الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الثالث

الأسباب التأريخية

إمداد الله للإنسان

مسألة: من فلسفة التاريخ أنّ سنّة الله سبحانه وتعالى بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهداية الناس هداية عامّة، هي أنّه يمدّ كلاّ من المؤمن وغير المؤمن، فيزداد المؤمن إيماناً، والكافر كفراً، والله سبحانه وتعالى يعين ويساعد الذين يطلبون الآخرة، والكمالات المعنوية، والدنيا الصالحة، كما أنّه سبحانه وتعالى يعين الذين يطلبون الدنيا، والكمالات المادية، والذين يمشون في طريق الضلال، ومثالهما مثال الحنظل وقصب السكّر، فكلّ واحد منهما يمتدّ طولاً، وعرضاً، وعمقاً، وهذا المثال المادّي ومثال معنوي الهداية والضلال، فالّذين آمنوا بالله سبحانه وتعالى ورسله، وأخذوا يتقدّمون في طريق الحقّ، والخير، والكمال، يوفّر الله سبحانه وتعالى لهم وسائل التقدّم، وكذلك بالنسبة إلى الذين يسيرون في طريق الشرّ، والضلال، والانحراف، كما قال سبحانه وتعالى: ((كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً))(1)، وقال سبحانه وتعالى بالنسبة إلى المتّقين والمؤمنين الصادقين: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا))(2) في مقابل الذين لا يريدون إلاّ الدنيا وزينتها فقط. قال سبحانه وتعالى: ((فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ))(3)، ولفظ ((من يقول)) أعمّ من العمل والقول، كما هو واضح في اللغة العربية؛ إذ يستعمل القول بمعنى الكلام وبمعنـى العمل، فمـن قـال: بيدي هكذا ـ فيما إذا أشار ـ، أو قال: بعينه كذا، إلى غير ذلك.
وهناك آيات كثيرة وروايات متواترة بالإضافة إلى الإجماع ودليل العقل، تدلّ على وجود هذا الإمداد للطرفين.

العطاء حسب الاقتضاء

ثم إن العطاء الرباني، يكون حسب الاقتضاء، يقول سبحانه وتعالى: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُوماً مَدْحُـوراً * وَمـَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلاًّ نُمـِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِـنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمـَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً))(4)، فالله سبحانه وتعالى يعطي كُلاّ حسب تطلّبه الامكاني، فيمتدّ امتداداً في حدود ما جعله الله سبحانه وتعالى له من الامتداد، حاله حال الحيوانات، والأشجار، وما أشبه ذلك، فمن الحيوانات ما يكون بقدر الفراشة، ومنها ما يكون بقدر العصفور، ومنها ما يكون بقدر الحمامة، وهكذا. كما أنّ من الأشجار هكذا، فمنها نبتة، ومنها شجيرة، ومنها شجرة، ومنها شجرة كبيرة باسقة، قال سبحانه وتعالى أيضاً: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيب)) (5)، والمراد بالحرث هنا النتيجة التي ينتهي إليها كل عمل، فالنتائج الدنيوية تكون لمن طلبها، مؤمناً أو كافراً، أو صالحاً أو طالحاً، أما بالنسبة إلى حرث الآخرة ونتائجها، فإنما يكون بالنسبة إلى المؤمنين الصالحين، وقال سبحانه وتعالى: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))(6)، فإن الإنسان الذي يريد حرث الدنيا
وزينتها فقط، يصيبه ما أراد بقدر عمله ولا نصيب له من الآخرة، فمثله كمثل من يبني داراً في مدينة ما، فإنه لا دار له في مدينة أخرى.
ومن الواضح أن الأعمال الدنيوية فقط تُحبط؛ لأنها محدودة خاصة، وتبطل؛ لأنها ليست موافقة للحركة الكونية التي جعلها الله سبحانه وتعالى فيها.
فالإمداد الإلهي لطالبي الدنيا والراغبين فيها والصارفين نظرهم عن الآخرة، يكون محدوداً محصوراً في عطائه في هذه الدنيا فقط وفي الأبعاد الثلاثة المعروفة،ولذا قال سبحانه وتعالى: ((ما نشاء))(7)، وقال سبحانه وتعالى: ((ما نريد))(8)، وقال سبحانه وتعالى: ((نؤته منها))(9)، أمّا الإمداد الذي يمدّ به طالب الآخرة، لا حدّ محدود له في هذه الدنيا، وإنّما يمتدّ إلى جنّة عرضها السماوات والأرض، ولذا قال سبحانه وتعالى: ((كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً))(10)، وقال سبحانه وتعالى: ((نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ))(11).
لا يقال: إنّ الإمداد الدنيوي أيضاً تكون عاقبته النار في جهنّم؟.
لأنّه يقال: هذا وإن كان صحيحاً لكن الكلام في أنّ الفائدة المرجوة منها إنّما تكون في هذه الدنيا. أمّا بعد هذه الدنيا ابتداءً من القبر وانتهاءً بجهنّم فجميعها في ضرر الإنسان وألمه. ثم إنّ ميول، وأهواء، ورغبات أهل الدنيا، متزاحمة، ومتعارضة؛ لأنّها محدودة ومحصورة، وليس من الممكن إشباعها جميعاً، كما أنّه ليس من المصلحة أن تكون الدنيا غير محدودة بينما طلبات الآخرة لا تزاحم بينهما ولا تعارض؛ لأنّ الجنّة والأمور المعنوية والروحية لها من السّعة الشيء الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر(12)، ولذا يتمكّن كلّ واحد من أهل الآخرة أن يصل إلى فوق ما يريد، بينما أهل الدنيا لا يتمكّنون من أن يصلوا من الدنيا إلى قدر ما يريدون فكيف فوق ذلك.

الشكر سمة طلاّب الآخرة

ومن الواضح أنّ الذين يعملون للآخرة، يكونون شاكرين لله على نعمه عليهم، سواء النعم المادّية أو المعنوية في مواضعها، والله سبحانه وتعالى يقول: ((لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ))(13)، فالشكر له فوائد كثيرة، ويجني الإنسان منه عدة أمور، منها أن الشكر يوجب زيادة النعمة عبر زيادة النعم المعنوية والأخروية والمادّية والدنيوية وبتحبيب الإيمان وتزيينه في قلوبهم، وبالانتصار على الأعداء، ويولد الراحة للقلب كما أُشير إلى ذلك في القرآن الحكيم، حيث قال سبحانه وتعالى بالنسبة للأوّل: ((وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً))(14)، وفي آية أخرى: ((وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ))(15)، وفي آية ثالثة: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ))(16)، وتكفير السيّئات غير الغفران، فإنّ تكفير السيّئات عبارة عن إسقاطها، والغفران عبارة عن الستر، حيث إن الإنسان إذا عصى معصية يكون له أمران: الفضيحة، والنتيجة السيّئة، وبخصوص المؤمنين يفعل الله سبحانه وتعالى ضدّهما، فيكفّر عنهما سيّئاتهم، ويغفر لهم.
وقــال الله سبحانه وتعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ
بِإِيمَانِهِمْ))(17)، يعني بسبب إيمانهم يكونون مهتدين، والهداية قابلة للزيادة والنقيصة، وكذا سائر الصفات النفسية، فإنّ الشجاع يكون شجاعاً بمقدار مواجهة شخص، أو شخصين، أو ثلاثة، أو ألف، أو عشرة آلاف، وهكذا بالنسبة إلى الكرم بدينار، أو بعشرة، أو بألف، أو مليون، وهكذا تكون الهداية.
وفي آية أخرى: ((وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ))(18)، فإنّ القلب هو القائد الذي يقود الأعمال التي تصدر عن الحواس.
وقال سبحانه وتعالى بالنسبة إلى زيادة النعم المادّية والدنيوية: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ))(19)، وقد ذكرنا وجه ذلك في التفسير الموضوعي.
وإنّ النعم تكون بسببين: بسبب معنوي، وبسبب مادّي من التعاون، والسعي الدائب، والعمل المستمر، كما قال سبحانه وتعالى بهذا الصدد أيضاً: ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ))(20)، وبركات السماء: المطر، والهواء النقي، والطيور، وما أشبه ذلك. وفي آية أخرى: ((أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ))(21)، والفرق بين الاستغفار والتوبة، أنّ الاستغفار طلب الستر، والتوبة الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى . وفي آية أخرى: ((قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى))(22) .
أمّا الذين لا يمشون في طريق الله سبحانه وتعالى فإنهم تبتر أعمارهم فلا يؤخّرون إلى الأجل المسمّى الذي قدّره الله سبحانه وتعالى للإنسان المستقيم في عقيدته، وعمله، وقوله.
وقال سبحانه وتعالى: ((اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً))(23)، ومن الواضح أن المراد بالاستغفار ليس لقلقة اللسان، وإنّما المراد ذوبان الإنسان في الله سبحانه وتعالى، نيّةً، وتفكيراً، وقولاً، وجوارحاً، وسلوكاً. قال سبحانه وتعالى: ((وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لاَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً))(24).
وبالنسبة إلى الأمر الثاني وهو تحبيب الإيمان، وتزيينه في القلوب، قال سبحانه وتعالى: ((وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ))(25)،فالكفر في العقيدة، والفسوق هو الخروج عن الجادّة، والعصيان هو المشي في الجادّة لكن لا مشياً مستقيماً، كما قال سبحانه وتعالى: ((أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))(26).
وبالنسبة إلى الأمر الثالث وهو الانتصار على الأعداء، قال سبحانه وتعالى: ((وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ))(27).
وبالنسبة إلى الأمر الرابع: قال سبحانه وتعالى: ((وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ))(28)، وقال سبحانه وتعالى: ((أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ))(29)، فالإنسان المستقيم الذي يواكب الحياة حسب ما أمره الله به يكون مرتاح القلب، ومطمئن النفس، وهادئ البال، أمّا الأشخاص الذين يكونون منحرفين لكن ضمن أكثرية مستقيمة، يصبحون طفيليين على وجود أهل الحقّ، وتكون لهم النعم والفضل، بالإضافة إلى أنّ ذلك من باب الإملال والاستدراج، كما قال سبحانه وتعالى: ((سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ))(30)، وتكون النعم الدنيوية بالنسبة إلى أهل الله سبحانه وتعالى نعماً باستحقاقهم، ويتبع تلك النعم حسن العاقبة وخير الآخرة، بينما الكافرون المتنعمّون من باب الإملال والاستدراج، كما قال سبحانه وتعالى: ((وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ))(31)، فكما أنهم أهانوا الحقّ وأهل الحق، سينالون الهوان هناك، وبالإضافة إلى عذابهم الجسدي، يكون لهم عذاب روحي أيضاً.

لئن شكرتم لأزيدنكم

مسألة: زيادة النعمـة؛ نتيجـة لشكرهـا، إحـدى السنن الإلهية، التي تشكّل الفلسفة الإسلاميـة حسـب المنظــور القــرآني حيث قــال سبحانه وتعالى: ((لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ))(32)، أمّا التنقيص؛ بسبب الكفر، فالظاهر أنّه ليس من السنن الإلهية، حيث قال سبحانه وتعالى: ((ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ))(33)، ولم يقل لأنقصنّكم؛ إذ من الممكن أن يكون كفر النعمة سبباً لنزول العقاب والعذاب، ويمكن أن يكون بسلب النعمة، ولا يلزم أن يكون أحد الأمرين فوراً، لأنّ هناك إملالاً، واستدراجاً، وإمهالاً، وأموراً أخرى، تتدخّل في الأمر. فالنعمة باقية للكفّار والكافرين، وربّما تزداد النعمة عند الكفر، فما يفهم من قوله سبحانه وتعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) (34)، إنّ ذلك ليس على نحو الإطلاق والكلّية بل على نحو الشرط، كما يفهم من سائر آيات القرآن التي فيها الإمهال، أو الاستدراج، أو الإملال، أو ما أشبه ذلك. فإنّ البشر إذا انتقلوا من حال الإيمان، والشكر، والتقوى، والإطاعة، إلى حالات أخرى، كالعصيان، والكفر، والطغيان، والمعصية، فإنّ الله سبحانه وتعالى يغيّر نعمهم بالآخرة وإن لم يكن التغيير في وقت سابق مقارناً لتغييرهم، قال سبحانه وتعالى: ((إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مـَرَدَّ لَـهُ وَمـَا لَهُـمْ مـِنْ دُونـِهِ مـِنْ وَالٍ))(35)، لأنـّه ليـس فـوق إرادة الله سبحانه وتعالى إرادة.
ولا يتوهّم الإنسان أنّه يتمكّن أن يقف أمام القدرة الإلهية والإرادة الربانية، فالأمر ليس خاصاً بالسوء، فإنّ الله إذا أراد بقوم خيراً، فلا مردّ له أيضاً، وإنّما ذكر السوء فقط؛ لأنّ الغالب أنّ الناس يغيّرون حالهم من دين إلى لا دين، ومن طاعة إلى عصيان، وما أشبه ذلك. فإنّ الله لا يسلب من الناس النعمة التي منَّ بها عليهم إلاّ إذا غيّروا أوضاعهم وأحوالهم الباطنية، والمعنوية، والمادّية، والخارجية، فأخذوا الباطل عوض الحقّ، وعملوا بالمعصية بدل الطاعة، وكفروا بعد أن كانوا مؤمنين، وارتدّوا بعد أن كانوا في طريق الرشاد. فإذا فعلوا ذلك، أراد الله بهم سوءاً، وبمجرّد أن يريد الله بأحدٍ سوءاً، فإنّ أي موجود مادّي، أو معنوي، لا يتمكّن أن يحول دون إرادة الله سبحانه وتعالى، فما دام الإنسان يسلك طريق الإيمان، والشكر، والتقوى، والطاعة، والاستقامة، فإنّ النعمة لا تسلب منه، وإنما تسلب النعم منه، إذا انحرف عن طريق الله سبحانه وتعالى . أما نعمة الحياة؛ بالنسبة إلى الذين هم على الجادة المستقيمة، فإنه تقدير الله سبحانه وتعالى، وتقدير الله لا يُغيَّر ولا يُبدّل، فلا يقال إنّ الآية ليست عامة، وإنّما قد تعارض بسنّة أخرى.
والحاصل: أن كلاًّ من الجملتين، ليست مطلقة غير مشروطة، ولا عامّة غير مخصّصة، فمادام الناس شاكرين للنعم الإلهية، فإنّهم سوف لن يفقدوها إلاّ بتقدير من الله سبحانه وتعالى، وهكذا العكس.
والإنسان مهما بلغ من العلم، فإنّه لا يتمكّن أن يستوعب كلّ الشرائط، والخصوصيات، في أيّ سنّة من سنن الله سبحانه وتعالى، وفي حديث أنّ الإمام المهدي (ع) إذا ظهر، أظهر للناس سبعةً وعشرين حرفاً بينما أنّ الحرف المتداول بين الناس من أوّل الخليقة إلى اليوم حرفان فقط(36) .
وحتّى إنّ النبي الأعظم (ص) كان يقول: ((وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ))(37)، وفي جملة من الروايات: (لولا آية في كتاب الله لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة. حيث إنّه سبحانه وتعالى قال: ((يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ))(38))(39).
فلا يقال: كيف تكون الملاءمة بين أمثال هذه الآيات والروايات، وبين قولهم (ع): إنّهم يعلمون ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة.

