الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

المدخل

علاقة الفقه بالتاريخ

الأحداث قبل أن تقع.. هي بانتظار اللحظة التي ستقع فيها، ولحظة وقوعها تدخل في مكونات الحاضر، وعندما يمر زمان على وقوعها، تصبح شيئاً مـن الماضي؛ وهذا هو التاريخ. تصدق هذه الحقيقة على كلّ شيء، باستثناء الله سبحانه وتعالى حيث لا يشتمل عليه الزمان كما قرر في علميّ الفلسفة والكلام وكذلك المجردات على بعض الأقوال. ولمـا كـان الفقـه شيئـاً مـن الأشياء، فارتباطه بالتاريخ(1) ارتباط وثيق لا انقطاع له، فالفقه الإسلامي لم يكن ثم وجد ثم مرَّ عليه الزمن لا بمعنى انعدامه كانعدام الإنسان والحيوان بل بمعنى مرور الزمان عليه. مثلاً: فقه الإمام الصادق (ع) تكوّن عندما قال الإمام (ع) تلك الأقوال وبيّن تلك الأحكام، فأصبح قولـه وفعلـه وتقريـره (ع) فقهـاً(2)، وعندمـا رحـل الإمام (ع) إلى الرفيق الأعلى ومرّ على هذا الفقه زمن طويل، أصبح ذلك الفقه تاريخاً، وتاريخاً بالمعنى الفلسفي للكلمة لا بالمعنى العرفي لها؛ أي ليس بمعنى انقضاء العمل به بل يؤخذ به إلى قيام الساعة؛ لأنّه حقيقة يريدها الله سبحانه وتعالى للبشر حتى انقضاء أجلهم المكتوب لهم على هذه الأرض. فعلاقة الفقه بالتاريخ أنه جزئي من جزئياته، لكنّه جزئي معنوي كسائر المعنويات، وليس جزئياً مادياً كالمواليد الثلاثة(3) لوضوح أن التاريخ ومرور الزمان، ينطبق على كليهما(4). فتطور الفقه تطور تكاملي، فكل فقيه يأتي بما يكمل ما قدّم الفقيه الذي قبله، وهكذا دواليك، فتطوّر الفقه هو إلى الأعلى وليس إلى الانحدار كما هو أثر الزمن على الأشياء. وهناك علاقة أخرى بين الفقه والتاريخ غير تلك العلاقة التي ذكرناها وهذا هو مقصود حديثنا، ونحن نبيِّن هذه العلاقة بضرب المثال التالي: لقد مرّ تحريم الخمر بمراحل عديدة، كذلك مرّت الصلاة بمراحل عديدة من حيث جواز التكلم أثناءها أو عدمه، وهذه الأدوار لم تقرّ من قبل الشارع جهلاً منه ثم تداركه لهذا الجهل بل رحمة للناس، فالناس لا يتحملون الأمور الصعبة مرة واحدة، فلابد من التمهيد لخلق الاستعداد الكافي لتلقي الواجب، فربّما يكمل الفاعل، وربما يكمل القابل، كما ذكروا في مباحث الفلسفة. فعلاقة التاريخ بالفقه، تبدو على نحوين كما ذكرنا: الأول: تطوّر الفقه على مرور الزمان، وهذا هو علم من العلوم، ونستطيع أن نسمّيه بتاريخ التشريع الإسلامي أو تاريخ الفقه الإسلامي(5). والعلم بالشيء خير من الجهل به. الثاني: وقوع الفقه ضمن ظروف واقعية (6)، حيث شرعت الأحكام وفق الظروف الموضوعية لحياة الناس في ذلك الزمان، فمعرفة هذه العلاقة ـ بين التشريع والواقع أو الفقه والتأريخ ـ، تكشف لنا الظروف الطارئة والعوامل المؤثّرة في مراحل التشريع في الحكم الواحد، الأمر الذي يجعلنا قادرين على الأخذ بها في المستقبل إذا كانت الظروف الحاضرة لا تتناسب مع الأخذ بها. وقد ورد في كتاب النكاح أن كراهة رضاعة الطفل من لبن الزانية ترتفع إن رفع المالك للجارية يده عن حقّه في