الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

لولا فاطمة لما خلقتكما ..!

لكن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وقف بوجه خط معاوية وحفظ الإسلام من الانحراف..

أما بعد شهادة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فمن الذي سيقف طول التاريخ أمام الحكام الذين يلعبون بمقدرات الأمة وباسم الإسلام كالأمويين والعباسيين؟

ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى الأئمة الأطهار المعصومين(عليهم السلام) فلولاهم لمسخ الدين كله ولذهب أتعاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) هباءاً ..

فتبين لنا دور فاطمة الزهراء (عليها السلام) كحقيقة كبرى وضرورة ملحة في الحكمة الإلهية من وراء الخلق وهو مما يفسره لنا المقطع الثالث من الحديث القدسي: (ولولا فاطمة لما خلقتكما).

هذا بالاضافة إلى أن الصديقة الطاهرة (عليها السلام) كان لها الدور الاساسي في فضح الذين حكموا باسم الإسلام، ولولا مواقفها المشرفة لالتبس الأمر على عموم المسلمين.. فكانت (عليها السلام) من حفظة دين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة.

عظمة الزهراء (عليها السلام)

للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) دور كبير في بناء وتدعيم قواعد الدين الإسلامي وتثبيت أركانه، إذ يقول سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: (ولولا فاطمة لما خلقتكما).

فالزهراء (عليها السلام) هبة إلهية وعطية ربانية للرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)(1)، ومزيد نعمة وهي سر الإمامة، ومحور خلق الأئمة المعصومين(عليهم السلام) ..إذ انها أنارت الحياة، وأقامت الدين الحق بأبنائها المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم) وبمواقفها التاريخية..

والى يومنا هذا ترى الإسلام محفوظاً بفضل وجودها ووجود آخر أئمة الهدى صاحب العصر والزّمان الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) وهو بركة من بركات الصديقة الطاهرة، عليها وعلى أبنائها أفضل الصلاة والسلام..

وهناك أحاديث كثيرة وربما متواترة توضح مقام الزهراء (عليها السلام) وقد رواها الفريقان في مختلف كتبهم.

كما أن تعظيم مقام الزهراء (عليها السلام) تعظيم لمقام النبوة، وتعظيم للقيم الدينية التي أنزلها الله سبحانه.

الزهراء (عليها السلام) نور الله

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):(خلق الله نور فاطمة (عليها السلام) قبل أن يخلق الأرض والسماء.

فقال بعض الناس: يا نبي الله فليست هي إنسيّة؟

فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): فاطمة حوراءُ إنسيّة.

قالوا: يا نبي الله وكيف هي حوراء إنسيّة؟

قال: خلقها الله عزوجل من نوره قبل أن يخلق آدم؛ إذ كانت الأرواح، فلما خلق الله عزوجل آدم عُرضت عليه..

قيل: يا نبي الله وأين كانت فاطمة؟

قال: كانت في حقّة تحت ساق العرش.

قالوا: يا نبي الله فما كان طعامها؟

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): التسبيح والتهليل والتحميد، فلما خلق الله عزوجل آدم وأخرجني من صلبه أحب الله عزوجل أن يخرجها من صلبي، جعلها تفّاحة في الجنة وأتاني بها جبرئيل (عليه السلام) فقال لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، يا محمد!

قلت: وعليك السلام ورحمة الله حبيبي جبرئيل.

فقال: يا محمد إن ربك يُقرؤك السلام.

قلت: منه السلام واليه يعود السلام.

قال: يا محمد إن هذه تفاحة أهداها الله عزوجل إليك من الجنة.

فأخذتها وضممتها إلى صدري.

قال: يا محمد يقول الله جل جلاله كلها.

ففلقتها.. فرأيت نوراً ساطعاً ففزعت منه.

فقال: يا محمد مالك لا تأكل؟ كلها ولا تخف فإن ذلك النور للمنصورة في السماء وهي في الأرض فاطمة.

قلت: حبيبي جبرئيل ولم سميت في السماء المنصورة وفي الأرض فاطمة؟

قال: سميت في الأرض فاطمة لأنها فطمت شيعتها من النار وفطم أعداؤها عن حبها، وهي في السماء المنصورة وذلك قول الله عزوجل: ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) (2) يعني نصر فاطمة لمحبيها)(3).