مقومات الحضارات

مسألة: إنّ الحضارات تصنعها القيم السماوية والمبادئ المتينة، التي تنسجم مع العقل، والفطرة، والرجال الصّلحاء، وليس الاستغلال، والرجال الطّلحاء.
وفي توضيح ذلك؛ نقول: تقوم بعض الحضارات الكبرى أو الصغرى في مختلف البلاد على الحقّ، والعدل، والشفقة، والإحسان، والمساواة، والحرّية، والعطف على الضعفاء والمرضى والجائعين، وما أشبه ذلك، كما هي سمة الأديان السماوية، فقد قال رسول الله (ص): (ما آمن بي من بات شبعانَ وجاره جائع)(40)، وقال (ص): (اتّقوا الله في الضعيفين الأيتام والنساء)(41)، إلى عشرات بل المئات من الروايات، وقبل ذلك في القرآن الحكيم آيات كثيرة، منها قوله سبحانه وتعالى: ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ منَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ))(42) .
وفي مقابل ذلك، نرى بعض المفكرّين الغربيين يرون غير ذلك،فقد قال الدكتور عبد الرحمن البدوي في بعض كتبه: إنّ الحضارات الكبرى قد نشأت في التاريخ بأنْ قامت طائفة من الأرستقراطيين المنتهزين على شكل حيوانات مفترسة، تزرع الأرض في آسيا، وأوربا، وجزر المحيط الهادي، مغيرة على كلّ الأراضي التي تعترض سيرها، فارضة بذلك على كلّ الشعوب التي تمرّ بها، وهكذا نشأت الحضارات اليونانية، والرومانية، والجرمانية.
ولا يخفى أن كلام البدوي شبيه لما ذكره هيجل، ونيتشه(43)، وميكافيلي(44)، ومن أشبه، فقد فصل هيجل بين أخلاق الدولة وأخلاق الفرد، فوجد أنّ لأخلاق الدولة مبررّاتها من فلسفة للتاريخ، والفرد يجب أن يكون في أخلاقه عادلاً، صابراً، صادقاً، خدوماً، وما أشبه ذلك، وأمّا أخلاق الدولة؛ فيجب أن تكون على العكس من ذلك بأن تكون مهمّة الدول الوصول إلى الحكم ثمّ الإبقاء على الحكم كائناً ما كان.
وهكذا فإنّ نيتشه مزّق تلك الغلالة الرقيقة من القيم الأخلاقية التي كان بعض أبطال التاريخ لا يزالون متسترين خلفها. والشجاعة جنون، والكرم إسراف، والعطف على الضعيف هو أمرٌ نابع من ضعف. ومع أنّ نيتشه يعني في فلسفته للفرد والدولة بأنّ الإنسان الأعلى كما رسم صورته لابدّ أن يكون مستنداً إلى منطق القوّة، إذ ليس في الحياة شيء ذو قيمة يؤخذ إلاّ بالقوّة. ولقد أدان ما أسماه أخلاق العبيد بأنّها تهدف إلى سيطرة المنحطّين من البشر وقيمهم، ولا غرض لهم من ذلك إلاّ إخضاع السادة لهم لما يعلنونه من مبادئ الرحمة، والشفقة، والحرّية، وما أشبه ذلك؛ وليست هذه إلاّ أكاذيب كبرى في وجه طبيعة الأشياء التي تقضي زيادة القوّة، فالحقّ عنده مع القوي وكونه قوّياً هو حقّ ولا حقّ سواه.
أمّا ميكافيلي؛ فقد ذهب إلى أبعد من ذلك فقد قال في جملة كلام له: الحرب والسياسة أمان، فمن أراد أن ينذر في الحرب فعليه أن ينذر في السياسة، فعلى الأمير أن يكون له طبع الأسد والثعلب معاً، فالأسد لا يعرف الشراك التي تنصب له بينما تعرفها الثعالب، وهذه لا تستطيع مقاومة الذئاب، فعلى الأمير أن يكون ثعلباً ليعرف الشراك، وأنّ يكون أسداً ليخيف الذئاب، ولا يصحّ من الأمير حفظ العهود إذا كانت ضدّ مصلحته أو انقضى عهدها، ولن يفقد الأمير الحيل المشروعة لنقض العهود وكثير من الأمراء قد نزحوا بذلك، المهمّ أن يتظاهر الأمير بغير ما يفعل، وتذاع عنه الفضائل دون أن يتّصف بها، والناس سذج يخدعهم المظهر ولا يعرفون المخبر، ويجب على الأمير أن يكون سهل التحوّل حسب مقتضيات الظروف للاحتفاظ بالحكم ومن ثمّ فكلّ الوسائل المؤدّية إلى ذلك مشروعة ومباحة. من هذه الوسائل مثلاً أنّه لا بأس على الأمير أن يتّخذ الرجال أدوات لتحقيق أهدافه ثمّ ينبذهم نبذ الأموات إذا ما اقتضت المصلحة الاستغناء عن خدماتهم بل يتّخذهم كبش الفداء حين يشتدّ سخط الناس، وذلك مـا فعله الأمير سيزاردي الذي استخدم وزيره فـي إرهاب الناس والقسوة عليهم ثمّ قتله ليزفّ إلى الناس بشرى مصرعه من أجل العدالة، إلى غير ذلك من كلماته.
أقول: من الواضح أنّ أمثال هذه الكلمات ليست إلاّ وسيلة وضيعة لرؤية الأشياء مقلوبة وهي تبرّر الظلم وفضائعه، وانتهاك العرض، ومصادرة المال، والسجن، والتعذيب، وما أشبه ذلك، وكون الحقّ مع القوّة في قبال كون الحقّ حقّاً سواء كان فيه قوّة أو فيه ضعف.
وعلى كلامهم فإنّ كلّ الحقائق التي تقدّمت في الحياة أو التي ينادون فيها اليوم كحقوق الإنسان وحقوق الأجيال القادمة و... لم تكن في يوم ما إلاّ ضعفاً وجهلاً بل مثل هذا الكلام يوجب التناقض؛ حيث إن الضعيف لا حقّ له، أمّا إذا جعل الضعيف من نفسه قوّياً صار له الحقّ.
وأمثال هذه الكلمات هي التي شجّعت الديكتاتوريين والمستبدّين على أن يفعلوا كلّ شيء. ومن الغريب أنّ مثل هذه الكلمات نجدها عند بعض الشعراء كسعدي الذي يقول في أبياته الفارسية (45): كل عيب يرضى به السلطان فنٌّ.
ومن الملاحظ أنّ الفنّ فن بشرط ألاّ يكون عيباً، والعيب عيب سواء كان فنّاً أو غير فنّ، وقد دلّت الدنيا على ما ذكره القرآن الحكيم بقوله: ((فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ))(46)، هذا بالإضافة إلى أنّ المشاهد في الكون قديماً وحديثاً هو المنطق الواقعي، فإنّ الزبد لا حقيقة له، ومالا حقيقة له لا يستقرّ ولا يستمرّ، وأمّا ما ينفع الناس فله حقيقة، ولذا الناس يلتفّون حوله، وبهذا المنطق العقلي تقدّم الأنبياء والمصلحون، ولتشجيع هذه الطريقة ذكر القرآن قصصاً كثيرة من أخبار الأنبياء الماضيين من الأمم السالفة؛ حتّى يرجع الناس إلى فطرتهم، فيكونوا مع الحقّ والصدق، كما قال سبحانه وتعالى: ((وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِه))(47)، وقد نادى الناس الحكماء بما نادى به الأنبياء على طول التاريخ، والقانون الخلقي هو سرّ سلطة التاريخ وهيبته، والتاريخ حاكم بين المتخاصمين ودليل للحائرين.

القيم أولا

وممّا ذكرناه ظهر أنّ جعل بعضهم شخصيّات التاريخ السياسية والعسكرية فوق مستوى القيّم الأخلاقية وفوق المستوى الأخلاقي للعبيد والمتوسّطين كالكسبة، والزارعين، وما أشبه ذلك، كلامٌ لا يمت للحقيقة بصلة بل قام الدليل على خلافه. فإنّ مثل هذا الكلام ردّ فعل على الذين لم يجعلوا للسياسيين والعسكريين أيّة قيمة في التاريخ وفي غير التاريخ.
ومن الواضح أنّ كلّ فعل له ردّ فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه ـ إلاّ ما استثنى ـ، ولذا من جعل عليّاً (ع) عديم الأخلاق والفضيلة، وصوّر لجنوده أنه لا يصلّي، ولعنه على سبعين ألف منبر، وصولاً إلىلامانس الذي قال: إنّي لا أجد في عليّ وبنيه أيّة فضيلة ولا أجد في معاوية وبنيه أيّة رذيلة؛ فمن الطبيعي أن يكون ردّ فعل مثل هذا القول أنّ جماعة ألّهوا عليّاً (ع)، وكلّما كان الفعل أشدّ وأكثر إغراقاً، يكون ردّ الفعل مثله في الجانب الآخر، وبينما يقول جماعة إن التاريخ السياسي والعسكري هو التاريخ فقط وهم الذين يستحقون الذكر، وإنّ التاريخ مقصورٌ على هؤلاء، يقول آخرون إنّ السياسيين والعسكريين أشخاص لا يستحقّون عناء الدرس، قال فولتير: لكني بعد الإطلاع على ثلاثة أو أربعة آلاف معركة وبضع مئات من المعاهدات، لم أجد نفسي أكثر حكمة من قبلها حيث لم أتعرف إلاّ على مجرد حوادث لا تستحق عناء المعرفة، وأيّة حكمة تكتسب من العلم بسيادة حاكم طاغية على شعب بريء لا همّ له إلاّ أن يغزو ويدمّر؟.
ويقول آخرون: أليست المعارك الحربية وأحداث الحرب والهزيمة هي التاريخ وحدها أو أهم وقائع التاريخ وأكثره فاعلية وتأثيراً، ولذا كان أجدرها في الدراسة التاريخية.
وعلى أيّ حال: فيجب أن تقاس شخصيات التاريخ فردية كانت أو جماعية، سياسية أو عسكرية، أو اقتصادية أو اجتماعية، أو عقيدية أو غير ذلك بمقاييس القيم الأخلاقية والموازين الإنسانية.

