| فهرس الفصل الأول | المؤلفات |
|
نشأة النبي (صلّى الله عليه وآله) الأولى |
|
تلك كانت حالة العرب في الحجاز لمّا ظهر النبي (صلّى الله عليه وآله) صاحب الشريعة الإسلامية ودعا الناس إلى التوحيد، فأظهر دعوته سنة 609 للميلاد وعمره أربعين سنة، ولا يسع المقام تفصيل سيرته وإنما نذكر هنا ما يتعلّق منها بالموضوع لبيان الأسباب التي رافقت ظهور الدعوة وساعدت على انتشارها. ولد صاحب الدعوة الإسلامية وقد مات أبوه، وبعد ست سنوات ماتت أمه فكفله جده عبد المطلب وكانت له السقاية والرفادة من مناصب الكعبة وله مقام رفيع في قريش، لكنه توفي بعد سنتين فكفله عمه أبو طالب وكان وجيهاً محترماً فشبّ محمد (صلّى الله عليه وآله) في بيته كأحد أولاده، وكان أبو طالب صاحب تجارة مثل سائر قريش فكان إذا خرج في تجارة اصطحبه في أسفاره فاشتهر منذ حداثته بالحصافة والذكاء وصدق السريرة حتى لقّّبوه بـ(الصادق الأمين) واشتهر في مكة بهذا اللقب، فعرفت به خديجة بنت خويلد وكانت ذات ثروة وتجارة فعهدت إليه الاتجار بمالها فاتّجر وربح فازدادت إعجاباً به فعرضت عليه الزواج بها فتزوّجها وتمتّع بمالها، فوسعت حاله وأصبح من أهل الرخاء واليسار والكل يحبونه ويحترمونه. |
|
الدعوة |
|
ولما بلغ الأربعين من عمره مال إلى الخلوة والاعتزال عن الناس فأوى إلى الجبال والشعب كما يفعل النسّاك، وأول ما ابتدأ به الرؤيا الصالحة، وفي رمضان من تلك السنة كان في جبل حراء على ثلاثة أميال من مكة وخديجة معه، وأسرع يوماً إليها وأخبرها أنّ جبرائيل ظهر له وأمره أن يقول: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)(1) فقرأها، وأنه خرج إلى وسط الجبل فسمع صوتاً من السماء يناديه: (يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل) فذعر وأسرع إلى خديجة فأخبرها، وكان لها ابن عم اسمه ورقة بن نوفل كان قد قرأ الكتب ونظر فيها وخالط أهل التوراة والإنجيل وسمع أقوالهم، وكان مشهوراً في مكة بسعة العلم في الدين والنبوات، فذهبت إليه وأخبرته بما كان فقال: (والذي نفس ورقة بيده لأن صدقتني يا خديجة لقد جاء الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنه نبيّ هذه الأمة). فرجعت خديجة إليه وأخبرته بقول ورقة ورجع إلى مكة وهو لا يجسر على إظهار دعوته لعلمه بما سيكون لها من ثقل الوطأة على قريش لما فيها من تعييب آلهتهم وتحقير أصنامهم، وفي ذهاب تلك الأصنام ذهاب تجارتهم وأموالهم وكل آمالهم، ومن جهة أخرى لم يكن يتوقع إذا أنبأهم برسالته أنهم يصدّقونه فعمد إلى بث دعوته سراً بين أقرب الناس إليه. قضى في ذلك ثلاث سنين فاجتمع حوله نفرٌ قليل في جملتهم ابن عمه علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكان لا يزال غلاماً، وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح وغيرهم، فهمّ بدعوة الناس جهاراً وبدأ بعشيرته الأقربين فكلّف ابن عمه علياً أن يصنع لهم طعاماً يدعو أهله إليه وفيهم عمومته بنو عبد المطلب وأولادهم وهم نحو أربعين رجلاً، فدعاهم إلى بيت أبيه أبي طالب، فلما فرغوا من الطعام همّ محمد بالكلام وكان أهله قد سمعوا بدعوته سراً واستخفّوا بها، فلما همّ بالكلام علموا أنه سيدعوهم إلى ترك الأصنام وعبادة الله، فابتدره عمه أبو لهب وكان أشدهم وطأة عليه فأسكته فسكت وتفرّقوا ولم يقل شيئاً. لكنه لم يفشل ولا ضعفت عزيمته فأعاد الوليمة ثانية وقد صمّم على التصريح بما في ضميره فلما فرغوا من الطعام قال: (ما أعلم أن