الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

كلمة الناشر

الفصل السابع

وحدة الاشتراك في الحضارات

موجز عن الحضارات

مسألة: اتضح من البحوث السابقة أنّ الحضارات لها وحدة واحدة وروح عامة هي فلسفة التاريخ سواء كانت تلك الحضارة حضارة دينية أو حضارة دنيوية، واتضح أيضاً أنّ الحضارات بمجموعها لهـا فلسفة عامّة حالها حال النوع والجنس، حيث إنّ الإنسان مثلاً له روح عامة سارية في كلّ أفراده، ثمّ للشاة وللبقر وللإبل كذلك، ولمجموع الإنسان وهذه الحيوانات روح عامٌة وفلسفة عامّة هي الكلّية السارية في جميع الأنواع، فجميع الأديان مجتمعةً، لها روح عامة واحدة هي وحدة المبدأ والهدف، كما أنّ لكل واحدة بمفردها روحاً عامةً أيضاً.
وهنا نذكر بعض تلك الحضارات بفلسفتها العامّة، والحضارات المتعدّدة بفلسفتها الوحيدة التي هي بمنـزلة الجنس بالنسبة إلى الحضارات المعتنقة.
وهذه الحضارات هي كالتالي:

الديانة الهندوكية

أولاً: الهندوكية وتسمّى بذلك نسبة للإله برهاماك ـ على حدّ زعمهم ـ وتسمى كذلك بالبرهمية، وهم يقولون: إنّ برهاماك إله موجود بذاته، ويستمدّ كلّ شيء وجوده منه، ولا يحدث في العالم شيء إلاّ بإرادته وإذنه.
ولا ترجع البرهمية إلى كتاب واحد؛ إذ إنها تستند في عقيدتها، وتعاليمها وأخلاقها، وشرائعها، إلى عدد من الكتب كتبها حكماؤهم، وعلماؤهم ـ مثل ذلك مثل التلمود عند اليهود؛ حيث هي مجموعة أفكار وآراء علماء اليهود ـ وأقدم كتبهم يسمّى فيدا(1)، وغالباً ما يقولون: إنّ دينهم قبل دين المسيح بألف عام، أيّ حسب قولهم تكون البرهمية قبل ثلاثين قرناً.
وترى البرهمية أنّ جميع الكائنات التي صدرت عن الموجود الأوّل متغيّرة متناسخة، وأنّهم يقولون: الكلّ يرجع بعد ذلك إلى ذلك الكائن حالها حال قطرات الماء التي تصبّ في الأنهار والبحار من المطر حيث يكون الأمر دوريّاً، والبحار تصعد ثمّ تنـزل وهكذا، وهم يدّعون الفناء في الخالق، ويرون أنّ الطريق إلى ذلك إهمال مطالب الجسم ولذّاته وشهواته، والمنع عن متع الحياة، والإكثار من الصوم والتوبة والندم على ما اقترف الإنسان من المعاصي، وهي عندهم غير المعاصي والآثام التي عندنا نحن أي المسلمون.
وفي الأصل كانت البرهمية ـ الهندوكية ـ ديانة التوحيد، ولذا نحتمل أن يكون لها أصل ونبي واقعي ثمّ حرّفوا وبدّلوا، واليوم يعتقدون بالتثليث، وآلهتهم الثلاثة هي: براهما، وشيفا، وفيشنو(2).
وهم يقولون: إنّ البرهميين خلقوا من رأس الإله براهما، والفشتريين خلقوا من ذراعه، والفيشائيين خلقوا من فخذه، والشودرائيين من قدمه، وهؤلاء يعرفون باسم المنبوذين؛ ولهم في الهند صولة وجولة وعددهم يصل إلى ثلاثمائة مليون من ألف مليون مجموع عدد الهنود.
فالبرهميون هم الطبقة الدينية العلمية، والفشتريون لهم الوظائف الحربية، ومسؤوليتهم المحافظة على الأمن، والفيشائيون يعملون بالتجارة والزراعة وتربية المواشي، والشودرائيون ـ المنبوذون ـ قضي عليهم بأن يكونوا خدماً للطبقات الثلاث السابقـة، ويعتبرونهـم أنجاساً لا يصح لمسهم ولا مؤاكلتهم ولا مصاهرتهم، وأحياناً يحرِّمون حتّى النظر إليهم ويقولون: نظر الإنسان إلى المنبوذ تسبّب نجاسة العين، وإذا شَرِبَ المنبوذ في إناء تنجس ذلك الإناء، وإذا كان فخّاراً كسروه، وهكذا. فهم أربع طبقات، وعندهم لا يصح لفرد من طبقة أن ينتسب إلى طبقة أخرى، ولا أن يزاول مهنته وعمله، ولا يحقّ لأحد أن يعترض على ما أراد الإله له من الدرجة، والطبقة، والعمل.
والعبادات عندهم مختلفة، فلكلّ واحدٍ من الطبقات الأربع عبادة خاصّة به، لا يحقّ لغيره أن يتعبّد بتلك العبادة، وهؤلاء الطبقات الأربع قد تفرّعت منها ثلاثة آلاف طبقة، والجنّة عندهم أن تصعد الطبقة الدنيا إلى الطبقة العليا. كما أنّ جهنّم عندهم هي انحطاط إحدى الطوائف من طائفة عليا إلى طائفة سفلى.
