صلّى الله عليه وآله): إن الله على كل شيء قدير، فإن فعل الله لكم ذلك أتؤمنون وتشهدون بالحق؟

قالوا: نعم.

قال: فإني سأريكم ما تطلبون، وإني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير، وإن فيكم من يطرح في القليب، ومن يحزّب الأحزاب، ثم قال (صلّى الله عليه وآله): يا أيتها الشجرة، إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر، وتعلمين أني رسول الله، فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله. فو الذي بعثه بالحق، لانقلعت بعروقها وجاءت، ولها دوي شديد وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرفرفة، وألقت بغصنها الأعلى على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وببعض أغصانها على منكبي، وكنت عن يمينه (صلّى الله عليه وآله).

فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا ـ علواً واستكباراً ـ: فمرها فليأتك نصفها ويبقي نصفها.

فأمرها بذلك، فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشده دويا، فكادت تلتف برسول الله (صلّى الله عليه وآله).

فقالوا ـ كفراً وعتواً ـ: فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان، فأمره (صلّى الله عليه وآله) فرجع.

فقلت أنا: لا إله إلا الله، فإني أول مؤمن بك يا رسول الله، وأول من أقر بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى، تصديقاً بنبوتك، وإجلالاً لكلمتك.

فقال القوم كلهم: بل ساحر كذاب، عجيب السحر خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا ـ يعنوني ـ وإني لمن قوم

لا تأخذهم في الله لومة لائم، سيماهم سيما الصديقين، وكلامهم كلام الأبرار، عمار الليل ومنار النهار، متمسكون بحبل القرآن، يحيون سنن الله وسنن رسوله، لا يستكبرون ولا يعلون ولا يغلون ولا يفسدون، قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل.. »[2].

وهكذا كانت قريش تتهم النبي (صلّى الله عليه وآله) بالسحر والجنون وكانوا يمارسون القتل والتعذيب بحق أتباعه، كما أعلنوا المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية بوجههم، بحيث لم يتعاملوا معهم ببيع أو شراء أو زواج أو أي نوع من أنواع التعامل، وبالمقابل حاولوا إغراء الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) والمسلمين بالسلطة والمال للعدول عن دينهم ومعتقدهم، فاستخدموا أسلوب الترهيب والترغيب في الضغط على المسلمين ولكن قوة الإيمان والاعتقاد هي التي حالت دون ذلك.

صحيفة قريش

لقد عانى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المصاعب الجمة في سبيل هداية قومه من قريش وغيرهم، ولاقى منهم ما لاقى من المؤامرات تلو المؤامرات، وكان من أشدها وأشرسها على المسلمين عامة وعلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حصارهم في شعب أبي طالب (عليه السلام).

فعندما أسري برسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى بيت المقدس، حمله جبرئيل على البراق فأتى به بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء (عليهم السلام) وصلى بهم ورده، فمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في رجوعه بعير لقريش وإذا لهم ماء في آنية فشرب منه واكفأ ما بقي، وقد كانوا أضلوا بعيراً لهم وكانوا يطلبونه، فلما أصبح قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لقريش: «إن الله قد أسرى بي إلى بيت المقدس فأراني آيات الأنبياء ومنازلهم، وإني مررت بعير لقريش في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيراً لهم، فشربت من مائهم وأهرقت باقي ذلك».

فقال أبو جهل: قد أمكنتم الفرصة منه، فسألوه كم فيها من الأساطين والقناديل؟ فقالوا: يا محمد، إن هاهنا من قد دخل بيت المقدس، فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه؟

فجاء جبرئيل (عليه السلام) فعلق صورة بيت المقدس تجاه وجهه، فجعل يخبرهم بما سألوه عنه.

فلما أخبرهم قالوا: حتى يجيء العير نسألهم عما قلت.

فقال لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «تصديق ذلك أن العير يطلع عليكم عند طلوع الشمس يقدمها جمل أحمر عليه عزارتان».

فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العقبة ويقولون: هذه الشمس تطلع الساعة، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم العير حين طلوع القرص يقدمها جمل أحمر، فسألوهم عما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

قالوا: لقد كان هذا، ضل لنا بعير، في موضع كذا وكذا، ووضعنا ماء فأصبحنا وقد أريق الماء. فلم يزدهم ذلك إلا عتواً.

فاجتمعوا في دار الندوة وكتبوا بينهم صحيفة أن لا يواكلوا بني هاشم، ولا يكلموهم،ولا يبايعوهم،ولا يزوجوهم، ولايتزوجوا إليهم، ولا يحضروا معهم، حتى يدفعوه إليهم ليقتلوه، وأنهم يد واحدة على محمد (صلّى الله عليه وآله) ليقتلوه غيلة، أو صراحاً.

فلما بلغ ذلك أبا طالب (عليه السلام) جمع بني هاشم ودخل الشعب، وكانوا أربعين رجلا، فحلف لهم أبو طالب بالكعبة والحرم والركن والمقام، لئن شاكت محمداً شوكة لأثبن عليكم يا بني هاشم. وحصن الشعب، وكان يحرسه بالليل والنهار، فإذا جاء الليل يقوم بالسيف عليه ورسول الله مضطجع ثم يقيمه ويضطجعه في موضع آخر، فلا يزال الليل كله هكذا، ويوكل ولده وولد أخيه به يحرسونه بالنهار، وأصابهم الجهد، وكان من دخل من العرب مكة لا يجسر أن يبيع من بني هاشم شيئاً، ومن باع منهم شيئا انتهبوا ماله. وكان أبو جهل، والعاص بن وائل السهمي، والنضر بن الحارث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط يخرجون إلى الطرقات التي تدخل مكة، فمن رأوه معه ميرة نهوه أن يبيع من بني هاشم شيئاً، ويحذرونه إن باع شيئاً منهم أن ينهبوا ماله.

وكانت خديجة لها مال كثير فأنفقته على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الشعب.

ولم يدخل في حلف الصحيفة مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد المطلب بن عبد مناف، وقال: هذا ظلم.

وختموا الصحيفة بأربعين خاتماً ختمها كل رجل من رؤساء قريش بخاتمه وعلقوها في الكعبة، وتابعهم أبو لهب على ذلك.

وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخرج في كل موسم ويدور على قبائل العرب فيقول لهم: «تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب الله ربي وثوابكم على الله الجنة» وأبو لهب في أثره فيقول: لا تقبلوا منه فإنه ابن أخي وهو كذاب ساحر. فلم يزل هذه حاله فبقوا في الشعب أربع سنين لا يأمنون إلا من موسم إلى موسم، ولايشترون ولايبايعون إلا في الموسم.