إنساناً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به فقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني في هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم) فظلّوا ساكتين وجلُّ سكوتهم استخفافاً، فتقدم علي ابن عمه وقال: (أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليهم) فأخذ النبيّ برقبته وقال: (هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا) فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: (قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيعه) ثم انصرفوا. |
|
النبي وقريش |
|
على أن استخفافهم هذا لم يقعده عن عزمه ولا أبعده عن قومه، وبدلاً من وقوفه عند ذلك الحد تهيّباً وحذراً جاهر بسبِّ الأصنام ونسب أهله وآباءهم إلى الكفر والضلال، فلما علموا بمجاهرته بسبّ الأصنام أجمعوا على عداوته ومقاومته وتعمّدوا أذيته لكنهم لم يروا سبيلاً إلى ذلك وهو في كفالة عمه أبي طالب. فجاءوا عمه وفيهم أبو سفيان فقالوا له: (يا أبا طالب إن ابن أخيك عاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا فانهه عنا أو خلّ بيننا وبينه) فردّهم أبو طالب ردّاً حسناً ووعدهم خيراً، ثم رأوه لا يزال عاملاً على سبّ آلهتهم فعادوا إلى أبي طالب وقد اشتدَّ بهم الغيظ وقالوا له: (إن لم تنه ابن أخيك وإلا نازلناك وإياه حتى يهلك أحد الفريقين) فعظم ذلك على أبي طالب وأدرك عاقبة الأمر فلما عادوا من عنده قال لابن أخيه: (يا بن أخي إنّ قومك قالوا كذا وكذا). فظن النبي (صلّى الله عليه وآله) أن عمه يخذله فشقّ عليه ذلك وقال: (يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر) وبكى وهمَّ بالانصراف فناداه عمه وقال له: (قل ما أحببت فوالله لا أُسلمك أبداً). وكانت دعوته في أثناء ذلك تذيع على مهل وقد أسلم جماعة كان لهم شأن في التاريخ الإسلامي منهم أبو بكر وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وحمزة بن عبد المطلب (عمه) وعمر بن الخطاب. أما سائر أعمامه وأهله فلما يئسوا من وساطة عمه أبي طالب رأوا أن يحتالوا في استرضائه بالحسنى فبعثوا إليه وقد اجتمع كبارهم في ندوة فجاء فاستقبلوه بالترحاب وقالوا له: (يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلّمك وإنا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعِبت الدين وشتمت الآلهة وسفّهت الأحلام وفرّقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسوِّدك علينا وإن كنت تريد به ملكاً ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّاً تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك). فقال لهم: (ما بي ما تقولون وما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليَّ كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلّغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم) فلما لم يروا سبيلاً إليه جعلوا يعذّبون الذين أسلموا وصدّقوا دعوته والمسلمون صابرون على ذلك العذاب، حتى إذا اشتد أذى قريش وضاقوا ذرعاً عن تحمل ما كانوا يسومونهم من سوء العذاب والإهانة أشار النبي (صلّى الله عليه وآله) على الذين ليس لهم عشيرة تحميهم أن يخرجوا من مكة إلى أرض الحبشة، فهاجروا إليها تباعاً فبلغ عدد المهاجرين (83) رجلاً ما عدا النساء والأولاد وهي الهجرة الأولى، ولا يخفى ما تقتضيه الأسفار من مكة إلى الحبشة من المشقّة لما في ذلك من ركوب البحر وخصوصاً في تلك الأزمان مع ما حملوه معهم من النساء والأطفال، فيدلّ ذلك على ما كان عليه هؤلاء من الاعتقاد المتين بالإسلام، أما النبي (صلّى الله عليه وآله) فقد ناله ما ناله من الاضطهاد وضروب العذاب، وقد رأيت أنه كان قبل إعلانه للدعوة موضع احترام أهل مكة كافة وأهله يحبونه ويكرمونه وهو في عيشٍ هنيء لما اكتسبه من اليسار بزواجه بخديجة واتجاره بأموالها، فأصبح بعد إظهاره للدعوة وقد ناصبه أهل مكة العداء وساموه أنواع العذاب وأهانوه، حتى نقموا على بني هاشم لأنهم أهله فتعاقدوا عليهم أن لا يُنكحوهم ولا يبايعوهم وكتبوا بذلك صحيفة أودعوها في جوف الكعبة، فاضطر بنو هاشم أن ينفردوا إلى الجبال فأقاموا في الشعب ثلاث سنين لا ينزلون مكة إلا خفية ـ إلا من جاهر منهم بعداوته كأبي لهب ونحوه. ولا يقال أنه (صلّى الله عليه وآله) لم يثبت إلا لاحتمائه بعمه أبي طالب. لأننا رأيناه بعد وفاة عمه أكثر ثباتاً منه في حياته، مع أن الناس أصبحوا أكثر اضطهاداً له مما كانوا قبل وفاته، وخصوصاً بعد وفاة خديجة وقد ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين، فتتابعت بموتهما المصائب عليه واستبدّت به قريش ولاسيما عمه أبو لهب والحكم بن العاص وعقبة بن أبي معيط لأنهم كانوا جيرانه في مكة بمنزله، فكانوا يلقون الأقذار في طعامه ويرمونه بها وقت صلاته، حتى إذا لم يعد يستطيع صبراً على هذا الضيم فرّ إلى الطائف لعله يلقى فيها مَن ينصره ويؤمن بدعوته، فلم يلقَ إلا الإعراض والإهانة، فعاد وقد يئس منهم ولكنه لم يرجع عن حرفٍ من دعوته، ولم يكتفِ أهلُ الطائف بإعراضهم عنه بل أغروا بعض سفهائهم وعبيدهم أن يسبّوه ويصيحوا به ففعلوا حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى الحائط وأخيراً ردّوا السفهاء عنه فرجعوا، فأحسّ عندئذٍ بما هو فيه من الضيق فشكا أمره إلى الله وعاد إلى مكة ولم يغيِّر ذلك شيئاً من عزيمته، فلقيه قومه هناك وهم أشدّ وطأة عليه مما كانوا من قبل. فاعتبر حاله بعد ذلك الرجوع وقد نبذه الناس قريبهم وبعيدهم مع علمه أنه إذا رجع عن دعوته لقي منهم ترحاباً وإكراماً كما صرّحوا له جهاراً لكنه لم يكترث بشيء من ذلك ولا همّهُ أمر الدنيا. |
|
أهل المدينة والدعوة |
|
ولما يئس من أهله ومواطنيه جعل يعرض نفسه على القبائل في أيام الحج لعله يلقى فيهم من يصغي إليه، وأهله يعترضونه ويقفون في سبيله، وخصوصاً عمه أبو لهب فإنه كان إذا رآه في جماعة يخاطبهم في شأن الإسلام اعترضه وقال للناس: (إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم إلى ما جاء من البدعة والضلال فلا تطيعوه) ولكن ذلك لم يقعده عن دعوته للناس وما زال يعرض نفسه عليهم في المواسم حتى بايعه نفر من أهل يثرب كانوا وسيلة لنشر الإسلام في تلك المدينة في برهة قصيرة، فهاجر إليهم سنة (622) للميلاد، وهاجر معه من بايعه من قبيلته وهم (المهاجرون) تمييزاً لهم عن الفئة الأخرى من الصحابة وهم (الأنصار) أهل المدينة، سمّوا بذلك لأنهم نصروا النبي في مدينتهم وبهذه الهجرة يؤرّخ المسلمون وقائعهم إلى الآن. ولقي المسلمون في المدينة ترحاباً عظيماً فاشتدّ أزرهم وتحولوا إلى محاربة أهل مكة فجعلوا يناوئونهم في أثناء مرورهم بتجارتهم بين الشام ومكة وفي أماكن أخرى وهي الغزوات المشهورة، أعظمها بدر الكبرى التي انتصروا فيها وكانت فاتحة انتصاراتهم في الغزوات الأخرى حتى أخضعوا جزيرة العرب كلها وفتحوا مكة وأسلم القرشيون كافة، فوجّه النبي التفاته إلى العالم الخارجي وخاطب الملوك يدعوهم إلى الإسلام كما سيأتي. |
|
1ـ سورة العلق: 1. |