وقد أنشد المرحوم والدي(4) (قدس الله نفسه الزكية) قصيدة رائعة وطويلة لمولدها المبارك، وهذه بعض أبياتها:

درة أشرقـــــت بأبهى سناهــــا              فتلألأ الورى فيها بشراها القلل

لمع الكون من سنا نور قـــدس              بسنا ناره أضــــــــاء طواهـــــا

يا لها لمعة أضاءت فأبـــــــدت              لمعات أهدى الأنام هداهـــــــــا

سيدة نساء العالمين

كانت الزهراء (عليها السلام) في بداية تكوين المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة صغيرة السن ولما تكمل عامها الثامن، إلا انها كانت عارفة واعية بالعلم الرباني اللدني وبالعصمة الإلهية التامة، بحيث أنها أدت دوراً مهماً في نشوء المجتمع الإسلامي الجديد، وامتازت بإخلاصها الشديد وتفاعلها مع الأحداث واستيعابها للرسالة السماوية..

وبالرغم من وجود نساء أخريات في بيت الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنها نالت مرتبة سامية وعالية عند الله سبحانه وتعالى وفي المجتمع الإسلامي، وذلك بفضل اصطفائها من عند الله وإخلاصها وزهدها وعبادتها وإنفاقها وجهادها وصبرها وتحملها في سبيل الله...

فأدت (عليها السلام) الدور الملقى على عاتقها بأحسن وجه، فاستحقت أن تكون سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.

وفي الحديث عن المفضل قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أخبرني عن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في فاطمة انها سيدة نساء العالمين أهي سيدة نساء عالمها؟

فقال (صلى الله عليــــه وآله وسلم): (ذاك مريم كانت سيدة نســــاء عالمها، وفاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين)(5).

فاستحقت الزهراء (عليها السلام) أن يكون وجودها شرطاً لوجود الرسول الأعظم وأمير المؤمنين (عليهما الصلاة والسلام) كما جاء في الحديث القدسي، حيث كان لها (عليها السلام) الدور المكمّل والمتمم في بناء المجتمع الإسلامي والحفاظ على بقاء الإسلام وفي تحقيق الغاية من خلق الإنسان وخلق الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ إذ لولا فاطمة لما خلق الأئمة(عليهم السلام) من ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا العالم، وعدم وجود الأئمة يعني ابطال الغرض من وجود النبي وابطال وجود الإسلام معاً، وهذان أيضاً بدورهما يسببان إبطال وجود الإنسان أيضاً..

ولذا فانه لولا فاطمة (عليها السلام) لما اصبح للنبوة امتداد وديمومة، فهي (عليها السلام) سر الامامة، مضافاً إلى ما سبق من كونها وقفت امام المؤامرات التي حدثت بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

أُسوة وقدوة حسنة

إن المتتبع لسيرة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) يجد انها مدرسة متكاملة في مختلف أبعاد الحياة .. فينبغي أن تكون قدوة لجميع النساء بل وحتى الرجال ..

فهي التي وقفت مع أبيها في تبليغ الدعوة الإسلامية، وتحملت أذى مشركي قريش مع الثلة القليلة من المؤمنين في شعب أبي طالب، وتحملت صعوبة الهجرة من مكة إلى المدينة. ووقفت أيضا بجانب أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي أرسى دعائم الإسلام.. فكانت المجاهدة والمهاجرة.

وتحملت أيضاً الآلام وقساوة الظروف الصعبة جرّاء طلاقها للدنيا واختيارها الآخرة، كما تزوجت بأمير المؤمنين علي(عليه السلام) لتشارك في إسناد الرسالة والإمامة معاً وإرساء قواعد المجتمع الإسلامي ونشر الدعوة الإلهية بجانب أبيها وبعلها الذي نذر نفسه لله تعالى. وهذا خير مثال يقتدين به النساء المسلمات.

بساطة الحياة الزوجية

كما انها (عليها السلام) تقاسمت مع الإ‎‎‎مام ‎‎‎علي (عليه السلام) أعمال الحياة الزوجية فكانت مسؤولية داخل البيت عليها وخارجه عليه (عليه السلام) ..

فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إن فاطمة (عليها السلام) ضمنت لعلي (عليه السلام) عمل البيت والعجين والخبز وقمّ البيت، وضمن لها علي(عليه السلام) ما كان خلف الباب: من نقل الحطب وأن يجيء بالطعام، فقال لها يوماً: يا فاطمة هل عندك شيء؟

قالت: لا والذي عظم حقك ما كان عندنا منذ ثلاثة أيام شيء نقريك به.

قال: أفلا أخبرتني؟

قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهاني أن أسألك شيئاً، فقال: لاتسألي ابن عمك شيئاً. إن جاءك بشيء عفو، وإلا فلا تسأليه.

قال: فخرج الإمام (عليه السلام) فلقي رجلاً فاستقرض منه ديناراً ثُمَّ أقبل به وقد أمسى، فلقى المقداد بن الأسود.

فقال للمقداد: ما أخرجك في هذه الساعة؟

قال:الجوع والذي عظم حقك يا أمير المؤمنين.

قال (الراوي): قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ورسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الله حي؟

قال (عليه السلام): ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيٌّ.

قال الإمام علي (عليه السلام) للمقداد: فهو أخرجني وقد استقرضت ديناراً وسأوثرك به، فدفعه إليه، فأقبل فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالساً وفاطمة (عليها السلام) تصلي وبينهما شيء مغطى، فلما فرغت، احضرت ذلك الشيء فإذا جفنة من خبز ولحم.

قال (عليه السلام): يا فاطمة، أنى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا أحدثك بمثلك ومثلها؟

قال: بلى.

قال: مثلك مثل زكريا إذا دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقاً، قال: يا مريم أنى لك هذا، قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب(6).

فأكلوا منها شهراً وهي الجفنة التي يأكل منها القائم (عليه السلام) وهي عندنا)(7).

لمعة من إيثارها (عليها السلام)

من الصفات النقية الأخرى التي تحلت بها الزهراء (عليها السلام)، ـ والتي يجب أن تكون درساً لأي مجتمع وأمة تريد الانطلاق إلى الأمام،ـ هي الزهد والكرم والإيثار والصبر ونحوها من مظاهر الخلق السامي الرفيع.

وقصة الاطعام التي وردت في القرآن الحكيم في سورة الدهر أفضل دليل على ذلك، حيث أنفقوا (عليهم السلام) طعامهم الوحيد المؤلف من بضعة أرغفة لا غير، إلى ثلاثة محتاجين في ثلاثة أيام متوالية بقوا فيها طاوين جائعين في سبيل الله، وذلك بعد أن نذروا أن يصوموا لله إذا برأ الحسنان (عليهما السلام) من مرض ألمّ بهما، فلما جلسوا عند الافطار ليتناولوا طعامهم، وإذا بالباب تقرع، وكان ثمة مسكين وراء الباب، فقاموا جميعاً بإعطاء أرغفتهم للمسكين وباتوا جياعاً، وهكذا فعلوا في اليوم الثاني مع اليتيم، وفي اليوم الثالث تكررت الحادثة مع الأسير، فأنزل الله تعالى سورة كاملة بحقهم وهي سورة (الدهر) ومنها هذه الآية: ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) (8).

وهذه القصة روتها العامة أيضاً(9).

من عبادتها (عليها السلام)

وأيضاً كانت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هي العابدة لله تعالى بإخلاص وإيمان عالٍ؛ إذ كان قلبها ينبوعاً متفجراً بمعرفة الله والارتباط به سبحانه وتعالى.

قال الإمام الحسن (عليه السلام): (رأيت أمي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء..

فقلت لها: يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟

فقالت: يا بني، الجار ثم الدار)(10). 

من علوم الزهراء (عليها السلام)

ومن الصفات الأُخرى التي تحلت بها سيدة نساء العالمين (عليها السلام) ، ويجب على المسلمين رجالاً ونساءاً أن يقتدوا بها اكثر فأكثر هو العلم..

إذ كانت الزهراء (عليها السلام) عالمة بما لــلكلمة من معنى، فإنها كانت تتلقى العلم من مدينة علم الرسالة وهو النبي (صلى الله عـــليه وآله وسلم) ومن بابها وهو علي (عليه السلام)(11)..

فهي العارفة بالله وبحقائق الكون وفلسفة الحياة، كما أن قربها من المسجد النبوي كان يتيح لها أن تتابع أحكام الله وتلاوة آياته المباركة.. هذا إلى جوار ما كان لها من العلم اللدني.