معايير حركة التاريخ

ومن الخطأ النظر إلى القوّة العسكرية على أنّها المظهر الوحيد للقوّة، فإنّ هناك قوى أخرى كالقوّة العلمية، والقوّة الاقتصادية، والقوّة الدعائية، والقوّة العقيدية، والقوّة الاجتماعية، وغيرها، فإنّه ليست القوّة العسكرية والسياسية أبرز القوى دائماً، لأنّ أكثر القوى فاعلية تختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، مثلاً القوّة الكهنوتية والقوّة الدينية ـ التي تسمّى بالقوّة الاعتقادية ـ هي القوّة التي كانت أكثر القوى فاعلية في العصور المتقدّمة، وما انتشار الإسلام بعد قضائه على أكبر إمبراطوريتين في سنوات معدودات إلاّ مظهر لقوّة العقيدة، وإلى هذا أشار القرآن الحكيم حيث قال: ((كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ))(48)، ومعنى إذن الله: الإذن التكويني لا الإذن التشريعي، وفي آية أخرى: ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ))(49)، وذلك لأنّ الإنسان إذا تهيّأت له الأسباب الظاهرة كما قال سبحانه وتعالى: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ))(50)، وكان مزوّداً بالقوّة المعنوية، يكون له الغلبة في قِبال الأشخاص الذين هم مزوّدون بالقوّة المادّية فقط، ولذا انتصر المسلمون في بدر مع أنّهم لا يعدّون إلاّ ثلث عدد الكفّار.
نعم، في عصرنا الحديث صارت القوّة الاقتصادية أيضاً تساوي القوّة العسكرية أو تكون مقدّمة عليها في بعض الأحيان.
وعلى أيّ حال: فمن أراد أن يكتب روح التاريخ، فعليه أن يلاحظ الأمور حتى فـي الحاكم وفي الشعب في مختلف القوى. ففي عقيدتنا أنّ الدين هو المنتصر أخيراً؛ لأنّـه موافـق للعقـل والفطـرة،كـما قـال سبحانه وتعالى: ((فِطْرَت اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا))(51)، وقـد أشار القرآن الحكيم إلى ذلك بقوله: ((لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ))(52)، ولهذا كان الرسول (ص) يخبر بغلبته و أنّه سينتصر في حال كونه في غاية الضعف المادّي، وفي حرب الخندق قال رسول الله (ص): (إنّي أرى قصور كسرى)(53)، أيّ إنّهم سيغلبون كسرى، ومثل ذلك بالإضافة إلى أنّه موافق للفطرة حيث إن الفطرة هي التي ستنتصر موافقة للعقل أيضاً، ألا يحقّ لمن اخترع الكهرباء أن يقول إنّه سينتصر على النفطيّات، ومن اخترع السيّارة والطائرة أن يقول إنّهما سيتقدمان على الدوابّ، فإنّ الإنسان دائماً يسير إلى الفطرة، والعائق لا يكون إلاّ قسراً، وقد قال الحكماء: القسر لا يدوم، والفطرة بطبيعتها بالإضافة إلى الواقعية تأمر دائماً باليسير كما أشير إلى ذلك في القرآن الحكيم حيث قال سبحانه وتعالى: ((يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ))(54)، وقال الرسول الأكرم (ص) فيما روي عنه: (يسّروا ولا تعسّروا)(55)، فإنّ الإنسان لا يتمكّن أن يحمل على كتفه مائة كيلو غرامٍ في غالب الأفراد، لكنّه يتمكّن أن يحمل خمسة كيلو غرامات .
وهذا هو الموضوع الذي أشار إليه بعض العلماء بقوله: إنّ تقييم الحركات التاريخية يجب أن يكون وفقاً لمعايير حقيقية، ولا يصح أن يكون من بينها النصر والهزيمة حتّى لا تضطرب المقاييس ولا تلتبس، وإنّما تقاس حركات التاريخ وأعمال شخصياته بمدى ما حقّقته من إسهام حضاري، إذ لا يمكن أن يكون نشر الدمار، وسفك الدماء، والفساد في الأرض عملاً يرفع صاحبه باسم النصر، فالإنجازات الروحيـة والفطريـة والفكريـة هـي وحدها التي ينبغي أن تكون معياراً لا لتقييم الأفعال فحسب بل إنّما هـي وحدهـا التي تلعب الـدور البارز في مسار التاريخ.
ومن الواضح أنّ الإسهام الحضاري لا يكون إلاّ بخلفيّات نفسية متينة، فإنّ النفس هي التي تتحرّك أوّلاً ثمّ تبني الحياة، وإذا سار الإنسان في الحياة رأى المفكّرين المضطهدين هم الذين يصبحون أصحاب أعلام رفيعة في كافّة المجتمعات بينما السياسيّون وقادة الحروب لا أثر لهم إطلاقاً، فلو حاول جماعة إحياءهم لم يكن ذلك إلاّ وقتياً كما حاول عبد الناصر إعادة فرعون من جديد، وحاول بعض حكّام العراق المنحرفين إعادة نمرود.
إنّ المادّيين لهم المادّة في حياتهم فقط ومستحيل أن تكون المادّة أسوة، لأنّ المادّة لا تتعدّى إلى الآخرين لا زماناً ولا مكاناً، بينما المستضعفون الذين عندهم الروح، والفطرة، والعقل، والمنطق، يتوسعون وجوداً أو عطاءً إلى مختلف الأزمنة ومختلف الأمكنة، وهكذا كان الرسول الأعظم (ص) الذي تمكّن من السيطرة على مختلف الشعوب، وكذلك كان عيسى المسيح (ع) والأئمّة (ع)، فالمعنويات هي التي تتّخذ أسوة.
إنّ الباطل مهما تزيّا بزيّ الحقّ، لا يتمكّن من الاستقامة والبقاء،وبعكسه الحقّ، فكلّما هرّج ضدّه المهرّجون ورموه بمختلف الاتّهامات، يبقى ويستقيم ويلتفّ الناس حوله، بل هما متعاكسان بالنسبة إلى الاقتراب والابتعاد أيضاً، وقد ورد أنّ الباطل كلّما اقترب الإنسان إليه رآه أبشع وأسوأ ممّا كان يتصوّره من بعيد، وأنّ الحقّ كلّما اقترب إليه الإنسان، رآه أحسن وأفضل ممّا كان يتصوّره من بعيد، وورد في حديث آخر: أنّ الدنيا والآخرة كذلك، فكلّما اقترب الإنسان إلى ملاذ الدنيا وشهواتها لم يجدها بتلك الصورة المثالية التي كان يتصوّرها، كما أنّ الآخرة إذا دخلها الإنسان رآها أجمل وأفضل ممّا كان يتصوّرها(56)،وقد ورد في كلمة حكمية بالنسبة إلى الجمال أنّ الإنسان كلّما اقترب إلى الجميل رآه بغير ذلك الجمال الذي كان يتصوّره.
والخلاصة: أن القوّة العسكرية والقوّة السياسية التي يمتلكها العسكريّون والسياسيّون ليست هي الشيء الواقعي إلاّ إذا انضمت إلى الواقع، فالقوّة العسكرية والقوّة السياسية التي تلبّس بهما رسول الله (ص) والإمام عليّ (ع) أو نحوهما من سائر المصلحين إنّما كانتا واقعيتين؛ لأنّهما قائمتان على الحقّ، بينما قوّة هتلر، أو موسليني، أو ستالين، هي على الباطل، ولهذا نبذهما التاريخ، وكذا بالنسبة إلى السابقين أو المعاصرين من أمثال فرعون، وهامان، ونمرود، أو أمثال بهلويان، وياسين الهاشمي(57)، وأمان الله خان(58)، ومن إليهم.
وزعم بعض المؤرّخين أنّ الشخصية التاريخية تجسيد لشخصية الأمّة، فالنيلُ منها نيلٌ من الأمّة، هو كلامٌ فارغ؛ فإنّ الأمم لا تسير تحت ركاب القوّة الظالمة إلاّ بالاضطرار، ويفكّرون في نزعها في أقرب وقت ممكن، وحتّى إذا لم تتمكّن الأمّة من نزعها وإسقاطها، يتدخّل الله سبحانه وتعالى لإسقاطها لأسباب غيبية. وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر الطغاة الذين أكثروا من الفساد، فتدخّل الله سبحانه وتعالى لإسقاطهم إمّا غرقاً، أو عذاباً سماوياً، أو ما أشبه ذلك.

ملاك المؤرخ

ثمّ لا يخفى أنّ الوجود الواقعي الخارجي هو لأفراد الإنسان، وكلّ فرد مسؤول اجتماعياً، وتاريخياً، ودينياً؛ بما فعله، فإنْ خيراً فخيراً، وإنْ شراً فشرّاً، وهؤلاء يكتسبون وحدة اعتبارية صغيرة وكبيرة مثل وحدة هيئة، أو جمعية، أو حزب، أو حكومة، أو حكومات، إذا تحقّقت بينهم علاقات متبادلة خاصّة، وعلى هذا الأساس يمكن إطلاق عنوان المجتمع على مجموعهم، فليس المجموع شيئاً خارجاً عن الأفراد.
نعم، المجموع يملك ما لا يملكه الفرد، مثلاً صخرة كبيرة لا يتمكّن من حملها إنسان، أو اثنان، أو ثلاث، بل يتمكّن من حملها عشرة، أو مائة، أو ألف، وكذلك الجيش قد ينهزم إلاّ إذا كان عدد أفراده عدداً متكاملاً.
إذاً: فالمجتمع بنفسـه لا يتمتّع بالوجـود، والوحدة، والشخصية الحقيقية الخارجية ـ بالمعنى الفلسفي لا بالمعنى الحقيقي ـ والتاريخ هو من هذا القبيل، فالمؤرّخ يجب أن يؤرّخ للأفراد، ويؤرّخ للجماعات، ويؤرّخ للحكومات، أو مجموعة الحكومات مثل الوحدة الأوربية، أو الوحدة الإفريقية، أو الوحدة العربية، أو الوحدة الإسلامية، فلا يصح الحديث عن روح المجتمع إلاّ بهذا المعنى. وكذلك روح التاريخ، فليس هناك روح حقيقيّة تهيمن على جميع الناس، وتسخّرهم لمقاصدها، وتدبّر شؤونهم حسب رغباتها، فإذا كان التاريخ هكذا يكون روح التاريخ أيضاً كذلك، فأساس الإسلام، أو أيّ دين سماوي آخر واقعي ـ لا الدين الذي نُسِب إلى السماء وليس بسماوي ـ وكلّ نظام خلقي، وكلّ نظام حقوقي، أو عبادي، أو ما أشبه ذلك هو قائم على كون إرادة الإنسان حرّة وأنّ الإنسان له أن يفعل وأن يترك، وإذا كان الإنسان غير مختار فكيف يصحّ أمره، أو نهيه، أو مدحه، أو ذمّه؟ وأغلب الآيات القرآنية مبنيّة على هذا الاختيار، وهذه الآيات يفهم منها بوضوح أن العلل التي تسيّر الظواهر الاجتماعية والحوادث التاريخية ليست مستقلّة تماماً وإنما هي متّصلة بإرادات أفراد الإنسان ومشتملة عليها، وبناءً على هذا يصبح من الميسور الاتعاظ بمصير الماضين، حتّى يرتّب الآخرون أعمالهم الاختيارية بشكل لا تترتّب عليه العوارض السيّئة غير المطلوبة، وقد أشرنا سابقاً أن وجود هذه الإرادة بالإضافة إلى العوامل الخارجة عن إرادة الإنسان كالزلازل، والأمطار، والفيضانات، والبراكين، وما أشبه ذلك، يجعل التنبؤ الإقليمي بمستقبل المجتمع بل حتّى مستقبل الفرد أمراً متعذّراً، فكم من إنسان كان في الصباح سليماً ومات في الليل أو بالعكس، فمستقبل الموجودات المختارة ومن جملتها الإنسان لا يمكن التنبؤ به؛ بسبب الإرادة الحرّة، وتلك الحتمية المتوفّرة في العلوم الطبيعية مثل علوم الفيزياء، والأحياء، وما أشبه ذلك، المفقودة في العلوم الإنسانية، وهذا ناشئ من كون الجمادات فاقدة للاختيار. ولو كانت هذه الظواهر الطبيعية تحت سيادة الإنسان، وخاضعة لتأثيره وتدبيره، لأصبحت غارقة في ظلمة من الإبهام. فمثلاً لو كان للإنسان قدرة التصرّف في حركات كواكب المنظومة الشمسية لغدا من المستحيل التنبؤ الإقليمي بالخسوف والكسوف وأوّل الشهر وآخر الشهر. أمّا العوامل الفيزيائية، والميكانيكية، وما أشبه، فهي قابلة للتنبّؤ؛ لأنّه لا تصرّف لإرادة الإنسان فيها، وإن لم تكن قابلة من جهة ثانية حيث إرادة الله سبحانه وتعالى، وقد قال الشاعر:
ما بين غمضة عين وانتباهتها***يقلّب الله من حالٍ إلى حال
مـن هنا ظهر أنّ الذين يقنّنون المجتمع تقنيناً دقيقاً، ويرون المستقبل مستقبلاً قطعياً ـ لأنّهم وصلوا في تصوّرهم للقوانين الاجتماعية، والفردية الجبرية والضرورية، وحيث يستحيل التخلّف عنهـا لأيّ أحـد، ولذا يتمكّنون من التنبّؤ القطعي بالمستقبل ـ ليس كلامهم وفكرهم إلاّ بمنأى عن الواقع.
نعم، يمكن ذلك عن طريق علم الغيب الذي خصّ الله نفسه به، وقد أعطى بعضه لبعض رسله وأوليائه، وذلك أيضاً يدخل في دائرة مسألة البداء التي ذكرناها في كتاب العقائد(59).
وقد قال الإمام (ع): (لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة ثمّ تلا قوله سبحانه وتعالى: ((يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ))(60))(61)، وهناك فرق واضح بين من يعتمد على ما يعلمه الله له فيخبر عن الغيب كالأنبياء مع وجود الاستثناء بقوله سبحانه وتعالى: ((إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ))(62) بالنسبة إلى المستقبل والتاريخ كلّياً أو بعض خصوصيّاته الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو السياسية، أو ما أشبه ذلك، وبين من يعتمد على القوانين الاجتماعية والتاريخية فيتنبّأ بالمستقبل.
وقد ألمعنا في بعض كتبنا إلى قصّة عيسى (ع) وإخباره عن موت العروس(63) كما أنّ هناك قصّة مشابهة بالنسبة إلى نبي الإسلام وقوله بموت هذا الحطّاب(64).