زناها، وقد بيّنّا تفصيل ذلك في كتاب النكاح، فالمستقبل مؤثّر في الماضي عقلاً أحياناً على نحو الشرط المتأخّر، وشرعاً بالنص ونحوه. وبالإضافة إلى المنافع التي ذكرناها، هناك منافع أخرى من أهمّها: إننا عندما ندرس التاريخ الفقهي، سنلاحظ منحى القوة والضعف في هذا التاريخ، سنجد هذا المنحى يرتفع في بعض الأوقات، ويهبط في أوقات أخرى. فالمعروف عند العلماء أنّ الفقه تكامل في خطوطه العامة عند نزول الآية الكريمة: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً))(7)، أما في خطوطه الخاصة، فهو لم يتكامل إلاّ خلال قرن من الزمن، وقد بدىء بكتابة الفقه الإسلامي منذ أيّامه الأولى، فكتاب الجامعة لأمير المؤمنين (ع) الذي يبلغ طوله سبعين ذراعاً كما ورد في الكافي هو الكتاب الذي يتضمّن جميع الأحكام الشرعية حتى أرش الخدش(8)، وقد ورث الأئمّة (ع) كتاب الجامعة من جدّهم أمير المؤمنين (ع)، وانتقل من إمام إلى إمام. علماً أن عمل العلماء والمجتهدين عبر التاريخ الإسلامي إنما يكون بالشرح والتوضيح والتبيين وما أشبه ذلك. هذا، وقد ذكر المؤرخون أن القانون الروماني لم يدوَّن إلاّ بعد مرور ألف سنة مع أخذ النظر بالفروقات المهمة بين القانونين الإسلامي والروماني، فالأثر يدلّ على المؤثّر، فالنتيجة من حيث القوّة والضعف، دليل على قوّة أو ضعف المستند، كما أنّ الانحراف والاستقامة دليل على البطلان أو الصحة، وقد ذكر لنا التاريخ كثيراً من قصص محاكم التفتيش في العهد الروماني عندما فرضت الكنيسة سيادتها على الحياة العامة، فقامت بحرق المسيحيين المخالفين لها، كذلك فعلت الحكومات التي جاءت عقب الكنيسة، فانتهجت الأساليب نفسها، حتى إنهم كانوا ينتزعون الاعترافات من القساوسة بالآلات الجارحة، وهذا دليل على تدنّي القانون الروماني، لأنّ لكل فعل ردّ فعل. وكيف كان، فالأمران دليل على ما ذكرناه. ونكتشف حين دراستنا لتاريخ التشريع الإسلامي، إصابة هذا الفقه بوابل من الضعف في زمن الخلفاء الذين ابتدعوا فقهاً في قبال فقه الأئمة الأطهار (ع)، وهذا ليس بالأمر الغريب، فقد ادعى التاريخ لهؤلاء ما كان للأئمة (ع) من فضيلة، فادّعوا الزهد حتى ليزيد بن معاوية(9)، وهارون العباسي(10) في قبال زهد الإمام زين العابدين، والإمام الكاظم، وبقية الأئمة (ع). فالتاريخ، يكشف لنا عن نقاط الضعف هذه، ويسجلها بوضوح؛ كي يستطيع من يريد الحقيقة الوصول إلى ذلك. ومن عوامل تأثير التاريخ في الفقه هو ما ذكره الفقهاء عندما يطرأ عنوان ثانوي حيث يتغيّر الحكم حسب هذا العنوان الثانوي، أولاً كان فهو حكم أولي، وثانياً حكـم ثانوي، وإذا انعكس الأمـر بأن كـان السابق حكماً ثانوياً ثم ذهب موضوعه، فكان الأمر ثانياً حكماً أولياً، وهذا من مصاديق التأثير المتبادل بين الفقه والتاريخ؛ حيث يكون من نتائج هذا الترابط آثار الحكم الأول بعد طرو الحكم الثاني، مثل القضاء والكفارة وما أشبه. والحاصل: أن الطرو والتغيير والتجديد فيما ذكرناه هنا من نتائج تأثير التاريخ في الفقه.