فمقاماتها السامية وعلومها الزخارة أهلتّها لأن تقوم بدور التربية والتعليم والتوجيه لنساء العالم في كل عصر ومصر، وخاصة نساء عصرها اللاتي كنّ يجتمعن حولها ويتلقين منها علوم الإسلام ويسألنها عن كل شيء.

وقد كانت الزهراء (عليها السلام) المعلمة والمربية حتى للرجال من خلال النساء، فعن الإمام الحسن العسكري قال (عليه السلام): قال رجل لامرأته: اذهبي إلى فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسليها عني: أنا من شيعتكم أو لست من شيعتكم؟ فسألتها، فقالت (عليها السلام): (قولي له: إن كنت تعمل بما أمرناك وتنتهي عما زجرناك عنه، فأنت من شيعتنا وإلا فلا).

فرجعت فأخبرته، فقال: يا ويلي ومن ينفك من الذنوب والخطايا، فأنا إذن خالد في النار، فإن من ليس من شيعتهم فهو خالد في النار!

فرجعت المرأة فقالت لفاطمة (عليها السلام) ما قال زوجها..

فقالت فاطمة (عليها السلام) قولي له: (ليس هكذا فان شيعتنا من خيار أهل الجنة، وكل محبينا وموالي أوليائنا ومعادي اعدائنا، والمسلم بقلبه ولسانه لنا ليسوا من شيعتنا إذا خالفوا أوامرنا ونواهينا في سائر الموبقات، وهم مع ذلك في الجنة، ولكن بعد ما يطهرون من ذنوبهم بالبلايا والرزايا أو في عرصات القيامة بأنواع شدائدها، أو في الطبق الأعلى من جهنم بعذابها، إلى أن نستنقذهم بحبنا منها وننقلهم إلى حضرتنا)(12).

خطبتها في المسجد

ومن أهم ما بقي لنا من السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) خطبتها في المسجد التي اشتملت على علوم مختلفة ومعارف جمة..

والخطبة بحاجة إلى مجلدات لتوضيحها(13) ..

كما انها (عليها السلام) رسمت عبر خطبتها وسائر مواقفها النهج الصحيح للأجيال القادمة إلى يوم القيامة.

من مواقف الزهراء (عليها السلام)

بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت (عليها السلام) تعيش مع زوجها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في أعلى مراتب الجهاد من أجل الحفاظ على الدين الإسلامي والدعوة الإلهية التي أسسها وأرسى دعائمها خاتم الرسل وسيد البشر، بعد أن أصبحت مسؤوليتهما اكبر وأخطر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)..

فلم تنظر (عليها السلام) إلى الموقف كحدث عابر، بل انها كانت تقف بوجه الاستبداد والديكتاتورية، وكانت تعتبر موقف القوم خطوة أو بداية للتراجع إلى الوراء، وتعدّه طمساً للحضارة الإسلامية المتنامية، فكان وقوفها هذا هو بداية الجهاد والاستشهاد، والذي استمر حتى مع أبنائها وذريتها، فكان جهاد الإمام الحسين سيد الشهداء (عليه السلام) في كربلاء واستشهاده، امتداد للوقفة الفاطمية الخالدة بوجه الانحراف عن الإسلام.

وأثرت هذه المواقف البطولية على صحتها كثيراً، حتى اصيبت الزهراء (عليها السلام) بجروح عديدة بعد مداهمة الأعداء لبيتها وما تبع ذلك من كسر ضلعها واسقاط جنينها محسن الشهيد .. فكان ذلك سبباً في استشهادها وهي في الثامنة عشر من العمر. وقد جاء في الروايات:

(مرضت فاطمة الزهراء (عليها السلام) مرضاً شديداً ومكثت أربعين ليلة في مرضها إلى أن توفيت صلوات الله عليها، فلمّا نعيت إليها نفسها دعت أم أمين وأسماء بنت عميس ووجهت خلف علي (عليه السلام) وأحضرته، فقالت: يا بن عمِّ انه قد نعيت إلي نفسي، وإنني لا أرى ما بي إلا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة وأنا أوصيك بأشياء في قلبي…)(14).

