الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

بارقة الأمل

في السنة الحادية عشرة من البعثة الشريفة حصل تحول كبير في حياة المسلمين؛ إذ صادف هذا العام، وفي موسم الحج، قدوم وفد من قبيلتي الأوس والخزرج[1] إلى مكة، وهاتان القبيلتان بينهما عداوة قديمة أسفرت عن حروب شرسة وطويلة، وكان كل قبيلة يطمح في الحصول على تحالف مع قريش لغرض ترجيح ميزان القوى لصالحها، وقبل أن يجروا تحالفاتهم مع زعماء قريش اتصل بهم النبي (صلّى الله عليه وآله)، وعرض عليهم الإسلام فلم يكن ردهم سلبياً؛ وذلك لأن اليهود المقيمين في المدينة (أرض الأوس والخزرج) قد أخبروا هاتين القبيلتين بظهور نبي قريباً، كما هو موجود في كتبهم، وحين التقى الوفد بالرسول (صلّى الله عليه وآله) أعلن فوراً إسلامه بعد أن تيقن أن هذا الشخص هو نبي مرسل من الله تعالى.

وعاد الوفد إلى المدينة يحمل أفكاراً جديدة، وأخذ ينشرها بين الناس، وكانت هذه تعد بارقة الأمل الأولى التي بزغت في سماء الإسلام في تلك الفترة الحرجة.

روي عن علي بن إبراهيم قال: قدم أسعد بن زرارة، وذكوان ابن عبد قيس في موسم من مواسم العرب، وهما من الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حرب قد بغوا فيها دهورا طويلة، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكان آخر حرب بينهم يوم بغاث[2]، وكانت الأوس على الخزرج، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس، وكان أسعد بن زرارة صديقا لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه فقال له: إنه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناكم نطلب الحلف عليهم. فقال عتبة: بعدت دارنا من داركم ولنا شغل لا نتفرغ لشيء. قال: وما شغلتكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟

قال له عتبة: خرج فينا رجل يدعي أنه رسول الله، سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا.

فقال له أسعد: من هو منكم؟

قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفاً، وأعظمنا بيتا.

وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم ـ النظير وقريظة وقينقاع ـ أن هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة، لنقتلنكم به يا معشر العرب.

فلما سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود، قال: فأين هو؟

قال: جالس في الحجر، وإنهم لا يخرجون من شعبهم إلا في الموسم، فلا تسمع منه ولاتكلمه؛ فإنه ساحر يسحرك بكلامه. وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب.

فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر، لابد لي أن أطوف بالبيت؟

قال: ضع في أذنيك القطن.

فدخل أسعد المسجد وقد حشا أذنيه بالقطن، فطاف بالبيت ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه، فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل مني، أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا نعرفه حتى أرجع إلى قومي فاخبرهم؟ ثم أخذ القطن من أذنيه ورمى به وقال لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): أنعم صباحا. فرفع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رأسه إليه، وقال: «قد أبد لنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة: السلام عليكم».

فقال له أسعد: إن عهدك بهذا لقريب، إلى ما تدعو يا محمد؟

قال: «إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأدعوكم ((أَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)).[3]

فلما سمع أسعد هذا قال له: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين إخواننا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصلها الله بك فلا أجد أعزّ منك، ومعي رجل من قومي، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمم الله لنا أمرنا فيك، والله يا رسول الله، لقد كنا نسمع من اليهود خبرك، وكانوا يبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك، وعندنا مقامك، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد لله الذي ساقني إليك، والله ما جئت إلا لنطلب الحلف على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل مما أتيت له.

ثم أقبل ذكوان فقال له أسعد: هذا رسول الله الذي كانت اليهود تبشرنا به وتخبرنا بصفته، فهلم وأسلم، فأسلم ذكوان، ثم قالا: يارسول الله، ابعث معنا رجلا يعلمنا القرآن ويدعو الناس إلى أمرك.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمصعب بن عمير، وكان فتى حدثاً مترفاً بين أبويه يكرمانه ويفضلانه على أولادهما ولم يخرج من مكة، فلما أسلم جفاه أبواه، وكان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الشعب حتى تغير وأصابه الجهد، فأمره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالخروج مع أسعد، وقد كان تعلم من القرآن كثيراً، فخرج هو مع أسعد إلى المدينة ومعهما مصعب بن عمير، فقدموا على قومهم وأخبروهم بأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخبره، فأجاب من كل بطن الرجل والرجلان، وكان مصعب نازلاً على أسعد بن زرارة، وكان يخرج في كل يوم ويطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الإسلام فيجيبه الأحداث، وكان عبد الله بن أُبيّ شريفاً في الخزرج، وقد كان الأوس والخزرج اجتمعت على أن يملكوه عليهم لشرفه وسخائه، وقد كانوا اتخذوا له إكليلاً احتاجوا في تمامه إلى واسطة كانوا يطلبونها، وذلك أنه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بغاث ولم يعن على الأوس، وقال: هذا ظلم منكم للأوس ولا أعين على الظلم، فرضيت به الأوس والخزرج، فلما قدم أسعد كره عبد الله ما جاء به أسعد وذكوان وفتر أمره.

فقال أسعد لمصعب: إن خالي سعد بن معاذ من رؤساء الأوس، وهو رجل عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف، فإن دخل في هذا الأمر تم لنا أمرنا، فهلم نأتي محلتهم. فجاء مصعب مع أسعد إلى محلة سعد بن معاذ فقعد على بئر من آبارهم واجتمع إليه قوم من أحداثهم وهو يقرأ عليهم القرآن، فبلغ ذلك سعد بن معاذ، فقال لأسيد بن حضير وكان من أشرافهم: بلغني أن أبا أمامة أسعد ابن زرارة قد جاء إلى محلتنا مع هذا القرشي يفسد شباننا، فأته وانهه عن ذلك.

فجاء أسيد بن حضير، فنظر إليه أسعد فقال لمصعب: إن هذا الرجل شريف، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتم أمرنا، فأصدق الله فيه. فلما قرب أسيد منهم قال: يا أبا أمامة، يقول لك خالك: لا تأتنا في نادينا، ولا تفسد شباننا، واحذر الأوس على نفسك.

فقال مصعب: أو تجلس فنعرض عليك أمراً، فإن أحببته دخلت فيه، وإن كرهته نحينا عنك ما تكرهه.

فجلس فقرأ عليه سورة من القرآن.

فقال: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟

قال: نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين ونشهد الشهادتين ونصلي ركعتين. فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر، ثم خرج وعصر ثوبه، ثم قال: اعرض عليّ، فعرض عليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالها، ثم صلى ركعتين، ثم قال لأسعد: يا أبا أمامة، أنا أبعث إليك الآن خالك وأحتال عليه في أن يجيئك.

فرجع أسيد إلى سعد بن معاذ، فلما نظر إليه سعد قال: اقسم أن أسيداً قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب من عندنا، فأتاهم سعد بن معاذ فقرأ عليه مصعب: ((حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))[4] فلما سمعها، قال مصعب: والله، لقد رأينا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم، فبعث إلى منزله وأتى بثوبين طاهرين واغتسل وشهد الشهادتين وصلى ركعتين، ثم قام وأخذ بيد مصعب وحوله إليه وقال: أظهر أمرك ولا تهابن أحدا. ثم جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح: يا بني عمرو بن عوف لايبقين رجل ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا شيخ ولا صبي إلا أن يخرج، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب.

فلما اجتمعوا قال: كيف حالي عندكم؟

قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا، ولا نرد لك أمراً، فمرنا بما شئت.

فقال: كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم علي حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والحمد لله الذي أكرمنا بذلك، وهو الذي كانت اليهود تخبرنا به. فما بقي دار من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم إلا وفيها مسلم أو مسلمة، وحول مصعب بن عمير إليه وقال له: أظهر أمرك وادع الناس علانية. وشاع الإسلام بالمدينة وكثر، ودخل فيه من البطنين جميعا أشرافهم، وذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود.