العلة التاريخية والعلة الفلسفية

مسألة: يختلف التعليل التاريخي عن التعليل في فلسفة التاريخ، وذلك نتيجة الفرق بين التاريخ وفلسفة التاريخ، فالتاريخ عبارة عن مفردات من الأحداث مترابطة بزمان خاصّ، ومكان خاصّ، وفرد خاصّ. مثل أحوال العلماء، والخطباء، والقادة، والساسة، والاقتصاديين، وما أشبه ذلك.
كما نجد ذلك فـي كتب التـاريـخ؛ أمثـال: ابـن الأثيـر(65)، واليـعقـوبـي(66)، وتبعاً لهذه المفردات يذكرون العلل، لماذا انتصر فلان، أو انهزم فلان، أو تقدّم فلان، أو تأخّر فلان؟، وما أشبه ذلك، وهذا هو التعليل التاريخي، أمّا التعليل في فلسفة التاريخ فذلك تعليل للروح العامة التي سبّبت تقدّم الأمم، أو تأخّر الأمم، أو علم الأمم، أو جهل الأمم، كما مثَّلنا في الفصل الثاني بأثينا وسبارطة، أو قيام حكومة بني أميّة أو سقوطها، أو قيام حكومة بني العبّاس أو سقوطها، أو قيام حكومة بني عثمان أو سقوطهم.
فالتعليل التاريخي؛ تجريبي، أي إنّ المؤرّخ يستخرج الأسباب بعد دراسة منهجيّة تفصيلية للواقعة التاريخية التي هي موضوع دراسته.
وأمّا التعليل في فلسفة التاريخ؛ فتأمّلي قبلي، فلذا يقول أحد علماء الغرب المرتبطين بهذه الجهة: (إنّ فلسفة التاريخ تأليفاً وتركيباً أكثر منها تسجيلاً وتقريراً، وإنّ المؤرخين إذ يضعون تاريخاً لكلّ الأمم والحضارات، تحدوهم عادة فكرة مسبقة لحـلّ مشكلـة ثالثـة معاصـرة لزمـن الفيلسوف ومن يسخّر التاريخ كلّه ماضيـه وحاضـره، للمستقبل من أجل تأييد فرضه الذي يضعه لحلّ هذه المشكلة، مثلاً أراد سانهوسطين فرض سيطرة الكنيسة على الدولة، فكانت فكرته عن مدينة الله ومدينة الأرض ثمّ سخّر الحضارات القديمة كلّها لتلائم هاتين المدينتين، وسخّر هيجل التاريخ كلّه من أجل فكرة ميتافيزيقية سيطرت عليه هي تعبير الروح عن حرّيتها عن مسار التاريخ، وتحامل ماركس على الرأسمالية في بعض البلاد الرأسمالية في عصره فسخّر تفسيره الاقتصادي للتاريخ من أجل تأييد فكرته(.
ولذا كان هناك فكرتان: فكرة سيطرة الكنيسة على الأمة، وفكرة سيطرة الحكومة على الأمّة، وقد كان بين هاتين الفكرتين في الغرب تنافر وتجاذب وتحارب، ومن أجل ذلك رأى علماء الغرب أنّه كيف صار حال الإنسان، فكلّما سيطرت الكنيسة، قتلت الناس، وهتكت الأعراض، وصادرت الأموال باسم الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الدور لسيطرة الدوقات كانوا يعملون الأعمال نفسها باسم الوطن، فيقتلون الناس، وينتهكون الأعراض، ويسلبون الأموال باسم الوطنية، فرأوا أن المشكلة مشكلة الديكتاتورية فكتبوا كتباً كثيرة متعدّدة، حتّى إنّ بعضهم أحصاها إلى عشرين ألف كتاب، فعرف الغرب أين الداء وأين الدواء من غير فرق بين بلادهم المختلفة من ألمانيا، أوفرنسا، أو بريطانيا، أو النمسا، أو بلجيكا، أو غيرها، وبذلك استراحوا من المشكلتين مشكلة هتك الأعراض وسلب الأموال وقتل النفوس، ومشكلة التخلّص من التخلف ممّا نشاهد مثل ذلك في البلاد الديكتاتورية في العالم الثالث سواء منهم من كان يسمّى دينياً أو دنيوياً.
وهناك اختلافٌ أيضاً بالنسبة إلى تعليل التاريخ، والتعليل في فلسفة التاريخ، من جهة وحدانية العلّة، فالعلل في التاريخ تكثر بكثرة الجهات وتعدّدها، وإنّه قد يثبت المؤرّخ للحادثة الواحدة مجموعة من الأسباب أو العلل، أمّا فلاسفة التاريخ فليست مادّتهم وقائع ملموسة، إنّهم خلّفوا الوقائع وراءهم ظهرياً، وأقاموا ادّعاءً مسبقاً فاعتبروه علّة، مختزلين سائر العلل، ولما كانت علّة واحدة لا تصلح لتفصيل جميـع وقائـع التاريخ فإنّ هؤلاء الفلاسفة يحاولون سدّ الثغرات ثغرة ثغرة، ثغرة تتعلّق بعصر ما قبل التاريخ، وثغرة تتّصل بالمستقبل، والتاريخ لا يتعلّق بالمستقبل بل عندما يجد الإنسان الروح العامّة للتاريخ الماضي فإنه بمقدوره حينئذ التعميم للمستقبل، وقد قال الإمام علي (ع) لولده: (انظر ما مضى بالدنيا)(67) فإنّ مراده (ع) الروح العامة بالقياس إلى المفردات وهي غير المفردات قطعاً.
ومن قال: إنّ التاريخ يعيد نفسه يريد الروح العامة، كما أنّ من قال: إنّ التاريخ القريب غير التاريخ السابق أراد المفردات.
والدينيّون يرون الدين من بداية الخلق إلى يوم القيامة، كما أنّ الماركسيين يرون المجتمعات البدائية وإلى يوم القيامة الفردوس الأرضي الذي قالوا عنه بأنّه مجتمع لا طبقي تسوده العدالة والمساواة، مجتمع يقوم على المشاركة وليس على سلطة الدولة.
ولاشكّ أنّ ما ذهب إليه هيجل وماركس يتناقض مع الفطرة البشرية؛ فهما يتصوّران تاريخ النوع البشري بعنوان كونه تياراً عريضاً وشاملاً من التقدّم والتكامل على طول الخط. والنكسات التي انهالت على البشرية هي قليلة، أو موضعية زمانية أومكانية خاصّة. ومثل هذا الفكر وإن كان بطلانه يظهر مما ذكرناه هنا إلاّ أن فريقاً ليس بقليل من علماء الغرب يرون مثل فكرتهم، لكنّ الحقيقة أنّه لا يعتقد أيّ عاقل بالتقدّم والتكامل في خطّ مستقيم من دون أيّ انحراف أو التواء، أو انقطاع أو توقّف، أو عودة إلى الوراء، فمن البديهي وجود مراحل الركود والسير القهقرائي، وكلّ ما يزعمه هؤلاء هو أن منحى السير الاجتماعي وحركة التاريخ وإن كان يلاقي كثيراً من حالات الصعود والهبوط لكنّه في النهاية يكون صعودياً ونحو الأعلى، فمن الواضح أنّ مثل هذه الفكرة غير صحيحة كما يحدّثنا التاريخ البعيد والقريب.
نعم، نحن المسلمين لا نشكّ في أنّه يأتي اليوم الذي سيفرض الله سبحانه وتعالى دين الإسلام على كلّ البشريّة وتصبح البشرية في حالة هدوء ورفاه وتقدّم، ولكنّنا لا نقول بأنّه مستمر، وإنّما نقول بأنّه يأتي بعد ذلك اليوم ما يكون مثل يومنا هذا في التخلّف والتبعثر وعلى أولئك الناس تقوم القيامة.
وفي قبال أمثال أولئك العلماء يوجد قديماً وحديثاً مفكّرون لا يعتقدون بتقدّم المجتمع البشري والتاريخ دائماً بل يقولون إنّ مرحلة العمر المتكوّنة من الولادة، والطفولة، والمراهقة، والشباب، والنضج، والكمال، والكهولة، والشيخوخة، ثمّ الموت، لا تختص بأفراد النباتات، والحيوانات، والإنسان، وإنّما هي تصدق أيضاً في مجال المجتمعات، والحضارات، والثقافات، وتاريخ البشرية، بل لعلّ هذا التفكير صادقٌ في كلّ العوامل، وقد ترسّخت هذه الفكرة منذ الأزمان الموغلة في القدم واستخدمها أفلاطون لتفسير انحطاط وسقوط النظام اليوناني، وكذلك بالنسبة إلى بعض البلاد الأُخرى، وقد استخدمها بعض علماء الغرب أمثال إنجلز(68)، وتوينبي(69)، ومن أشبههم. ولذا جزع كلّ من إنجلز وتوينبي على مصير الحضارة الغربية بعد الحرب العالمية الأولى. فكان مذهباهما في فلسفة التاريخ قد جاءا في أصعب الفترات؛ إذ يطلعنا التاريخ ـ وليس التاريخ العادي هو الذي نعنيه وإنّما فلسفة التاريخ ـ بأنّه لكي يصل التاريخ بالإنسان إلى مرتبة الوعي لابدّ من حالة انحلال أو تدهور حتّى تثير فـي المفكّـر القلق علـى المصير، والقلق على المستقبل الذي يدفعه إلى التفكير في الماضي. أمّا التاريخ العادي فإنّه يستبعد المستقبل تماماً؛ لأنّ الدراسة فيه تتوقف عند الماضي الذي يلاصق اللحظة الحاضرة، بينما يرتبط المستقبل بالماضي عن طريق الحاضر ارتباطاً عضوياً في فلسفة التاريخ، لوضوح أنّ الحاضر حصيلة الماضي، فالتاريخ الماضي هو الذي جعلنا على ما نحن عليه في الحاضر.
والحاصل: أنّ التاريخ سلسلة متكاملة مترابطة الحلقات بعضها مع بعض سواء كان انحطاطاً أو صعوداً، وإن أسباب الصعود في الماضي تنتهي في الصعود في الحال الحاضر. كما أنّ أسباب الصعود فـي الحاضر تنتهي إلى الصعود في المستقبل، وهكذا العكس، فإنّ أسباب التنزّل والانحطاط في الماضي تنتهي إلى الانحطاط في الحال، وأسباب الانحطاط في الحال تنتهي إلى أسباب الانحطاط في المستقبل.
وبهذا تبين أنّه يجب ألاّ تكون المادّة التاريخية في فلسفة التاريخ مشتتة مجزّأة كما هو الحال في موضوع علم التاريخ، وإنّما أن يقدّم تاريخ الإنسانية ككلّ.
وكلّما كان التاريخ العالمي أكثر شمولاً، كان فهمنا لحالتنا الحاضرة أشدّ عمقاً، كما أنّه يكون فهمنا للمستقبل أيضاً أحسن وأقرب إلى الظنّ بالواقع، ولذا قال بعض علماء الغرب: (يحتاج عصرنا إلى تاريخ الإنسانية بأكمله ليزوّدنا بمعايير يمكن أن نفهم بها معنى ما هو هادف في عصرنا)، وكما قال آخرون: (يجب أن نفهم التاريخ المعاصر حتّى نتمكّن أن نتنبّأ بالمستقبل)، فإنّ فهمنا للحال يحتاج إلى فهمنا للماضي، كما أنّ فهمنا للمستقبل يحتاج إلى فهمنا للحاضر، فإنّه من لا يفهم قوّة الجار لا يتمكّن أن يهيئ للمستقبل ما يوجب عدم تمكّنه من السيطرة على بلادنا، كما أنّا إذا لم نكن نفهم الماضي لا نفهم الحال بأنّه كيف نكون الآن. فهناك قاعدتان فلسفيتان صادقتان حتّى في هذا المورد قاعدة تقوليعرف المثل بالمثل، وقاعدة تقوليعرف الشيء بالضدّ، وهاتان القاعدتان لهما مصاديق كثيرة في التاريخ، يمكننا من خلالهما استخلاص العديد من القواعد والسنن.

السيطرة على التاريخ

مسألة: روح التاريخ وفلسفته هي الحاكمة دائماً على الشعوب، كما وأنّ الفلسفة والروح هي الموافقة للفطرة، والعقل، والمنطق، والدليل، ومن الواضح أنّ قوّة المعارضة لهذه الأمور إنّما تكون وقتية لا قوّة دائمة، والرسول الأكرم (ص) بنفس هذا المنطق قد تقدّم في الحياة، فإنّه تقدّم في الحياة بسبب العدل والإحسان ـ كما قال سبحانه وتعالى: ((إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ))(70) ـ والصدق والأمانة وما إلى ذلك من الأنظمة والنفسيّات الرفيعة.
والرسـول الأعظم (ص) وإن كـان ينشر المعاجـز ذات اليمين وذات اليسار حتّى إنّ بعضهـم ذكـر أنّ المعاجز التـي كانت فـي زمـن الرسول (ص) هي أربعة آلاف معجزة(71)، لكنّ الرسول بالمعجزة لم يتقدّم ـ بنحو الأصل الأولي ـ وإلاّ لو أراد أن يتقدّم بالمعجزة فما باله في ثلاث عشرة سنة في مكّة لم يؤمن به إلاّ أقلّ من القليل حتّى إنّ بعضهم عدّوهم 150 شخصاً، وقد قُتل بعضهم، وهاجر أكثرهم إلى الحبشة، ولو كان الرسول (ص) قد تقدّم بالخوارق فماذا يقال في شأن الإمام علي (ع) فهل تقدّم في الحياة وأسّس الحكومات على طول التاريخ للخوارق والمعجزات؟ وماذا يقال عن الإمام الحسين (ع) حيث دكّ عروشاً وأقام صرح الإسلام، ولو حارب المعسكر المعادي بالمعجزة لقتلهم وقضى عليهم بإشارة واحدة.
والمسلمون إنّما تأخّروا؛ لتأخّرهم في الأخذ بأسباب التقدّم، وقد ظلّ المسلمون يحرصون على الصلاة، والزكاة، والحج، لكنّهم فقدوا سنّة التقدّم في الحياة من العدل في موضعه والمساواة في موضعها(72). وقد رُوي أنّ هارون العبّاسي سأل أحد فقهاء زمانه، قال له: قصّ عليَّ كيف كان رسول الله؟.
فقال: كان يحكم بالعدل بين الناس.
وهكذا أجاب حتّى وصل إلى عليّ (ع) وأجاب بنفس الإجابة، فسأله عن معاوية فقال: كان يأخذ المال من حقّه ويضعه حيث شاء.
فقال هارون: سنّة معاوية هي التي أعجبتني.
أقول: لكن الواضح من كلام هذا الفقيه أنّه نصف الحقّ لا كلّ الحقّ، فإنّ معاوية كان يأخذ المال من غير حقّه ويضعه في غير حقّه.
وعلى كل حال: لو كان الرسول الأكرم (ص) يريد أن يتقدّم بالخوارق لدعا الله سبحانه وتعالى أن يقتل المشركين في مكّة، أو يجبرهم على الهداية، أو يحفظ المسلمين الذين آمنوا به من أعدائهم حتّى لا يعذّبوهم، ولا يقتلوهم، ولا يطاردوهم، ولا ينفوهم من بلادهم، فالرسول (ص) لم يفعل ذلك، وإنّما كانت المعجزة لأجل إقامة الدليل على نبوّته.
وهكذا كان موسى (ع)، ولو كان موسى يريد إثبات الحقّ تطبيقاً للحكم بسبب الخوارق لأمر عصاه بأن تأكل فرعون وهامان وجنودهما في لحظة واحدة، فقد رأيت في التاريخ أن عصا موسى أكلت في وجبة واحدة في يوم الزينة سبعين ألفاً من الحبال والعصي التي كانت تخيّل إليهم من سحرهم أنّها تسعى، ومع ذلك كانوا مضطهدين أشدّ الاضطهاد، حتّى نجّاهم الله سبحانه وتعالى بغرق فرعون وجماعته في القصّة المشهورة.
وهكذا كان نوح (ع) من قبل، فلم يكن يأتي بالمعجزة إلاّ لإثبات نبوّته، وهذا يختلف عن استخدام المعجزة كطريق للتقدّم.
وكذلك كان عيسى (ع)، وقد ورد أنّ عيسى (ع) ذات مرّة شفى50 ألفاً من المرضى من العمى، والصمّ، والبُكم، وذوي العاهات، والمجانين، والمبروصين، ومن أشبه ذلك(73)، ومع ذلك لم يستخدم المعجزة في الحفاظ على نفسه، وإنّما رفعه الله إليه تخلّصاً من اليهود، ومكائدهم، وهيردوس(74)، وبيلاطس(75)، ومن أشبههم، من الكفّار المحاربين له.

