الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

رحلة إلى السماء

ومن القضايا التي اتفقت لرسول اللّه (ص) في مكة: قضية (المعراج) وذلك على ما نطق به القرآن الكريم، فلقد اُسري به (ص) ليلاً بجسده الشريف وفي حال اليقظة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو: بيت المقدس، راكباً على مركب أعدّه له جبرائيل بأمر من اللّه تعالى يقال له: البراق.

وذلك بصحبة جبرائيل حيث نزل به بطيبة في طريقه إلى المسجد الأقصى فصلى فيها رسول اللّه (ص) فقال له جبرائيل: هذه طيبة واليها مهاجرتك، ثم نزل به بطور سيناء، فصلى فيها فقال له جبرائيل: هذه طور سيناء حيث كلّم اللّه موسى تكليماً، ثم نزل به بعد ذلك ببيت لحم فصلى فيها فقال له جبرائيل: هذه بيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم ـ على رواية ـ ، ثم انتهى به إلى بيت المقدس فنزل هناك، وربط رسول اللّه (ص) البراق بالحلقة.

ثم التقى (ص) بالأنبياء (عليهم السلام) حيث رآهم قد اجتمعوا إليه هناك، واُقيمت الصلاة، فأذّن جبرائيل وأقام وقال فيهما: حيّ على خير العمل(1)، ثمّ أخذ بعضد رسول اللّه (ص) وقدّمه للصلاة، فصلّى (ص) بالأنبياء (عليهم السلام) إماماً.

ثم سرى به في تلك اللّيلة من بيت المقدس إلى مسجد الكوفة حيث صلّى هناك أيضاً.

ثم عرج منه بصحبة جبرئيل إلى السماوات، فرأى مكتوباً على باب كل سماء، وعلى كلّ حجاب من حجب النور، وعلى كل ركن من أركان العرش: (لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين)(2).

فلمّا بلغ إلى سماء الدنيا استفتح له جبرئيل، ففتح لهما، فرأى هناك آدم (ع) أباالبشر، فسلّم عليه، فرحّب به وردّ عليه السلام، وأقرَّ بنبوّته (ص) وولاية علي بن أبي طالب (ع)(3).

ثم عرج به إلى السماء الثانية، فرأى فيها يحيى بن زكريّا وعيسى بن مريم فسلّم عليهما، فردّا عليه، السلام ورحّبا به وأقرّا بنبوّته (ص) وولاية علي بن أبي طالب (ع).

ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف الصدّيق (ع)، فسلّم عليه فرحّب به وأقرّ بنبوّته (ص) وولاية علي بن أبي طالب (ع).

ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فـــــرأى فيها إدريس (ع)، فسلّم عليه فرحّب به وأقرّ بنبوّته (ص) وولاية عليّ بن أبي طالب (ع).

ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فلقي فيها هارون بن عمران (ع) فسلم عليه فرحب به، وأقرّ بنبوّته (ص) وولاية علي بن أبي طالب (ع).

ثم عرج به إلى السماء السادسة، فلقي فيها موسى (ع)، فسلم عليه فرحب به وأقرّ بنبوّته وولاية علي بن أبي طالب (ع).

ثم عرج به إلى السماء السابـــــعة، فلــقي فيها إبراهيم (ع)، فسلّم عليه فرحب به وأقرّ بنبوّته (ص) وولاية علي بن أبي طالب (ع).

ثم رفع (ص) إلى البيت المعمور، فحضرت الصلاة، فأذّن جبرائيل وأقام، ثم صلّى (ص) بالنبيّين والملائكة إماماً.

ثم رفع إلى سدرة المنتهى وفيها نودي: استوص بعلي (ع) خيراً فإنه سيّد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجّلين يوم القيامة.

ثم رفع إلى حُجُب النور وخلّى عنه جبرائيل.

فقال له (ص): تخلّيني على هذه الحالة؟

فقال: امضه فواللّه لقد وطئت مكاناً ما وطئه أحد قبلك.

ثم رفع (ص) إلى حجاب الجلال، فدنا من ربّه دنوّاً معنوياً، لأنّ اللّه ليس بجسم وليس له مكان، فناجاه ربّه، فكان ممّا ناجاه به: (بك وبعليّ وبالائمّة من وُلده أرحم عبادي وإمائي، وبالقائم منكم اُعمر أرضي...)(4).

ثم ـ على رواية ـ فرض عليه (ص) وعلى اُمَّته خمسين صلاة، فرجع حتى مرَّ على إبراهيم (ع)، فلم يقل له شيء فمرّ حتّى أتى موسى (ع). فقال: بما اُمِرت؟

قال (ص): بخمسين صلاة.