وبعد أن سمع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وصاياها ومنها أن يتزوج بـ (امامة) من بعدها، وان يتخذ لها نعشاً، وان لا يُشهِد جنازتها من ظلمها وسلب حقها، وان تدفن ليلاً وسراً… قال لها ـ كما في رواية ـ : (من أين لك يا بنت رسول الله هذا الخبر، والوحي قد انقطع عنا؟

فقالت: يا أبا الحسن رقدت ساعة فرأيت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قصر من الدر الأبيض فلما رآني قال: هلمي إلي يا بنية فإني إليك مشتاق.

فقلت: والله إني لأشد شوقاً منك إلى لقائك.

فقال: أنت الليلة عندي وهو الصادق لما وعد والموفي لما عاهد)(15).

وقد توفيت الزهراء (عليها السلام) مظلومة شهيدة ليلة الأحد لثلاث خلون من شهر جمادى الثانية من العام الحادي عشر من الهجرة، ولها من العمر ثماني عشرة سنة وسبعة اشهر، أي بعد وفاة والدها بثلاثة أشهر..

هكذا جاء في بعض الروايات .. وفي بعضها الآخر: انها (عليها السلام) توفيت في 13 جمادى الأولى وهناك روايات أخرى.

وبالرغم من أنها (عليها السلام) فارقت الحياة في عمر قصير، ولكنها باقية إلى ماشاء الله مدرسة للاجيال، ومشعل نور يكشف عن الزيف والاستبداد، ويقارع الطغاة الظالمين، ويقف بوجه كل من يريد طمس معالم هذا الدين الحنيف.

فالأمة تستلهم الدروس والعبر من مواقفها (عليها السلام) وبطولاتها كما تستلهم الدروس والعبر من مواقف أبنائها المعصومين (عليهم السلام) ببطولاتهم وحملهم هموم الإسلام، حيث مثلوه خير تمثيل..

وما تزال البشرية متطلعة إلى ظهور صاحب العصر والزمان الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) لإنقاذها من براثن المتسلطين والمستبدين ولمحو الظلم والعدوان، ولينشر العدل والإسلام في جميع أرجاء العالم، ويحقق الغاية والهدف الذي خلق من أجله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بنشر العدل والأمن والهدى في ربوع المعمورة.

وبما سبق يظهر بعض دلالة قول الله عزوجل في الحديث القدسي: (يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما)..

فلولا فاطمة (عليها السلام) لما وجد الحجة (عليه السلام) وسائر الحجج المعصومين (عليهم الصلاة والسلام) .. ولولاهم لما كان عدل ولا أمن ولا دين، فصلى الله عليك يا سيدتي يا فاطمة الزهراء وعلى أبيك وبعلك وأولادك الغر البررة.

(السلام عليك يا سيدة نساء العالمين، السلام عليك يا والدة الحجج على الناس أجمعين، السلام عليك أيتها المظلومة، الممنوعة حقّها.

اللهم صل على أمتك وابنة نبيك، وزوجة وصي نبيك، صلاة تزلفها فوق زلفى عبادك المكرمين من أهل السماوات وأهل الأرضين)(16).

 

1 ـ اشارة إلى قوله تعالى ( إنا اعطيناك الكوثر) سورة الكوثر: 1.

2 ـ سورة الروم: 4و5.

3 ـ معاني الأخبار: 396 و397.

4 ـ هو آية الله العظمى الميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره) (1304هـ ـ1380هـ).

5 ـ معاني الأخبار: ص107.

6 ـ اشارة إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: 37.

7 ـ تفسير العياشي: ج1 ص171 و172.

8 ـ سورة الإنسان: 8.

9 ـ راجع فاطمة الزهراء (عليها السلام) في القرآن: ص313 نقلاً عن تفسير روح المعاني: ج92 ص157.

10 ـ علل الشرائع: ص181.

11 ـ اشارة إلى حديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها). عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ص233.

12 ـ تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): ص308.

13 ـ راجع من فقه الزهراء: ج2 و3 و4 في خطبة الزهراء (عليها السلام).

14 ـ بحار الأنوار: ج43 ص191 ب7 ح20 ط بيروت.

15 ـ بحار الأنوار: ج43 ص179 ب7 ح15 ط بيروت.

16 ـ مفاتيح الجنان: زيارة الزهراء (عليها السلام).