(1) لابد أن نذكر تعريف التاريخ لغة واصطلاحاً حتى يتسنى للقارئ أن يلمَّ ببعض المعرفة عن ذلك. فالتاريخ لغة هو معرفة الوقت أو الإعلام بالوقت. قال الجوهري في صحاحه : ج1ص418 ما لفظه : التاريخ تعريف الوقت والتوريخ مثله، يقال : أرخت وورخت. وقال الأصمعي في الإعلان بالتوبيخ ص6 : هو الإعلام بين اللغتين، فقال : ?بنو تميم يقولون ورّخت الكتاب توريخاً. وقيس تقول : أرّخته تأريخاً. والتاريخ اصطلاحاً كما عن ابن خلدون في مقدمته ص6 طبعة دار الفكر : التاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبارٍ عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمّروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة، عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق.? وعرّفه المقريزي اصطلاحاً : الإخبار عمّا حدث في العالم في الزمان الماضي. وعرّفه ثالث : علم يبحث فيه عن الزمان وأحواله وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته. وعرّفه رابع : إنه تفسير للحوادث والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان. وعرّفه خامس : إنه علم نظري إنساني يبحث فيه عن حوادث الزمان من حيث التعيين والتوقيت والتفسير والتعليل. وعرّفه سادس: عبارة عن مجموعة حوادث ناتجة عن فعاليات البشر. وعرّفه سابع : العلم بالأحداث والأوضاع وأحوال البشر الكائنة في الزمن الماضي. وعرّفه ثامن : العلم بالقواعد والسنن المهيمنة على الحياة الماضية. والتاريخ عند الإمام المؤلف عبارة عن مفردات من الأحداث مترابطة بزمان خاص ومكان خاص وفرد خاص. واختلفوا في أصل كلمة التأريخ هل هي عربية أو معربة، فبعض قالوا: إنها عربية كالأصمعي، وبعض قالوا: إنها فارسية مأخوذة من ?ماه روز، وثالث: إنها سريانية ومعناها الشهر.
(2) هذا في مرحلة الإثبات كما لا يخفى، وإن كان في مرحلة الثبوت : إن ما قاله الأئمة الأطهار(ع) فهو مستقى عبر رسول الله (ص) من الوحي.
(3) الحيوان والنبات والجماد.
(4) المعنوي والمادي.
(5) وبعبارة أخرى التاريخ الفقهي بمعنى الفاعل.
(6) وبعبارة أخرى كشف الظروف عبر القابل.
(7) سورة المائدة : الآية 3.
(8) أنظر الكافي (أصول): ج 1 ص59 ح3 و ص 239 ب 40 ح 1، بصائر الدرجات : ص148، المحاسن : ص 273.
(9) ثاني خلفاء بني أمية، رمز التسلّط والاستبداد والانحراف الديني والسياسي والأخلاقي، اشتهر بشرب الخمور وارتكاب الفجور واللعب بالنرد والقرود، واشتهر كذلك بنكاح أمهات الأولاد والبنات والأخوات وترك الصلاة والصيام كما وصفه عبد الله بن حنظلة، غسيل الملائكة. ولد سنة 25 ه‍، وقتل سنة 64 ه‍، وحكم ثلاث سنوات، ففي السنة الأولى من حكمه قتل سبط الرسول، الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه، وفي السنة الثانية أباح مدينة الرسول (ص) لجنوده ثلاثة أيام بعد أن قتل وسبى الآلاف من سكانها، وفي السنة الثالثة ضرب الكعبة بالمنجنيق وأحرقها.
(10) خامس خلفاء بني العباس والبالغ عددهم 37خليفة، ولد سنة 148ه‍ (765 م)، ومات في جمادى الأولى سنة 193ه‍ (809 م) في قرية سناباد عن عمر يناهز 47 سنة، وحكم سنة 170ه‍ (786م)‍، وامتد حكمه 23 سنة وشهراً وتسعة عشر يوماً، واتّسم حكمه بالظلم والاستبداد وعلى الخصوص لشيعة أهل البيت وأئمتهم (ع) ، فقد قتل الإمام الكاظم (ع) بعد أن سجنه عشر مرات في البصرة وبغداد، وكذا قتل الطالبيين. وكان هارون يسعى دائماً إلى طمس المذهب الشيعي، والآثار الإسلامية، وعلى الخصوص العتبات المقدسة في مدينة كربلاء، واهتم بالغناء والمغنين وقرّب الكثير منهم وأجزل العطاء عليهم وكان يجمعهم في مجلس واحد ويقترح عليهم في الأصوات ليطرب هو ومن معه، وقد اختار له إسحاق الموصلي من الغناء مائة صوت، وعرفت بالأصوات المائة المختارة، التي وضع أبو الفرج الأصفهاني فيها كتاب الأغاني. وكان أخو هارون، إبراهيم، المعروف بابن شكلة قد بلغ منزلة بالغناء والعزف والمنادمة حتى اشتهر بشيخ المغنين، وقد ذكر في التاريخ أنه لما عجز إبراهيم عن توزيع عطاء الناس ؛ لصرفها في ملذاته، قال قوم من أهل بغداد هازئين مستهزئين : (أخرجوا لنا خليفتنا يغني لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات ولأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات فتكون عطاءً للجميع، وكانت أخت هارون، علية، تغني وأخوها الآخر، يعقوب، يزمّر لها على الغناء.