فقال: إنَّ اُمَّتك لا يطيقون ذلك، ارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف لاُمَّتك.

فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار أن نعم إن شئت. فرجع يسأل ربّه التخفيف على اُمَّته، ولم يزل يتردَّد بين موسى وبين ربّه تعالى حتّى جعلها خمس صلوات.

ثم ناداه مناد وهو يقول: فهذه الخمس بخمسين.

هذا، ولا يخفى ان النبي (ص) انما لم يسأل ربه التخفيف، لأنّه (ص) كان لايقترح على ربّه عزّوجل ولا يراجعه في شيء يأمره به. فلمّا سأله موسى (ع) ذلك وصار شفيعاً لاُمّته إليه، لم يرد شفاعته، فرجع وسأل ربّه التخفيف.

وفيه أيضاً: اظهار لفضل موسى (ع) فقد دعا له أبو عبداللّه (ع) وقال: (جزى اللّه موسى عن هذه الاُمَّة خيراً).

وفيه أيضاً: اظهار لفضله (ص) وتقرّبه عند اللّه عزّوجل.

المشركون وأنباء الرحلة

فلما أصبح رسول اللّه (ص) في قومه أخبرهم بمعراجه وبما أراه اللّه من آياته الكبري واذ يحدثهم بانه اتى بيت المقدس ورجع من ليلته، وان آية ذلك انه مرّ بعير لأبي سفيان على ماء لبني فلان وقد اضلّوا جملاً لهم أحمر، وقد همّ القوم في طلبه.

فاشتد تكذيب القوم له وأذاهم، ومرّ به أبو جهل فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزيء هل كان من شيء؟

قال (ص): نعم.

قال: وما هو؟

قال: اُسري بي الليلة.

قال: إلى أين؟

قال: إلى بيت المقدس.

قال: ثم اصبحت بين ظهرانينا؟

قال: نعم.

قال: إن دعوت قومك اتحدثهم بما حدثتني به؟

قال: نعم.

قال: يا معشر بني كعب بن لؤي. فانقضت اليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما. فقال: حدّث قومك بما حدثتني.

فقال رسول اللّه (ص): إني اَُسري بي الليلة.

قالوا: إلى أين؟

قال: إلى بيت المقدس.

قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟

قال: نعم.

فمن بين مصعق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً. فقال المطعم بن عدي: كل أمرك قبل اليوم كان تماماً غير قولك هذا، أنا أشهد انك كاذب. نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعداً شهراً ومنحدراً شهراً، تزعم أنك أتيته في ليلة! واللات والعُزّى لا اُصدّقك.

فقالوا: يا محمد، صف لنا بيت المقدس كيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل؟ وفي القوم من سافر إليه.

فذهب (ص) ينعت لهم: بناؤه كذا وهيئته كذا وقربه من الجبل كذا، فما زال ينعت لهم.

فقالوا: كم للمسجد من باب؟

فجاء جبرئيل فقال: يا رسول اللّه انظر ههنا، فنظر إلى بيت المقدس وقد انكشف له فأخذ (ص) يعدّ لهم أبوابها باباً باباً.

فقال القوم: أما النعت فواللّه لقد أصاب.

ثم قالوا له: أخبرنا عن عيرنا وعن قدومها، فأخبرهم عنها في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وعن البعير الذي يقدمها. وكان الأمر كما قال. فرموه بالسحر ولم يؤمن منهم إلاّ قليل، وهو قول اللّه تبارك وتعالى: (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون)(5).

لا لليأس والخيبة

لقد مرّ أنّ رسول اللّه (ص) أقام بمكة ثلاث سنين من أوّل نبوته يبلّغ رسالات ربه إلى خاصته، ثم أجهر بها في الرابعة، وأخذ يبلّغ رسالة ربّه إلى الناس كافة وفي كل مكان، وبكل الطرق وذلك مدة عشر سنين، حتى إنه كان في السنين الأخيرة ليسأل عن القبائل ويأتي في المواسم منازلها قبيلة قبيلة ويقول: يا أيها الناس، قولوا لا إله إلاّ اللّه تفلحوا، تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وتكونون ملوكاً فاذا متم كنتم ملوكاً في الجنة.

وأبو لهب وجماعته وراءه يقولون: لا تطيعوه فإنه كذاب. فيردون على رسول اللّه (ص) أقبح ردّ ويؤذونه ويقولون: اُسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك.

