الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قال تعالى: ((قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحـْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ))[1].

وتفسير الآية المباركة هكذا: ((قُلْ)) يا رسول الله ((يَا عِبَادِ)) وأصله يا عبادي ((الَّذِينَ آمَنُوا)) فعل ماضي ((اتَّقُوا)) أيها الناس ((رَبَّكُمْ)) أي: خافوا عقابه،فلا تخالفوا أوامره، فإنه ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا)) في العقيدة والعمل ((فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ)) المراد بها الجنس، فإن اتباع مناهج الله سبحانه، يوجب الغنى والصحة والأمن والعلم والفضيلة وسائر الخيرات، كما دل عليه الدليل والتجارب ((و)) إذا رأيتم أنكم لا تتمكنون من الإتيان بالطاعة في مكان فهاجروا، فـ ((أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ)) إلى حيث تتمكنون من أن تحسنوا هناك، وحيث إن الهجرة توجب أتعاباً فقال سبحانه: ((إِنَّمَا يُوَفَّى)) يُعطى وافياً ((الصَّابِرُونَ)) في الشدائد ((أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)) فإنه لكثرته لا يتمكن الإنسان من عده، وإن كان بقدر معلوم عند الله[2].

وقال تبارك وتعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً * إِلاَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً * وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً))[3].

وفي هذه الآية المباركة يتوجه الخطاب إلى طائفة أخرى من القاعدين عن الهجرة الذين لم يعدهم الله الحسنى، بل وعدهم العذاب لأنهم هم السبب في ظلم الكفار لهم وهضمهم حقوقهم ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ)) أي تقبض الملائكة أرواحهم، فإن لملك الموت أعواناً كما ورد في الروايات الشريفة، ودلت عليه هذه الآية، ((ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)) أي: في حال كونهم ظالمين لأنفسهم، لأنهم بقوا في دار الهوان حيث يسومهم الكفار العذاب ويمنعونهم من الإيمان بالله والرسول (صلّى الله عليه وآله)، وقد كان بإمكان هؤلاء أن يهاجروا إلى دار الإيمان ويؤمنوا، ولعل الآية أعم منهم ومن المؤمنين الذين بقوا في دار الكفر ولا يتمكنون من إظهار واجبات الإسلام والعمل بما أوجبه الله سبحانه ((قَالُوا)) أي: قالت الملائكة لهم عند قبض أرواحهم: ((فِيمَ كُنْتُمْ)) أي: في أي شيء كنتم من أمر دينكم، وهو استفهام تقريري توبيخي ((قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ)) ليستضعفنا أهل الشرك في بلادنا فلا يتركوننا لأن نؤمن، أو لايتركوننا لأن نعمل بالإسلام ((قَالُوا)) أي: قالت الملائكة لهم ((أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً)) حتى تخرجوا من سلطنة الكفار، وتتمكنوا من الإسلام أو من العمل بشرائعه.

((فَأُولَئِك)) الذين سبق وصفهم ((مَأْوَاهُمْ)) مرجعهم ومحلهم ((جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً)) أي: أنها مصير سيئ لعذابها وأهوالها.

ثم استثنى سبحانه من هؤلاء من لا يتمكن من الهجرة فإنه ليس مكلفاً، وإنما أمره إلى الله تعالى ((إِلاَ الْمُسْتَضْعَفِينَ)) الذين استضعفهم الكفار في بلادهم ((مِنَ الرِّجَالِ)) العجزة ((والنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ)) وهاتان الطائفتان في طبيعتهم العجز عن الفرار والهجرة ((لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً)) أي: علاجاً لأمرهم وفكاً لأنفسهم عن سلطة المشركين ((وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً)) للفرار والهجرة، ((فَأُولَئِكَ)) العاجزون من المستضعفين ((عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ)) أي: لعل الله سبحانه يغفر لهم ذنبهم،ودخول عسى في مثل هذه الآية للدلالة على كون الأمر بيد الله سبحانه،وأنه كان قادراً على أن يأمرهم بما يحرجهم من وجوب خروجهم وإظهار دينهم وإن بلغ لهم الأمر ما بلغ.

لا يقال: إن كان المراد بالمستضعفين الكفار فكيف يعفى عن الكفر؟

لأنه يقال: الدليل العقلي والنقلي قد دل على امتحان الضعفاء والعجزة والبله ومن إليهم في الآخرة، وذلك بخلاف الكافر المعاند الذي مصيره النار حتماً.

((وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً)) يعفو عمن يشاء ((غَفُوراً)) يغفر الذنوب، ولعل الفرق بين العفو والغفران أن العفو غفران بلا ستر، والغفران عفو مع الستر، فإن عدم العقاب لا يلازم الستر.

وقد يمنع عن الهجرة خوف أن لا يجد الإنسان في محله الجديد ما يلائم مسكنه ومكسبه، ولكنه ليس إلا توهماً؛ فإن الأرض واسعة والكسب ممكن في كل مكان ((وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ)) لأمره سبحانه ومن أجله ((يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً)) المرغم مصدر بمعنى المتحول، وأصله من الرغام وهو التراب[4] ((وَسَعَةً)) أي في الكسب وسائر شؤون الحياة. ((وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً)) يهاجر وطنه ومحله، ويقطع عنه ((إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ)) والهجرة إلى الله أي: إلى محل أمره، والهجرة إلى الرسول إما حقيقي كما في زمان حياته (صلّى الله عليه وآله)، وإما مجازي كما إذا هاجر إلى بلاد الإسلام حسب أمر الرسول ((ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ)) أي: يموت في طريقه ((فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ)) لأنه خرج في سبيله وحسب أمره فأجره وثوابه عليه سبحانه ((وَكَانَ اللهُ غَفـُـوراً رَحِيماً)) يغفر ذنوب المهاجر ((رَحِيماً)) يرحمه بإعطائه الثواب، وفي الحديث: «من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض، استوجب الجنة،وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد (صلّى الله عليه وآله)»[5].

وقد ورد في بعض التفاسير أن السبب في نزول هذه الآية أنه لما نزلت آيات الهجرة سمعها رجل من المسلمين كان بمكة يسمى (جندب بن ضمرة) فقال: والله ما أنا مما استثنى الله، إني لأجد قوة، وإني لعالم بالطريق، وكان مريضاً شديد المرض، فقال لبنيه: والله لا أبيت بمكة حتى أخرج منها، فإني أخاف أن أموت فيها، فخرجوا يحملونه على سرير حتى إذا بلغ التنعيم مات، فنزلت الآية[6].

[1] سورة الزمر: 10.

[2] انظر تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان: ج23 ص149 سورة الزمر.

[3] سورة النساء: 97ـ100.

[4] انظر لسان العرب: ج12 ص245 مادة (رغم).

[5] تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج1 ص33 باب السفر والسير والفراق والقدوم والوداع.

[6] انظر تفسير (تقريب القرآن إلى الأذهان): ج5 ص84 سورة النساء. وانظر بحار الأنوار: ج19 ص30 ب6.