السيطرة على التاريخ

مسألة: روح التاريخ وفلسفته هي الحاكمة دائماً على الشعوب، كما وأنّ الفلسفة والروح هي الموافقة للفطرة، والعقل، والمنطق، والدليل، ومن الواضح أنّ قوّة المعارضة لهذه الأمور إنّما تكون وقتية لا قوّة دائمة، والرسول الأكرم (ص) بنفس هذا المنطق قد تقدّم في الحياة، فإنّه تقدّم في الحياة بسبب العدل والإحسان ـ كما قال سبحانه وتعالى: ((إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ))(76) ـ والصدق والأمانة وما إلى ذلك من الأنظمة والنفسيّات الرفيعة.
والرسـول الأعظم (ص) وإن كـان ينشر المعاجـز ذات اليمين وذات اليسار حتّى إنّ بعضهـم ذكـر أنّ المعاجز التـي كانت فـي زمـن الرسول (ص) هي أربعة آلاف معجزة(77)، لكنّ الرسول بالمعجزة لم يتقدّم ـ بنحو الأصل الأولي ـ وإلاّ لو أراد أن يتقدّم بالمعجزة فما باله في ثلاث عشرة سنة في مكّة لم يؤمن به إلاّ أقلّ من القليل حتّى إنّ بعضهم عدّوهم 150 شخصاً، وقد قُتل بعضهم، وهاجر أكثرهم إلى الحبشة، ولو كان الرسول (ص) قد تقدّم بالخوارق فماذا يقال في شأن الإمام علي (ع) فهل تقدّم في الحياة وأسّس الحكومات على طول التاريخ للخوارق والمعجزات؟ وماذا يقال عن الإمام الحسين (ع) حيث دكّ عروشاً وأقام صرح الإسلام، ولو حارب المعسكر المعادي بالمعجزة لقتلهم وقضى عليهم بإشارة واحدة.
والمسلمون إنّما تأخّروا؛ لتأخّرهم في الأخذ بأسباب التقدّم، وقد ظلّ المسلمون يحرصون على الصلاة، والزكاة، والحج، لكنّهم فقدوا سنّة التقدّم في الحياة من العدل في موضعه والمساواة في موضعها(78). وقد رُوي أنّ هارون العبّاسي سأل أحد فقهاء زمانه، قال له: قصّ عليَّ كيف كان رسول الله؟.
فقال: كان يحكم بالعدل بين الناس.
وهكذا أجاب حتّى وصل إلى عليّ (ع) وأجاب بنفس الإجابة، فسأله عن معاوية فقال: كان يأخذ المال من حقّه ويضعه حيث شاء.
فقال هارون: سنّة معاوية هي التي أعجبتني.
أقول: لكن الواضح من كلام هذا الفقيه أنّه نصف الحقّ لا كلّ الحقّ، فإنّ معاوية كان يأخذ المال من غير حقّه ويضعه في غير حقّه.
وعلى كل حال: لو كان الرسول الأكرم (ص) يريد أن يتقدّم بالخوارق لدعا الله سبحانه وتعالى أن يقتل المشركين في مكّة، أو يجبرهم على الهداية، أو يحفظ المسلمين الذين آمنوا به من أعدائهم حتّى لا يعذّبوهم، ولا يقتلوهم، ولا يطاردوهم، ولا ينفوهم من بلادهم، فالرسول (ص) لم يفعل ذلك، وإنّما كانت المعجزة لأجل إقامة الدليل على نبوّته.
وهكذا كان موسى (ع)، ولو كان موسى يريد إثبات الحقّ تطبيقاً للحكم بسبب الخوارق لأمر عصاه بأن تأكل فرعون وهامان وجنودهما في لحظة واحدة، فقد رأيت في التاريخ أن عصا موسى أكلت في وجبة واحدة في يوم الزينة سبعين ألفاً من الحبال والعصي التي كانت تخيّل إليهم من سحرهم أنّها تسعى، ومع ذلك كانوا مضطهدين أشدّ الاضطهاد، حتّى نجّاهم الله سبحانه وتعالى بغرق فرعون وجماعته في القصّة المشهورة.
وهكذا كان نوح (ع) من قبل، فلم يكن يأتي بالمعجزة إلاّ لإثبات نبوّته، وهذا يختلف عن استخدام المعجزة كطريق للتقدّم.
وكذلك كان عيسى (ع)، وقد ورد أنّ عيسى (ع) ذات مرّة شفى50 ألفاً من المرضى من العمى، والصمّ، والبُكم، وذوي العاهات، والمجانين، والمبروصين، ومن أشبه ذلك(79)، ومع ذلك لم يستخدم المعجزة في الحفاظ على نفسه، وإنّما رفعه الله إليه تخلّصاً من اليهود، ومكائدهم، وهيردوس(80)، وبيلاطس(81)، ومن أشبههم، من الكفّار المحاربين له.
والغربيون إنما تقدّموا؛ بسبب أخذهم للديمقراطية وليس بسبب المعجزة. وقد قال رسول الله (ص) في حديث مروي عنه باختلاف الألفاظ في كتب العامة والشيعة (واتّبعوا سنن من كان قبلكم حتّى لو دخلوا حجر ضبّ ودخلتموه. فقلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن)(82).
والمسلمون إنّما تأخّروا؛ بتركهم الإسلام، وقد قال جمال الدين الأفغاني قولته المشهورة: ذهبت إلى الغرب فرأيت فيه الإسلام ولم أرَ فيه المسلمين، وجئت إلى الشرق فرأيت فيه المسلمين ولم أجد الإسلام، كناية عن أنّهم إنّما أخذوا بقسط وافر من الإسلام في نظام الحكم، والشورى، والعدل الاجتماعي، والاستقلال القضائي، وتحكيم المنطق والعقل، لا أنّهم يؤدّون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجّون البيت، ويصومون شهر رمضان، بينما المسلمون في الشرق الإسلامي يفعلون كلّ ذلك، لكن عندما يصلون إلى الحكم لا يعملون بالعدل، والشورى، وما أشبه ذلك.
وعلى أيّ حال: فاللازم على المسلمين الذين أرادوا الرجوع إلى عزّتهم، وسيرتهم، وسيادتهم، أن يرجعوا إلى سنن رسول الله (ص) التي قالها، وعمل بها، وأنزل الله القرآن وفقها، حتّى يرجعوا إلى ما كانوا عليه من العزّة، والسيادة، والتقدّم، والاستقلال.
والمسلمون إنّما تأخّروا؛ لتركهم سنّة رسول الله (ص) الموجودة في أخذه بالكتاب جلياً، فقالت بعض زوجاته: كان خُلُقه القرآن، وما ذكره للمسلمين قولاً، وعملاً، وتقريراً، فهل المسلمون اليوم يعملون بقوله سبحانه وتعالى: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ))(83)، وقوله سبحانه وتعالى: ((وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ))(84)، وقوله سبحانه وتعالى: ((وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً))(85)، وقوله سبحانه وتعالى: ((يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ))(86)؟، وقد ذكرنا في بعض كتبنا(87) أنّ هذه الكلمة هي دليل الحرّية في القرآن الحكيم التي تشمل كافّة أنواع الحرّيات والتي لم يصل إليها الغرب بعد، أو بقوله سبحانه وتعالى: ((إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً))(88)، فهل الحدود الجغرافية بين البلاد الإسلامية من الأمّة الواحدة؟ وقوله سبحانه وتعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))(89)، فالعربي في بلاد العجم، والأعجمي في بلاد العرب، وكلاهما في بلاد الترك، وكلّهم في بلاد الهند؛ تعدّ أمّة واحدة، فالجميع سواسية، وشركاء في الأخذ، والعطاء، والشركة، والزراعة، والتجارة، والملكيـة، والتزويـج، والتزوّج، وألف شيء وشيء، أو هـل عمـل المسلمون بقوله سبحانه وتعالى: ((ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّـةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان))(90)، فغير السلم استثناء، أو هل عمل المسلمون بقوله سبحانه وتعالى: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ))(91)، أو بقوله سبحانه وتعالى: ((مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا))(92)، وكان ممّا أتى به (ص) أنْ زوَّج الصديقة فاطمة u وهي بنت تسع سنوات، كما تزوّج عائشة وعمرها تسع سنين، وكان ممّا أتى به أنّه قال: (من سبق إلى من لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به)(93)، وقال أيضاً: (الأرض لله ولمن عمّرها)(94)، وقال (ص): (من ترك مالاً فللوارث ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ)(95)، إلى ألف حكم وحكم حيث لو أردنا إحصاءه لاحتاج ذلك إلى مجلّد ضخم.
والذي يشاهد حال المسلمين في بلادهم، يشاهد عكس كلّ ذلك، ولهذا انحسر الإسلام، بينما نشاهد أنّ جماعة من الغربيين أخذوا ببعض هذه الأحكام؛ فتقدّموا وقدّموا.
وقد أشار الإمام علي (ع) إلى ذلك حيث قال: (الله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم)(96)، فلم يرد سبق الغير للصلاة، والصيام، والحج، وما أشبه ذلك، وإنّما أراد بذلك ما أشار إليه القرآن الحكيم في قوله: ((هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ))(97).
والغربيون إنما تقدّموا؛ بسبب أخذهم للديمقراطية وليس بسبب المعجزة. وقد قال رسول الله (ص) في حديث مروي عنه باختلاف الألفاظ في كتب العامة والشيعة (واتّبعوا سنن من كان قبلكم حتّى لو دخلوا جحر ضبّ ودخلتموه. فقلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن)(98).
والمسلمون إنّما تأخّروا؛ بتركهم الإسلام، وقد قال جمال الدين الأفغاني قولته المشهورة: ذهبت إلى الغرب فرأيت فيه الإسلام ولم أرَ فيه المسلمين، وجئت إلى الشرق فرأيت فيه المسلمين ولم أجد الإسلام، كناية عن أنّهم إنّما أخذوا بقسط وافر من الإسلام في نظام الحكم، والشورى، والعدل الاجتماعي، والاستقلال القضائي، وتحكيم المنطق والعقل، لا أنّهم يؤدّون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجّون البيت، ويصومون شهر رمضان، بينما المسلمون في الشرق الإسلامي يفعلون كلّ ذلك، لكن عندما يصلون إلى الحكم لا يعملون بالعدل والشورى، وما أشبه ذلك.
وعلى أيّ حال: فاللازم على المسلمين الذين أرادوا الرجوع إلى عزّتهم، وسيرتهم، وسيادتهم، أن يرجعوا إلى سنن رسول الله (ص) التي قالها، وعمل بها، وأنزل الله القرآن وفقها، حتّى يرجعوا إلى ما كانوا عليه من العزّة، والسيادة، والتقدّم، والاستقلال.
والمسلمون إنّما تأخّروا؛ لتركهم سنّة رسول الله (ص) الموجودة في الكتاب جلياً، فقالت بعض زوجاته: كان خُلُقه القرآن، وما ذكره للمسلمين قولاً، وعملاً، وتقريراً، فهل المسلمون اليوم يعملون بقوله سبحانه وتعالى: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)) (99)، وقوله سبحانه وتعالى: ((وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ))(100)، وقوله سبحانه وتعالى: ((وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً))(101)، وقوله سبحانه وتعالى: ((يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ))(102)؟، وقد ذكرنا في بعض كتبنا(103) أنّ هذه الكلمة هي دليل الحرّية في القرآن الحكيم التي تشمل كافّة أنواع الحرّيات والتي لم يصل إليها الغرب بعد، أو بقوله سبحانه وتعالى: ((إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً))(104)، فهل الحدود الجغرافية بين البلاد الإسلامية من الأمّة الواحدة؟ وقوله سبحانه وتعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))(105)، فالعربي في بلاد الفرس، والفارسي في بلاد العرب، وكلاهما في بلاد الترك، وكلّهم في بلاد الهند؛ تعدّ أمّة واحدة، فالجميع سواسية، وشركاء في الأخذ، والعطاء، والشركة، والزراعة، والتجارة، والملكيـة، والتزويـج، والتزوّج، وألف شيء وشيء، أو هـل عمـل المسلمون بقوله سبحانه وتعالى: ((ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّـةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان))(106)، فغير السلم استثناء، أو هل عمل المسلمون بقوله سبحانه وتعالى: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ))(107)، أو بقوله سبحانه وتعالى: ((مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا))(108)، وكان ممّا أتى به (ص) أنْ زوَّج الصديقة فاطمة u وهي بنت تسع سنوات، كما تزوّج عائشة وعمرها تسع سنين، وكان ممّا أتى به أنّه قال: (من سبق إلى من لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به)(109)، وقال أيضاً: (الأرض لله ولمن عمّرها)(110)، وقال (ص): (من ترك مالاً فللوارث ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ)(111)، إلى ألف حكم وحكم حيث لو أردنا إحصاءه لاحتاج ذلك إلى مجلّد ضخم.
والذي يشاهد حال المسلمين في بلادهم، يشاهد عكس كلّ ذلك، ولهذا انحسر الإسلام، بينما نشاهد أنّ جماعة من الغربيين أخذوا ببعض هذه الأحكام؛ فتقدّموا وقدّموا.
وقد أشار الإمام علي (ع) إلى ذلك حيث قال: (الله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم)(112)، فلم يرد سبق الغير للصلاة والصيام والحج، وما أشبه ذلك، وإنّما أراد بذلك ما أشار إليه القرآن الحكيم في قوله: ((هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ))(113).