فكان ممّن أتاهم رسول اللّه (ص) وبلّغهم رسالات ربه فلم يقبلوها: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة وغسان ومرة وحنيفة وسليم وعبس وبنو نصر وبنو البكاء وكندة وكلب والحارث بن كعب وعُذرة والحضارمة وغيرهم فلم يستجب منهم أحد.

الالتقاء بوفد اليمامة

وذات مرة اقبل رسول اللّه (ص) ومعه علي (ع) إلى مجلس من مجالس العرب، فدعاهم إلى دينه فقال أحدهم واسمه مفروق: وإلى م تدعو يا أخا قريش؟

فقال رسول اللّه (ص): (قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم ألاّ تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وأياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلاّ بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون)(6).

قال مفروق: ما هذا من كلام اهل الأرض ولو كان من كلامهم عرفناه ثم قال: وإلى م تدعو أيضاً يا أخا قريش؟

فتلا رسول اللّه (ص): (إن اللّه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكّرون)(7).

فقال مفروق: دعوت واللّه يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك.

وكأنه أراد أن يشرك في الكلام هانئ ابن قبيصة فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا.

فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لوهنٌ في الرأي وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر.

وكأنه أحب أن يشرك في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا.

فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا إياك في مجلس جلسته الينا ليس له أول ولا آخر، وإنا إنما نزلنا بين صريان اليمامة والسماوة.

فقال رسول اللّه (ص): ما هذان الصريان؟

فقال: أنهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، وأما ما كان من مياه العرب فذنبه مغفور وعذره مقبول، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى، لا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً وإني أرى أنّ هذا الأمر مما تكرهه الملوك، فان أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا.

فقال رسول اللّه (ص): ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، فان دين اللّه لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلاّ قليلا حتى يورثكم اللّه ارضهم وديارهم، أتسبّحون اللّه وتقدّسونه؟

فقال النعمان بن شريك: اللّهم لك ذا.

فتلا رسول اللّه (ص): (يا أيها النبي إنّا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى اللّه بإذنه وسراجاً منيراً) ثم نهض النبي فأخذ بيدي علي (ع) ينهضه وقال: إنها أخلاق في الجاهلية ما أشرفها، بها يدفع اللّه بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم.

مع رهط من الخزرج

وفي السنة الحادية عشرة من البعثة النبويّة الشريفة خرج رسول اللّه (ص) على ما دأب عليه إلى الموسم فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل مرة، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد اللّه بهم خيراً، فلما لقيهم رسول اللّه (ص) قال: من أنتم؟

قالوا: نفر من الخزرج.

قال: أمن موالي اليهود؟

قالوا: نعم.

قال: أفلا تجلسون اُكلمكم؟

قالوا: بلى. فجلسوا معه، فبلّغهم رسالات اللّه، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.

وكان مما صنع اللّه به في الإسلام أن يهوداً كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: ان نبياً مبعوث الآن قد أظلّ زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

فلما كلم رسول اللّه (ص) أولئك النفر ودعاهم إلى اللّه قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون واللّه أنه النبي الذي توعّدكم به اليهود، فلا يسبقنكم اليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام.

وقالوا: إنّا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم، فعسى اللّه أن يجمعهم بك، فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم اللّه عليك فلا رجل أعز منك. وكان هؤلاء ستة نفر من الخزرج.

فقال لهم النبي (ص): أتمنعون ظهري حتى اُبلّغ رسالة ربي؟

فقالوا: يا رسول اللّه إنما كانت بعاث عام الهول يوم من أيامنا اقتتلنا به، فان تقدم ونحن كذا لا يكون عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل اللّه يصلح ذات بيننا وندعوهم إلى ما دعوتنا إليه، فعسى اللّه أن يجمعهم عليك، فان جمعهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك، وموعدك الموسم العام القابل، وانصرفوا إلى المدينة.

فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا رسول اللّه (ص)، ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الانصار إلاّ وفيها ذكر من رسول اللّه (ص).

العقبة الأولى وبيعتها

ولما كان العام المقبل أي: في سنة اثنتي عشرة من البعثة النبوية وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، وكان من بينهم: أسعد بن زرارة، وعبادة بن الصامت، فلقوا رسول اللّه (ص) عند العقبة الأولى، فبايعوه على القرار التالي:ـ

قال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول اللّه (ص) على أن لا نشرك باللّه شيئاً، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل اولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بيد أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف.

