الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

مناصب الدولة الإسلامية

انتهينا من الكلام في نشوء الدولة الإسلامية وتكونها فنتقدّم إلى الكلام في مناصبها أو دواوينها أو دوائر حكومتها وتاريخ كل منها، ونقدّم الكلام في كيفية نموّها وتفرّعها إلى تلك المناصب.

نمو الدولة الإسلامية

نشأت الدولة الإسلامية في المدينة في السنة الأولى للهجرة والمسلمون يومئذ الصحابة الذين لا يزيد عددهم على بضع عشرات بعضهم من المهاجرين وبعضهم من الأنصار، فجعلوا أساسها المساواة والمؤاخاة والتعاون، فقد ذكرنا أن النبي (صلّى الله عليه وآله) آخى بين المسلمين (المهاجرين والأنصار) بأن جعل أموالهم واحدة ومصالحهم واحدة كما يستدلّ من قوله: (من ترك كلاًّ فإلينا ومن ترك مالاً فلورثته)(1) وقد كان ذلك الاشتراك في المصالح داعياً إلى زيادة الاتحاد، وأعمال الدولة يومئذ محصورة في النبي (صلّى الله عليه وآله) وتشمل السياسة والإدارة والدين، ففرضت الصلاة والزكاة وغيرهما من الفروض التي تعَدُّ من قبيل الدين، ولا نبحثُ فيها إلا من حيث دخلها في تأسيس الدولة. أما الصلاة في الجماعة ففائدتها في الدنيا الاتحاد والطاعة للإمام، وأما الزكاة فإنها قوام الدولة وأساس مصالحها، فهي أصل بيت المال الذي نعبّر عنه بوزارة المالية.

ولا يخفى أن للدول أنظمة مختلفة وفيها الملكي والجمهوري والمطلق والمقيد ولكل دولة قوانين تختلف عما للأخرى مما لا يحصره وصف ولكنها ترجع كلها إلى أمرين أساسيين تشترك فيهما جميعاً وهما (المال والجند). وما من دولةٍ مهما كان نوع نظامها إلا وفيها الجندية والمالية إذ لا قوام لها بدونهما وربما كانت الحاجة إليهما في أوائل الدولة أشد مما بعدها. والمسلمون هم الجند واتحادهم بالصلاة والركوع والمؤاخاة هو نظام الجند.

والزكاة عبارة عن المال اللازم لبقاء الجند، فأساس الدولة الإسلامية هذه الآية: ( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)(2).

الزكاة

والزكاة توطِّد عرى الاتحاد وهو أساس الإسلام، بأن يؤخذ من أغنياء المسلمين ما يزيد من أموالهم ويعطى للفقراء منهم فيؤخذ زكاةً ويعطى صدقةً، ويمثل ذلك جلياً قول النبي (صلّى الله عليه وآله) لمعاذ لما بعثه إلى اليمن إذ قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)(3).

وكانت الأموال التي ترد عليهم وتفرّق فيهم على السواء الصغير والكبير، الحر والعبد، الذكر والأُنثى. وإذا كانت من الغنائم أخذوا نصيبهم منها على ما يأتي، وإذا جاء المدينة مالٌ من بعض البلاد أُحضر إلى المسجد وفرّق على ما يراه النبي (صلّى الله عليه وآله) أو الخليفة بلا قيدٍ ولا شرط ولا يبقى منه باقٍ.

الديوان

ولما فتحت البلاد في زمن عمر بن الخطاب واختلط العرب بالروم والفرس واتسع سلطان المسلمين وكثرت وارداتهم وتعدّدت مصادر الفيء اضطروا إلى ضبط ذلك وتقييده وتعيين ما يدخل وما يخرج منه، فرأى عمر أن يضبط الوارد في الدفاتر فيدفع منه رواتب معينة في العام إلى كلٍ منهم على قدر استحقاقه، والذي يبقى من الأموال يحفظ للانتفاع به عند الحاجة، فشرّع بذلك في السنة العشرين للهجرة (وقيل: في الخامسة عشرة) وهو ما يعبر عنه بالديوان اقتداءً بما كان عند الفرس والروم.

فلما أفضت الخلافة إلى بني أمية وأصبح الأمر ملكاً سياسياً وكثرت مخالطة المسلمين للأعاجم أصبحت تلك الدوائر تتفرّع وتتوسّع عملاً بناموس الارتقاء العام وأضافوا إليها مناصب اقتبسوها من الروم والفرس، وقضى عليهم الترف وأُبهة الملك أن يتخذوا الخدم والحشم والحاشية والحُجّاب والحراس فحدث في عهد بني أمية الحرس وديوان الخاتم والبريد وديوان الخراج.