وكان يقوم بمكة موسمان في كل سنة: موسم العمرة في رجب، وموسم الحج في ذي الحجة، فكان إذا جاء الموسم تخرج بنو هاشم من الشعب فيشترون ويبيعون ثم لا يجسر أحد منهم أن يخرج إلى الموسم الثاني، فأصابهم الجهد وجاعوا.

وبعثت قريش إلى أبي طالب: ادفع إلينا محمداً لنقتله ونملكك علينا.

فقال أبو طالب (عليه السلام) قصيدته الطويلة، يقول فيها:

فلما رأيت القوم لا ود فيهم***وقد قطعوا كل العرى والوسائل

ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب***لدينا ولا يعني بقول الأباطل

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه***ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يطوف به الهلاك من آل هاشم***فهم عنده في نعمة وفواضل

كذبتم وبيت الله نبزى محمدا***ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع دونه***ونذهل عن أبنائنا والحلائل

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد***وأحببته حب الحبيب المواصل

وجدت بنفسي دونه وحميته***ودافعت عنه بالذرا والكلاكل

فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها***وشينا لمن عادى وزين المحافل

حليما رشيدا حازما غير طائش***يوالي إله الحق ليس بماحل

فأيده رب العباد بنصره***وأظهر دينا حقه غير باطل

فلما سمعوا هذه القصيدة آيسوا منه.

فلما أتى لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الشعب أربع سنين بعث الله على صحيفتهم القاطعة دابة الأرض، فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وتركت اسم الله، ونزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأخبره بذلك، فأخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبا طالب.

فقام أبو طالب (عليه السلام) ولبس ثيابه ثم مشى حتى دخل المسجد على قريش وهم يجتمعون فيه، فلما بصروا به قالوا: قد ضجر أبو طالب وجاء الآن ليسلم ابن أخيه. فدنا منهم وسلم عليهم، فقاموا إليه وعظموه وقالوا: يا أبا طالب قد علمنا أنك أردت مواصلتنا والرجوع إلى جماعتنا، وأن تسلم إلينا ابن أخيك.

قال: والله ما جئت لهذا، ولكن ابن أخي أخبرني، ولم يكذبني: أن الله أخبره أنه بعث على صحيفتكم القاطعة دابة الأرض، فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وتركت اسم الله، فابعثوا إلى صحيفتكم فإن كان حقا فاتقوا الله وارجعوا عما أنتم عليه من الظلم والجور وقطيعة الرحم، وإن كان باطلا دفعته إليكم، فإن شئتم قتلتموه وإن شئتم استحييتموه.

فبعثوا إلى الصحيفة فأنزلوها من الكعبة وعليها أربعون خاتماً فلما أتوا بها نظر كل رجل منهم إلى خاتمه، ثم فكوها فإذا ليس فيها حرف واحد إلا: باسمك اللهم. فقال لهم أبو طالب: يا قوم اتقوا الله وكفوا عما أنتم عليه. فتفرق القوم ولم يتكلم أحد منهم.

ورجع أبو طالب إلى الشعب وقال في ذلك قصيدته البائية التي أولها:

ألا من لهم آخر الليل منصب***وشعب القضاء من قومك المتشعب

وقد كان في أمر الصحيفة عبرة***متى ما يخبر غائب القوم يعجب

محا الله منها كفرهم وعقوقهم***وما نقموا من ناطق الحق معرب

وأصبح ما قالوا من الأمر باطلا***ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب

وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا***على سخط من قومنا غير معتب

فلا تحسبونا مسلمين محمدا***لذي عزة منا ولا متعزب

ستمنعه منا يد هاشمية***مركبها في الناس خير مركب

وقال عند ذلك نفر من بني عبد مناف، وبني قصي، ورجال من قريش ولدتهم نساء بني هاشم منهم: مطعم بن عدي بن عامر بن لؤي، وكان شيخاً كبيراً كثير المال له أولاد، وأبو البختري ابن هشام، وزهير بن أمية المخزومي في رجال من أشرافهم: نحن براء مما في هذه الصحيفة. وقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل.

وخرج النبي (صلّى الله عليه وآله) من الشعب ورهطه وخالطوا الناس، ومات أبو طالب (عليه السلام) بعد ذلك بشهرين وماتت خديجة (عليها السلام) بعد ذلك. وورد على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمران عظيمان وجزع جزعا شديدا[3].

أهداف قريش

وكانت من أهداف قريش في هذه الأعمال وغيرها النقاط التالية:

1: الضغط على الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) والمسلمين ليتركوا هذا الدين، ويعدلوا إلى ديانة قريش، إما بالترغيب أو الترهيب، خصوصاً وأنهم كانوا أقليّة.

2: حصر المسلمين بطائفة قليلة، ليحولوا دون انتشار الإسلام بين الناس، ففرضوا الحصار الشديد على المسلمين وحاولوا منع اختلاطهم بالناس، وخصوصاً القبائل العربية من غير قريش عند مجيئها إلى مكة.

الفشل الذريع

إلا أن جميع هذه التدابير فشلت فشلاً ذريعاً وذلك بفضل السياسة الحكيمة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث استخدم أسلوب الهجرة لفك الحصار عن المسلمين، والانتشار في الأرض لإنقاذ المسلمين من الضغوطات أولاً، ولنشر الدين الإسلامي ثانياً.

مضافاً إلى الإيمان القوي الذي كان يحمله المسلمون بحيث لم تؤثر فيهم كل تلك الضغوط من قتل وسبي ومقاطعة اقتصادية واجتماعية، بل ازدادوا إيماناً بالله تعالى ورسوله يوماً بعد يوم، وتمكنوا من التأثير على بعض الناس للدخول في الإسلام، ولذا فإنه وبالرغم من المحاصرة والمقاطعة أخذ هذا الدين بالتوسع والانتشار، فأعلنت قريش الحرب بصورة أشد وأوسع، وبدأت تزيد من ضغوطها، وأخذ القتل والتعذيب ينال كل من يعلن إسلامه، وأصبح الخطر يهدد جميع المسلمين في كل زمان ومكان، فأمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) المسلمين بالسفر إلى الحبشة[4].

لماذا الحبشة؟

ولكن لماذا اختار الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) الحبشة للهجرة الأولى دون سواها من البقاع؟

في جواب ذلك نقول:

أولاً: لأن ملك الحبشة المسمى (النجاشي)[5] كان ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد، وهذا ما صرّح به الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) عندما أمر المسلمين بالخروج إلى الحبشة حيث قال: «إن بها ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يُظلم عنده أحد، فأخرجوا إليه حتى يجعل الله عزّ وجلّ للمسلمين فرجاً»[6].

ثانياً: لبعد الحبشة عن مكة، وهذا يساعد في الحد من ضغوط قريش على المسلمين.