فقال لنا رسول اللّه (ص): ان وفيتم فلكم الجنة، وان غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى اللّه عز وجلّ إن شاء عذّب وإن شاء عفا وغفر.

ثم انصرفوا.

وبعث (ص) معهم مصعب بن عمير يصلّي بهم، ويفقههم، ويعلمهم القرآن، وكان بينهم بالمدينة يسمّى بالمقرئ، فأسلم على يديه جمع كثير، حتى لم يبق دار في المدينة إلاّ وفيها رجال ونساء مسلمون الاّ ما شذّ وندر.

العقبة الثانية وبيعتها

ثم رجع مصعب إلى مكة في العام المقبل ووافى في الموسم ذلك العام، أي بسنة ثلاث عشرة من البعثة النبوية خلق كثير من الأنصار من المسلمين والمشركين، وزعيم القوم البراء بن معرور، فلما كانت ليلة العقبة وقد مضى الثلث الأول من الليل تسلل إلى رسول اللّه (ص) منهم ثلاثة وسبعون رجلاً وأمرأتان: نسيبة بنت كعب إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء ابنة عمرو ابن عدي اُم منيع إحدى نساء بني سلمة.

قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول اللّه (ص)، حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلاّ أنه أحب أن يحضر أمر أبن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس فقال:

يا معشر الخزرج ! ـ وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج، خزرجها وأوسها ـ إن محمداً منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا، وهو في عزٍّ من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلاّ الانحياز اليكم واللحوق بكم، فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعونه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وان كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به اليكم فمن الآن فدعوه، فانه في عز ومنعة من قومه وبلده.

فقالوا له: سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول اللّه فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

فتكلّم رسول اللّه (ص) وقال: ابايعكم على الإسلام.

فقال له بعضهم: نريد ان تعرفنا يا رسول اللّه ما للّه علينا، وما لك علينا؟ وما لنا على اللّه؟

فقال (ص): أما ما للّه عليكم: فان تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأما مالي عليكم: فتنصرونني مثل ما تنصرون ابناءكم ونساءكم، وان تصبروا على عضّ السيوف وان يقتل خياركم.

قالوا: فاذا فعلنا ذلك ما لنا على اللّه؟

قال: اما في الدنيا فالظهور على من عاداكم، وفي الآخرة رضوانه والجنة.

فأخذ البراء بن معرور بيده (ص) ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول اللّه، فنحن واللّه أهل الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر.

فاعترض القوم ـ والبراء يكلم رسول اللّه (ص) ـ أبو الهيثم بن التيهان فقال: يارسول اللّه، إن بيننا وبين الرجال حبالاً، ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟

فتبسّم رسول اللّه (ص)، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. وفي حديث آخر قال: المحيى محياكم والممات مماتكم.

ثم قال رسول اللّه (ص): أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيباً حتى يكونوا كفلاء على قومهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً: تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.

فقال لهم رسول اللّه (ص): ارجعوا إلى رجالكم.

قال الراوي: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تسترجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وانه واللّه ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تشب الحرب بيننا وبينهم منكم.

قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون باللّه ما كان من هذا شيء وما علمناه.

قال: وصدقوا، لم يعلموا. وبعضنا ينظر إلى بعض.

إبليس وبيعة العقبة

وفي حديث آخر: انه لما اجتمع الانصار في العقبة الثانية وبايعوا رسول اللّه (ص) على أن يمنعوه مما يمنعون أنفسهم، ويمنعوا أهله مما يمنعون أهاليهم وأولادهم، وأخرجوا إليه منهم اثني عشر نقيباً ليكونوا شهداء عليهم بذلك، صاح ابليس: يا معشر قريش والعرب! هذا محمدٌ والصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم، فأسمع أهل منى، وهاجت قريش، فاقبلوا بالسلاح.

وسمع رسول اللّه (ص) النداء فقال للانصار: تفرقوا.

فقالوا: يا رسول اللّه إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا.

فقال رسول اللّه (ص): لم اؤمر بذلك، ولم يأذن اللّه لي في محاربتهم.

قالوا: فتخرج معنا؟

قال: انتظر أمر اللّه.

فجاءت قريش على بكرة ابيها قد اخذوا السلاح، وخرج حمزة وعلي (ع) ومعهما السيف فوقفا على العقبة. فلما نظرت قريش اليهما قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم له؟

فقال حمزة: ما اجتمعنا وما ههنا احد، واللّه لا يجوز هذه العقبة أحد الاّ ضربته بسيفي هذا، فرجعوا إلى مكة وقالوا: لا نأمن ان يفسد أمرنا ويدخل واحد من مشايخ قريش في دين محمد.