ولما آل الأمر إلى بني العباس زادت عوامل الاختلاط وزاد ميل الخلفاء إلى الترف والرخاء فاستنابوا من يقوم مقامهم في مباشرة الأعمال فاستحدثوا منصب الوزارة والحسبة وغيرهما وتفرّعت المناصب الأولى وتشعّبت على مقتضيات الأحوال. ثم أحدثت كل دولة من دول الإسلام مناصب اقتضتها أحوالها فاختلفت في بغداد عما في قرطبة وفيهما عما في القاهرة.

كان الخليفة في عهد بساطة الدولة هو الذي يراقب أعمال الدواوين بنفسه، فلما اتسع سلطانهم وتبدّلت وجهة الخلافة من الدين إلى السياسة، ومال الخلفاء إلى التقاعد وتقليد القياصرة والأكاسرة استخدموا من يقوم بتلك الأعمال، فأقاموا من يباشر أمور الدولة عنهم وهم الوزراء، ومن يراقب تصرّف العمال في الأمصار وهو صاحب ديوان البريد، ومن يتولى ختم الرسائل وتقييدها وهم أصحاب ديوان التوقيع أو الخاتم، ومن يتولى النظر في ضياعهم وأملاكهم وهم عمال ديوان الضياع، ومن ينظر في حسابات حاشيتهم وخدّامهم وهم عمال ديوان الخاص، واقتضت حضارتهم أن يضربوا النقود ويتّخذوا الطراز فأنشأوا دار الضرب وديوان الطراز، ودواوين أخرى بعضها لعرض الرسائل وبعضها لغير ذلك مثل ديوان الترتيب وديوان العزيز ـ وهذا كان يشبه الباب العالي ـ وكان الكاتب في عهد الخلفاء الراشدين هو الذي يتولى الديوان على ما وضعه عمر فيدوّن ما يرد من أموال الخراج والجزية وغيرهما، وما ينفق على الجند والعمال والقضاة وغيرهم ويتولى مكاتبة العمال، فلما اتّسعت أعمال الدولة تشعّب ذلك الديوان إلى ما يختص بحسابات الخراج والجزية وهو ديوان الخراج، وإلى ما يختص بالنفقة على الجند وغيرهم وهو ديوان الزمام والنفقة، وإلى ما يتعلّق بغير ذلك مثل ديوان الإقطاع وديوان المعادن، وإلى ما يختص بتدوين أسماء الجند وطبقاتهم ورواتبهم وهو الجند، وتفرّع من ديوان الجند ديوان الأُسطول وديوان الثغور وغيرهما، وأفردوا لمراسلات العمال وغيرهم ديواناً خاصاً هو ديوان الرسائل أو الإنشاء.

وكان بيت المال مخزناً عاماً لكل أموال المسلمين فتفرّع في أيام الأمويين والعباسيين إلى عدّة فروع بعضها لأموال الصدقات وبعضها لأموال المظالم وبعضها لأموال الورثة وبعضها لغير ذلك، وعلى هذا النمط تشعّبت المناصب الأخرى فتفرّع من القضاء ديوان المظالم والحسبة والشرطة ونحو ذلك مما لا يمكن حصره.

الخلافة

ماهيتها وشروطها وحقوقها

الخلافة ضرب من الملك خاص بالإسلام لم يكن في سواه من قبل. وهي من قبيل السلطة الملكية المطلقة ولكنها تمتاز عن سلطة القياصرة والإمبراطوريين والأكاسرة أن الخلافة تشمل السلطتين الدينية والدنيوية فتحمل الجميع على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها. وأما تلك فتختصر في حمل الجميع على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية.

وقد يظهر الفرق بين السلطتين كبيراً.

البيعة

البيعة هي العهد على الطاعة، فإذا بايع الرجل أميراً كأنه عاهده وسلّم إليه النظر في أمر نفسه لا ينازعه في شيء من ذلك وأن يطيعه في ما يكلفه به من الأُمور، وكان العرب إذا بايعوا أميراً جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد بما يشبه فعل البائع والمشتري فسمّيت (بيعة) مصدر باع، وصارت البيعة مصافحة الأيدي وهو مدلولها بعرف اللغة أيضاً، وأقدم بيعة في الإسلام بيعة العقبة.

