الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

فريضة الحج والولاية

وتسمى: حجة الإسلام، وحجّة البلاغ، وحجة الكمال، وحجة التمام، وذلك انه لما دخل على رسول اللّه (ص) شهر ذي القعدة من السنة العاشرة من الهجرة النبوية المباركة نزل عليه جبرئيل وقال له: يا محمد ان اللّه عزّوجلّ يقرؤك السلام ويقول لك: إني لم أقبض نبياً من أنبيائي ولا رسولاً من رسلي إلا بعد إكمال ديني وتأكيد حجّتي، وقد بقي عليك من ذاك فريضتان مما تحتاج أن تبلّغهما قومك: فريضة الحج، وفريضة الولاية والخلافة من بعدك، فإني لم أخلُ أرضي من حُجّة، ولن اُخليها أبداً، فإن اللّه جلّ ثناؤه يأمرك أن تبلّغ قومك الحج وتحج ويحج معك من استطاع إليه سبيلاً من أهل الحضر والأطراف والأعراب، وتعلّمهم من معالم حجّهم مثل ما علّمتهم من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم، وتوقفهم من ذلك على مثال الذي أوقفتهم عليه من جميع ما بلّغتهم من الشرائع.

فنادى منادي رسول اللّه (ص) في الناس: ألا إن رسول اللّه (ص) يريد الحج وان يعلّمكم من ذلك مثل الذي علّمكم من شرائع دينكم، ويوقفكم من ذلك على ما أوقفكم عليه من غيره.

ثم تجهّز رسول اللّه (ص) للحج، وأمر الناس بالجهاز له، فتجهّزوا لذلك، وقد حضر المدينة من ضواحيها ومن جوانبها خلق كثير، فأجمع رسول اللّه (ص) عندها على الخروج، فخرج مغتسلاً متدهّناً مترجّلاً متجرّداً في ثوبين صحاريين: إزار ورداء، وأخرج (ص) معه نساءه كلهنّ في الهوادج، كما وأخرج معه أهل بيته (فاطمة عليها السلام) وسار معه عامة المهاجرين والأنصار، ومن شاء اللّه من قبائل العرب وأفناء الناس.

أقول: كنت قد كتبت فيما سبق كتاباً حول كيفية حجه (ص)، ننقله هنا:

هكذا حج رسول اللّه (ص)

وذلك كما ورد في صحاح الروايات:

وقد وفّقني اللّه أن أنشره في هذه الكراسة، بإضافة بعض التوضيحات بين قوسين هكذا ( ) كما ألحقنا به صورة إجمالية عن (حجّ التمتّع) وعن (محرمات الإحرام) وذلك على ما استفيد من (السنّة المطهّرة) واللّه المستعان.

بسم اللّه الرحمن الرحيم

روى الكليني وشيخ الطائفة (رحمهما اللّه) بسندهما عن الإمام الصادق(ع): انّ رسول اللّه (ص) أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج .

ثم أنزل اللّه تعالى عليه: (وأذّن في الناس بالحجّ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كلّ فجٍّ عميقٍ)(1).

فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم: أنّ رسول اللّه (ص) يحج في عامه هذا.

فعلم به من حضر المدينة، وأهل العوالي والأعراب، فاجتمعوا لحج رسول اللّه (ص).

وانما كانوا تابعين، ينظرون ما يؤمرون به فيتبعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه.

العمرة وأعمالها

فخرج رسول اللّه (ص) في أربع بقين من ذي القعدة فلما انتهى إلى ذي الحُليفة، فزالت الشمس..

1 ـ اغتسل (وفي حديث آخر: لبس لباس الإحرام).

ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة، فصلّى فيه الظهر.

ثم خرج حتى انتهى إلى البيداء (وهي صحراء قريبة من مسجد الشجرة) عند الميل الأول، فصفّ الناس له سماطين.

2 ـ فأحرم، وأهلّ بالحجّ (أي: قال التلبية) وساق مائة بدنة (أي: ناقة) وقيل: ستاً وستّين بدنة، أو أربعاً وستين.