ثالثاً: لقوة الحبشة، فالحبشة في ذلك الوقت كانت مملكة قوية لا تستطيع قريش محاربتها و الإغارة عليها.

رابعاً: لضعف النفوذ المكّي على السلطة الحاكمة في الحبشة بخلاف بقية المناطق الأخرى والتي يحظى بها المكّيون بنفوذ قوي وواسع، سواء كان تجارياً أو سياسياً أو دينياً.

لهذه الأسباب وغيرها اختار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحبشة دون سواها.

فخرج عدد من المسلمين سراً إلى الحبشة، وقد ذكر في بعض كتب التاريخ: إن المسلمين الذين خرجوا في بادئ الأمر إلى الحبشة كانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة. فخرجوا إلى البحر واستأجروا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وذلك في شهر رجب من السنة الخامسة من مبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وكانت هذه الهجرة هي الهجرة الأولى، ثم خرج جعفر بن أبي طالب (رضوان الله عليه) من بعد ذلك، وتتابع المسلمون في الهجرة إلى الحبشة حتى وصل عددهم إلى اثنين وثمانين رجلاً من غير النساء والصبيان[7].

موقف قريش من الهجرة

عندما هاجر المسلمون إلى الحبشة، وسمع بذلك أهل مكة، نزل هذا الخبر كالصاعقة على رؤوس الشرك والضلال من زعماء قريش، حيث غيّر الكثير من حساباتهم التي وضعوها للحد من انتشار هذا الدين، فمن ضمن الأهداف التي كانوا يرومونها من الضغط على الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وأتباعه هي:

حصر المسلمين والحد من دعوتهم، وذلك بمنعهم من الالتقاء بأهل مكة وغير أهل مكة والحيلولة دون هجرتهم إلى المناطق المجاورة، فقد كان زعماء الشرك في مكة يعلمون أن المسلمين لو استطاعوا النفوذ إلى المناطق المجاورة، لعملوا على كسب أهل هذه المناطق للدخول في الإسلام؛ لأن الإسلام دين الفطرة والعقل ويأمر بكل الأشياء الحسنة، وينهى عن كل الأشياء القبيحة، فقد أحل الله تبارك وتعالى الطيبات وحرم عزّ وجلّ الخبائث، ولما يتمتع به المسلمون من إيمان قوي وحنكة وذكاء، فيستطيعون بواسطة هذا كسب الناس إلى دينهم، وهذا ما حصل فعلاً، حيث إن المسلمين استطاعوا أن يُدخلوا مجموعات كبيرة من الناس إلى الدين الإسلامي وكان من ضمنهم ملك الحبشة نفسه، ولكن نظراً للعنجهية التي كانت مسيطرة على تفكير زعماء الشرك في مكة، والجهل المتغلغل إلى أبعد نقطة في عقولهم، ولتعارض تعاليم الإسلام مع المفاسد والأطماع غير الشرعية التي كانوا يدعون لها، فإنهم لم يرضخوا للأمر الواقع ولم يقبلوا النتيجة، بل فكروا في كل وسيلة يستطيعون بواسطتها إرجاع هؤلاء المسلمين إلى مكة، فأوصلهم جهلهم إلى إرسال مبعوثين إلى ملك الحبشة، يحملون معهم الهدايا الثمينة إليه، ليطالبوه بتسليم المسلمين إليهم، ظناً منهم أن الهدايا ستؤثر أثرها بالملك فيستجيب لطلبهم، ولكن النتيجة جاءت عكسية وليس كما يظنون.

قال تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ))[8].

سفراء قريش إلى ملك الحبشة

جاء في التفاسير: إن سبب نزول قوله تعالى:

((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى))[9] أنّه لما اشتدت قريش في أذى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه الذين آمنوا به بمكة قبل الهجرة، أمرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يخرجوا إلى الحبشة، وأمر جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) أن يخرج معهم، فخرج جعفر ومعه سبعون رجلاً من المسلمين حتى ركبوا البحر، فلما بلغ قريش خروجهم بعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردوهم، وكان عمرو وعمارة متعاديين، فقالت قريش: كيف نبعث رجلين متعاديين؟ فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة، وبرئت بنو سهم من جناية عمرو بن العاص، فخرج عمارة وكان حسن الوجه شابا مترفاً، فأخرج عمرو بن العاص أهله معه، فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال عمارة لعمرو بن العاص: قل لأهلك تقبلني، فقال عمرو: أيجوز هذا، سبحان الله؟! فسكت عمارة فلما انتشا عمرو وكان على صدر السفينة، دفعه عمارة وألقاه في البحر، فتشبث عمرو بصدر السفينة وأدركوه فأخرجوه، فوردوا على النجاشي، وقد كانوا حملوا إليه هدايا فقبلها منهم.

فقال عمرو بن العاص: أيها الملك، إن قوماً منا خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وصاروا إليك فردهم إلينا، فبعث النجاشي إلى جعفر فجاؤوا به، فقال: يا جعفر، ما يقول هؤلاء؟

فقال جعفر: أيها الملك وما يقولون؟

قال: يسألون أن أردكم إليهم.

قال: أيها الملك سلهم: أعبيد نحن لهم؟

فقال عمرو: لا بل أحرار كرام.

قال: فسلهم: ألهم علينا ديون يطالبوننا بها؟

قال: لا ما لنا عليكم ديون.

قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها؟

قال عمرو: لا.

قال: فما تريدون منا، آذيتمونا فخرجنا من بلادكم؟

فقال عمرو بن العاص: أيها الملك خالفونا في ديننا، وسبوا آلهتنا، وأفسدوا شبابنا، وفرقوا جماعتنا، فردهم إلينا لنجمع أمرنا.

فقال جعفر: نعم أيها الملك، خالفناهم بأنه بعث الله فينا نبياً أمر بخلع الأنداد، وترك الاستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة، وحرم الظلم والجور، وسفك الدماء بغير حقها، والزناء والربا والميتة والدم، وأمرنا بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

فقال النجاشي: بهذا بعث الله عيسى بن مريم (عليه السلام)، ثم قال النجاشي: يا جعفر هل تحفظ مما انزل الله على نبيك شيئا؟

قال: نعم.

فقرأ عليه سورة مريم، فلما بلغ إلى قوله: ((وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً))[10] فلما سمع النجاشي بهذا بكى بكاءً شديداً، وقال: هذا والله هو الحق.

فقال عمرو بن العاص: أيها الملك إن هذا مخالفنا فرده إلينا.

فرفع النجاشي يده فضرب بها وجه عمرو، ثم قال: اسكت، والله يا هذا، لأن ذكرته بسوء لأفقدنك نفسك.

فقام عمرو بن العاص من عنده والدماء تسيل على وجهه، وهو يقول: إن كان هذا كما تقول أيها الملك فإنا لا نتعرض له.

وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه، فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميلا فأحبته، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله، قال لعمارة: لو راسلت جارية الملك؟ فراسلها فأجابته، فقال عمرو: قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا، فقال لها فبعثت إليه، فأخذ عمرو من ذلك الطيب، وكان الذي فعل به عمارة في قلبه حين ألقاه في البحر، فأدخل الطيب على النجاشي، فقال: أيها الملك إن حرمة الملك عندنا وطاعته علينا وما يكرمنا إذا دخلنا بلاده، ونأمن فيه، أن لا نغشه ولا نريبه، وأن صاحبي هذا الذي معي قد أرسل إلى حرمتك وخدعها، وبعثت إليه من طيبك، ثم وضع الطيب بين يديه، فغضب النجاشي وهم بقتل عمارة، ثم قال: لا يجوز قتله؛ فانهم دخلوا بلادي فأمان لهم، فدعا النجاشي السحرة فقال لهم: اعملوا به شيئا أشد عليه من القتل، فأخذوه ونفخوا في احليله الزئبق فصار مع الوحش يغدو ويروح وكان لا يأنس بالناس، فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش، فأخذوه، فما زال يضطرب في أيديهم ويصيح حتى مات.

ورجع عمرو إلى قريش فاخبرهم أن جعفر في أرض الحبشة في أكرم كرامة، فلم يزل بها حتى هادن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قريشاً وصالحهم وفتح خيبر، فوافى بجميع من معه، وولد لجعفر بالحبشة من أسماء بنت عميس عبد الله بن جعفر، وولد للنجاشي ابن فسماه محمداً...

وبعث النجاشي ثلاثين رجلا من القسيسين، فقال لهم: انظروا إلى كلامه ـ أي كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ وإلى مقعده ومشربه ومصلاه، فلما وافوا المدينة دعاهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الإسلام وقرأ عليهم القرآن: ((إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ)) إلى قوله تعالى ((فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُبِينٌ))[11] فلما سمعوا ذلك من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكوا وآمنوا، ورجعوا إلى النجاشي فأخبروه خبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقرءوا عليه ما قرأ عليهم، فبكى النجاشي وبكى القسيسون، وأسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة إسلامه وخافهم على نفسه، وخرج من بلاد الحبشة إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فلما عبر البحر توفي، فأنزل الله على رسوله ((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ)) إلى قوله تعالى ((وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ))[12].

رواية أخرى في قصة الهجرة[13]

روي عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أرض النجاشي ونحن ثمانون رجلاً، ومعنا جعفر بن أبي طالب، وبعثت قريش خلفنا عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص مع هدايا فأتوه بها، فقبلها، وسجدوا له، فقالوا: إن قوماً منا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك.

فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم أحد منكم أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي، فقال عمرو وعمارة: إنهم لايسجدون لك. فلما انتهينا إليه زبرنا الرهبان أن اسجدوا للملك. فقال لهم جعفر: لا نسجد إلا لله.

فقال النجاشي: وما ذاك؟

قال: إن الله بعث فينا رسوله، وهو الذي بشّر به عيسى اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأن نقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر.

فأعجب النجاشي قوله. فلما رأى ذلك عمرو قال: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في ابن مريم.

فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته، أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر.

فتناول النجاشي عوداً من الأرض، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذا، ثم قال النجاشي لجعفر: أتقرأ شيئا مما جاء به محمد (صلّى الله عليه وآله)؟

قال: نعم.

قال: اقرأ، وأمر الرهبان أن ينظروا في كتبهم، فقرأ جعفر: ((كهيعص))[14] إلى آخر قصة عيسى (عليه السلام) وكانوا يبكون. ثم قال النجاشي: مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد: أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنه فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه، اذهبوا أنتم سيوم[15] ـ أي آمنون ـ وأمر لنا بطعام وكسوة، وقال: ردوا على هذين هديتهما. وكان عمرو قصيراً، وعمارة جميلا، وشربا في البحر الخمر، فقال عمارة لعمرو: قل لامرأتك ـ وكانت معه ـ: تقبلني. فلم يفعل عمرو، فأخذه عمارة فرمى به في البحر، فناشده حتى خلاه فحقد عليه عمرو[16].

وهكذا حفظ الله تعالى المسلمين من مكر قريش ودسائسهم، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ((وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ))[17].

أبو طالب (عليه السلام) كافل النبي (صلّى الله عليه وآله) والرسالة[18]

كان لوفاة أبي طالب (عليه السلام) عم النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ووالد أمير المؤمنين (عليه السلام) الأثر الكبير في نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكانت وفاته من الأسباب التي أمر الله تعالى نبيه (صلّى الله عليه وآله) بالهجرة من مكة موطن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومولده؛ إذ كان أبو طالب (عليه السلام) هو السند والناصر والكافل والمحامي والمدافع عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في دعوته ورسالته.

ولا بأس هنا بالإشارة إلى بعض سيرته الإيمانية الطيبة مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومع الرسالة المحمدية الشريفة.

فهو أبو طالب واسمه عبد مناف، وقيل: إن اسمه عمران، وقيل: اسمه كنيته، والصحيح أن اسمه عبد مناف[19]، وبذلك نطقت وصية أبيه عبد المطلب حين أوصى إليه برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقد روي: أنه عندما حضرت عبد المطلب الوفاة ـ إلى أن قال ـ مال عبد المطلب إلى جنبه، وأقبل بوجهه على أبي طالب؛ لأنه لم يكن في أولاد عبد المطلب أرفق منه برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا أميل منه، ثم أنشأ يقول:

أوصيك يا عبد مناف بعدي***بموحد بعد أبيه فردي

فارقه وهو ضجيع المهدي***فكنت كالأم له في الوجدي

قد كنت ألصقه الحشى والكبدي***حتى إذا خفت فراق الوحدي

أوصيك أرجى أهلنا بالرفدي***يابن الذي غيبته في اللحدي

بالكره مني ثم لا بالعمدي***وخيرة الله يشاء في العبدي

ثم قال عبد المطلب: يا أبا طالب، إنني القي إليك بعد وصيتي.

قال أبو طالب: ما هي؟

قال: يا بني، أوصيك بعدي بقرة عيني محمد (صلّى الله عليه وآله) وأنت تعلم محله مني، ومقامه لدي، فأكرمه بأجل الكرامة، ويكون عندك ليله ونهاره ومادمت في الدنيا، الله ثم الله في حبيبه.

ثم قال لأولاده: أكرموا وجللوا محمداً (صلّى الله عليه وآله)، وكونوا عند إعزازه وإكرامه، فسترون منه أمراً عظيما علياً، وسترون آخر أمره ما أنا أصفه لكم عند بلوغه.