يمين البيعة

يختلف نصّ يمين البيعة باختلاف الدول والأحوال وإن كان مرجعه واحداً. فلما بايع الأنصار النبي (صلّى الله عليه وآله) بالعقبة قالوا: (يا رسول الله إنّا براء من ذمامك حتى تصير إلى دارنا، فإذا وصلت فإنك في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا). وهناك نص آخر للبيعة في العقبة يُعرف ببيعة النساء وهو: (بايعنا بأن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف).

وبعد أن صارت وراثية كان الخلفاء يبايعون لأولادهم بولاية العهد أو لغيرهم من ذوي قرابتهم. وكانوا يحتفلون بذلك مثل احتفالهم بمبايعة الخلفاء.

والعهد كتاب يكتبه الخليفة أو من يكتب له ويختمه بخاتمه وخواتم أهل بيته ويدفعه إلى ولي العهد أو من يتولّى أمره فيحفظه إلى حين الحاجة ويدعى لولي العهد على المنابر بعد الدعاء للخليفة فيقولون بعد الدعاء للخليفة: (اللهم وبلّغه الأمل في ولده فلان ولي عهده في المسلمين، اللهم وال من والاه من العباد وعاد من عاداه في الأقطار والبلاد وانصر من نصره بالحق والسداد واخذل من خذله بالغيّ والعناد، اللهم ثبّت دولته وشعاره وانبذ إلى من نابذ الحق وأنصاره).

علامات الخلافة وشاراتها

وعلامات الخلافة ثلاث: البردة والخاتم والقضيب.

أما البردة فهي بردة النبي ومازال النبي (صلّى الله عليه وآله) يلبسها حتى أعطاها إلى كعب بن زهير بن أبي سلمى الشاعر المشهور.

وأما الخاتم فقد اتخذه الخلفاء تشبّهاً بالنبي (صلّى الله عليه وآله)، لأنه لما أراد أن يكتب إلى قيصر وكسرى يدعوهما إلى الإسلام قيل له: إن العجم لا يقبلون كتاباً إلا أن يكون مختوماً. فاتخذ خاتماً من فضة ونقش عليه: (محمد رسول الله) وانتقل هذا الخاتم إلى أبي بكر ثم إلى عمر ثم إلى عثمان ووقع من يد عثمان في بئر أريس ولم يعثروا عليه بعد ذلك، فاصطنع عثمان خاتماً مثله وكان كل من ولي الخلافة بعده يصطنع له خاتماً يختمون به الكتب في أسفل الكتابة أو في أعلاها بالطين أو المداد.

أما القضيب فهو ثالث علامات الخلافة وإذا تولى الخليفة جاءوه بالبردة والخاتم والقضيب، وظل الأمر على ذلك في بني أمية وبني العباس.

وشارات الخلافة أيضاً ثلاث: الخطبة والسكة والطراز.

أما الخطبة فهي الدعاء للخلفاء على المنابر في الصلاة وأصلها أن الخلفاء كانوا يتولون إقامة الصلاة بأنفسهم فكانوا يختمون فروض الصلاة بالدعاء للنبي (صلّى الله عليه وآله) والرضى عن الصحابة.

ومن شارات الخلافة ـ أو هي شارات الملك على الإطلاق ـ الختم على النقود بطابع من حديد ينقش فيه اسم الخليفة أو السلطان ويقال لها السكّة، وهي لازمة للدولة.

ومازال العرب يتعاملون بالنقود الرومية والفارسية حتى ظهر الإسلام وافتتحوا البلاد وأسّسوا الدولة الإسلامية فعمدوا إلى إنشاء تمدّنهم، فكان في جملة عوامله السكة، فضربوا الدراهم والدنانير.