حتى انتهى (ص) إلى مكة، في أربع مضين من ذي الحجّة.

3 ـ فطاف بالبيت سبعة أشواط.

4 ـ ثم صلّى (ص) ركعتين خلف مقام إبراهيم (ع).

ثم عاد إلى الحجر فاستلمه، وقد كان استلمه في أول طوافه.

5 ـ ثم قال: إنّ الصفا والمروة من شعائر اللّه، فبدأ بما بدأ اللّه عزّ وجل به.

وان المسلمين كانوا يظنون: ان السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون. فأنزل اللّه عزّ وجل: (إنّ الصفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطّـوّف بهما)(2).

ثم أتى (ص) الصفا، فصعد عليه، واستقبل الركن اليماني، فحمد اللّه وأثنى عليه، ودعا مقدار ما يقرأ سورة البقرة مترسّلاً.

ثم انحدر إلى المروة فوقف عليها، كما وقف على الصفا.

ثم انحدر وعاد إلى الصفا، فوقف عليها.

ثم انحدر إلى المروة، حتى فرغ من سعيه.

فلما فرغ من سعيه، وهو على المروة أقبل على الناس بوجهه، فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ثم قال: إن هذا جبرئيل ـ وأومأ بيده إلى خلفه ـ يأمرني أن آمر من لم يسق منكم هدياً:

6 ـ أن يحل (والإحلال بالحلق لبعض الشعر أو التقصير).

ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، لصنعت مثل ما أمرتكم، ولكنّي سقت الهدي ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحلّ، حتى يبلغ الهدي محلّه (أي: في منى حيث يذبح الهدي) انّ اللّه عزّ وجل يقول: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه)(3).

قال: فقال له رجل من القوم: انخرج حُجّاجاً وشعورنا تقطر؟

فقال له رسول اللّه (ص): أما انك لن تؤمن بهذا أبداً؟ (أي: لن تؤمن بحج التمتّع).

فقال له سراقة بن مالك بن جشعم الكناني: يا رسول اللّه علمنا ديننا، كأننا خلقنا اليوم. فهذا الذي أمرتنا به، ألعامنا هذا أم ولما يستقبل؟ (أي: حج التمتع في هذه السنة أو في كلّ سنة؟).

فقال له رسول اللّه (ص) وقد أنزل اللّه آية التمتّع: (فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي)(4): بل هو للأبد إلى يوم القيامة.

ثم شبك (ص) بين أصابعه وقال: دخلت العمرة في الحج هكذا إلى يوم القيامة (أي: ان الحج صار حج تمتع، حيث ان عمرته وحجه يؤتيان معاً، الأول: العمرة، الثاني: الحج).

قال: وقدم علي (ع) من اليمن، على رسول اللّه (ص) وهو بمكة.

فوافى الحج، فوجد فاطمة (ع)، وقد أحلّت، ووجد ريحاً طيّباً، ووجد عليها ثياباً مصبوغة.

فقال (ع): ما هذا يا فاطمة؟ (أي: كيف أحللتم؟).

فقالت (ع) : أمرنا بهذا رسول اللّه (ص).

فخرج علي (ع) إلى رسول اللّه (ص) مستفتياً؟ (لأن علياً (ع) كان قد أحرم، وطاف، وصلّى، وسعى.. ثم أراد أن يسأل رسول اللّه (ص)، هلى يبقى في إحرامه، أو يحل؟).

فقال: يا رسول اللّه إني رأيت فاطمة قد أحلّت وعليها ثياب مصبوغة؟

فقال رسول اللّه (ص): اني أمرت الناس بذلك.

فأنت يا علي بما أهللت؟ (أي هل اهللت بالحج، أو بالعمرة؟).

فقال: يا رسول اللّه إهلالاً كإهلال النبي (ص) (أي: اني قصدت أن أحرم كإحرام الرسول (ص)).

فقال له رسول اللّه (ص): قرّ على إحرامك، وأنت شريكي في هديي.