وبلغ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن الأوس والخزرج قد دخلوا في الإسلام، وكتب إليه مصعب بذلك، وكان كل من دخل في الإسلام من قريش ضربه قومه وعذبوه، فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأمرهم بالخروج إلى المدينة، فكانوا يتسللون رجلاً فرجلاً فيصيرون إلى المدينة فينزلهم الأوس والخزرج عليهم ويواسونهم...[5].

لماذا المدينة المنورة

منذ ذلك الحين راح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخطط في سبيل إرساء قواعد الإسلام في المدينة المنورة[6]، بعد أن وقع اختياره عليها لتكون القاعدة الأمينة، لنشر الدين الإسلامي، وذلك لعدة أسباب منها:

أولاً: النضج الفكري الذي كان يتمتع به أهل المدينة بالمقارنة مع أهل مكة، حيث كان أهل المدينة غير منغلقين على أنفسهم دينياً، مضافاً إلى الديانات اليهودية والمسيحية التي كانت تبشر بنبي آخر الزمان.

ثانياً: ظهور الرغبة الصادقة عند بعض أهالي المدينة في اعتناق الإسلام على العكس من مكة التي وقفت بوجه الإسلام بكل ما تستطيع.

ثالثاً: البعد النسبي بين مكة والمدينة، فالمدينة لا هي بعيدة جداً عن مكة بحيث يصعب الاتصال بها، ولا هي قريبة جداً بحيث تؤثر بها دسائس مكة.

رابعاً: الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به المدينة من الناحية الاقتصادية والعسكرية، فالمدينة تشرف على الطرق الرئيسية، التي تمر بها التجارة من والى مكة، وبهذا الموقع اكتسبت قدرة على فرض الحصار على مكة بقطع تجارتها دون العكس، بالإضافة إلى أنها منطقة زراعية، وأرضها خصبة بعكس مكة، أما من الناحية العسكرية فهي محصنة من أغلب جهاتها، وواقعة بين موانع طبيعية محصنة فمن الغرب والشرق، تحيط بها أراض وعرة متكونة من الحجارة المسننة والتي يصعب على كثير من الناس والحيوانات إجتيازها.

وأما جهاتها الأخرى فتحيط بها أشجار النخيل الكثيفة بحيث تشكل مانعاً بوجه هجمات الأعداء إذا ما حاولوا الإغارة عليها، كل هذه العوامل وغيرها جعلت الرسول (صلّى الله عليه وآله) يركز تركيزاً مباشراً على المدينة، ويتخذها كقاعدة للانطلاق، وفعلاً تحقق طموح الرسول (صلّى الله عليه وآله) في ذلك، وجاءت النتائج كما خطط لها.

[1] الأوس والخزرج قبيلتان عربيتان من الأزد وهم أبناء حارثة بن ثعلبة، ارتحلتا من اليمن إثر تصدع سد مأرب، فاستوطنوا المدينة المنورة، نصروا رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وآمنوا به فسموا بالأنصار في قبال المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.

[2] يوم بغاث أو بعاث، بضم الباء: يوم معروف، كان فيه حرب بين الأوس والخزرج في الجاهلية، هو من مشاهير أيام العرب، وبعاث: اسم حصن للأوس، انظر لسان العرب: ج2 ص117 مادة «بعث».

[3] سورة الأنعام: 151ـ 152.

[4] سورة فصلت: 1،2.

[5] إعلام الورى بأعلام الهدى: ص56 الركن الأول ب3 ف7.

[6] المدينة المنورة: ثانية مدن الحجاز القديمة وأهم مدينة حجازية تاريخية بعد مكة المكرمة من حيث السعة والتجارة ومن حيث الحاصلات الزراعية ووفرة المياه.

والحجاز أحد أقاليم الجزيرة العربية الواقع في غرب جزيرة العرب، وهو إقليم مستطيل تحده قديماً من الشمال بادية الشام أو الأردن الحالية، ومن الغرب البحر الأحمر، ومن الشرق نجد، ومن الجنوب بلاد العسير.

وتقطع الحجاز من الشمال إلى الجنوب جبال (السراة) ويبلغ ارتفاع بعضها نحو (8000 قدم)، ويتصل بمنحدرات هذه الجبال سهل مشهور هو السهل المعروف باسم (تهامة)، وقيل: إن الحجاز هو الجبال الحاجزة بين الأرض العالية من نجد وبين الساحل الواطئ (تهامة)، والحجاز على هذا هو الجبال الممتدة من خليج العقبة إلى عسير، وقيل: بل سمي حجازاً لأنه يحجز بين الشام واليمن والتهائم.