على أن هذه المسكوكات لم تكن تعتبر رسمية في الدول الإسلامية بل كانت أكثر معاملاتهم بالنقود الرومية والفارسية، فاتفق في أيام عبد الملك بن مروان (سنة 65 ـ 86هـ) أن هذا الخليفة أراد تغيير الطراز من الرومية إلى العربية فشقّ ذلك على ملك الروم فبعث إليه يهدده بأن ينقش على دنانيره شتم النبي (صلّى الله عليه وآله) فعظم هذا الأمر على عبد الملك فجمع إليه كبار المسلمين واستشارهم فأشار عليه أحدهم بمحمد الباقر (عليه السلام) أحد الأئمة الاثني عشر من الشيعة وكان يقيم في المدينة، فلم يشأ عبد الملك أن يستنجد أحد أئمة بني هاشم وهم مناظروه في الملك لكنه لم ير بدّاً من استقدامه فكتب إلى عامله في المدينة أن (أشخص إليّ محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) مكرماً ومتّعه بمائة ألف درهم لجهازه 30.000 لنفقته وأرح عليه في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه) فلما قدم محمد إلى دمشق استشاره عبد الملك في ما ينويه ملك الروم من الإساءة بالإسلام فقال محمد (عليه السلام): (لا يعظم هذا عليك. ادع في هذه الساعة صنّاعاً فيضربون بين يديك سككاً للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحدهما في وجه الدرهم أو الدينار والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي تضرب فيها تلك الدراهم والدنانير، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهماً عدداً من الأصناف الثلاثة التي العشرة منها وزن عشرة مثاقيل وعشرون منها وزن ستة مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل فتكون أوزانها جميعاً واحداً وعشرين مثقالاً، فتجزئها من الثلاثين فتعيّر العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل وتصب صنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان فتضرب الدراهم على وزن عشرة مثاقيل والدنانير على وزن سبعة مثاقيل).

ففعل ذلك عبد الملك وبعث نقوده إلى جميع بلدان الإسلام وتقدّم إلى الناس في التعامل بها وهدّد بقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهم والدنانير. ونقش نقود بني أمية على أحد الوجهين في الوسط: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له)، وحول ذلك: (بسم الله ضرب هذا الدرهم في بلد كذا سنة كذا) وفي الوجه الآخر بالوسط: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) وحولها: (محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون). وكانت هذه الكتابة تنقش على الدينار والدرهم على السواء.

وأما مقدار ما كانت الدولة تضربه من النقود فيختلف كثيراً.

فقد ورد في (نفح الطيب) أن دخل دار الضرب في الأندلس بلغ من ضرب الدراهم والدنانير على عهد بني مروان في القرن الرابع للهجرة 200.000 دينار في السنة وصرف الدينار 17 درهماً، فإذا اعتبرنا هذا الدخل باعتبار واحد في المائة عن المال المضروب بلغ مقدار ما كان يُضرب في الأندلس وحدها من ممالك الإسلام 20 مليون دينار أو نحو عشرة ملايين جنيه، وذلك نحو ضعفي ما تضربه بريطانيا اليوم وهي في عظمة مجدها، فإذا أضيف إليها ما كان يضرب في القاهرة عاصمة الدولة الفاطمية وفي بغداد عاصمة الدولة العباسية وفي غيرها من المدن الإسلامية يومئذ كان مبلغ ذلك شيئاً كثيراً.

الطراز

ومن شارات الخلافة أيضاً الطراز وهو قديم في الدول من عهد الفرس والروم وذلك أن يرسم الملوك أو السلاطين أسماءهم أو علامات تختص بهم في طراز أثوابهم المعدّة للباسهم من الحرير أو الديباج أو الإبريسم كأنها كتابة خطت في نسيج الثوب، وأول من نقل الطراز إلى العربية من ملوك المسلمين عبد الملك بن مروان الأموي.

وأنشأ الخلفاء للطرّاز دوراً في قصورهم تسمى دور الطرّاز لنسج أثوابهم وعليها تلك الشارة، وكان القائم على النظر فيها يسمى (صاحب الطراز) ومازالت دور الطراز في الدول الإسلامية على نحو ما تقدم حتى ضاق نطاق تلك الدولة وضعف أمرها وتعددت فروعها فتعطّلت هذه الوظيفة من أكثرها.