وهم يقدّسون البقرة، وفي أيّام نهرو(3) أراد بيع البقرات المقدّسة وكانت أعدادها قد وصلت إلى خمسين مليوناً ثمّ لماّ حدثت اضطرابات ضد بيع البقرة، كفّ نهرو عن البيع.
ولهم معابد ولعلّ أعظمها: معبد سنغافورة، ويوجد في كلّ معبد عدد من الدكاكين لبيع الشموع، وأعواد البخور، وتماثيل الآلهة، وهياكل القرابين، والأرز الملفوف في أوراق المانجو، إلى غير ذلك من الأمور المرتبطة عندهم بالعبادة .
ويؤدّي الهندوس صلاة الجماعة أمام الإله فيشنو يومياً في السابعة صباحاً والسادسة مساءً، وصلاتهم عبارة عن عدّة أذكار وتعويذات، وما أشبه ذلك، كما أنّ الهندوسي الأكبر يجب عليه أن يغسل الإله يومياً عدّة مرّات بالماء والحليب الصافي واللّبن المخثّر وكوكتيل من عصير الفواكه والعسل وعصير الليمون وماء الورد، وما أشبه ذلك، ثمّ بعد الغسل، يغطيه بباقات من الزهور، والجواهر، ويوضع أمامه قرابين الأنس، وجوز الهند، والموز، والسكّر، والبلح، وينثر أوراق الشجر الخضراء تحت قدمه، والناس يتقرّبون إليه في التقبيل، واللمس، وطلب الحاجات منه.
وعند الهندوسيين؛ الحيوان محترم مهما كان صغيراً أو كبيراً، مؤذياً أو غير مؤذٍ، حتّى إنّ بعضهم رأيته بنفسي في أيّام الحرب العراقية ـ الإيرانية(4) جاؤوا لزيارتي ويصرّون عليّ بالضغط على الحكومتين بترك الحرب، وكانوا قد علّقوا على أفواههم خرقاً حتّى لا يدخلها حيوان فيتأذّى ذلك الحيوان حتّى لو كان حشرة صغيرة كالبعوض مثلاً، وجماعات منهم إذا ساروا في الطريق، أمسكوا بأيديهم سعفاً من النخيل يكنسون بها الشوارع أمامهم حتّى لا يسحقوا بأقدامهم شيئاً فيرتكبوا بذلك خطيئة كبيرة، كمـا أنّ للأشجار الكبيـرة عندهـم قدسيّتها حيث إنّ الأشجار لها أرواح أيضاً، وظلّ الإنسان إذا وقع على الطعام حَرُمَ ذلك الطعام حيث يتصوّرون أنّ الظلّ يبعث إلى الطعام سمّاً قتّالاً، ويعتبرون البقرة أمّ الله ـ والعياذ بالله ـ لأنّها تدرّ لبناً يهب الحياة للناس، وأحياناً تقتحم البقرة الحوانيت، فإنْ كان صاحب تلك الحوانيت هندوسياً تركها تعبث في المكان فساداً، وكثيراً ما أراق البريطانيون دماء الناس بسبب هذه البقرة المقدّسة حيث يذبحها غير الهندوسي ويحارب الذابحين الهندوسي.
ويتبرّكون ببول البقرة، ويدهّنون المطابخ والجدران بروثها؛ ليُقبِلَ السَعد إلى البيت وتعمّ الخيرات، فقد قرأت في إحدى المجلات عن أيّام نهرو أنّه كان في أعيادهم المقدّسة يشرب قطرات من بول هذا البقر، فقيل له: أنت مثقّف وخريج جامعة كامبريج، فكيف تفعل ذلك وأنت تعلم أنّه ليس هذا العمل سوى خرافة، فأجاب: إنّه تقليد ورثناه من آبائنا، كما قال سبحانه وتعالى: ((إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ))(5) . ومن النصوص المقدّسة في كتبهم: أيّتها البقرة المقدّسة لك التمجيد والدعاء في كلّ مكان تظهرين به.
أمّا بالنسبة إلى المهاتما غاندي؛ فكان يقدّس البقرة ظاهراً لكنّه أسلم واقعاً، كما أخبر بإسلامه نفران، قرأت في كتبهما، أحدهما رئيس الجمهورية الهندية بعد الاستقلال وهو راجند رابراساة، والثاني محمّد علي جناح(6)، حيث كانا قريبين منه، قالا في كتابيهما: إنّه آمن بالله وبالإسلام إيماناً حقيقياً، لكنّه لم يظهر إيمانه؛ خوفاً من سقوط حركته بدسائس المستعمرين.
والهندوس يعتقدون بتناسخ الأرواح، فإنّهم يعتقدون أنّ الروح لا تفنى بل تنتقل من مخلوق إلى آخر من مراحل ودورات منفصلة عن سواها من الدورات، والإنسان الصالح تحلّ روحه في طفل من طائفة أعلى، في حين أنّ الشخص السيئ تحلّ روحه بعد موته في موجود من طائفة أدنى، فعندهم العوالم ثلاثة: العالم العِلوي وهو المطيعون، وعالم الإنس حيث تحلّ روح أحدهم في جسم مخلوق آخر تبعاً لحالتها من الصلاح والفساد، والثالث عالم عقاب جهنّم ويكون فيه من استمرّ ترديه حتّى أصبح برغوثاً، أو بعوضة، أو عقرباً، أو حيّة، أو رتيلاء، أو ما أشبه ذلك.