معرفة الأسباب

مسألة: اللازم على من يريد ذكر فلسفة التاريخ وروحه العامّة أن يكون عارفاً بأسباب التقدّم وأسباب التأخّر، وأسباب النهوض وأسباب السقوط، وأن يكون عارفاً بكـل شيء مـن الاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والتربية، والفكر، وما أشبه ذلك، فإنّ الدنيا كلّها تقوم على عللٍ ومعاليل، فالمريض يمرض لوجود علّة المرض فيه، والصحيح يصحّ بعد المرض لوجود سبب الصحّة فيه، وهكذا بالنسبة إلى الغني والفقير، والعالم والجاهل، والقوي والضعيف، والتقدّم والتأخّر، إلى غير ذلك.
ومن الواضح: أنّ العلّة إذا اكتملت شرائطها وفقدت موانعها، يكون المعلول ضروريّاً، ولذا قال الفلاسفة الشيء ما لم يجب لم يوجد، فهل يعقل أن تكون نارٌ بلا احتراق، أو احتراق بلا نار؟ أو هل يعقل أن يكون تبريد بلا ثلج، أو ثلج بلا تبريد، مع وجود سائر الشرائط وفقد سائر الموانع؟.
أمّا ما يعترض عليه بعض المؤرّخين من استخدام مقولة العلّية في التاريخ بأنها تفيد الضرورة من جهة، ولأنّها تلحق التاريخ بالعلوم الطبيعية من جهة أخرى. وقد اتّخذ بعض علماء الغرب تجارب المؤرّخين الذين يحاولون توكيد كيان التاريخ إزاء طغيان العلوم الطبيعية ومنهجها في القرن التاسع عشر المسيحي وتممها بأنه يستبدل مقولة العليّة بمقولة أخرى يراها أكثر ملاءمة لفهم صياغة التاريخ أنّها مقولة المصير.
أقول: لم يعرف ماذا قصد أولئك الذين أشكلوا على العليّة في التاريخ، فإنّ هذا من الضرورة بمكان، والمحذوران المذكوران بقولهم إنها تفيد الضرورة من جهة ولأنّها تلحق التاريخ بالعلوم الطبيعيّة من جهة أخرى، لم يعرف المراد منها.
وقد فسّر بعضهم المصير الذي ذكره ذلك البعض من المؤرخين ب‍ شعور الإنسان بذاته إزاء قوّة إنسانية أخرى تتحداه وتجعل وجوده في خطر حينئذ تتدفّق الطاقات الكافية فيه، فمن أجل تأكيد الوجود تقتضي فطرة المصير أيضاً عاملين: وجود ذات مستقلة لها كيانها وتابعها المستقل، ثمّ وجود أحداث خارجية بينها وبين الذات علاقة تحدٍّ في أغلب الأحيان، فإنّ التحام نوع من التفاعل يتحدّى سلوك الذات لسنوات وليس كلّ حدث يمسّ المصير، وهناك أحداث كثيرة في حياة الفرد لا تمس إلاّ القشرة الخارجية لحياته، وإنّما لابدّ أن ينفذ الحدث إلى المركز الباطني الذي يشكّل جوهر الذات، حينئذ تكشف الروح عن جزعها إذا ما يهدّد شخصيتها جزعٌ مصدره الجهل بالمصير، لأنّ أخصّ خصائص الزمان استحالة الإعادة وما يستحيل عوده يولّد في النفس الجزع، ويختلفالمصير بهذا المعنى عنالعليّة بما في ذلك العلّة الغائية، لأنّ العلّية أشبه بقانون مجرّد يمكن تفسيره بالعقل ويعبّر عن التجربة العلميّة الآتية، أمّا المصير فيعبّر عن جزع الروح لما يهدّد وجودها، أو كيانها، وتفاعلها من أجل إثبات الذات، وفي ذلك تعبير عن الحياة، ولا يمكن إدراك فكرة المصير إلاّ بالتجربة الحيّة، فلا يمكن تعريفها بمنطق العلم، انتهى.
أقول: ولا يخفى أنّ هذا التفسير أبعد من المفسَّر بالفتح)؛ إذ لم يعرف الربط بين جملها ولا اتساقها، ولا ربطها بالمفسَّر (بالفتح) وهو إدخال ما ليس مرتبط بالمقام في البحث. وبالجملة: فكلام المرسل أكثر ارتجالاً، وإن تمّ كلام القائل.
ثم إن قول بعضهم: إنّ التاريخ العالمي يمثل ثماني حضارات رئيسيّة على الأقلّ هي: الحضارة المصرية، والهنديّة، والصينيّة، والكلاسيكيّة، واليونانيّة، والرومانيّة، والإسلاميّة، والغربية، وإن كلّ حضارة منها قد اتّخذت دورة نموٍ، ثمّ شباب، وكهولة، ثمّ شيخوخة، أعقبها فناء، وعدّ الحضارة الإسلامية من ذلك القبيل، قول أيضاً بغير تحقيق. فمن أين جاؤوا بالقول إنّ العالم من ابتدائه إلى اليوم اشتمل على ثماني حضارات؛ إذ ليس عندنا من التاريخ إلاّ الشيء القليل بالنسبة إلى ما قبل التاريخ المدوّن، فلعلّ هناك كانت ألوف الحضارات، أو ما أشبه ذلك، ثم إن جعل الحضارة الإسلامية كذلك، قولٌ بغير دليل، فإنّ الحضارة الإسلامية قائمة إلى اليوم، والمسلمون يعتقدون أنّها في حالة ضعف، ثمّ تتقوى بظهور الإمام المهدي r ((لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ))(114)، كما أنّ الحضارة الإسلامية قبل مجيء المغول(115) من الشرق، ومجيء الصليبيين(116) من الغرب، قد ضعفت ضعفاً بالغاً ممّا جعلت البلاد الإسلامية فريسةً سائغةً للغزاة، ثمّ تقوّت قوّةً كبيرة بل نحن نعتقد أنّ الأمر هكذا ولو لم نجد قوّة الإسلام بعد ضعفه؛ لأنّ طبيعة الإسلام موافقته للفطرة، والعقل، والبرهان؛ ولأنها كانت هكذا، لا يمكن فناؤها بل الممكن فقط ضعفها ثم قوّتها، ولذا وردت كلمة عن الإمام علي (ع) مضمونها: أنّ المسلمين يتركون العمل بالقرآن، فيضعفون، ثمّ يرجعون إلى القرآن، ويأخذون بالعمل به، فيقوون.
وعلى أيّ حال: فالقول بعدم التأثير والتأثّر، والعلّيّة والمعلوليّة، والسببيّة والمسببّيّة، شيء يخالفه الوجدان والبرهان، ولا نحتاج في ذلك كما ذكر ذلك بعض المعاصرين من أنّ القول بالتأثّر والتأثير كان يعوزه الأسس الميتافيزيقيّة حتّى جاءت نظريّة هيجل ليمدّه بسند فلسفي، ذلك: أن فكرة الروح المطلقة التي تتغلغل في مسار التاريخ، وتظلّ على مدد الزمان، ثمّ يندفق عنها وفق قانونها دولة في كلّ عصر، قد جعلت الإنسانية بذلك وحدةً مطلقة؛ إذ تتحكّم في كلّ أحداث التاريخ روح واحدة. كذلك نظريّة العناية الإلهية التي جعلت المؤرّخين ينسّقون وقائع التاريخ ليبدؤوا فيه النظام المعبّر عن مقاصد الله، ولكن في ذلك تجاهلاً للصيرورة والتغيير الدائم في حركة التاريخ، انتهى.
أقول: وهذا الكلام غير تام بل قد ذكرنا في بعض المسائل السابقة أنّ هناك مـن يقول بالمادّة فقط، ومن يقول بالروح فقط، ومن يقول بهما وهو الصحيح. ولا شكّ بوجود العناية الإلهيّة من النسبة إلى الخلق والحكم كما قال سبحانه وتعالى: ((لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ))(117)، فإنّه يخلق ما يشاء ويختار، كما أنّه يأمر بما هو مصلحة الإنسان وينهى عمّا هو مفسدة له؛ والوحدة في كلّ الحضارات أيضاً موجودة، لكن لا وحدة بالدقّة الهندسية، أو الحسابية، أو ما أشبه ذلك.
وعلى أيّ حال: فإنّ الحضارات؛ وإن اختلفت في خصوصيّاتها ومزاياها، حالها حال أفراد الإنسان، فإنّ أفراد الإنسان؛ وإن اختلفوا في بعض المزايا، والخصوصيات، والشخصيّات، لكن جميعهم مشتركون في أمرٍ واحد يسمّيه المنطقيون بالحيوان الناطق وما أشبه ذلك. وهكذا الحضارات؛ فإنّها وإن اختلفت في الخصوصيّات، والمزايا، والشخصيّة، فلكلّ حضارة خصوصيّات ومزايا وشخصيّة، لكن الروح العامة فيها شيء واحد، كما أنّ الأنبياء هم كذلك؛ ولذا قال رسول الله (ص) (الأنبياء أخوة من أمّهات شتى)(118)، وإنّما لم يذكر الآباء؛ لأنّ المسيح ولد من غير أبٍ. فالحضارات كأفراد الإنسان لها مشابهات، ولها مفارقات، وغالب المؤرّخين يقارنون بين الحضارات في أوجه المشابهة وأوجه الاختلاف. ولكن ما قيمة هذه المقارنة بين الحضارات، وما أهمّية التعرّض على المظاهر المتعاصرة فيما بينها؟.
وقد ذكر بعض العلماء أنّه سيكون في استطاعتنا بعد أن نستعيد تركيب عصور مرّت ولم نعلم عنها شيئاً.
أقول: إنّ إعادة تركيب الماضي على هذا النحو، يكشف إمّا عن عجز الآثار والوثائق في الكشف عنه، بالإضافة إلى أنّه يمكن بمنهج التعاصر التعرّف على إيقاع التاريخ، ومساره، ومرماه، ومن ثمّ يمكن أن نتجاوز الحدود الحاضرة للتنبّه بالمستقبل تنبهاً علمياً والتعرّف عمّا ستكون عليه الأدوار القائمة للحضارة الأوربية بعد أن أمكن تتبّع سياق تطوّرها، ومسارها، ولا تبدّل مفاجئ في أدوار التاريخ، فليست الحرب العالمية الأولى حادثاً استثنائياً ولدته نزاعات السيطرة والسيادة لدى بعض الأمم أو الأفراد فلا تفسّر في نوع العوامل الاقتصادية وحدها إنّما تمثّل بذلك نقطة تحوّل فـي الحضارة الأوربية، تناظـر الانتقال مـن العصر الهيليني(119) إلى العصر الروماني. وهكذا بالنسبة إلى الحرب العالمية الثانية، وهكذا بالنسبة إلى ما يمكن أن تقع من حرب في المستقبل ـ والعياذ بالله ـ، فإنّه سمّة التناظر الغريب بين حرب طرواده والحروب الصليبية. وكذلك بين الحرب البولينزية والحرب العالمية الأولى والثانية، وبين أثينا وباريس، وبين أرسطو والفارابي، وبين النزعة العالمية بعد فتوح الاسكندر وبين الاستعمار الأوربي.
والسبب؛ ما ذكرناه من وجود الروح العامّة خيراً أو شرّاً، ومن وجود المزايا والخصوصيّات.
ومن أمثلة الروح العامة في الأفراد أن الرسول الأكرم محمداً (ص) يشبه موسى وعيسى (عليه السلام)، وإن أبا جهل (120) وأبا لهب يشبهان فرعون وقارون وبيلاطس وهيردوس، وهكذا، فالأشرار على طريقة واحدة، والأخيار على طريقة واحدة في الروح العامّة، ولذا قال سبحانه وتعالى بالنسبة إلى الذين كانوا يقاومون الأنبياء ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ))(121)، بعد أن قال سبحانه وتعالى في الآية السابقة كذلك: ((كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ))(122)، وقال سبحانه وتعالى فـي آية بعد ذلك: ((فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ))(123)، وهكذا نجد كثيراً من آيات القرآن تذكر مشابهة الطغاة بعضهم لبعض، ومشابهة الأنبياء والمؤمنين بعضهم لبعض، وفي ذلك قال بعض العلماء المعاصرين: إنّه لابدّ من عوامل خارجيّة مستثيرة؛ حينئذٍ تصبح هذه العوامل ظروفاً ملائمة لميلاد حضارة جديدة انبثقت فجأة وتستيقظ فيها روح جديدة زاخرة بإمكانيّات فخمة وتظهر الحضارة وتخرج إلى حيّز الوجود في بيئة يكون كلّ ما حولها في فوضى مطلقة وتمتدُّ في خطوط رائعة في شتى المجالات لتفرغ إرادتها بالقوّة على الفوضى المطلقة التي حولها محطّمةً ما يعترض سبيلها بما لديها من طاقات كامنة مبدعة في شتى المجالات من لغة ودين وعلم وفنّ وما إلى ذلك، وحينئذٍ تصبح الإنسانية في حقبة معيّنة مطبوعة بطابعها وتظلّ هذه الروح تطلق ما لديها من إمكانيّات على هيئة تشريع وسياسة ومذاهب دينيّة وفنون وعلوم ما دامت زاخرة بالطاقة الذاتية، إذ الحضارة روح تكمن فيها القوى الخصبة المتوثّبة للتحقّق تخرج إلى الوجود في بيئة خارجيّة في حالة فوضى مطلقة فتطبع النظام وتطبع ما حولها بطابعها) .