الحج ومناسكه

قال: ونزل رسول اللّه (ص) هو وأصحابه بمكة، بالبطحاء، ولم ينزل الدور، فلما كان يوم التروية (ثامن ذي الحجّة) عند زوال الشمس.

1 ـ أمر الناس أن يغتسلوا، ويهلّوا بالحج (أي: يقولوا التلبية) وهو قول اللّه عزّوجل الذي أنزله على نبيّه (ص): (فاتبعوا ملّة إبراهيم حنيفاً)(5). فخرج النبي (ص) وأصحابه مهلّين بالحج، حتى أتى إلى منى. فصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر (أي بقوا ليلة التاسع في منى).

ثم غدا والناس معه. وكانت قريش تفيض من المزدلفة وهي جمع (أي: المشعر) ويمنعون الناس أن يفيضوا منها (أي: أن يجعلوا طريقهم إلى عرفات، من المشعر).

فأقبل رسول اللّه (ص) وقريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل اللّه عزّ وجل عليه: (ثمّ أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا اللّه)(6) يعني: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق (عليهم السلام) في إفاضتهم منها، ومن كان بعدهم (أي: كلهم كانوا يفيضون ويذهبون إلى عرفات من غير طريق المشعر).

فلما رأت قريش انّ قبّة رسول اللّه (ص) قد مضت، كأنه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم.

حتى انتهى (ص) إلى (نمرة) وهي بطن (عرفة) بجبال (الاراك). فضرب (ص) قبته، وضرب الناس أخبيتهم عندها.

2 ـ فلما زالت الشمس (أي: ظهر يوم عرفة، وهو تاسع ذي الحجة). خرج رسول اللّه (ص) ومعه قريش، وقد اغتسل، وقطع التلبية. حتى وقف بالمسجد, فوعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، ثم صلّى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، ثم مضى إلى الموقف، فوقف به.

فجعل الناس يبتدرون إخفاف ناقته، يقفون إلى جانبها، فنحّاها، ففعلوا مثل ذلك. فقال (ص): أيها الناس ليس موضع إخفاف ناقتي بالموقف، ولكن هذا كله.ـ وأومأ إلى الموقف بيده ـ فتفرّق الناس.

وفعل مثل ذلك بالمزدلفة (أي: أعلمهم ان الموقف: المشعر كله) فوقف الناس بالدعاء حتى وقع القرص (قرص الشمس).

3 ـ ثم أفاض (ص) وأمر الناس بالدعة، حتى انتهى إلى المزدلفة، وهو المشعر الحرام.. فصلّى المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين.

ثم أقام حتّى صلّى فيها الفجر. وعجل ضعفاء بني هاشم بليل، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة: جمرة العقبة حتى تطلع الشمس.

4 ـ فلما أضاء النهار أفاض حتى انتهى إلى منى.

5 ـ فرمى جمرة العقبة.

6 ـ وكان الهدي الذي جاء به رسول اللّه (ص) مائة بدنة، وقيل: أربعة وستين أو ستة وستين، فأشرك (ص) علياً (ع) في الهدي.

وقيل: انه جاء علي (ع) بأربعة وثلاثين أو ستة وثلاثين (ولعل علياً (ع) جاء بها من اليمن).

فنحر رسول اللّه (ص) ثلاثاً وستّين، وقيل: ستة وستين، ونحر علي (ع) سبعاً وثلاثين، وقيل: أربعاً وثلاثين بدنة.

وأمر رسول اللّه (ص) أن يؤخذ من كل بدنة منها جذوة (أي: قطعة) من لحم، ثم تطرح في برمة، ثم تطبخ, فأكل رسول اللّه (ص) وعلي (ع) وتحسّيا من مرقها, ولم يعط الجزارين جلودها، ولا جلالها، ولا قلائدها، وتصدّق به.

7 ـ وحلق (ص).

8 ـ وزار (ص) البيت (أي: طاف للزيارة، وصلّى صلاة الطواف، وسعى، وطاف طواف النساء، وصلّى صلاة الطواف).