الطائفة السيخية

ومن نافلة القول نشير إلى السيخ، وهم في الأصل كانوا هندوكاً، وقد أخذوا مزيجاً من بين الإسلام والمسيحية والهندوكية. وقد اهتموا بالتربية الحربية أشدّ اهتمام؛ لأنّهم علموا أنّه لا مكان لهم في الهند المزدحمة بالأديان، والأفكار، والعقائد، إلاّ بالسلاح والقوّة.
وأوّل شخص دعا إلى ذلك رجل اسمه (جودو)، الذي ولد في البنجاب عام 874ه‍‍ 1469م، وذكر بعضهم أنّ عدد الجميع لا يتجاوز 15 مليوناً، والمعلّم الأوّل لهم زعم أنّ الله قد تجلّى إليه وأمره بالدعوة إلى هذا الدين، وقد اختفى ذات مرّة وهو يستحمّ في أحد الأنهار ثلاثة أيّام ثمّ ظهر معلنا‌ً أنّ لا هندوك ولا مسلمين وأنّه اهتدى إلى الدين الصحيح، والمعلّمون لهؤلاء تسعة، يحمل كلّ واحد منهم لقب هورو، وتنتقل الروح من أحدهم إلى الآخر كانتقال النور، ولما ظهر فيهم المرتاضون، صاروا يأتون ببعض الخوارق الناشئة عن قوّة النفس، ويقولون عن أنفسهم: إنّهم لا يعبدون إلاّ الله، وإنّهم لا يتّخذون الأصنام، ويسمحون لكلّ من أراد زيارتهم بدخول معابدهم، ويدّعون حبّهم للخير المتمثّل في تعاونهم في جمعياتهم الخيرية، وتبرّعات رجالهم لمعابدهم سخيّة، لأنّهم متعاونون مع أصحاب رؤوس الأموال في الهند، وينبغي لهم أن يزيلوا الشعر من كلّ أنحاء الجسم سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً حسب عقيدتهم الأوّلية لكنّهم عملياً يطيلون شعر الرأس، وهم دائماً يحملون معهم خنجراً، أو سيفاً، أو ما أشبه ذلك، ويلبسون الخاتم، كما يلبسون السوار الفولاذي في اليد اليمنى لهدف ما، لعلّه الصحّة والسلامة. لأنّ مثل هذا الفولاذ يبعد عن الإنسان الابتلاء بأمراض الانتفاخ، كما يلبس جماعة منهم عمائم كبيرة ذات شكل متميّز، وبعضهم يستعمل عمّامة محنّكة، تربط شعر اللحية والعوارض، ويحترفون غالباً الزراعة والتجارة، ويحلّلون اللحم حتّى لحم الأبقار التي منعها الهندوس، فأهمّ ما يميّزهم عن غيرهم مظهرهم الذي يقضي بأنْ يرخى الرجل شعره ويسدل لحيته، ولهم معابد خاصّة بهم يسمّى المعبد عندهم غوردوارا، وفي معابدهم يوجد الكتاب المقدّس، فمن دخل المعبد، ركع حتّى تلامس جبهته الأرض، ثمّ يعود للوراء وهو متّجه بوجهه ناحية الكتاب المقدّس، ليجلس مع الآخرين. ولهم صلاة حيث يرتِّل الحاضرون منهم كلمات من هذا الكتاب. وقد صرح رئيسهم ذات مرة أنّ الجنود السيخ يعدون من أقوى الجنود في العالم.
ويحرصون على نظافة معابدهم، وعند دخول المعبد يغسلون أرجلهم، ويعدّون الجلوس في المعبد عبادة مهما طال جلوسهم، والمعابد عند السيخ يعقد فيها الزواج، ويجتمع الناس في المعبد في المناسبات، والأعياد، وعند الأحزان، وموت الأقرباء والأصدقاء، وتوجد في كلّ معبد لجنة ترعى أمواله وتشرف على أوجه الإنفاق حيث يمتدّ نشاطها إلى إنشاء المدارس والمعاهد. والنساء يحافظن على علامة في الجبهة بلون أصفر أو أحمر وإن كانت مثل هذه العلامة شائعة أيضاً بين الهندوس، والبوذيين، والكونفوشيوسيين، ولهم عادات تشبه عادات اليهود، وهم يتعبّدون بعقيدتهم، ويتعصّبون، ولا يتزاوجون من غيرهم، ويهتمّون بالمناسبات الدينية. وليس لعباداتهم وقت معيّن بل يمارسونها ساعات فراغهم، بعد الانتهاء من أشغالهم، وهم حذرون من غيرهم من الأديان أشدّ الحذر، وإن كانوا لا يظهرون ذلك إظهاراً مباشراً.

