الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين. كما أنّ الأشجار بأجمعها لها واقع مشترك، وإن كانت مختلفة في الحجم، والشكل، واللون، والثمر، وباصطلاح المنطقيين لها جنس واحد وفصول مختلفة، كما ولها أعراض مختلفة خاصّة أو عامّة، وكذلك بالنسبة إلى الأنواع الأخرى، وهكذا الحيوان وسائر المخلوقات سواء النباتية منها أو الحيوانية وحتّى الإنسان والملائكة والجنّ والشياطين(1) لها جامع واحد، كذلك الأمر بالنسبة إلى المجرات والكواكب وما أشبه ذلك. كذا الأمر بالنسبة إلى أحداث التاريخ فكلّ الحضارات والبداوات لها جامع مشترك من ناحية. وفي نطاق الحضارات هناك جامع مشترك لجميع الحضارات، وكذلك البداوات لها جامعٌ مشترك، وإنّما الأشكال، والصور، والخصوصيات، والمزايا، تختلف اختلافاً نوعياً أو فصلياً أو نحو ذلك، وحالها حال الأمواج التي تتقاذف في البحر، فلها واقع واحد وتكوينٌ مشترك هو الماء. ومفهومنا لفلسفة التاريخ، والذي يدور حوله البحث في هذا الكتاب هو القاسم المشترك الذي يجمع الأحداث التاريخية، ويضعها أمام بصيرة الإنسان. وفائدة دراسة فلسفة التاريخ، والتعمّق فيها، هـي المعرفة، فإنّ العـلم والمعرفة مطلوبان بذاتهما؛ لأنّهما يسبّبان لذّة روحيـة، والإنسان بطبيعته ميّال إلـى اللذّة نفّـارٌ مـن الألـم جسمياً كان أو روحيـاً، والمـراد بالـروح هنـا الأعـم مـن النفس حيث عندنا جسمٌ ونفسٌ وروحٌ على ما ذكرنا تفصيله في بعض الكتب. والفرق بينهما أنّ المعرفة يقال لما سبق العلم به، ولذا قال سبحانه وتعالى في قصّة يوسف (فعَرَفهُم وَهُم له مُنِكِرُونَ))(2)، حيث كانت معرفته سابقة للعلم، وفي الحديث: (عرفت الله سبحانه وتعالى بفسخ العزائم وحلّ العقود ونقض الهمم)(3) حيث سابق العلم المعرفة بالنسبة إلى موضوع الأخوة وبالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى، بينما العلم لا يدلّ على ذلك، ولذا لا يصحّ أن يقال فعلمهم إلى غير ذلك من الشواهد التي لا مجال لذكرها هنا. أضف إلى ذلك، فإنّ العلم بالجامع ينتج معرفة الإنسان بأسباب سقوط وقيام الحضارات والدول، فمثلاً سنتعرّف على أسباب سقوط بني أميّة، وسقوط روسيا القيصرية، ثمّ روسيا الشيوعية، وهكذا بالنسبة إلى أسباب الانتصار والنجاح، فلماذا نجح ذو القرنين، ونجح الرسول الأعظم (ص)، ونجح الأئمّة الطاهرون (ع)؟. ومثل هذه المعرفة، تفيدنا في تجنّب الأسباب الداعية إلى السقوط والأخذ بأسباب النجاح، لذا نجد في القرآن الكريم وصفاً دقيقاً لذي القرنين ((ثمّ اتّبع سبباً))(4)، فالدنيا هي محيط الأسباب، والأسباب تنتهي إلى المسبّبات، ولذا قال سبحانه وتعالى: ((فسيروا في الأرض))(5)، وقال الإمام علي (ع): (وسرْ في ديارهم واعتبر آثارهم)(6) فإنّ من يسير في الأرض أو في الديار، سيعرف لماذا سقطت هذه الأمّة، وكيف نجحت تلك الأمّة، وسيعرف أسباب عزّتها وأسباب ذلّتها، فالجامع الواحد، يعطي أثراً واحداً حسناً في الجامع الحسن، وأثراً سيئاً في الجامع السيئ، حيث إنّ الواحد ـ في الطبيعيات ـ لا يصدر منه إلاّ الواحد، كما لا يصدر إلاّ من الواحد على القاعدة الفلسفية المذكورة في الحكمة، وقد ذكرنا ذلك في الأصول بالتفصيل(7)، والمراد بالواحد، الواحد من جميع الجهات في الطبيعيات، أما الله، فهو واحد في ذاته وصفاته الذاتية، أما إرادته فهي متعددة ((إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ))(8)، و ((يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ))(9)، ولذا تنوّع خلقه، وإنّما جعل الله سبحانه وتعالى الأمر كذلك؛ ليستقيم العلم وإلاّ لزم على الإنسان أن يجرّب كلّ واحد من الأشياء، فإنّ الأشياء إذا لم يكن لها جامع، فلا يمكننا أن نستدل على أنّ الماء من طبيعته البرودة، وأنّ النار من طبيعتها الحرارة، إذ لولا الجامع، كيف نستطيع أن نستخلص هذه القاعدة المشتركة؟. وهذا بحثُ فلسفي لا نطيل الكلام حوله، وقد أوردنا البحث فيه في التفسير الموضوعي10 ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا لذلك فهو خير من يوفّق وهو أفضل رفيق وهو المستعان والمسدّد.
محمد الشيرازي
(1) الشيطان قسم من الجن حسب منطوق الآية الكريمة :((كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه)) سورة الكهف : الآية 50.
(2) سورة يوسف : الآية 58.
(3) نهج البلاغة قصار الحكم : 250، متشابه القران : ج1 ص 46، غرر الحكم ودرر الكلم : ص 81، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج19 ص84 ب247.
(4) سورة الكهف : الآيتان 89، 92.
(5) سورة آل عمران : الآية 137.
(6) بحار الأنوار : ج77 ص202 ح1 ب8، وفي نهج البلاغة الكتاب 31، وكتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16ص62ح31 : (وسر في ديارهم وآثارهم فيما فعلوا وكما انتقلوا وأين حلوا وأين نزلوا).
(7) أنظر كتاب الأصول، مباحث الألفاظ، للإمام المؤلف.
(8) سورة يس : الآية 82.
(9) سورة الرعد : الآية 39.