ولاية الأعمال

الولايات قبل الإسلام وبعده

يراد بالولاية الإمارة على البلاد فيولي السلطان أو الملك من يقوم مقامه في حكومة الولايات وهي الأعمال في اصطلاحهم، وهذا النوع من الحكومة قديم، وكانت الشام لما فتحها المسلمون ولاية واحدة من ولايات الروم يسمّونها ولاية الشرق وتقسّم إلى (11) إقليماً تحت كل إقليم عدة بلاد، وكان لكل إقليم حاكم أو عامل والغالب أن يكون بطريقاً، فلما ظهر الإسلام ونهض المسلمون للفتح كانوا إذا أرسلوا قائداً إلى فتح بلد ولّوه عليه قبل خروجه لفتحه أو شرطوا عليه إذا فتحه فهو أمير عليه، وكان ذلك شأنهم من أيام النبي (صلّى الله عليه وآله) فإنه أرسل في السنة الثامنة للهجرة أبا زيد الأنصاري وعمرو بن العاص ومعهما كتاب منه يدعو الناس إلى الإسلام وقال لهما: (إن أجاب القوم إلى شهادة الحق وأطاعوا الله ورسوله فعمرو الأمير وأبو زيد على الصلاة وأخذ الإسلام على الناس وتعليمهم القرآن والسنن) وكان كذلك. وكانت ولاية الأعمال في بادئ الرأي أشبه بالاحتلال العسكري منه بالتملّك، وكان العمال أو الولاة عبارة عن قواد الجند المقيم بضواحي البلاد المفتوحة بما يعبرون عنه بالرابطة أو الحامية، وكانت الجنود الإسلامية منقسمة إلى قوات تقيم في محطات عسكرية بأماكن أقرب إلى طريق الصحراء منها إلى السواحل.

فكان العمال في عهد الخلفاء قوّاد الجند الذين افتتحوا تلك الأعمال وواجباتهم على الأكثر هي مراقبة سير الأحكام في البلاد التي افتتحوها وإقامة الصلاة واقتضاء الخراج، وأما أعمال الحكومة في البلاد المفتوحة في مصر والشام والعراق فقد ظلت سائرة على ما كانت عليه قبل الفتح إلى أواسط أيام بني أمية.

الإمارة العامة

1 ـ إمارة الاستكفاء

فإمارة الاستكفاء أو إمارة التفويض هي التي كان يعقدها الخليفة لمن يختاره من رجاله الأكفاء فيفوّض إليه إمارة الإقليم على جميع أهله ويجعله عام النظر في كل أموره ويشتمل نظره فيه على سبعة أمور:

1 ـ تدريب الجيوش وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم (إلا إذا كان الخليفة قدّرها).

2 ـ النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام.

3 ـ جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال فيهما وتفريق ما استحق منهما.

4 ـ حماية الدين والدفاع عن الحريم.

5 ـ إقامة حدود الشرع.

6 ـ الإمامة في الصلاة.

7 ـ تسيير الحج.

وإذا كان الإقليم المشار إليه متاخماً لعدوّ ترتّب على العامل أمرٌ ثامن هو جهاد ذلك العدو وقسمة الغنائم في المقاتلة وأخذ خمسها لأهل الخمس كما هو مفصّل في باب الجند والمال.

وكثيراً ما كان الخلفاء يفوّضون إلى بعض خاصتهم عملاً من الأعمال فيرسل هذا من يقوم مقامه في ذلك العمل ويبقى هو في بلاد الخليفة، وأكثر ما كان يقع ذلك في الدولة العباسية.

2 ـ إمارة الاستيلاء

ويراد بإمارة الاستيلاء أن يعقد الخليفة للأمير على الإقليم اضطراراً بعد أن يستولي الأمير على ذلك الإقليم بالقوة، وكان الخليفة يثبته في إمارته ويفوض إليه تدبير سياسته فيكون الأمير باستيلائه مستبداً بالسياسة والتدبير والخليفة بإذنه منفّذاً لأحكام الدين. ولهذه الإمارة شروط تفرض على الأمير في مقابل ذلك وهي:

1 ـ حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوة وتدبير أمور الملّة.

2 ـ ظهور الطاعة الدينية.

3 ـ اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر ليكون للمسلمين يدٌ على من سواهم.

4 ـ أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة والأحكام فيها نافذة.

5 ـ أن يكون استيفاء الأموال الشرعية بحق تبرأ به ذمة مؤديها.

6 ـ أن تكون الحدود مستوفاة بحق وقائمة على المستحق.

7 ـ أن يهتم الأمير في حفظ الدين. ولأمير الاستيلاء أن يستخدم الوزراء وغيرهم.

الإمارة الخاصة

وأما الإمارة الخاصة فهي أن يكون الأمير فيها مقصوراً على تدبير الجيش وسياسة الرعية وحماية بيضة الإسلام والدفاع عن الحريم ضمن حدود معينة، وليس له أن يتعرّض للقضاء أو الأحكام ولجباية الخراج أو الصدقات في شيء حتى الإمامة في الصلاة فربما كان القاضي أولى بها منه، والخليفة يعين لهذه الإمارة قضاة وجباة من عنده، فالجباة يجمعون الخراج لحساب بيت المال المركزي وهم يؤدون أعطيات الجند وغيرها مما يجمعونه، والإمارات الخاصة كانت قليلة إبان الدولة العباسية.