الديانة البوذية

ثانياً: البوذية(7)، وهي منتشرة في الهند والصين، فيدين بها أكثر من 600 مليون، وهم لا يؤمنون بجزاء، أو بعث، ولا نشور، بل هم أشبه بالدهريين.
وإنّي أحتمل أن تكون البوذية في الأصل ديناً سماوياً لكنّها حُرّفت، وفي قصّة للإمام العسكري (ع) المذكورة في البحار ما يؤيّد ذلك، والذي بأيديهم الآن ملخّص تعاليم بوذا مثل أنّ الحياة ألم، فمنذ يولد الإنسان حتّى يموت والآلام تلاحقـه، فالشيخوخة ألم، والمرض ألم، والموت ألم، والفقر ألم، والعدو ألم، وما أشبه ذلك. وسبب الألم عندهم الغضب في الإنسان، وشهواته، وانحرافاته المادّية والمعنوية، فهي نارٌ تحرقه هنا.
وفي تصوّرهم أن إيقاف الألم إنّما يكون عن طريق التحرّر والخلاص من عبادة الشهوات والرغبات، وهذا هو جوهر البوذية. والطريق إلى هذا الكبح، ثمانية أمور، وهي:
1ـ الإدراك الصحيح.
2ـ الأهداف الصحيحة.
3ـ عدم إيذاء الغير.
4ـ القول الصحيح.
5ـ السلوك الصحيح.
6ـ الجهد الصحيح.
7ـ ضبط النفس.
8 ـ النشوة الصحيحة.
ولهم وصايا عشر هي عبارة عن قول بوذا كما ينسبون إليه:
1ـ لا تزهق روحاً.
2ـ لا تأخذ ما لا تستحق.
3ـ لا تزنِ.
4ـ لا تكذب.
5ـ لا تغش أحداً .
6ـ لا تسكر.
7ـ كُل باعتدال ولا تأكل شيئاً أبداً بعد الظهر.
8 ـ ولا تشهد رقصاً، ولا تسمع غناءً أو تمثيلاً.
9ـ ولا تلبس حلياً، ولا تتعطّر، ولا تتّخذ زينة.
10ـ ولا تنم في فرش باذخة، ولا تقبل ذهباً ولا فضّة.
ومن المعلوم أنّ هذه الوصايا أكثر من العشر لكنّ بعضها مدرج في بعض، مثلاً لا تلبس حليّاً، ولا تتعطّر، ولا تتّخذ زينة، يعدّ أمراً واحداً، وهكذا قولهم لا تشهد رقصاً، ولا تسمع غناءً أو تمثيلاً، وهكذا.
كما أنّ هناك عشرة أخرى تعدّ عندهم من الكمالات، وهي العطاء والقيام بالواجب، والنبذ ـ وهو أن ينظر الإنسان إلى وجوده في هذه الدنيا كأنّه سجين يتنقل فيها حتى إطلاق سراحه ـ، والفراسة، والبصيرة، والجرأة ـ وهو أن تتصف بالشجاعة في مواجهة الذات ـ، والصبر، والصدق، والقرار ـ وكما يجثم الجبل الصخري صامـداً لا تزحزحه الزوبعة كذلك يجب أن يصمد الإنسان فـي قرارة نفسه إذا أقامه ـ، والرحمة والشفقة، والهدوء ـ وكما تنظر الأرض هادئة إلى ما على ظهرها من فاسد وطاهر كذلك عليك أن تتلقى أنت الأفراح والأتراح في هدوء إذا أردت بلوغ الحكمة ـ.