فقالوا بأجمعهم: السمع والطاعة يا أبانا، نفديه بأنفسنا وأموالنا ونحن له فدية.

قال أبو طالب: قد أوصيتنا بمن هو أفضل مني ومن إخواني؟

قال: نعم، ـ ولم يكن في أعمام النبي (صلّى الله عليه وآله) أرفق من أبي طالب قديماً وحديثاً في أمر محمد (صلّى الله عليه وآله) ـ، ثم قال: إن نفسي ومالي دونه فداء، أنازع معاديه، وأنصر مواليه، فلا يهمنك أمره.

ثم إن عبد المطلب غمض عينيه وفتحهما ونظر قريشاً وقال:

يا قوم، أليس حقي عليكم واجباً؟

فقالوا بأجمعهم: نعم، حقك على الكبير والصغير واجب، فنعم القائد ونعم السائق فينا كنت، فجزاك الله تعالى عنا خيراً، ويهون عليك سكرات الموت، وغفر لك ما سلف من ذنوبك.

فقال عبد المطلب: أوصيكم بولدي محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) فأحلوه محل الكرامة فيكم، وبروه ولا تجفوه، ولا تستقبلوه بما يكره.

فقالوا بأجمعهم: قد سمعنا منك وأطعناك فيه[20].

وقد ورد الكثير من الروايات الدالة وبشكل قاطع على إيمانه وكامل مساندته (عليه السلام) للرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)[21].

وقد صرح في شعره بما يدل أشد الدلالة على إيمانه (عليه السلام) برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونبوته، حيث يقول[22]:

إن ابن آمنة النبي محمدا***عندي بمثل منازل الأولاد

فأقر بنبوته كما هو واضح.

ومنها: قوله لما رأى بحيرا الراهب الغمامة على رأس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال فيه:

فلما رآه مقبلاً نحو داره***يوقيه حر الشمس ظل غمام

حنا رأسه شبه السجود وضمه***إلى نحره و الصدر أي ضمام

إلى أن قال:

وذلك من أعلامه و بيانه***وليس نهار واضح كظلام

فافتخاره بذلك وجعله من أعلامه دليل على إيمانه.

ومنها: قوله في رجوعه من عند بحيرا وذكر اليهود:

لما رجعوا حتى رأوا من محمد***أحاديث تجلو غم كل فؤاد

ومنها: أنه أرسل إليه عقيلاً وجاء به في شدة الحر لما شكوا منه، وقال له: إن بني عمك هؤلاء قد زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عنهم.

فقال (صلّى الله عليه وآله) لهم: أترون هذه الشمس؟

فقالوا: نعم.

فقال: فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تشعلوا منها شعلة.

فقال لهم أبو طالب: والله، ما كذب ابن أخي قط فارجعوا عنه، وهذا غاية التصديق.

ومنها: قوله في جواب ذلك في أبياته:

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة***وأبشر وقر بذاك منك عيونا

إلى أن قال:

وعرضت ديناً قد علمت بأنه***من خير أديان البرية دينا

وقال:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً***نبيا كموسى خط في أول الكتب

فقد أقر بنبوته (صلّى الله عليه وآله) وأكد ذلك بأن شبهه بموسى (عليه السلام) وزاد في التأكيد بقوله: خط في أول الكتب، فاعترف بأنه قد بشر بنبوته كل نبي له كتاب، وهذا أمر لا يعترف به إلا من قد سبق له قدم في الإسلام، ثم وكد اعترافه أيضا بقوله:

وإن عليه في العباد محبة***ولا خير ممن خصه الله بالحب

فاعترف بمحبة الخلق له و بمحبة الله له وجعله خير الخلق بقوله: (ولا خير) إلى آخره، يعني لا يكون أحد خيراً ممن خصه الله بحبه بل هو خير من كل أحد.

نعم، يستدل بما مضى وبغيره مما لا يسع المجال لذكره على إيمان أبي طالب (عليه السلام) وقد ذكر المحققين كثيراً من القصص والأشعار الدالة على وبشكل قاطع على إيمان أبي طالب (عليه السلام)[23].

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) يرثي أباه أبا طالب بعد وفاته، فقال:

أرقت لنوح آخر الليل غردا***لشيخي ينعى والرئيس المسودا

أباطالب مأوى الصعاليك ذاالندى***وذا الحلم لا خلفا ولم يك قعددا

أخا الملك خلى ثلمة سيسدها***بنو هاشم أو يستباح فيمهدا

فأمست قريش يفرحون بفقده***ولست أرى حيا لشي‏ء مخلدا

أرادت أمورا زينتها حلومهم***ستوردهم يوما من الغي موردا

يرجون تكذيب النبي وقتله***وأن يفتروا بهتا عليه ومحجدا

كذبتم و بيت الله حتى نذيقكم***صدور العوالي والصفيح المهندا

ويبدو منا منظر ذو كريهة***إذا ما تسربلنا الحديد المسردا

فإما تبيدونا و إما نبيدكم***وإما تروا سلم العشيرة أرشدا

وإلا فإن الحي دون محمد***بنو هاشم خير البرية محتدا

وإن له فيكم من الله ناصرا***ولست بلاق صاحب الله أوحدا

نبي أتى من كل وحي بخطه***فسماه ربي في الكتاب محمدا

أغر كضوء البدر صورة وجهه***جلا الغيم عنه ضوؤه فتوقدا

أمين على ما استودع الله قبله ***وإن كان قولا كان فيه مسددا[24]

أما كفالته ونصرته لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) فهو مما تواتر ذكره في الأخبار، فقد روي عن ابن عباس قال: لما نزلت ((وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ))[25] قال علي (عليه السلام) ـ وقال ابن عباس ـ: «كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يربيه، وعبق من سمته وكرمه وخلائقه ما أطاق، فقال (صلّى الله عليه وآله) لي: يا علي، قد أمرت أن أنذر عشيرتي الأقربين فاصنع لي طعاماً واطبخ لي لحماً» قال علي (عليه السلام): «فعددتهم بني هاشم بحتا فكانوا أربعين ـ قال ـ فصنعت الطعام، طعاماً يكفي لاثنين أو ثلاثة، قال: فقال لي المصطفى (صلّى الله عليه وآله): هاته.

قال: فأخذ (صلّى الله عليه وآله) شظية من اللحم فشظاها بأسنانه، وجعلها في الجفنة.

قال: وأعددت لهم عسا من لبن، قال: ومضيت إلى القوم فأعلمتهم أنه قد دعاهم لطعام وشراب، قال: فدخلوا وأكلوا ولم يستتموا نصف الطعام حتى تضلعوا، قال: ولعهدي بالواحد منهم يأكل مثل ذلك الطعام وحده.