أقول: ذلك؛ لأنّ الأمم الضعيفة اتّخذت من الأمم القويّة أمثولةً في كلّ مناحي الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والتربوية، كما وجدنا ذلك بالنسبة إلى الإسلام وغير الإسلام، فإنّ غير المسلمين اتّخذوا من المسلمين قدوة لهم في مناحي الحياة في حقبة طويلة من الزمن حيث كانت الدولة الإسلامية قائمة، ولمّا سقطت الدولة الإسلامية نتيجة ممارسات الحكّام الغارقين في الشهوات، والمتلبسين بالعجب والغرور، أخذ الغرب الزمام، والتفت الأمم الضعيفة حولها حتّى الأمّة الإسلامية التي لها مبادئ حيّة، أصبحت تابعةً للغرب في مختلف مناحي الحياة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتربوية، والعسكرية، والتكنولوجية، وغيرها، حيث إن الضعيف دائماً يقلّد القوي، فإذا رأى القويّ في جانبٍ، انتحى ذلك المنحى، أمـلاً أن يجلب لـه قـوّة ويخلصـه من المشاكل التي يتّصف بها الضعيف عادةً.
(1) سورة الإسراء : الآية 20.
(2) سورة البقرة : الآيات 201 ـ 202.
(3) سورة البقرة : الآية 200.
(4) سورة الإسراء : الآيات 18 ـ 20.
(5) سورة الشورى : الآية 20.
(6) سورة هود : الآيات 15 ـ 16.
(7) سورة الإسراء : الآية 18.
(8) سورة هود : الآية 79.
(9) سورة آل عمران : الآية 145، سورة الشورى : الآية 20.
(10) سورة الإسراء : الآية 19.
(11) سورة الشورى : الآية 20.
(12) إشارة إلى الحديث الوارد : (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)، الأمالي للصدوق : ص432 وص536، فضائل الأشهر الثلاثة، ص27 وص37، ثواب الأعمال : ص56، غوالي اللآلي : ج4 ص101، عدة الداعي : ص172.
(13) سورة إبراهيم : الآية 7.
(14) سورة مريم : الآية 76.
(15) سورة محمد : الآية 17.
(16) سورة الأنفال : الآية 29.
(17) سورة يونس : الآية 9.
(18) سورة التغابن : الآية 11.
(19) سورة المائدة : الآية 66.
(20) سورة الأعراف : الآية 96.
(21) سورة هود : الآيات 2 ـ 3.
(22) سورة نوح : الآيات 2 ـ 4.
(23) سورة نوح : الآيات 10 ـ 12.
(24) سورة الجن : الآية 16.
(25) سورة الحجرات : الآية 7.
(26) سورة الملك : الآية 22.
(27) سورة الأنفال : الآيات 7 ـ 8.
(28) سورة التغابن : الآية 11.
(29) سورة الرعد : الآية 28.
(30) سورة الأعراف : الآية 182.
(31) سورة آل عمران : الآية 178.
(32) سورة إبراهيم : الآية 7.
(33) سورة إبراهيم : الآية 7.
(34) سورة الأنفال : الآية 53.
(35) سورة الرعد : الآية 11.
(36) ونص الحديث : (العلم سبعة وعشرون جزءاً، فجميع ما جاءت به الرسل جزءان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الجزأين، فإذا قام القائم أخرج الخمسة والعشرين جزءاً فبثها في الناس وضمّ إليها الجزأين حتى يبثها سبعة وعشرين جزءاً)، الخرائج والجرائح للراوندي : ج2 ص841 ح 95.
(37) سورة الأعراف : الآية 188.
(38) سورة الرعد : الآية 39.
(39) بحار الأنوار : ج4 ص118 ب3 ح52، تفسير العياشي : ج2 ص 215 في تفسير سورة الرعد.
(40) الكافي (أصول) : ج2 ص668 ح14.
(41) من لا يحضره الفقيه : ج3 ص392 ب2 ح4379، الكافي (فروع) : ج5 ص511 ح3، الخصال : ص37.
(42) سورة البلد : الآيات 12 ـ 18.
(43) فردريش نيتشه، ولد في ألمانيا سنة 1844م، ومات في مشفى للأمراض العقلية بعد إصابته بانهيار عصبي سنة 1900م عن عمر يناهز الست والخمسين سنة، فيلسوف ألماني أخذ بمذهب التطور وقال : (إن الحياة ليست غير تنازع البقاء وبقاء الأصلح، وإن (الإنسان الأعلى( هدف يجب الوصول إليه(. دعا إلى إنكار القيامة والبعث والحساب. ويعد من مؤسسي العرقية الجرمانية، ويتلخص مذهبه بما يدعى(إرادة القوة(. من مؤلفاته : نشأة المأساة وروح الموسيقى، المسافر وظلّه، هكذا تكلّم زرادشت، مدائح ديونيزوس، إرادة القوة، فيما وراء الخير والشر. ترجمه المنجد في الأعلام : ص720، موسوعة المورد: ج7 ص130.
(44) لنيكولا ميكا فيلّي، أديب وسياسي وكاتب مسرحي ومؤرخ إيطالي، ولد سنة 1469م ومات سنة 1527م ودخل سلك الحكومة الإيطالية بضع سنوات، فتولى فيها مناصب إدارية ودبلوماسية وعسكرية ويعد من منظري البرجوازية، ومن مؤلفاته كتاب (فن الحرب( وكتاب (الأمير(.
(45) وأصل الشعر بالفارسية : هر عيب كه سلطان ببسندد هنر است.
(46) سورة الرعد: الآية 17.
(47) سورة الزمر : الآية 33.
(48) سورة البقرة : الآية 249.
(49) سورة الحج : الآية 39.
(50) سورة الأنفال : الآية 60.
(51) سورة الروم : الآية 30.
(52) سورة التوبة : الآية 33، سورة الفتح : الآية 28، سورة الصف : الآية 9.
(53) وفي بحار الأنوار : ج20 ص190 ح2 ب17 ورد : (أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى).
(54) سورة البقرة : الآية 185.
(55) غرر الحكم ودرر الكلم : ص483 ، غوالي اللآلي : ج1 ص381.
(56) فقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : (يا هشام، مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله) بحار الأنوار : ج73 ص79 ب122 ح40، وقريب منه في ج1 ص152 ب4 ح30.
وورد أيضاً عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : (يا هشام، إن مثل الدنيا مثل الحية مسها ليّن وفي جوفها حاء قاتل، يحذرها الرجال ذوو العقول ويهوى إليها الصبيان بأيديهم) بحار الأنوار : ج78 ص311 ب25 ح1، وورد في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج3 ص128 عن علي(ع) : (فإنما مثل الدنيا مثل الحية ليّن مسها، قاتل سمّها فاعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت به من فراقها وتصرف حالاتها، وكن آنس ما تكون بها أحذر ما تكون منها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخصته إلى محذور أو إلى إيناس أزالته عنه إلى إيحاش).
وورد أيضاً : (الدنيا والآخرة ضرّتان كلما أرضيت إحداهما أسخطتَ الأخرى) كشف الخفاء : ج1 ص408، وورد أيضاً : (الدنيا والآخرة ضرّتان بقدر ما تقترب من إحداهما تبعد عن الأخرى). غوالي اللآلي : ج1 ص227 ح106. وورد عن السيد المسيح (ع) أنه قال: (مثل الدنيا والآخرة كمثل الرجل له ضرّتان إن أرضى إحداهما سخطت الأخرى). روضة الواعظين : ص448.
(57) ياسين حلمي سلمان الهاشمي، ولد في بغداد سنة 1884م ومات سنة 1937م، ودفن في سوريا، عينه الملك فيصل الأول رئيساً للأركان أيام حكومته في سوريا سنة 1918م، شغل عدة مناصب وزارية في العراق كالأشغال والمواصلات والأوقاف والمالية، وشغل منصب رئيس الوزراء سنة 1924م وسنة 1935م. يعد من أعمدة الاستعمار البريطاني في العراق، تقول عنه الجاسوسة البريطانية، مس بيل :(أعتقد أن ياسين رجل القدر(. أطلق عليه العراقيون لقب (أتاتورك العراق(، لقساوته وعنفه وطغيانه، فقد أخذ على عاتقه تصفية الحوزات العلمية وحل جميع الأحزاب ومنع إجراء مراسم الشعائر الحسينية واستخدم العنف في تطبيق التجنيد.
(58) أمان الله بن حبيب الله خان، ولد سنة 1310ه‍ (1892م)، ومات في إيطاليا سنة 1379ه‍ (1960م)، حكم أفغانستان بعد مقتل أبيه بين سنة 1337ه‍ ـ 1347ه‍ (1919م ـ 1929م)، يعد من ركائز الإنجليز في الشرق الأوسط، عقد سنة 1339ه‍ (1921م) اتفاقية مع أنجلترا ألزم البلاد بموجبها شراء الأسلحة والذخائر من بريطانيا فقط، وأعقبها اتفاقية ثانية سنة 1341ه‍ ( 1923م) جعلت أفغانستان سوقاً تجارياً للبضائع الإنجليزية، وفي سنة 1361ه‍ (1942م) أمر بتطبيق التقاليد والأعراف الغربية المنافية للتقاليد الإٍسلامية واستخدم العنف في تطبيق ذلك، كما أصدر مرسوماً أجبر الرجال فيه على ترك زيهم التقليدي وإجبارهم على ارتداء الزي الغربي والقبعة الإنجليزية، وأجبر النساء على التبرج والخلاعة، وطارد المفكرين والعلماء وأودعهم في غياهب السجون. نحي عن العرش سنة 1347ه‍ (1929م) وعين أخوه مكانه.
(59) للمزيد راجع موسوعة الفقه كتاب فقه العقائد : ص 307 للمؤلف .
(60) سورة الرعد : الآية 39.
(61) فقد ورد عن زرارة عن الإمام الصادق (ع) : أنه قال : (كان علي بن الحسين (ع) يقول : لولا آية في كتاب الله لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة. فقلت له : أية آية ؟ قال : قول الله سبحانه وتعالى : ((يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)) بحار الأنوار : ج4 ص 118 ب3 ح52 وتفسير العياشي : ج2 ص 215 في تفسير سورة الرعد.
(62) سورة الأنعام : الآية 111، سورة الكهف : الآية 24، سورة يوسف : الآية 76.
(63) راجع وسائل الشيعة : ج9 ص 388 ب9 ح12306، بحار الأنوار : ج4 ص 94 ب3 ح1.
(64) راجع مستدرك الوسائل : ج7 ص 175 ح7963.
(65) علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، الملقب ب‍(عز الدين)، والمكنى ب‍(أبي الحسن)، عالم ومؤرخ، ولد في الموصل سنة 555ه‍ (1160م)، ومات فيها سنة 630ه‍ (1233م)، زار بغداد عدة مرات ورافق صلاح الدين الأيوبي في احتلاله لسوريا ثم عاش في حلب ودمشق مدة من الزمن، من مؤلفاته : الكامل في التاريخ، أسد الغابة في معرفة الصحابة. ترجمه وفيات الأعيان لابن خلكان، البداية والنهاية لابن كثير، العبر للذهبي. ولابن الأثير أخوانِ أحدهما الأكبر منه واسمه مبارك والملقب ب‍(مجد الدين) والمكنى ب‍(ابي السعادات) وهو محدّث ولغوي، تولّى الخزانة في عهد سيف الدين الزنكي , ولد سنة 544ه‍ مات سنة 660ه‍ ، من مؤلفاته : جامع الأصول، النهاية في غريب الحديث. ترجمه الكامل في التاريخ، معجم الأدباء، وفيات الأعيان.
والأخ الثاني أصغر منه واسمه نصر الله والملقب ب‍(ضياء الدين) والمكنى ب‍(أبي الفتح) وهو أديب، ولد في الموصل سنة 588ه‍ ومات في بغداد سنة 637ه‍، من مؤلفاته : المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، الوشي المرقوم في حل المنظوم.
وقد نظم أحد الشعراء ـ كما عن الزبيدي في تاج العروس ـ فيهم :
وبنو الأثير ثلاثة
فمؤرخ جمع العلو
ومحدث كتب الحديث
قد حاز كلٌّ مفتخر
م وآخر ولي الوَزَر
له النهاية في الأثر
(66) أحمد بن إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح، كاتب ومؤرخ وجغرافي في دولة بني العباس، قضى بعض حياته في أرمينيا وخراسان ثم هاجر إلى الهند والمغرب ومصر، توفي في مصر سنة 284ه‍ (897م)، من مؤلفاته : تاريخ اليعقوبي ؛ وفيه تحدث عن تاريخ الشعوب ما قبل الإسلام وتاريخ الإسلام حتى سنة 258ه‍ (872م)، وكتاب البلدان؛ وتحدث فيه عن كبريات المدن في بلاد الإسلام.
(67) وقد ورد في بحار الأنوار : ج1 ص 144 : (انظر في تصرف الدهر وأحواله فإن ما هو آت من الدنيا كما ولى منها فاعتبر بها).