9 ـ ورجع (ص) إلى منى، وأقام بها، حتى كان اليوم الثالث من أيام التشريق.

10 ـ ثم رمى (ص) الجمرات (أي: رماهنّ، في كل يوم).

هكذا حج رسول اللّه (ص) كما في الروايات الصحيحة.

حج التمتع

وإليك موجزاً من صورة (حج التمتع)(7):

1 ـ الإحرام ، لعمرة التمتع .

2 ـ الطواف لعمرة التمتع.

3 ـ ركعتان للطواف لعمرة التمتع.

4 ـ السعي لعمرة التمتع.

5 ـ التقصير لعمرة التمتع.

6 ـ الإحرام ، لحج التمتع.

7 ـ الوقوف بعرفات لحج التمتع.

8 ـ الوقوف بالمشعر لحج التمتع.

9 ـ الإفاضة إلى منى لحج التمتع.

10 ـ الرمي لجمرة العقبة لحج التمتع.

11 ـ النحر، أو الذبح لحج التمتع.

12 ـ الحلق ، أو التقصير لحج التمتع.

13 ـ الطواف ، لحج التمتع.

14 ـ ركعتان للطواف لحج التمتع.

15 ـ السعي لحج التمتع.

16 ـ طواف النساء لحج التمتع.

17 ـ ركعتان لطواف النساء لحج التمتع.

18 ـ المبيت بمنى.

19 ـ رمي الجمرات الثلاث، بمنى، كل يوم.

محرمات الإحرام

وإليك محرمات الإحرام:

1 ـ صيد حيوان البر.

2 ـ النساء .

3 ـ عقد النكاح .

4 ـ الإستمناء .

5 ـ استعمال الطيب.

6 ـ لبس المخيط للرجال.

7 ـ الإكتحال.

8 ـ النظر في المرآة.

9 ـ لبس الخف وكل ما يستر ظهر القدم.

10 ـ الفسوق ، الكذب ، السباب ، المفاخرة.

11 ـ الجدال ، أي مطلق اليمين، احتياطاً.

12 ـ قتل هوام البدن.

13 ـ التختم للزينة، بل مطلق الزينة.

14ـ تغطية الرجل رأسه.

15 ـ تغطية المرأة وجهها.

16 ـ التدهين.

17 ـ إزالة الشعر.

18 ـ إخراج الدم.

19 ـ قلع الضرس.

20 ـ تقليم الظفر.

21 ـ التظليل للرجال، حال السير.

22 ـ قطع شجر الحرم.

23 ـ حمل السلاح.

من حوادث حجّة الوداع

وروي انه لما تجهّز رسول اللّه (ص) إلى الحج كتب إلى علي (ع) ـ وقد بعثه في سرية إلى اليمن ـ بأن يخرج ومن معه إلى الحج أيضاً، فلما قارب رسول اللّه(ص) مكة من طريق المدينة، قاربها علي (ع) من طريق اليمن، فتقدّم علي (ع) الجيش للقاء النبي (ص) وخلّف عليهم رجلاً منهم، فأدرك النبي (ص) وقد أشرف على مكة، فسلّم عليه وعرض عليه أخباره، ثم أخبره بأنه أقبل مع الجيش وتقدم عليهم للقائه، فسرّ رسول اللّه (ص) ذلك وابتهج بلقائه وقال له: بم أهللت يا علي؟

فقال (ع): عقدت نيّتي بنيّتك يا رسول اللّه وقلت لمّا أحرمت: اللّهمّ اهلالاً كإهلال نبيّك.

فقال له رسول اللّه (ص): أنت شريكي في حجّي ومناسكي وهديي ـ وكان رسول اللّه (ص) قد ساق الهدي معه ـ ثم قال له: أقم على إحرامك، وعد إلى جيشك فعجّل بهم إليّ حتى نجتمع بمكة إن شاء اللّه تعالى.