وتعاليم بوذا مذكورة في ثلاثة ما يسمّونه بالسلاّت، فالسلّة الأولى يسمّونها سلّة النظام، وتشتمل على خمسة كتب تشرح قواعد الرهبنة وحياة الراهب. والسلّة الثانية سلّة الخُطب، وهي مجموعة من الأحاديث والقصص والأشعار والأمثال، توضّح السنن والتعاليم البوذية. والسلّة الثالثة سلّة العلوم الرفيعة، وتبحث موضوعات الفلسفة وعلم النفس.
وهذه السلال هي التي تقدّم للبوذيين نشاطاً فكرياً، وروحياً، وخلقياً.
ويعتقدون بالنسبة إلى الموت أنّه عندما يفنى الشكل الحالي للإنسان، فإنّ شكلاً آخر يحلّ محلّه تبعاً لدرجة عندهم تسمّى بـالكاما التي كانت موجودة لحظة الموت حميدة كانت أو سيّئة، وعندهم مراسيم في الصوم، والصلاة، والزكاة، والزواج، والموت، ويحرقون أجساد موتاهم.

الديانة الكونفوشيوسية

ثالثاً: الكونفوشيوسية، نسبة إلى كونفوشيوس (8)، فهو حكيم الصين المعروف، وأتباعه اليوم أكثر من نصف مليار من البشر كما ذكره بعضهم، وقد نشأ كونفوشيوس في أسرة شريفة، واشتغل بالتدريس حاله حال ما فعله أفلاطون، والتفّ الشباب حوله، وأكثر ما يذكر هو الأخلاقيّات.
وقد رأيت كتاباً جمع كلماته باللغة العربية فكان ما يقارب مائتي صفحة، وكلّها في التعاليم الأخلاقية، والآداب، والتوجيهات، والإرشادات.
وكان ينصح الحكّام لكنّهم لم يقبلوا منه وعارضوه أشدّ المعارضة(9).
ومن المعروف أنّه لم يكتب شيئاً بنفسه، فقد كان تلاميذه يقومون بإثبات كلّ ما يمليه أو يسمعونه منه، وإنّي أحتمل أنّه نبيّ من الأنبياء وحرّف دينه، وكان قبل المسيح قرابة 560 عاماً.
وحيث كان لكونفوشيوس النفس العالية والتلاميد الإصلاحية، فقد لقي في زمانـه ذيوعـاً وشيوعـاً كبيراً، وأخـذ الحكّام الصينيّون بعد موته يقيمون المعابد باسمه، فيأمرون بتقديم القرابين باسمه تكريماً لذكراه، وأطلقوا عليه لقب عظيم القداسة، بينما نجد في وصيّته قوله: كلّ ما يجوز أنْ ألقّب أو أوصف به هو أنّني تلميذ كثير الاشتياق إلى العلم، ومعلّم لا يكلّ، وهذا حسبي ولا شيء أكثر من ذلك.
إن أغلب مبادئ كونفوشيوس هي مبادئ أخلاقية، مثل المحافظة على الأخلاق الطيّبة بين الأفراد(10)، وتوثيق الروابط بين الأسر، ومعاملة الزوجين أو الأولاد أحدهما مع الآخر معاملة حسنة، وكذلك معاملة الرئيس والمرؤوس أحدهما الآخر معاملة حسنة، والدعوة إلى تهذيب النفوس وتطهير القلوب وتوسيع الدائرة على كلّ أحد، وعدم التكبّر، وعدم الغرور، وما أشبه ذلك من الأخلاقيّات المعروفة.

