الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

مهمة تبليغ الرسالة

ولما انصرف رسول اللّه (ص) من حجة الوداع والمسلمون معه وهم على بعض الروايات زهاء مائتي ألف نسمة، سار (ص) نحو المدينة حتى إذا كان اليوم الثامن عشر من ذي الحجة وصل إلى غدير خم من الجحفة التي تتشعّب فيها طرق المدنيين عن غيرهم، ولم يكن هذا المكان بمــــوضع إذ ذاك يصلح للنزول، لعدم الماء فيه والمرعى، فنزل عليــــه الأمين جبرئــــيل عن اللّه بقوله تعالى: (يا أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته واللّه يعصمك من الناس)(1).

وكان نزوله هذا بهذا الشأن هي المرة الثالثة، فقد نزل عليه (ص) قبلها مرّتين ـ وذلك للتأكيد ـ : مرة عند وقوفه بالموقف، واُخرى عند كونه في مسجد الخيف، وفي كل منهما يأمره بأن يستخلف عليّ بن أبي طالب (ع)، وأن يسلّم إليه ما عنده من العلم وميراث علوم الأنبياء (عليهم السلام) وجميع ما لديه من آياتهم، وأن يقيمه علماً للناس، ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية، وفرض الطاعة على كل أحد، ويأخذ منهم البيعة له على ذلك، والسلام عليه بإمرة الــمؤمنين، ورسول اللّه(ص) يسأل جبرئيل أن يأتيـــه من اللّه تعالى بالعصمة، وفي هذه المرة نزل عليه بهذه الآية الكريمة التي فيها: (واللّه يعصمك من الناس).

وكان أوائل القوم، عند نزول جبرئيل بهذه الآية التي أمرت رسول اللّه(ص) في تبليغ ما اُنزل إليه في علي (ع)، قريباً من الجحفة، فأمر رسول اللّه (ص) بالتوقّف عن المسير وأن يردّ من تقدّم من القوم ويحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان، فنزل (ص) ونزل المسلمون حوله، وكان يوماً قايظاً شديد الحرّ، فأمر بدوحات هناك فقمّ ما تحتها وأمر بجمع الرحال فيه، ووضع بعضها فوق بعض.

ثم أمر (ص) مناديه فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا إليه وان الرجل منهم ليضع بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الحرّ، فلما اجتمعوا صعد (ص) على تلك الرحال حتى صار في ذروتها، ودعا علياً (ع) فرقى معه حتى قام عن يمينه ثم خطب (ص) الناس خطبة بليغة لم يسمع الناس بمثلها فحمد اللّه وأثنى عليه، ووعظ فأبلغ الموعظة، ونعى إلى الاُمّة نفسه، وأشار إلى أمر الإستخلاف فنصب علياً (ع) بأمر من اللّه تعالى خليفة عليهم بعده، وقال في آخرها ما يلي:

مقتطفات من حديث الغدير

معاشر الناس ! ان اللّه أوحى إليّ يقول: (يا أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته واللّه يعصمك من الناس إنّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين).

وأنا مبيّن لكم سبب نزول هذه الآية: انّ جبرئيل هبط عليّ مراراً ثلاثاً يأمرني عن ربّي جلّ جلاله أن أقوم في هذا المشهد، فاُعلم كل أبيض وأسود، انّ علي بن أبي طالب أخي ووصيّي وخليفتي على اُمّتي، والإمام من بعدي، وقد ضمن لي تبارك وتعالى العصمة من الناس وهو اللّه الكافي الكريم.

فاعلموا معاشر الناس ! ان اللّه قد نصبه لكم ولياً وإماماً مفترضاً طاعته على المهاجرين والأنصار، وعلى التابعين لهم بإحسان، وعلى البادي والحاضر وعلى الأعجمي والعربي، والحر والمملوك، وعلى كل موحّد.