في موقف عرفات

ولما كان رسول اللّه (ص) في الموقف بعرفات ومعه المسلمون وصلّى بهم الظهر والعصر معاً عند زوال الشمس بلا أن يصلّ بينهما شيئاً، وقيل: لما نزلت سورة: (إذا جاء نصر اللّه والفتح)(8) وذلك في أوسط أيام التشريق وعرف رسول اللّه (ص) انه الوداع ـ.ركب راحلته العضباء فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال:

أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً.

أيها الناس: انّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى أن تلقوا ربّكم..

أيّها الناس: كل دم كان في الجاهلية فهو هدر، وكل ربا كان في الجاهلية فموضوع.

أيها الناس ان الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرضين، وانّ عدّة الشهور عند اللّه اثناعشر شهراً في كتاب اللّه يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم: رجب مفرد الذي بين جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرّم، فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم، فإن النسيء زيادة في الكفر يُضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاماً ويحرّمونه عاماً ليواطئوا عدّة ما حرّم اللّه ـ وكانوا يحرّمون المحرّم عاماً ويستحلّون صفر، ويحرّمون صفر عاماً ويستحلّون المحرم ـ.

أيها الناس: ان الشيطان قد يئس أن يعبد في بلادكم آخر الأبد، ورضي منكم بمحقّرات الأعمال.

أيها الناس: انكم ستلقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت، فمن كانت عنده وديعة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها.

أيها الناس: ان النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهنّ ضراً ولا نفعاً، أخذتموهنّ بأمانة اللّه واستحللتم فروجهنّ بكلمات اللّه، فلكم عليهنّ حق، ولهنّ عليكم حق، ومن حقكم عليهنّ أن لايوطئنّ فرشكم، ولايعصينّكم في معروف، فإذا فعلن ذلك فلهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، ولا تضربوهنّ.

أيها الناس: اني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا أبداً: أمراً بيّناً كتاب اللّه عزّوجل وعترتي أهل بيتي.

أيها الناس: ألا فليبلّغ شاهدكم غائبكم: انه لا نبيّ بعدي، ولا اُمّة بعدكم، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟

قالوا: نشهد انّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت.

فقال (ص): اللّهمّ اشهد، اللّهمّ اشهد، ثلاث مرات.

عند مسجد الخيف

ثم ان رسول اللّه (ص) لما وقف بمنى ومعه المسلمون خطب الناس في مسجد الخيف وهو مسجد منى، سمّي بذلك لأنه واقع في سفح جبل، مرتفعاً عن مجرى السيل.

فقال (ص) بعد الحمد والثناء على اللّه تعالى: (نضّر اللّه عبداً سمع مقالتي فوعاها وبّلغها من لم يبلغه، يا أيها الناس ليبلّغ الشاهد الغائب، فربّ حامل فقه ليس بفقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه).

ثم قال (ص): (ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئٍ مسلم: إخلاص العمل للّه، والنصيحة لأئمّة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم).

آخر أيام التشريق

ولما كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق رمى رسول اللّه (ص) الجمار ونفر من منى حتى انتهى إلى الأبطح، ثم ارتحل من يومه وخرج من أسفل مكة من ذوي طوى، بعد أن دخل مكة من أعلاها من عقبة المدنيّين، فخرج (ص) متوجهاً نحو المدينة، وذلك بعد أن استتم حجه، وقضى مناسكه، وعرّف الناس ما يحتاجون إليه، وأعلمهم بأنه قد أقام لهم سنّة إبراهيم (ع) وأزال عنهم ما أحدثه المشركون.

الوحي وآخر آية من القرآن

في المناقب عن ابن عباس انه قال: لما نزل قوله تعالى: (إنّك ميّت وإنّهم ميّتون)(9) قال رسول اللّه (ص): ليتني أعلم متى يكون ذلك! هذا وهو (ص) يعلم الغيب بإذنه تعالى ووحيه. فنزلت سورة النصر، فكان بعد نزولها يسكت رسول اللّه (ص) بين التكبير والقراءة ثم يقول: (سبحان اللّه وبحمده، أستغفر اللّه وأتوب إليه).