ويثرب (المدينة) واقعة في القسم الشمالي من الحجاز وعلى بعد (300 ميل) شمالي مكة المكرمة وفي طريق الشام للمصعد من اليمن ومكة، وعلى مسافة (130 ميلاً) عن ينبع ميناء المدينة على البحر الأحمر، ويثرب هذه واحة خصبة التربة غزيرة المياه محصورة بين حرّتين، أو ما تسمى باللابتين، وفي أرض سبخة ـ والحرّة هي الحجارة البركانية السوداء المنخوبة، والسبخة هي التربة المشوبة بالملح ـ وهاتان الحرّتان اللتان تقع يثرب بينهم هما حرّة (واقم) في الشرق، وحرّة (الوبرة) في الغرب، وتكتنف الوديان الحرّتين من الشرق ومن الغرب، وتحيط بالمدينة من جهاتها الأربع.

وتقع مدينة (يثرب) بين خط العرض 524ـ 525 شمالاً، وعلى خط الطول 39 ـ 40د شرقي غرينتش، ولجبالها ومرتفعاتها شهرة اكتسبت معظمها بعد هجرة الرسول(صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة وبسبب ما حدث عندها من حوادث مهمة في تاريخ الإسلام مما أضفت عليها الأحاديث الشيء الكثير من الثناء والذكر الطيب، من أهم هذه الجبال: جبل (أُحد)، وهو واقع شمال المدينة بينه وبينها قرابة ميل واحد، وهو جبل أحمر، وعنده كانت الوقعة الفظيعة التي اشتهر بها (معركة أحد) والتي قتل فيها سبعون من خيرة أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) ومنهم كان حمزة بن عبد المطلب عم النبي (صلّى الله عليه وآله) فأقبلت (هند) زوج أبي سفيان وأم معاوية، ومثّلت به ما لم يمثّل بأحد في غزاة، وأخرجت كبده تمضغها وتلوكها تشفياً به(عليه السلام) فلقبت بآكلة الأكباد؛ وهذا ما جعل لأحد بالإضافة إلى الوقعة الكبيرة شهرة واسعة. ومن أشهر جبال المدينة جبل (وَرِقان) وهو جبل أسود واقع على يمين المتجه من المدينة إلى مكة، وجبل (رضوى) ويقع على نحو سبع مراحل من المدينة، وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية. وفي هذه الجبال الثلاثة وردت أحاديث مباركة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) منها قوله (صلّى الله عليه وآله): «خير الجبال أحد والأشعر وورقان» راجع معجم البلدان: ج1 ص198 باب الهمزة والشين وما يليهما، والأشعر جبل جهينة ينحدر على ينبع من أعلاه. وهناك جبال أخرى، منها (سَلْع) وجبل (عَيْر).

أما مناخ المنطقة فيختلف باختلاف الموقع من حيث الارتفاع ووفرة المياه وكثرة البساتين؛ ومع ذلك فهو على العموم شديدة الحرارة ولا سيما مناخ المدينة نفسها.