معاشر الناس ! انه آخر مقام أقومه في هذا المشهد، فاسمعوا وأطيعوا، وانقادوا لأمر ربّكم، فإنّ اللّه هو مولاكم وإلهكم، ثم من بعده رسوله محمّد وليّكم القائم المخاطب لكم، ثم من بعدي علي وليّكم وإمامكم بأمر ربّكم، ثم الإمامة في ذرّيتي من ولده إلى يوم تلقون اللّه ورسوله، لا حلال إلاّ ما أحلّه اللّه، ولا حرام إلاّ ما حرّمه اللّه، عرّفني اللّه الحلال والحرام وأنا أفضيت لما علّمني ربّي من كتابه وحلاله وحرامه إليه.

معاشر الناس ! ما من علم إلاّ وقد أحصاه اللّه فيّ، وكل علم علّمت فقد أحصيته في إمام المتّقين، وما من علم إلا عَلَّمته علياً والمتّقين من ولده.

معاشر الناس ! لا تضلّوا عنه، ولا تنفروا منه، ولا تستنكفوا من ولايته، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به، ويزهق الباطل وينهى عنه، ولا تأخذه في اللّه لومة لائم.

معاشر الناس ! فضّلوه فقد فضّله اللّه، واقبلوه فقد نصبه اللّه.

معاشر الناس ! انّ علياً والطيّبين من ولده هم الثقل الأصغر، والقرآن هو الثقل الأكبر، وكل واحد منبىء عن صاحبه، وموافق له، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، هم اُمناء اللّه في خلقه، وحكماؤه في أرضه، ألا وقد أدّيت، ألا وقد بلّغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، ألا وان اللّه عزّوجل قال، وأنا قلت عن اللّه عزّوجل: ألا انه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا، ولا تحلّ إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره.

ثم ضرب بيده على عضد علي فرفعه وقال:

معاشر الناس ! هذا أخي ووصيّي، وواعي علمي، وخليفتي على اُمَّتي وعلى تفسير كتاب اللّه عزّوجل، والداعي إليه، والعامل بما يرضاه، والمحارب لأعدائه، والموالي على طاعته، والناهي عن معصيته، خليفة رسول اللّه، وأمير المؤمنين، والإمام الهادي، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بأمر اللّه، أقول وما يبدّل القول لديّ بأمر ربّي أقول: اللّهمّ والِ من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، والعن من أنكره، واغضب على من جحد حقّه، اللّهمّ انك أنزلت عليّ: ان الإمامة بعدي لعليّ وليّك، اللّهمّ انّي اُشهدك وكفى بك شهيداً اني قد بلّغت.

معاشر الناس ! انما أكمل اللّه عزّ وجل دينكم بإمامته، هذا علي أنصركم لي، وأحقّكم بي، وأقربكم إليّ، وأعزّكم عليّ، واللّه عزّ وجل وأنا عنه راضيان، وما نزلت آية رضىً إلا فيه، وما خاطب اللّه الذين آمنوا إلاّ بدأ به، ولا نزلت آية مدح في القرآن إلا فيه، ولا شهد بالجنّة في (هل أتى على الإنسان)(2) إلاّ له، ولا أنزلها في سواه، ولا مدح بها غيره.

معاشر الناس ! نبيّكم خير نبيّ، ووصيّكم خير وصيّ، وبنوه خير الأوصياء.

معاشر الناس ! ذرّية كلّ نبيّ من صلبه، وذريّتي من صلب علي.

معاشر الناس ! انّ اللّه قد أمرني ونهاني، وقد أمرتُ علياً ونهيته، فعلم الأمر والنهي من ربّه عزّوجل، فاسمعوا لأمره تسلموا، وأطيعوا تهتدوا، وانتهوا لنهيه ترشدوا، وصيروا إلى مراده، ولا تتفرّق بكم السبل عن سبيله.

معاشر الناس ! أنا صراط اللّه المستقيم الذي أمركم باتباعه، ثم عليّ من بعدي، ثم ولدي من صلبه أئمّةً يهدون إلى الحقّ وبه يعدلون، ألا انّ أعداء علي هم أهل الشقاق والنفاق، والحادّون، وهم العادون، وإخوان الشياطين الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.