فقيل له في ذلك، فقال: (اما انّ نفسي نعيت إليَّ) ثم بكى بكاءاً شديداً.

فقيل: يا رسول اللّه أوَتبكي من الموت وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟

فقال (ص): فأين هول المطّلع؟ وأين ضيقة القبر، وظلمة اللحد؟ وأين القيامة والأهوال؟(10)

ثم قال: فعاش (ص) بعد نزول هذه السورة عاما(11).

ثم نزلت آيات وآيات حتى إذا لم يبق على ارتحال رسول اللّه (ص) من هذه الدنيا سوى سبعة أيام نزلت: (واتّقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللّه ثمّ توفّى كلّ نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)(12).

فكانت هذه الآية ـ على بعض الروايات ـ هي آخر آية من القرآن الكريم نزل بها جبرائيل (ع) على رسول اللّه (ص) وقال له: ضعها في رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة(13)، كما انّ أول آية من القرآن كان قد نزل بها جبرئيل(ع) على رسول اللّه (ص) هي قوله تعالى: (بسم اللّه الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربّك الّذي خلق)(14) الآيات.

فأول آية من القرآن ابتدأ بأول يوم من البعثة النبوية الشريفة، وآخر آية من آيات القرآن اختتم الأيام الأخيرة لرسول اللّه (ص) وما بينهما من فترة كان نزول ما بين هاتين الآيتين، وتلك الفترة استغرقت مدة ثلاث وعشرين سنة.

مَن جمع القرآن؟

وهنا ما يلفت النظر ويجلب الإنتباه وهو قول جبرئيل للنبي (ص) عند نزوله بالآية الأخيرة ـ كما في الرواية ـ : ضعها في رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة، فإنه صريح في انّ اللّه تعالى أمر نبيّه بجمع القرآن وبترتيبه ترتيباً دقيقاً حتى في مثل ترقيم الآيات، وقد فعل النبي (ص) ذلك في حياته (ص) كما أمره اللّه تعالى، ولم يكن (ص) يترك القرآن متفرّقاً حتى يجمع من بعده.

وهل يمكن للرسول (ص) مع كبير اهتمامه وكثير حرصه على القرآن الكريم أن لا يقوم بجمع القرآن وترتيبه! وأن يتركه مبعثراً في أيدي المسلمين ويوكل جمعه إليهم، مع ان الوحي أخبره بقوله: (انّك ميّت وانّهم ميّتون)(15).

فهل يصح أن يكون (ص) حريصاً على القرآن من جهة(16) وأن لا يجمع القرآن ويتركه مبعثراً من جهة اُخرى؟

بل أليس القرآن هو دستور الإسلام الخالد، ومعجزته الباقية على مرّ القرون والأعصار إلى يوم القيامة؟ ومعه هل يصح أن يتركه النبي (ص) مبعثراً من دون أن يجمعه؟!

أم كيف يأذن اللّه تعالى لنبيّه بأن لا يقوم بجمعه مع انه تعالى يقول: (إنّ علينا جمعه وقرآنه)(17) ويقول تعالى أيضاً: (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون)(18).

فعلى النبي (ص) إبلاغ القرآن مجموعاً ومرتّباً إلى الناس كافة، كما جمعه اللّه تعالى ورتّبه.

إذن: فهذا القرآن الذي هو بأيدينا على ترتيبه وجمعه، وترقيم آياته، وترتيب سوره وأجزائه هو بعينه القرآن الذي رتّبه رسول اللّه (ص) وجمعه للمسلمين في حياته (ص) بأمر من اللّه تعالى لم يطرأ عليه أيّ تغيير وتحريف، أو تبديل وتعديل، أو زيادة ونقصان.

ويؤيّده: ما روي عن تفسير علي بن ابراهيم عن الإمام الصادق (ع) عن رسول اللّه (ص) انه أمر علياً (ع) بجمع القرآن وقال (ص): يا علي, القرآن خلف فراشي في المصحف والحرير والقراطيس فخذوه واجمعوه ولا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التوراة، فانطلق علي (ع) فجمعه في ثوب أصفر ثم ختم عليه(19).