الديانة المجوسية

رابعاً: المجوسية، وهي دين الفرس القديم، حيث إنّ الناس في إيران وأفغانستان كانوا يعتقدون بها ويتّخذونها ديناً لهم، وكان لهم نبي كما في رواية عن الإمام علي (ع) ذكرها صاحب الجواهر (11)، وكان لهم كتاب أيضاً، ولكنهم قتلوا نبيّهم، واحرقوا كتابهم(12)، كما هي عادة الطغاة مع أنبيائهم، قال الله سبحانه وتعالى: ((فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ))(13).
ولا يخفى: أنّ هذه الحضارات الأربع التي ذكرتها، والتي لها وجود إلى اليوم تشبه بعضها بعضاً حيث إنّ لجميعها فلسفة واحدة وتحليلاً واحداً هو الروح العامة لجميعها، وإن كانت الاختلافات في بعض الجزئيّات زيادة أو نقيصة، فكلّها يؤمن بالمبدأ والمعاد، والواسطة بين المبدأ وبين الناس ولو كانت الصور مختلفة أو بما ظاهره الإنكار. كما أنّ كلّها تأمر بالخير والاجتناب عن الشرّ، وكذلك كلّها لها طقوس، وأدعية، وصلوات، وعبادات، وكلّها لها أنظمة للتعامل بيعاً، وتجارة، وإجارة، وما أشبه ذلك، كما لها أنظمة للولادة، والزواج، والوفاة، وما أشبه ذلك.
والسرّ واضح؛ لأنّ الإنسان لا يمكن أنْ يعيش بدونها، حيث نداء الفطرة وحيث احتياج الاجتماع، إلى غير ذلك.
كما أنّ في كلّ حضارة حضارة روحاً عامّة، تجمع أطراف تلك الحضارة، حياةً، وموتاً، وزواجاً، وتعاملاً، وأخلاقاً، ومعاشرة، ونحو ذلك.
وختاماً: نسأل الله أن يوفّقنا وجميع البشرية إلى ما يحب ويرضى، وهذا أخرُ ما أردنا بيانه في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب، وهو المستعان.
((سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))(14).