معاشر الناس ! ألا وانّي منذر، وعليّ هاد.

معاشر الناس ! انّي نبيّ، وعليّ وصيّ، ألا انّ خاتم الأئمّة منّا القائم المهدي.

معاشر الناس ! قد بيّنت لكم واُفهمتكم، وهذا علي يفهمكم بعدي، ألا واني عند انقضاء خطبتي أدعوكم إلى مصافقتي على بيعته، والإقرار به، ثم مصافقته بعدي، ألا واني قد بايعتُ اللّه، وعليّ قد بايعني، وأنا آخذكم بالبيعة له عن اللّه عزّ وجلّ (فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه)(3).

معاشر الناس ! وكلّ حلال دللتكم عليه، أو حرام نهيتكم عنه، فإني لم أرجع عن ذلك ولم اُبدّل، ألا فاذكروا ذلك واحفظوه، وتواصوا به، ولا تبدلوه ولا تغيّروه، ألا فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وامروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، ألا وانّ رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن تنتهوا إلى قولي وتبلّغوه من لم يحضر، وتأمروه بقبوله، وتنهوه عن مخالفته، فإنه أمر من اللّه عزّوجلّ ومنّي، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلاّ مع إمام معصوم.

معاشر الناس ! فما تقولون؟ قولوا الّذي قلت، وسلّموا على عليٍّ بإمرة المؤمنين، وقولوا: سمعنا وأطعنا، وقولوا: الحمد للّه الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه.

معاشر الناس ! انّ فضائل عليّ عند اللّه عزّوجل الذي قد أنزلها في القرآن أكثر من أن اُحصيها في مكان واحد، فمن أنبأكم بها فصدِّقوه.

معاشر الناس ! من يطع اللّه ورسوله وعلياً أمير المؤمنين والأئمّة من ولده فقد فاز فوزاً عظيماً.

فناداه القوم: سمعنا وأطعنا أمر اللّه وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا وأيدينا.

ثم انّ رسول اللّه (ص) نادى بأعلى صوته ويده في يد علي (ع) وقال: يا أيّها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم؟

قالوا بأجمعهم: بلى يا رسول اللّه.

فرفع رسول اللّه (ص) بضبع علي (ع) حتى رأى الناس بياض ابطيهما، وقال على النسق من غير فصل: (فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، والعن من خالفه، وأدر الحقّ معه حيثما دار، ألا فليبلّغ ذلك منكم الشاهد الغائب، والوالد الولد).

الصحابة يبايعون عليّاً (ع)

ثم نزل رسول اللّه (ص) وكان وقت الظهيرة فصلّى ركعتين ثمّ زالت الشمس، فأذّن مؤذّنه لصلاة الفرض، فلما صلّى بهم جلس في خيمته وأمر عليّاً (ع) أن يجلس في خيمة له بازائه، ثم أمر (ص) المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً فيهنّؤوه (ع) بالولاية، ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ويبايعوه على ذلك.

ففعل الناس ذلك كلّهم حتى انّ أبا بكر وعمر بايعاه وعمر يقول له: بخّ بخّ لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة(4)، ثم أردفا ذلك بقولهما: السلام عليك يا أميرالمؤمنين ورحمة اللّه وبركاته، ثم هنّؤوه بالخلافة.

ثم أمر رسول اللّه (ص) أزواجه وسائر نساء المؤمنين معه أن يدخلن على علي (ع) ويسلّمن عليه بإمرة المؤمنين، ويبايعنه على ذلك، ففعلن وسلّمن عليه (ع) وبايعنه بإدخال أيديهنّ في طشت فيه ماء كان قد أدخل علي (ع) يده فيه قبل ذلك.