وفي مجمع البيان نقلاً عن السيّد المرتضى انه قال: إن القرآن جمع في عهد رسول اللّه (ص) بالشكل الذي هو اليوم بأيدينا. وقال بمقالته قبله الشيخ الصدوق (قده) والشيخ المفيد (قده)، وقال بمقالته بعده شيخ الطائفة الشيخ الطوسي (قده) والمفسّر الكبير الشيخ الطبري (قده) المتوفى سنة 548 وباقي علماءنا الأبرار إلى يومنا هذا.

وعن زيد بن ثابت انه قال: كنّا نجمع القطع المتفرّقة من آيات القرآن ونجعلها بأمر رسول اللّه (ص) في مكانها المناسب، ولكن مع ذلك كانت الآيات متفرّقة، فأمر رسول اللّه (ص) علياً (ع) أن يجمعها في مكان واحد، وحذّرنا من تضييعها.

وعن الشعبي انه قال: جمع القرآن في عهد رسول اللّه (ص) من قبل ستّة نفر من الأنصار.

وعن قتادة انه قال: سألت أنساً عن انه من جمع القرآن في عهد رسول اللّه (ص)؟ فقال: أربعة نفر من الأنصار ثم ذكر أسماؤهم.

وعن علي بن رباح: ان علي بن أبي طالب (ع) جمع القرآن هو واُبي بن كعب في عهد رسول اللّه (ص).

الشواهد الاُخرى

هذا بالإضافة إلى شواهد ومؤيّدات اُخرى تدل على ان القرآن الذي هو بأيدينا هو نفسه الذي جمع ورتب في عهد رسول اللّه (ص) من غير زيادة ولا نقيصة.

منها: تسمية سورة الحمد بسورة الفاتحة في عهد رسول اللّه (ص) يعني انها فاتحة القرآن مع انها لم تكن السورة ولا الآيات الاُولى التي نزل بها الوحي على رسول اللّه (ص)، فتسميتها بفاتحة الكتاب في عهده (ص) يشير إلى ان الكتاب كان مجموعاً بهذا الشكل الموجود بأيدينا اليوم، وسورة الحمد فاتحته كما هو اليوم فاتحته أيضاً.

ومنها: ان النبي (ص) كان يقول في حديث الثقلين المروي عن الفريقين متواتراً: (إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً).

فالكتاب المجموع والمرتب يخلّفه رسول اللّه (ص) في اُمته، لا الآيات المتفرّقة، إذ لا يطلق عليها الكتاب، وقد سبق اللّه تعالى رسوله(ص) في هذا التعبير حيث أطلق مراراً وفي آيات متعدّدة كلمة (الكتاب) على القرآن، إشارة إلى انه مجموع ومرتّب عنده تعالى في اللّوح المحفوظ ـ كما قال به بعض المفسّرين ـ وانه تعالى أطلـع رسوله (ص) على جمعه وترتيبه لديـه وأمره بأن يجمـع القرآن علـى ما هو مجموع في اللّوح المحفوظ، ويرتّبه وفق ترتيبه، وفعل النبي (ص) ذلك.

ومنها: ما ورد من أمر النبي (ص) بختم القرآن في شهر رمضان وفي غيره من سائر الأيام، وبيان ما لختمه من الفضيلة والثواب، حتى ان عبداللّه بن مسعود، واُبي بن كعب وغيرهما قد ختموا القرآن عند رسول اللّه (ص) عدّة مرات، ولولا ان القرآن مجموع ومرتّب، لم يكن لختم القرآن معنى، لأن الختم يقال لما يبدأ من أوله وينتهي بآخره.