بيعة العقبة على لسان جابر

وعن جابر: ان النبي (ص) لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في المواسم وبذي المجاز ومجنّة وعكاظ وفي منازلهم من منى ويقول: (من يؤويني ومن ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة) فلا يجد أحداً ينصره ولا يؤويه، حتى أن الرجل ليرتحل من مصر واليمن إلى ذوي رحمه فيأتيه قومه فيقولون له: احذر غلام قريش لايفتننّك.

وكان (ص) يمشي بين رجالهم يعرض عليهم رسالات اللّه، وهم يشيرون اليه بالأصابع.

قال الراوي: انه كان كذلك حتى بعثنا اللّه من يثرب فيأتيه الرجل منا فيؤمن به يقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون باسلامه، وحتى لم تبق دار من دور الأنصار إلاّ وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، وبعثنا اللّه إليه فائتمرنا فيما بيننا وأجمعنا على نصرته (ص) فرحلنا ونحن أكثر من سبعين نفراً حتى قدمنا عليه (ص) في الموسم، فواعدناه بيعة العقبة، فقال له عمّه العباس: يا ابن أخي، ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب.

فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء القوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث. فقلنا: يارسول الله، على ما نبايعك؟

قال (ص): (على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في اللّه لا تأخذكم في اللّه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة).

فقمنا نبايعه (ص) ، فأخذ بيده أسعد بن زرارة ـ وهو أصغرنا ـ وقال: رويداً يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلاّ ونحن نعلم أنه رسول اللّه، وان إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وان تعضكم السيوف، فإمّا أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على اللّه، وإمّا أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو عذركم عند اللّه.

فقالوا: يا ابن زرارة امط عنا يدك، فواللّه لا نترك هذه البيعة ولا نستقيلها.

فقمنا إليه (ص) رجلاً رجلاً فأخذ علينا البيعة يعطينا بذلك الجنة. ثم انصرفوا إلى المدينة.

اسلام عمرو بن الجموح

فلما قدم الانصار إلى المدينة، اظهروا الاسلام بها، وكان في قومهم بقايا من شيوخ على دينهم من الشرك، منهم: عمرو بن الجموح، وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة وبايع رسول اللّه (ص) وكان عمرو بن الجموح سيداً من سادات بني سلمة وشريفاً من اشرافهم، وكان قد اتخذ في داره صنماً من خشب يقال له: (مناة) كما كانت الاشراف يصنعون، يتخذه إلهاً يعظمه ويظهره.

فلما أسلم فتيان بني سلمة ـ معاذ بن جبل وابنه معاذ بن عمرو ـ في فتيان منهم ممن اسلم وشهد العقبة، كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها فضلات الناس منكساً على رأسه، فإذا اصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟

قال الراوي: ثم يعود ويلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينّه.

فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه فعملوا به مثل ذلك، فيغدوا فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطهره ويطيبه، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك.

فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوماً فغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال: إني واللّه ما أعلم من صنع بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك.

فلما أمسى ونام عدوا عليه وأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلباً ميتاً فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها فضلات وقذارات الناس.

ثم غدا عليه عمرو فلم يجده في مكانه الذي كان فيه، فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكساً مقروناً بكلب. فلما رآه أبصر شأنه، وكلمه من أسلم من قومه، فأسلم وحسن إسلامه، وأشترك مع رسول اللّه (ص) في غزوة احد فرزقه اللّه الشهادة فيها فمات شهيداً.

 

1 ـ راجع بحار الأنوار : 10 / 162 ب 12 ح 13 ط بيروت.

2 ـ راجع بحار الأنوار : 11 / 165 ب 3 ح 9 ط بيروت.

3 ـ كنز الفوائد : 2 / 139 ط قم، 1410 هـ وفيه : (عن النبي (ص) : ليلة أسري بي إلى السماء أوحى الله عز وجل إليّ أن سل من أرسل من قبلك من رسلنا على ما بعثوا؟ فقلت لهم : على ما بعثتم؟ فقالوا : على نبوّتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما).

4 ـ راجع أمالي الصدوق : 504 ح 4 المجلس 92 وفيه : (بك وبه وبالأئمة من ولده.. وبالقائم..).

5 ـ يونس : 101.

6 ـ الأنعام : 151.

7 ـ النحل : 90.