قم المقدسة

16 رجب /1418 هـ

محمد الشيرازي

(1) فيدا : اسم عام يطلق على الكتب الهندوسية الدينية الأربعة أو على أي واحد منها، وهي : 1. ريغ فيداـ المزامير والأشعار ـ وهي أقدمها وأهمها.
2. يا جور فيدا ـ الصيغ المقدسة ـ.
3. ساما فيدا ـ الأناشيدـ.
4. آثارقا فيدا ـ الرقا والتعاويذـ.
وهذه الأربعة مكتوبة باللغة السنسكريتية القديمة، وهي ترقى إلى مابين سنة 3000 ـ 1000ق. م.
(2) يعتقدون أنّ الإله براهما هو الخالق، وأن شيفا هو المدمر، وفيشنو هو الحامي.
(3) جواهر لال نهرو بن موتيلال، ولد سنة 1889م ومات سنة 1964م، اشترك مع المهاتما غاندي في استقلال الهند، سجنه البريطانيون أكثر من مرة، أصبح رئيساً للوزراء من سنة 1947م إلى سنة 1964م، شارك في تأسيس دول عدم الانحياز. راجع موسوعة المورد : ج7 ص 112.
(4) بدأت في 22 أيلول سنة 1980م عندما شنّت الطائرات العراقية غارات جوية على المدن والمطارات الإيرانية وانطلقت اثنتا عشرة فرقة عسكرية إلى الحدود الإيرانية بمسافة 1300كم، وانتهت في 8 آب سنة 1988م، خسائرها في الجانب البشري مليونا قتيل ومشوه ومعاق، وفي الجانب المالي خمسمائة مليار دولار على أقل التقادير، وفي الجانب الاجتماعي جيوشٌ من الأيتام والأرامل والمشاكل الاجتماعية، وفي الجانب الاقتصادي تحطيم البنية التحتية للبلدين، وفي الجانب الثقافي قتل كفاءة الشعبين وغرس الأحقاد والبغضاء بينهما، وتحطيم بعض مراكز الآثار والتراث وما إلى ذلك، وكذلك هبط معدل العمر للفرد العراقي والإيراني بمقدار 10 سنوات.
(5) سورة الزخرف : الآية 23.
(6) محمد علي جناح، مفكر وسياسي هندي، ولد في كراتشي سنة 1876م وتوفي سنة 1948م، أشهر قانوني أنجبته شبه القارة الهندية، عين قاضياً سنة 1900م ثم استقال بعد تسع سنوات، دخل الحلف الإسلامي سنة 1913م ثم عين رئيساً دائماً له، انتخب نائباً في المجلس التمثيلي الأعلى لمدينة بومباي، اشترك مع غاندي في إدارة حزب المؤتمر قرابة العشرين سنة، تولّى رئاسة العصبة الإسلامية سنة 1934م، نادى بضرورة قيام دولة مستقلة للمسلمين في باكستان سنة 1940م ووفّق لذلك سنة 1947م، تسلّم منصب الحاكم العام للباكستان في نفس السنة.
(7) البوذية معناها باللغة السنسكريتية : العالم الذي وصل للحصول على البوذة ـ العلم الكامل ـ كما جاء ذلك في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة(: ص584، ويقال : إنّ الأمير سيدارتا غوتانا ابن رئيس قبيلة ساكياس، دعا للبوذية وهو في التاسعة والعشرين من عمره ؛ كردة فعل للانحرافات الاجتماعية والدينية، وكان يبحث في التأمل والعزلة عن وسيلة لإنقاذ البشر من اليأس والألم، وخلال خمس وأربعين سنة جال في مختلف أرجاء الهند ممارساً نكران الأنا، يتبعه في تجواله حشد متزايد باطّراد من التلاميذ والأنصار، ولد بوذا سنة 566 ق. م. ومات سنة 486 ق. م.
(8) فيلسوف ومصلح اجتماعي ومنظر سياسي عاش في الصين في مقاطعة شانتونج في أواخر القرن السادس قبل الميلاد، وكانت أفكاره تعتمد على الجانب الخلقي كاحترام الآخرين والوفاء وما أشبه، وقد أسس مدرسة لنشر أفكاره، وكان أعضاء مدرسته مرتبطين به عاطفيـاً أشـد ارتبـاط. اقتبـاس مـن كتاب موجز تاريخ الأديان : ص108 ل‍?فيلسيان شالي(.
ويقال : إنه ولد في (تسيو( في مملكة (لو( سنة 551 ق. م.، ومات سنة 479 ق. م.، وكان عدد تلامذته ومريديه 3000 شخص، وكان يعلم الناس أن كنزهم هو ضمن حكمتهم الشخصية، ويعلم الحكام أنه من أجل النجاح ينبغي أولاً كسب حب الشعب، ومن مقولاته (إن جسدنا موروث عن والدينا، فكيف نستطيع حمل هذا الإرث دون احترام)، اقتباس من كتاب جريدة العالم المعرّبة من قبل سمير شيخاني.