ويثرب هو الاسم التاريخي الذي كان يطلق على هذه المدينة قديماً والتي عرفت بعد ذلك بمدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وقيل: إن اسم يثرب هو اسم الأرض من ذلك الصقع، وقيل: بل هو اسم المدينة نفسها؛ وقد زعم آخرون أن يثرب قد سميت باسم أول من سكنها من ولد سام بن نوح، وزعم غيرهم أنها سميت باسم رجل من العمالقة، وقيل: إنما سميت بيثرب لأن أول من سكنها عند التفرق كان يثرب بن قافية بن مهلائيل ابن ارم بن عبيل بن عوض بن ارم بن سام ابن نوح. وما من مدينة من المدن الإسلامية كان لها من الأسماء وكثرتها كمدينة يثرب، وإذا صح أن كل هذه الأسماء الواردة في كتب التاريخ هي أسماء لمدينة (يثرب) فالراجح أن كل اسم من هذه الأسماء قد أطلق عليها بناء على صفة اتصفت بها، أو أريد أن تتصف بها، وأن معظمها قد أطلق عليها بعد هجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله). فقد ورد في سلسلة من الأقوال: أن للمدينة في التوراة أحد عشر اسماً، وقيل: أربعين اسماً، وقيل: نيف وتسعين اسماً. ومن أشهر أسمائها هي: المدينة، وطيبة، وطابة، والمسكينة، والعذراء، والجابرة، والمحبة، والمحببة، والمحبورة، ويثرب، والناجية، والموفية، وأكّالة البلدان، والمباركة، والمحفوفة، والمسلمة، والمجنّة، والقدسيّة، والعاصمة، والمرزوقة، والشافية، والخيّرة، والمحبوبة، والمرحومة، وجابرة، والمختارة، والمحرمة، والقاصمة وطبابا.

وقد روي: إن النبي (صلّى الله عليه وآله) هو الذي سمى يثرب طيبة وطابة؛ لأن المدينة كان اسمها يثرب، والثرب هو الفساد، فنهى أن تسمى به، وسماها طابة، وطيبة. وإن من خصائص (المدينة) أن من دخلها يشم رائحة الطيب، وللعطر فيها رائحة لم توجد في غيرها.

وعلى كثرة أسماء المدينة المنورة فقد اختصت بالشهرة باسم (يثرب) وباسم (المدينة) واسم (طيبة) دون الأسماء الأخرى، وكان اسم يثرب هو أقدم اسم عرفت به هذه المدينة أو هذه الأرض ثم تغلب اسم (المدينة) بعد ذلك على يثرب وطيبة فسميت بعد هجرة النبي(صلّى الله عليه وآله) إليها بـ (مدينة الرسول(صلّى الله عليه وآله)) تمييزاً لها عن المدن الأخرى، ثم اكتفي بعد ذلك باسم المدينة منفرداً وألحقت بها الصفة فصارت تسمى بالمدينة المنورة.

وأرض المدينة تشتهر بوديان عديدة منها: وادي العقيق، والعقيق لغة الوادي، وقد قيل عن عقيق المدينة إنه عقيقان: العقيق الأكبر، والعقيق الأصغر، وهناك عقيق آخر هو أكبر من ذينك العقيقين في المدينة، وفي العقيق عدد كبير من الآبار. ومن أوديتها وادي القرى، وهو أشهر أودية الحجار وأوسعها يمتد بين المدينة والشام، وقد كان مشهوراً بغزارة مياهه، وكثرة عيونه، ومنها وادي مذينيب، ويقع على نحو سبعة أميال من (المدينة) وهو من أشهر وديان المدينة قامت عليه منازل بني النضير.

وفي المدينة عيون وآبار اشهرها: عين فدك، وهي عين فوارة، يحيط بها نخل كثير، وهي أشهر عيون يثرب، وفدك هذه واقعة في شمال المدينة، ومنها عيون الفُرْع، وعين دومة الجندل، وعين أبي نَيْزَرَ وعين البُغيَبْغَة. ومن أشهر آبارها بئر غُرس، وبئر أرما، وبئر أريس، وبئر حا، وبئر بُضاعة، وبئر رُومة، وبئر رئاب، وبئر عروة.

تحيط بالمدينة قرى وضياع كان لها في أيام الجاهلية شأن كبير من حيث عمرانها وخصبها وازدهارها وحصونها ومناعتها في الحرب، وقد بقي قسم من تلك القرى حتى اليوم محافظاً على خصبه، مزهواً بنخيله وثمره، من أشهرها: العقيق، وخيبر، وقرية فدك، ووادي القرى، وقرية الفُرْع، وقريبة قُبا، ودومة الجندل، وقرية ينبع، ومن أشهر قرى المدينة القديمة (زبالة الزج) وقرية (المال) وهي من أقدم قرى المدينة، وغير هذه قرى أخرى طمست آثارها ومحيت أسماؤها كقرى (عُرينه) ومنازل (مزينة) وغيرها. انظر موسوعة العتبات المقدسة، لجعفر الخليلي، قسم المدينة المنورة.