قال: ثم أتيت باللبن، قال: فشربوا حتى تضلعوا، قال: ولعهدي بالواحد منهم وحده يشرب مثل ذلك اللبن، قال: وما بلغوا نصف العس.

قال: ثم قام فلما أراد أن يتكلم اعترض عليه أبو لهب لعنه الله فقال: أ لهذا دعوتنا؟، ثم أتبع كلامه بكلمة ثم قال: قوموا، فقاموا وتفرفوا كلهم.

قال: فلما كان من الغد، قال لي: يا علي أصنع لي مثل ذلك الطعام والشراب، قال: فصنعته ومضيت إليهم برسالته.

قال: فأقبلوا إليه فلما أكلوا وشربوا قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليتكلم فاعترضه أبو لهب لعنه الله.

قال: فقال له أبو طالب (عليه السلام): اسكت يا أعور، ما أنت وهذا.

قال: ثم قال أبو طالب (عليه السلام): عنه لا يقومن أحد.

قال: فجلسوا، ثم قال للنبي (صلّى الله عليه وآله): قم يا سيدي، فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك، فإنك الصادق المصدق.

قال: فقال (صلّى الله عليه وآله) لهم: أرأيتم لو قلت لكم إن وراء هذا الجبل جيشا يريد أن يغير عليكم أكنتم تصدقوني؟

قال: فقالوا: كلهم نعم؛ إنك لأنت الأمين الصادق.

قال: فقال لهم: فوحدوا الله الجبار، واعبدوه وحده بالإخلاص، واخلعوا هذا الأنداد الأنجاس، وأقروا واشهدوا بأني رسول الله إليكم وإلى الخلق، فإني قد جئتكم بعز الدنيا الآخرة.

قال: فقاموا وانصرفوا كلهم، وكان الموعظة قد عملت فيهم»[26].

ودخل أبو طالب (عليه السلام) على النبي (صلّى الله عليه وآله) فرآه كئيباً، وقد علم مقالة قريش ـ حين طلبوا تسليم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا محمد، لا تحزن، ثم قال:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم***حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة***وابشر وقر بذاك منك عيونا

ودعوتني وذكرت أنك ناصحي***ولقد نصحت وكنت قبل أمينا

وذكرت دينا قد علمت بأنه ***من خير أديان البرية دينا[27]

وقال (عليه السلام) للرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله): اخرج ابن أخي فإنك المنيع كعبا والمنيع حزبا والأعلى أبا، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد، والله لتذللن لك العرب ذل البهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب جميعا، ولقد قال: إن من صلبي لنبياً لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به، فمن أدركه من ولدي فليؤمن به[28].

وروي أن أبا طالب (عليه السلام) فقد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فظن أن بعض قريش اغتاله فقتله فبعث إلى بني هاشم، فقال: يا بني هاشم، أظن أن بعض قريش اغتال محمداً فقتله، فليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة وليجلس إلى جنب عظيم من عظماء قريش، فإذا قلت: أبغي محمداً قتل كل رجل منكم الرجل الذي إلى جانبه، وبلغ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جمع أبي طالب وهو في بيت عند الصفا، فأتى أبا طالب وهو في المسجد، فلما رآه أبو طالب أخذ بيده ثم قال: يا معشر قريش، فقدت محمداً فظننت أن بعضكم اغتاله، فأمرت كل فتى شهد من بني هاشم أن يأخذ حديدة ويجلس كل واحد منهم إلى عظيم منكم، فإذا قلت: أبغي محمداً قتل كل واحد منهم الرجل الذي إلى جنبه، فاكشفوا عما في أيديكم يا بني هاشم، فكشف بنو هاشم عما في أيديهم فنظرت قريش إلى ذلك، فعندها هابت قريش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثم أنشأ أبو طالب يقول:

ألا أبلغ قريشا حيث حلت***وكل سرائر منها غرور

فإني و الضوابح غاديات***وما تتلو السفافرة[29] الشهور

لآل محمد راع حفيظ***وود الصدر مني والضمير

فلست بقاطع رحمي وولدي***ولو جرت مظالمها الجزور

أيأمر جمعهم أبناء فهر***بقتل محمد والأمر زور

فلا وأبيك لا ظفرت قريش***ولا لقيت رشادا إذ تشير

بني أخي ونوط القلب مني***وأبيض ماؤه غدق كثير

ويشرب بعده الولدان ريا***وأحمد قد تضمنه القبور

أيا ابن الأنف أنف بني قصي***كأن جبينك القمر المنير

وله (عليه السلام) أيضاً:

فكيف يكون ذلكم قريشا***وما مني الضراعة والفتور

علي دماء بدن عاطلات***لئن هدرت بذلكم الهدور

لقام الضاربون بكل ثغر***بأيديهم مهندة تمور

وتلقوني أمام الصف قدما***أضارب حين تحزمه الأمور

أرادي مرة وأكر أخرى***حذارا أن تغور به الغرور

أذودهم بأبيض مشرفي***إذا ما حاطه الأمر النكير

وجمعت الجموع أسود فهر***وكان النقع فوقهم يثور

كأن الأفق محفوف بنار***وحول النار آساد تزير

بمعترك المنايا في مكر***تخال دماءه قدرا تفور

إذا سالت مجلجلة صدوق***كأن زهاءها رأس كبير

وشظباها محل الموت حقا***وحوض الموت فيها يستدير

هنالك أي بني يكون مني***بوادر لا يقوم لها الكثير

تدهدهت الصخور من الرواسي***إذا ما الأرض زلزلها القدير

ولا قفل بقيلهم فإني***وما حلت بكعبته النذور

وفي دون نفسك إن أرادوا***بها الدهياء أو سالت بحور

إلى أن قال:

لك الله الغداة وعهد عم***تجنبه الفواحش و الفجور

بتحفاظي ونصرة أريحي***من الأعمام معضاد يصور

وروي أنه (عليه السلام) قال: حدثني محمد ابن أخي وكان والله صدوقا ـ قال ـ قلت له: بم بعثت يا محمد؟

قال: «بصلة الأرحام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة»[30].

وفاة أبي طالب (عليه السلام)

توفي أبو طالب (عليه السلام) في آخر السنة العاشرة من مبعث الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ثم توفيت خديجة (عليها السلام) بعده بثلاثة أيام، فسمى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذلك العام عام الحزن، فقال: «مازالت قريش قاعدة عني حتى مات أبو طالب»[31].

ولما قبض أتى أميرُ المؤمنين (عليه السلام) رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله)، فآذنه بموته فتوجع لذلك النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال: «امض يا علي، فتول غسله وتكفينه وتحنيطه، فإذا رفعته على سريره فأعلمني».