جبرئيل ويوم الغدير

ولما فرغ رسول اللّه (ص) من خطبته رأى الناس رجلاً جميلاً بهيّاً طيّب الريح وهو ينادي ويقول: تاللّه ما رأيتُ محمداً (ص) كاليوم قطّ، فسعى أحد الصحابة بمقالة الرجل إلى رسول اللّه (ص)، فقال له رسول اللّه (ص): أتدري من ذلك الرجل؟

قال: لا.

قال (ص): ذلك هو الروح الأمين جبرئيل، فإيّاك إيّاك أن تحلّه، فإنّك إن فعلته، فاللّه ورسوله وملائكته والمؤمنون منك براء.

قال ابن عبّاس: قد وجبت واللّه بيعته في رقاب الصحابة إلى يوم القيامة.

القرآن يبارك خلافة علي (ع)

وعن ابن عباس، وحذيفة، وأبي ذر وغيرهم، انهم قالوا: واللّه ما برحنا من مكاننا ذلك حتى نزل جبرئيل بهذه الآية عن اللّه تعالى: (اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً)(5).

فقال رسول اللّه (ص): اللّه أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ سبحانه وتعالى برسالتي إليكم، والولاية لعليّ بن أبي طالب بعدي.

فعندها قام حسّان بن ثابت وقال: يا رسول اللّه أتأذن لي أن أقول في هذا المقام ما يرضاه اللّه؟

فقال له (ص): قل يا حسّان على اسم اللّه.

فوقف على نشز من الأرض وتطاول الناس لسماع كلامه، فأنشأ يقول:

الغدير برواية الشعر

ينــــاديــهم يــوم الغــدير نبيّهم          بخمّ واســـــمع بالرسول منادياً

فــقال: فـمــن مـولاكمُ ونبّـيكم؟          فقالوا ولــم يبدوا هناك التعاميا

إلـهك مـــولانــا وأنــت نبــيّـــنا          ولم تلق منّا في الولاية عاصيا

فـــقال لــه: قــم يا عـلي فإنّني          رضيتـك من بعدي إماماً وهادياً

فـمــن كنـتُ مـولاه فهــذا ولـيّه          فكـــونوا له أتباع صدق موالياً

هنــــاك دعــا اللّــهمّ وال ولـيّه          وكــــن للذي عادى علياً معاديا

فقال له رسول اللّه (ص): لا تزال يا حسّان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.

ثم قام من بعده جماعة من الشعراء وألقوا على مسامع القوم أبياتاً في مدح علي (ع) وتبجيل هذه المناسبة العظيمة كقيس بن سعد بن عبادة الخزرجي وغيره.

مع النعمان الفهري

ولما نصب رسول اللّه (ص) علياً (ع) يوم غدير خم وقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه, قَدِمَ على النبي (ص) النعمان بن الحارث الفهري فقال: أمرتنا عن اللّه أن نشهد أن لا إله إلا اللّه، وانّك رسول اللّه، وأمرتنا بالجهاد والحج والصوم والصلاة والزكاة فقبلناها ثم لم ترضَ حتى نصبت ابن عمك علينا وقلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فهذا شيء منك أو أمر من عند اللّه؟ فقال (ص): واللّه الذي لا إلــــه إلا هو انّ هذا من اللّه، فولّى النعمان وهو يقول: اللّهمّ إن كان هذا هو الحق مـــن عندك فأمــــطر علينا حجارة من السماء، فرماه اللّه بحجر على رأسه فقتله، وأنزل اللّه تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع)(6) الآيات(7).

من ذكريات الغدير

وفي يوم الغدير أمر رسول اللّه (ص) بعد أن أخذ البيعة لعلي (ع) بإمرة المؤمنين بزيادة الشهادة الثالثة: (أشهد أنَّ علياً وليّ اللّه) في فصول الأذان والإقامة.

وقد قال الإمام الصادق (ع): (إذا قال أحدكم لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه، فليقل: علي أمير المؤمنين)(8).