(9) من مقولاته للحكام : الفضيلة هي استخدام الموارد الطبيعية في تحسين معيشة الشعوب. وسئل مرة عن الحكم فقال: (لا بد للحكومة من تحقيق ثلاثة أمور : أن يكون لدى الناس كفايتهم من الطعام وكفايتهم من العتاد الحربي ومن الثقة بحكامهم، فقيل له : لم يكن بدٌّ من الاستغناء عن أحد هذه الشروط، فأيّ الثلاثة يجب أن تتخلى عنه أولاً؟. فقال : العتاد الحربي. ثم سئل مرة أخرى : إذا كان لا بد‍ّ من الاستغناء عن أحد الشرطين الباقيين، فأجاب عن الطعام ؛ ذلك أن الموت كان منذ الأزل قضاءً محتوماً على البشر، أمّا إذا لم يكن للناس ثقة بحكامهم فلا بقاء للدولة(. راجع كتاب عالم صغير بلا قيادة حكيمة : ص176 ـ 177 عبد الكريم فرحان.
(10) مثلاً من مقولاته : (كل الناس أخوة فلا تمييز عنصري ولا مكانة اجتماعية، فكل إنسان هو الإنسان ولا واحد منهم حيوان وآخر إله(.
(11) جواهر الكلام : ج21 ص 229 ونص الرواية كما في الجواهر : عن الشافعي بإسناده أن فروة بن نوفل الأسجعي قال : على ما تؤخذ من المجوس وليسوا بأهل كتابٍ، فقام إليه المستورد فأخذ بتلبيبه فقال : عدو الله أتطعن على أبي بكر وعمر وعلي أمير المؤمنين وقد أخذوا منهم الجزية، فذهب به إلى القصر، فخرج علي (ع) فجلس في ظل القصر، فقال (ع) : أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، وأن ملكهم سكر فوقع على بنته أو أخته، فاطّلع عليه بعض أهل مملكته، فلما أضحى جاؤوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم ودعا أهل مملكته وقال : تعلمون ديناً خيراً من دين أبيكم آدم (ع) وقد ذكر أنه أنكح بنيه بناته وأنا على دين آدم، قال فتابعه قوم وقاتلوا الذين يخالفونه حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسري بكتابهم ورفع من بين أظهرهم وذهب العلم الذي في صدورهم فهم أهل كتاب، قد أخذ رسول الله (ص) وأبو بكر ـ وأراه قال : وعمر ـ منهم الجزية.
وفي احتجاج للإمام الصادق(ع) يثبت أن المجوس كان لهم نبي، ففي خبر الواسطي عن الصادق(ع) : قال سئل عن المجوس أكان لهم نبي ؟ فقال (ع) : نعم، أما بلغك كتاب رسول الله إلى أهل مكة أسلموا وإلا نابذتكم بحرب، فكتبوا إلى النبي (ص) أن خذ منا الجزية ودعنـا علـى عبـادة الأوثان فكتب إليهم النبي(ص) : إني لست آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، فكتبوا إليه ـ يريدون تكذيبه ـ زعمت أنك لا تأخذ الجزية إلاّ من أهل الكتاب ثم أخذت الجزية من مجوس هجر. فكتب إليهم النبي(ص) : إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب أحرقوه آتاهم نبيهم كتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور. وسائل الشيعة : ج15 ص226 ب49 ح20131.
وفي خبر آخر عن الواسطي قال : سئل أبو عبد الله (ع) عن المجوس ؟ فقال : كان لهم ـ نبي ـ قتلوه وكتاب أحرقوه آتاهم نبيهم بكتاب في اثني عشر ألف جلد ثور وكان يقال له : جاماسب. وسائل الشيعة : ج15 ص127 ب49 ح20133.
وقد ورد عن النبي (ص) أنه قال : سنوا بهم سنة أهل الكتاب، وكان لهم نبي أسمه دامسب فقتلوه، وكتاب لهم يقال له جاماسب، كان يقع في اثني عشر ألف جلد ثور فحرفوه، ويتكون من أربعة فصول. من لا يحضره الفقيه : ج2 ص53 ح1678 وقريب منه في سنن البيهقي : ج9 ص 188 ووسائل الشيعة ج11 ص98 ب49 ح7 و ج19 ص161 ب13 ح7.
(12) للزرادشتية مبدآن اثنان، الأول : مبدأ الخير ـ يزدان ـ، والثاني : مبدأ الشر ـ أهريمن ـ ويحترمون النار ويقدسونها، ولهم بيوت النيران في إيران والصين والهند.
(13) سورة البقرة : الآية 91.
(14) سورة الصافات : الآيات 180ـ 182.