ففعل ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما رفعه على السرير اعترضه النبي (صلّى الله عليه وآله)، فرق له، وقال: «وصلتك رحم، وجزيت خيرا، فلقد ربيت وكفلت صغيرا، وآزرت ونصرت كبيرا». ثم أقبل على الناس، فقال: «أما والله، لأشفعن لعمي شفاعة يعجب منها أهل الثقلين»[32].

وروي عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله، ما ترجو لأبي طالب؟

قال: «كل خير أرجوه من ربي».[33]

نعم، هذه هي الحماية والمساندة والرعاية والحب الكبير من أبي طالب (عليه السلام) عم للنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وبموته وموت خديجة الكبرى (عليهما السلام) سمى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذلك العام بعام الحزن.

[1] سورة ص: 1ـ 4.

[2] نهج البلاغة، الخطب: 192 من خطبة له (عليه السلام) تسمى القاصعة.

[3] إعلام الورى بأعلام الهدى: ص49–52 الركن الأول ب3 ف6، وانظر قصص الأنبياء للراوندي: ص325 ف6.

[4] الحبشة: الاسم الذي أطلقه العرب على الإقليم الذي يطل على البحر الأحمر ويواجه اليمن، واختلفت حدوده باختلاف العصور، وهو ما يعرف اليوم بـ (أثيوبيا)، وهي دولة في أفريقيا الشرقية على البحر الأحمر بين السودان وكينيا والصومال وجيبوتي، تبلغ مساحتها (1،221،900كم) وعدد نفوسها حوالي (53،200،000 نسمة) عاصمتها (أديس أبابا) تتبعها جزر دهلك أمام ساحل إريتريا، أنهى الحكم الإمبراطوري فيها انقلاب عسكري عام (1974م) جعل من أثيوبيا جمهورية شعبية ديمقراطية ذات حزب واحد عام (1987م). حيث حكمها الإمبراطور هيلا سلاسي منذ عام (1930م) حتى عام (1974م)، وكان قد قام بينها وبين إريتريا اتحاد فدرالي سنة (1952م) ولكن لم يلبث هيلا سلاسي أن ألغى الاتحاد وأعلن ضم إريتريا إلى الحبشة عام (1962م)، فقامت في إريتريا ثورة مسلحة للانفصال نشطت بعد سقوط هيلا سلاسي، حتى أعلنت استقلالها عن إثيوبيا عام (1993م). أخذ الإسلام ينتشر في المناطق الشرقية للحبشة ولكن ببطأ ثم أخذ يشق طريقه إلى داخل البلاد بواسطة المسلمين من الأحباش الذين أسلموا على أيدي العرب. وتمكنت طائفة من التجار المسلمين من أهالي تكرور بالسودان من الانتشار في شتى بقاع الحبشة وهؤلاء ساعدوا إلى حد ما في نشر الإسلام. ولعل اشتغال المسيحيين في الحبشة بالخلافات المذهبية ساعد الإسلام على التوسع والانتشار في الأراضي الحبشية.

بدأ الإسلام يخطو في الحبشة خطوات واسعة نحو الأمام ثم انكمش وتقلص في عهد الملك يوحنس وفي عهد خلفه منليك، واستمر ذلك الوضع زمناً طويلاً حتى عام (1913م) حين قام بالأمر الملك ليج اياسوا فناصر الإسلام بكل قوته وزعم أنه من سلالة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وليس من سلالة سليمان، وتزوج من النساء المسلمات وانتظم في سلك المسلمين، وتزيى بزيهم وتقلد السيف العربي، وكتب على العلم بالحروف الحبشية «لا إله إلا الله محمد رسول الله». وفي أواخر عهد هذا الملك ظهرت فكرة إيجاد رابطة بين الأحباش والعرب وكانت فكرة هذا التقارب أقوى وأبرز وضوحاً بين أهالي الصومال وبين سائر القبائل الحبشية، فالصوماليون يقولون إنهم من سلالة عربية، ولقد أخذ كثير من الأحباش يقبلون على دراسة اللغة العربية وهم يعتبرونها لغة مقدسة. فبلغ عدد المسلمين في الحبشة اكثر من ستين في المائة.

والحبشة عبارة عن هضبة تنتشر فيها الجبال والقمم المتفرقة، خاصة غربي البلاد، يتجاوز ارتفاعها أحياناً (4000م) وأعلاها رأس داشان (4620م) تتخللها أودية عميقة وأنهر عديدة، ويفصلها عن السهل الساحلي في الشرق جدار شاهق يعيق المواصلات. ينبع النيل الأزرق من بحيرة تانا، وفي الجنوب الغربي منخفض تكثر فيه البحيرات ومنها: أبايا وستيفاني، وعلى حدود كينيا والسودان بحيرة رودولف. أنهارها كثيرة، أطولها جوبا، وأهمها النيل الأزرق. منفذها على البحر: مصوع وعصب في إريتريا، يربطها خط حديدي بمرفأ جيبوتي. وتشتهر بزراعة الذرة والحبوب والتبغ والبن والقطن. أهم صادراتها: البن ومنتجات المواشي والسكر والملح.

انظر الموسوعة الإسلامية، حسن الأمين: ج5 ص156، الحبشة.

[5] اسمه أصحمة وهو بالعربية عطية، وقيل: صحمة، وإنما النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة، كقولهم، كسرى ملك الفرس أو قيصر ملك الروم، اختار الإسلام وحسن إسلامه ولما توفي نعاه النبي (صلّى الله عليه وآله) ودعا له، وذلك لأن جبرائيل (عليه السلام) نعاه لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم» قالوا: ومن؟ قال: «النجاشي». فخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة، فأبصر سرير النجاشي، وصلى عليه، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني حبشي لم يره قط، وليس على دينه، فأنزل الله هذه الآية: ((وإنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ للهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ)) سورة آل عمران: 199. انظر مجمع البيان: ج2 ص480 سورة آل عمران.

[6] بحار الأنوار: ج18 ص412 ب4 ضمن ذكر أحوال النجاشي.

[7] بحار الأنوار: ج18 ص412 ب4.

[8] سورة الأنعام: 123.

[9] سورة المائدة: 82.

[10] سورة مريم: 25 ـ 26.

[11] سورة المائدة: 110.

[12] انظر تفسير علي بن إبراهيم القمي: ج1 ص179 سورة المائدة.

[13] الخرائج والجرائح: ج1 ص133ــ 134 ب1 ح219.

[14] سورة مريم: 1.

[15] سيم: قوم سيوم أي آمنون. قال ابن الأثير: هي كلمة حبشية وتروى بفتح السين، وقيل: سيوم جمع سائم أي: تسومون في بلدي كالغنم السائمة لا يعارضكم أحد، انظر لسان العرب: ج12 ص314 مادة «سوم».