وفي الحديث عن أبي ذر انه أذّن بعد واقعة الغدير وأخذ يهتف بعد الشهادتين بالشهادة الثالثة، فرفع ذلك بعض إلى رسول اللّه (ص)، فقال (ص): أما وعيتم خطبتي يوم الغدير لعلي بالولاية؟! أما سمعتم قولي في أبي ذر: ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر؟!

وروي عن سلمان الفارسي أيضاً انه أذّن بعد قصة الغدير فذكر بعد الشهادتين الشهادة الثالثة في أذانه، فأخبر بعض الصحابة رسول اللّه (ص) بذلك، فلم يرَ من رسول اللّه (ص) إلا انه أقرّ لسلمان ذلك.

هذا بالإضافة إلى روايات اُخرى تدلّ على أنّ الشهادة الثالثة جزء من الأذان والإقامة، وقد اخترنا ذلك في الفقه(9).

اللّه تعالى يعصم نبيّه (ص)

ثم انه لما تمّت بيعة الناس لعلي (ع) بالخلافة وبعد أن صلّى رسول اللّه (ص) بهم الفرض، أمرهم بالرحيل، وقد طال مكثهم هناك للبيعة ثلاثة أيّام.

فسار رسول اللّه (ص) بعد أن أمر الناس بالرحيل يومه وليلته حتى أشرف على عقبة هدشا، وكان قد تقدّمه نفر من المنافقين إلى ثنية العقبة وأخذوا معهم دباباً قد طرحوا فيها حجارة لينفروا برسول اللّه (ص) ناقته ويقضوا عليه قبل أن يصل إلى المدينة.

قال حذيفة: فدعاني رسول اللّه (ص) وأمرني أن آخذ بزمام الناقة، ودعا عمّار بن ياسر وأمره بأن يسوقها، حتى إذا صرنا في رأس العقبة ودحرج اُولئك النفر تلك الدباب بين قوائم الناقة، فزعت الناقة وكادت أن تنفر، فصاح بها رسول اللّه (ص) أسكني يا مباركة فليس عليكِ بأس.

فلما رأى القوم ان الناقة لا تنفر تقدّموا إليها ليدفعوها بأيديهم، فجعلت أنا وعمّار نضرب وجوههم بأسيافنا ـ وكانت ليلة مظلمة ـ فتأخّروا عنا وقد أيسوا مما دبّروه.

فقلت: يا رسول اللّه ألا تبعث إليهم رهطاً من أصحابك يأتوك برؤوسهم؟

فقال (ص): اني أكره أن يقول الناس: دعا قوماً إلى دينه فأجابوه فقاتل بهم، حتى إذا ظفر بعدوّه قتلهم، ولكن دعهم فإن اللّه لهم بالمرصاد وسيمهلهم قليلاً ثم يضطرّهم إلى عذاب غليظ.

قال حذيفة: ثم انحدرنا من العقبة ونزل رسول اللّه (ص) وتوضّأ وانتظر أصحابه، حتى نزلوا واجتمعوا لصلاة الصبح، فرأيتُ اُولئك النفر قد انخرطوا مع القوم ودخلوا مع رسول اللّه (ص) إلى الصلاة، فلما قضيت الصلاة دعا رسول اللّه (ص) اُولئك النفر وعاتبهم على ما كان منهم من الوقوف على العقبة، فاعتذروا بأنّهم تقدّموه إليها لضيق المكان، وليأنس بعضهم ببعض، فنظر إليهم رسول اللّه (ص) مليّاً ثم قال: وما اللّه بغافل عمّا تعملون.

 

1 ـ المائدة: 67.

2 ـ الإنسان: 1.

3 ـ الفتح: 10.

4 ـ بحار الانوار: ج21, ص388, مؤسسة الوفاء ـ بيروت.

5 ـ المائدة: 3.

6 ـ المعارج: 1.

7 ـ بحار الانوار: ج37 ص175 ب52 ح62.

8 ـ بحار الانوار: ج27 ص1 ب10 ح1.

9 ـ راجع موسوعة الفقه ج19 كتاب الصلاة, في فصول الأذان والإقامة.