(68) فردريك إنجلز: ولد سنة 1820م، وتوفي سنة 1895م، يعد من الأصدقاء الحميمين لماركس ومساعده، ولهما معاً: (البيان الشيوعي)، و (العائلة المقدسة)، ومن مؤلفات إنجلز الخاصة (الاشتراكية المحال والاشتراكية العلمية).
(69) أرنولد جوزيف توينبي، مؤرخ وفيلسوف إيطالي، ولد سنة 1889م ومات سنة 1975م، صاحب نظرية التحدي والاستجابة والتي تطرق إليها في كتابه : (دراسة للتاريخ(، الذي يقع في اثني عشر مجلداً. وخلاصة النظرية : (أن الحضارة تنشأ في البيئة الصالحة وفي شعب له قابلية واستعداد للاستجابة لذلك التحدي، وإن انهيار الحضارة يتم عبر انهيار العبقرية( ومن مؤلفاته أيضاً : (تاريخ البشرية(. راجع موسوعة المورد : ج10 ص 15ـ 16.
(70) سورة النحل : الآية 90.
(71) كما ذكر ذلك العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار، وللتفصيل عن معاجز الرسول(ص) راجع (إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات( ؛ للحر العاملي، و(مدائن المعاجز( ؛ لشمس المحدثين.
(72) مثلاً : إن سياسة معاوية في فصل الدين عن السياسة أوجدت انفصال التشريع الإسلامي عن الحكم، يقول حسن الأمين في الموسوعة الإسلامية : ج6 ص 198ـ 199، نقلاً عن مالك بن نبي في هذا الصدد : (منذ خرج علي بن أبي طالب دفاعاً عن القرآن، وخرج معاوية بن أبي سفيان طمعاً في السلطان، ثم كان انتصار معاوية انتصاراً للسلطان، منذ ذلك الحين حدث الانقلاب الأول في التاريخ الإسلامي. وقد كان هذا الانقلاب أعمق وأخطر ممّا نتصور، لأن حدود التغيير الذي أحدثه امتدت إلى رقعة أوسع بكثير ممّا رصده المؤرخون، ذلك أن الانقلاب السياسي، أفرز انقلاباً فكرياً على نفس المستوى، فانفصال القرآن عن السلطان أقام بمضي الوقت حاجزاً ما بين العقيدة والشريعة، وانتصار السلطان على القرآن، أدى تلقائياً إلى تزايد الاهتمام بفقه العبادات وتعطيل نمو فقه المعاملات. وتلك نتيجة منطقية ؛ إذ إن غيبة التطبيق الأمين للشريعة، لابد أن ترتب إحدى نتيجتين : إمّا أن يتأخر نمو رصيدها الفكري، أو أن ينمو هذا الرصيد نمواً غير طبيعي، في غير الاتجاه الصحيح(.
(73) راجع الكشكول للشيخ البهائي.
(74) هيردوس انتيباس، ولد سنة 20 ق. م ومات سنة 39 م، وحكم من 4 ق. م وإلى 39م، بعث إليه بيلاطس النبطي بالسيد المسيح (ع) ليحاكمه، ولكنه استنكف عن تحمل مسؤولية إدانته وأعاده إلى بيلاطس الذي أصدر الحكم بقتله وهو ابن هيردوس الكبير ملك اليهود في ظل الرومان والمولود سنة 72 ق. م والمتوفى سنة 4 ق. م والذي أمر قبل موته بذبح جميع أطفال بيت لحم في محاولة لقتل الطفل المسيح (ع)، راجع المنجد في الأعلام : ص736.
(75) الحاكم اليهودي الروماني، حكم من سنة 26م إلى سنة 36م في أيام السيد المسيح (ع) وقد حكم على السيد المسيح (ع) بالقتل، وانتحر بروما.
(76) سورة النحل : الآية 90.
(77) كما ذكر ذلك العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار، وللتفصيل عن معاجز الرسول(ص) راجع (إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات( ؛ للحر العاملي، و(مدائن المعاجز( ؛ لشمس المحدثين.
(78) مثلاً : إن سياسة معاوية في فصل الدين عن السياسة أوجدت انفصال التشريع الإسلامي عن الحكم، يقول حسن الأمين في الموسوعة الإسلامية : ج6 ص 198ـ 199، نقلاً عن مالك بن نبي في هذا الصدد : (منذ خرج علي بن أبي طالب دفاعاً عن القرآن، وخرج معاوية بن أبي سفيان طمعاً في السلطان، ثم كان انتصار معاوية انتصاراً للسلطان، منذ ذلك الحين حدث الانقلاب الأول في التاريخ الإسلامي. وقد كان هذا الانقلاب أعمق وأخطر ممّا نتصور، لأن حدود التغيير الذي أحدثه امتدت إلى رقعة أوسع بكثير ممّا رصده المؤرخون، ذلك أن الانقلاب السياسي، أفرز انقلاباً فكرياً على نفس المستوى، فانفصال القرآن عن السلطان أقام بمضي الوقت حاجزاً ما بين العقيدة والشريعة، وانتصار السلطان على القرآن، أدى تلقائياً إلى تزايد الاهتمام بفقه العبادات وتعطيل نمو فقه المعاملات. وتلك نتيجة منطقية ؛ إذ إن غيبة التطبيق الأمين للشريعة، لابد أن ترتب إحدى نتيجتين : إمّا أن يتأخر نمو رصيدها الفكري، أو أن ينمو هذا الرصيد نمواً غير طبيعي، في غير الاتجاه الصحيح(.
(79) راجع الكشكول للشيخ البهائي.
(80) هيردوس انتيباس، ولد سنة 20 ق. م. ومات سنة 39 م.، وحكم من سنة 4 ق. م. وإلى 39م.، بعث إليه بيلاطس النبطي بالسيد المسيح (ع) ليحاكمه، ولكنه استنكف عن تحمل لمسؤولية إدانته وأعاده إلى بيلاطس الذي أصدر الحكم بقتله وهو ابن هيردوس الكبير ملك اليهود في ظل الرومان والمولود سنة 73 ق. م. والمتوفى سنة 4 ق. م. والذي أمر قبل موته بذبح جميع أطفال بيت لحم في محاولة لقتل الطفل المسيح (ع).
(81) الحاكم اليهودي الروماني، حكم من سنة 26م إلى سنة 36م في أيام السيد المسيح (ع) وقد حكم على السيد المسيح (ع) بالقتل، وانتحر بروما.
(82) وقد ورد في الإفصاح في الأعلام : ص25 الحديث التالي : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا في حجر ضب لتبعتموهم، فقالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى ؟. قال : فمن إذن ! )، وقريب منه في كنز الفوائد : ج1 ص144 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج9 ص286.
(83) سورة الشورى : الآية 38.
(84) سورة الحجرات : الآية 13.
(85) سورة الحجرات : الآية 12.
(86) سورة الأعراف : الآية 157.
(87) راجع موسوعة الفقه كتاب الفقه الحريات وكتاب الحرية الإسلامية للمؤلف .
(88) سورة المؤمنون : الآية 52.
(89) سورة الحجرات : الآية 10.
(90) سورة البقرة : الآية 208.
(91) سورة المائدة : الآية 2.
(92) سورة الحشر : الآية 7.
(93) غوالي اللئالي : ج3 ص480.
(94) الكافي (فروع) : ج5 ص279 ح2، الاستبصار : ج3 ص108 ب72 ح3، تهذيب الأحكام : ج7 ص 152 ب 22 ح21.
(95) من لا يحضره الفقيه : ج4 ص351 ب2 ح 5759، وسائل الشيعة : ج26 ص251 ب3 ح32943، وقريب منه في كشف الغمة : ج2 ص134 وتفسير القمي : ج1 ص278 و ج2 ص176 ودعائم الإٍسلام : ج2 ص391 ووسائل الشيعة : ج18 ص337 ب9 ح23797.
(96) نهج البلاغة : الكتاب 47 من وصية الإمام أمير المؤمنين (ع)لولديه الحسن والحسين(، تحف العقول : ص197، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج17 ص5 ب 47.
(97) سورة آل عمران : الآية 138.
(98) وقد ورد في الإفصاح في الأعلام : ص50 وكمال الدين : ج2 ص 480 وكنز الفوائد : ج1 ص144 الحديث التالي : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لتبعتموهم، فقالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى ؟. قال : فمن إذن ! )، وقريب منه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج9 ص286.
(99) سورة الشورى : الآية 38.
(100) سورة الحجرات : الآية 13.
(101) سورة الحجرات : الآية 12.
(102) سورة الأعراف : الآية 157.
(103) راجع موسوعة الفقه كتاب الفقه الحريات وكتاب الحرية الإسلامية للمؤلف .
(104) سورة المؤمنون : الآية 52.
(105) سورة الحجرات : الآية 10.
(106) سورة البقرة : الآية 208.
(107) سورة المائدة : الآية 2.
(108) سورة الحشر : الآية 7.
(109) غوالي اللآلي : ج3 ص480.
(110) الكافي (فروع) : ج5 ص279 ح2، الاستبصار : ج3 ص108 ب72 ح3، تهذيب الأحكام : ج7 ص 152 ب 22 ح21.
(111) من لا يحضره الفقيه : ج4 ص351 ب2 ح 5759، وسائل الشيعة : ج26 ص251 ب3 ح32943، وقريب منه في كشف الغمة : ج2 ص134 وتفسير القمي : ج1 ص278 و ج2 ص176 ودعائم الإٍسلام : ج2 ص391 ووسائل الشيعة : ج18 ص337 ب9 ح23797.
(112) نهج البلاغة: الكتاب 47 من وصية الإمام أمير المؤمنين (ع)لولديه الحسن والحسين(، تحف العقول : ص197، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج17 ص5 ب 47.
(113) سورة آل عمران : الآية 138.
(114) سورة التوبة : الآية 33، سورة الفتح : الآية 28، سورة الصف : الآية 9.
(115) غزا المغول البلاد الإٍسلامية وحكموا أجزاءً واسعة منها وهي على قسمين :
1. قسم أسسه جنكيز خان ووزعه بين أبنائه ومنهم : جغتاي.
2. قسم أسسه بابر وهو من أحفاد تيمورلنك وعرف ب‍(مغول الهند( ؛ لارتباط تيمورلنك من جهة أمه بجنكيزخان، وحكمها تسعة عشر ملكاً من سنة 1526م وإلى سنة 1858م أشهرهم : بابر، همايون، أكبر، جهانكير، شاه جهان، أورنك زيب. وأخر ملوكهم : بهادر شاه الثاني، الذي عزله الإنجليز. راجع موسوعة المورد : ج7 ص 45.
(116) جاؤوا عبر الحروب التي شنوها على بلاد الإسلام وعرفت بالحروب الصليبية واستمرت قرنين من الزمن منذ سنة 490ه‍ (1096م) وإلى سنة 691ه‍ (1291م) وعددها ثمانية ، وخلال هذه الحروب ذهب الكثير من المسلمين بين مقتول وبين أسير ومعاق، وانتهكت الأعراض وأحرقت المكتبات وهدمت البلاد، وبواسطة هذه الحروب نقل الغربيون الهندسة الحربية والنمط الهندسي المعماري الإسلامي والحرير والأنسجة الدمشقية والأرجوان والمرايا والكثير من الكتب الإسلامية إلى بلادهم.
(117) سورة الأعراف : الآية 54.
(118) فقد ورد في بعض الكتب عن الرسول (ص) : (الأنبياء أخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى) كنز العمال : ج14 ص 336 ح38566، تفسير القرطبي : ج16 ص106، جامع البيان ِ: ج3 ص396، وقريب منه في مسند الطيالسي : ج1 ص355 وتفسير ابن كثير : ج2 ص67 وتحفة الأحوذي : ج10 ص14 ومصنف ابن أبي شيبة : ج7 ص 499.
(119) الذي يمتد من وفاة أرسطو حتى نهاية الأفلاطونية المحدثة، أي من سنة 322ق. م. وإلى سنة 500م.
(120) عمرو بن هشام المخزومي، سمّاه الرسول (ص) ب‍(أبي جهل(، ويعبر عنه بفرعون هذه الأمة، يعدّ من أشد الناس عدواة للرسول الأكرم (ص)، وقد أشار على المشركين في (دار الندوة( أن تشترك بطون قريش كلها في قتل الرسول (ص) ليلة هجرته إلى المدينة المنورة ؛ لكيلا تقع مسؤولية ذلك على أي منها فلا يستطيع بنو هاشم الطلب بدم الرسول (ص) فيختاروا الدية على القتل، وقد عذّب عمار بن ياسر وأباه وأمّه سمية، وقتل أبو جهل سمية، التي أضحت أول شهيدة في الإسلام، قاد المشركين في حرب (بدر( رمضان سنة 2هـ (624م) وقُتل فيها.
(121) سورة الذاريات : الآية 53.
(122) سورة الذاريات : الآية 52.
(123) سورة الذاريات : الآية 59.