ومنها: روايات تأمر بعرض الأحاديث المروية عن الرسول (ص) وعن أهل بيته (عليهم السلام) لمعرفة غثها من سمينها على القرآن الكريم وتقول: ما وافق كتاب اللّه فقد قاله رسول الله (ص) وقاله أهل البيت (عليهم السلام)، وما خالف الكتاب فهو زخرف وباطل، وانهم لم يقولوه، فقد أحالتنا هذه الروايات إلى هذا القرآن الذي هو بأيدينا لمعرفة الحق من الباطل مما يدل على سلامته من كل زيادة ونقيصة، وتبديل وتحريف، وإلا لم يصح أن يكون مرجعاً لمعرفة الحق من الباطل.

ومنها: ما ورد من ان القرآن كله كان مكتوباً موضوعاً بين المحراب والمنبر، وكان المسلمون يكتبون منه.

ومنها: ما ورد من ان جبرئيل (ع) كان يعرض القرآن على رسول اللّه (ص) كل عام مرّة، وعرضه عليه (ص) في عامه الأخير مرتين.

ومنها: ما روي من ان جماعة من الصحابة كانوا قد حفظوا القرآن كله في عهد رسول اللّه (ص).

ولا يخفى ذلك على من راجع تفسير القرآن للعلاّمة البلاغي (قدس سره)، ولوالدي (رحمه اللّه) (20) كلمة حول ذلك طبعت في إحدى أعداد (أجوبة المسائل الدينية) في كربلاء المقدّسة.

هذا بالإضافة إلى انّ هناك آيات وروايات تشير إلى ان القرآن نزل على رسول اللّه (ص) مرّتين: مرّة نزل بمجموعه على قلب رسول اللّه (ص) كما قال تعالى: (إنّا أنزلناه في ليلة القدر)(21) ومرّة نزل عليه نجوماً ومتفرّقاً عبر ثلاث وعشرين سنة في المناسبات والقضايا المتفرّقة، والنبيّ (ص) قد وعى قلبه القرآن الذي نزل عليه أوّلاً مجموعاً ومرتّباً، فجمع القرآن الذي نزل عليه ثانياً نجوماً ومتفرّقاً حسب جمع القرآن الأول، ورتبه وفق ترتيبه، وهو بعينه القرآن الذي هو اليوم بأيدينا.

إلى غير ذلك مما يشير بــمجموعه إلى انّ هذا القرآن الذي هو اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جمع بأمر مــن اللّه ورسوله (ص) في عهد رسول اللّه (ص) لم يزدد حرفاً ولم ينقص حرفــاً، ولم يتغيّر شيء منه ولم يتبدّل أبداً، كيف وقد قال تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)(22).

إلى غير ذلك مما يشير بــمجموعه إلى انّ هذا القرآن الذي هو اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جمع بأمر من اللّه ورسوله (ص) في عهد رسول اللّه (ص) لم يزدد حرفاً ولم ينقص حرفاً، ولم يتغيّر شيء منه ولم يتبدّل أبداً، كيف وقد قال تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه).

 

1 ـ الحج: 27.

2 ـ البقرة: 158.

3 ـ البقرة: 196.

4 ـ البقرة: 196.

5 ـ آل عمران: 95.

6 ـ البقرة: 199.

7 ـ أي: الحج مع العمرة.

8 ـ النصر: 1.

9 ـ الزمر: 30.

10 ـ أراد النبي (ص) الإلماع إلى الأهوال لا أنه (ص) يبتلى بها.

11 ـ راجع بحار الأنوار: ج22 ص471 ب1 ح20.

12 ـ البقرة: 281.

13 ـ تفسير شبّر (قدس سره): ص83.

14 ـ العلق: 1.

15 ـ الزمر: 30.

16 ـ حتى انه (ص) كان يأمر بحفظ القرآن والاهتمام به والتحريض على تلاوته والعمل به, وخاصة في أيامه الأخيرة, حيث كان يقول مراراً: إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً.

17 ـ القيامة: 17.

18 ـ الحجر: 9.

19 ـ بحار الأنوار: ج89 ص48 ب7 ح7 ط بيروت.

20 ـ آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره).

21 ـ القدر: 1.

22 ـ فصّلت: 42.