[16] وفي ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ص210 ب3 الفصل1، في جعفر بن أبي طالب، روي الخبر بهذا اللفظ: عن أم سلمة قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، فجمعوا له أدما كثيراً ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي بهداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم، قال: فخرجا فقدما على النجاشي فدفعا إلى كل بطريق هديته، وقالا: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فقالوا: نعم، ثم قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهم، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلم بما عابوا عليهم.

فقالت البطارقة ـ بطارقته ـ: صدقوا فأسلمهم إليهم، فغضب النجاشي وقال: لاها الله إذن، لا أسلمهم إليهم، ولا أكيد قوماً جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هؤلاء في أمرهم، فإن كان كما يقولون سلمتهم إليهما، وإن كان على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.

قال: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فدعاهم، فلما أن جاءهم الرسول اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟

قالوا: نقول والله ما علمناه، وما أمرنا به نبينا (صلّى الله عليه وآله) كائناً في ذلك ما هو كائن. فلما جاؤوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين من دين هذه الأمم؟

قالت: وكان الذي يكلمه جعفر بن أبى طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيئ الجوار، يأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله عزّ وجلّ لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، أمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئاً، وأمر بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به، فعبدنا الله عزّ وجلّ ولم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما نهرونا فظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك.

قالت: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله عزّ وجلّ شيء؟

قال: نعم.

قال: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدراً من ((كهيعص)) فبكى والله النجاشي حتى اخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم، ثم قال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقوا فوالله لا أسلمهم إليكم أبداً.

قالت: فلما خرجنا من عنده، قال عمرو بن العاص: لآتينه غداً أعيبهم عنده بما أستأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن ربيعة، وكان أتقى الرجلين: لا تفعل فإن لهم أرحاماً، قال: لا والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد.

قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه.

قالت: فأرسل إليهم فسألهم عنه؟ قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم؟ قالوا: نقول والله ما قال الله عزّ وجلّ وما جاء به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن.

فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟

قال له جعفر بن أبى طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا (صلّى الله عليه وآله) هو عبد الله وروحه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

قال: فضرب النجاشي يده على الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، ثم قال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، ردوا عليهما هداياهم فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة، أو ما أطاع الله الناس في فأطيعهم فيه.

قال: فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.

[17] سورة آل عمران: 54.

[18] قال العلامة المجلسي (رحمه الله): كان لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) تسعة أعمام هم بنو عبد المطلب: الحارث، والزبير، وأبو طالب، وحمزة، والغيداق، والضرار، والمقوم، وأبو لهب واسمه: عبد العزى، والعباس. ولم يعقب منهم إلا أربعة: الحارث وأبو طالب، والعباس، وأبو لهب، ـ إلى ان قال ـ وأما أبو طالب عم النبي (صلّى الله عليه وآله) فكان مع أبيه عبد الله ابني أم، وأمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، واسمه عبد مناف، له أربعة أولاد ذكور: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، ومن الإناث أم هاني، واسمها فاختة وجمانة، أمهم جميعاً فاطمة بنت أسد، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وأعقبوا إلا طالباً، وتوفي قبل أن يهاجر النبي (صلّى الله عليه وآله) بثلاث سنين، ولم يزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ممنوعاً من الأذى بمكة موقى له حتى توفي أبو طالب، فنبت به مكة ولم يستقر له بها دعوة حتى جاءه جبرئيل (عليه السلام) فقال: إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: اخرج من مكة فقد مات ناصرك.

وأما العباس فكان يكنى أبا الفضل، وكانت له السقاية وزمزم، وأسلم يوم البدر، واستقبل النبي (صلّى الله عليه وآله) عام الفتح بالأبواء، وكان معه حين فتح وبه ختمت الهجرة، ومات بالمدينة في أيام عثمان، وقد كف بصره، وكان له من الولد تسعة ذكور، وثلاث إناث... انظر بحار الأنوار: ج22 ص260-261 ب5 ح2.

[19] بحار الأنوار: ج35 ص138 ب3 بيان ضمن ح84. وفي ذكر نسب أمير المؤمنين(عليه السلام) قالوا: علي بن أبي طالب واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسم عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسم هاشم عمرو بن عبد مناف، واسم عبد مناف المغيرة ابن قصي، واسم قصي زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. انظر العمدة: ص23 الفصل1 في نسب أمير المؤمنين(عليه السلام).

[20] راجع بحار الأنوار: ج15 ص152- 153 ب1. وانظر الفضائل لابن شاذان: ص45 حديث مولد النبي(صلّى الله عليه وآله).

[21] قال العلامة المجلسي (رحمه الله): أجمعت الشيعة على إسلامه (عليه السلام) وأنه قد آمن بالنبي (صلّى الله عليه وآله) في أول الأمر ولم يعبد صنماً قط، بل كان من أوصياء إبراهيم (عليه السلام) وقال الطبرسي(رحمه الله): قد ثبت إجماع أهل البيت (عليهم السلام) على إيمان أبي طالب، وإجماعهم حجة؛ لأنهم أحد الثقلين اللذان أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) بالتمسك بهما. بحار الأنوار: ج35 ص138-139 ب3 بيان.

[22] إعلام الورى بأعلام الهدى: ص19 الركن الأول ب2.

[23] انظر بحار الأنوار: ج35 ص139-141 ب3 بيان.

[24] ديوان الإمام علي (عليه السلام): ص154-155.

[25] سورة الشعراء: 214.

[26] الطرائف: ج1 ص299 ـ 300 في إيمان أبي طالب (عليه السلام) ح385. وفي الحديث السابق يقول أحد العلماء: ولو لم يكن لأبي طالب إلا هذا الحديث وأنه سبب في تمكين النبي(صلّى الله عليه وآله) من تأدية رسالته وتصريحه، بقوله: وبلّغ رسالة ربك، فإنك الصادق المصدق، لكفاه شاهداً بإيمانه وعظيم حقه على أهل الإسلام، وجلالة أمره في الدنيا ودار المقام، وما كان لنا حاجة إلى إيراد حديث سواه. انظر بحار الأنوار: 35 ص145 ب3 بيان.

[27] بحار الأنوار: 35 ص147 ب3 بيان.

[28] الطرائف: ج1 ص302-303 في إيمان أبي طالب(عليه السلام) ح388.

[29] وفي نسخة أخرى: (السفاسرة) وهي تعني أصحاب الأسفار والكتب، انظر لسان العرب: ج4 ص371 مادة (سفر).

[30] بحار الأنوار: 35 ص149-151 ب3 بيان.

[31] قصص الأنبياء، للراوندي: ص317 ف21 ب20 ضمن ح394.

[32] إيمان أبي طالب: ص25-26.

[33] الطرائف: ج1ص305 في إيمان أبي طالب (عليه السلام) ح394.