الوزارة وما يتبعها

1 ـ الوزارة

الوزارة أسمى الرتب السلطانية وليست من محدثات الإسلام بل هي فارسية الأصل اتخذها المسلمون في عهد الدولة العباسية، أما إذا أريد بالوزارة استعانة الخليفة بمن يشد أزره أو يعاونه في الحكم فهي تتصل بعهد الإسلام، لأن النبي (صلّى الله عليه وآله) نفسه كان يشاور أصحابه ويفاوضهم في مهماته العامة والخاصة. وأخذ نفوذ الوزارة في بني العباس يتقلّص بتقلّص نفوذ الخلفاء حتى استبدّ العمال في الأعمال وتفرّعت المملكة العباسية فأصبحت الوزارة كالخلافة اسماً بلا مسمى فأسقطوها وأبدلوها بإمرة الأمراء.

2 ـ أمير الأمراء

هو لقب منحه الخلفاء العباسيون لأمراء بعض الدول الإسلامية الصغرى التي ظهرت في القرن الرابع للهجرة وما بعده من بني حمدان وبني بويه، وقد يكون أمير الأمراء ملكاً أو مثل الملك، وأول من لُقّب به ابن رائق من بني حمدان وكان أمير البصرة وواسط، فجعله الراضي أمير الأمراء سنة 324هـ وفوّض إليه تدبير المملكة وأمر أن يُخطب له على المنابر، وخلع عليه وأعطاه اللواء وكانوا يسمّونه أيضاً ملك بغداد أو سلطان بغداد، وما زال هذا اللقب في بني بويه إلى سنة 449هـ.

3 ـ وزارة التفويض

كانت الوزارة وزارتين وزارة تفويض ووزارة تنفيذ مثل إمارة الأعمال، فوزارة التفويض أن يستوزر الخليفة رجلاً يفوِّض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضائها على اجتهاده، فيتولى الوزير كل شيء يمضيه عن الخليفة إلا ثلاثة أشياء:

1 ـ ولاية العهد فإن الخليفة هو الذي يعهد إلى من يرى وليس ذلك للوزير.

2 ـ للخليفة أن يعزل من قلّده الوزير وليس للوزير أن يعزل من قلّده الخليفة.

3 ـ للخليفة أن يستعفي الأمة من الإمامة وليس ذلك للوزير، وكثيراً ما كان الخلفاء يقلّدون وزراءهم مع الوزارة منصباً آخر مهمّاً كما تقلّد الفضل بن سهل رئاسة السيف مع الوزارة فسمّوه ذا الرئاستين.

4 ـ وزارة التنفيذ

أما وزارة التنفيذ فالنظر فيها مقصورٌ على تنفيذ ما يراه الخليفة فيكون الوزير واسطة بين الخليفة وبين الرعية فيمضي ما يأمره الخليفة به من تقليد الولاة وتجهيز الجيوش ويعرض عليه ما ورد من مهم وتجدّد من حدث ملمّ، خلافاً لوزير التفويض فإنه يولي ويعزل كما يشاء ويقضي ويمضي بلا حد ولا قياس، ويجوز للخليفة أن يستوزر وزيرين للتنفيذ أحدهما للحرب مثلاً والآخر للخراج ولكنه لا يستوزر إلا وزيراً واحداً تفويضياً.

السلطان

كان هذا المنصب في أوائل أمره لقباً لوزراء الدولة العباسية يلقّبون به على سبيل التفخيم بأمر الخلفاء، وذكر ابن خلدون أن جعفر بن يحيى دعي سلطاناً. ويظهر من مجمل ما نقرأه في كتبهم أنهم يطلقون لفظ السلطان على والي بغداد أو والي الشام ولعله رئيس الشرطة أو ما يشبه المحافظ اليوم. وقد يريدون بالسلطان الخليفة نفسه، وكل ذلك على سبيل المجاز، ولم تصبح السلطنة رتبة رسمية إلا في أيام محمود الغزنوي بن سبكتكين وهو أول سلطان في الإسلام، سمي به في أواخر القرن الرابع للهجرة.

وكانوا يلقّبون السلاطين ـ يوم الاحتفال بتوليتهم ـ ألقاباً تشيرُ إلى تأييد الخلافة لهم مثل ناصر الدولة وسيف الدولة وعضد الدولة ونحو ذلك.

1- كنز العمال: ج11، ص13 مثله. بحار الأنوار: ج27، ص243 مثله.

2- سورة البقرة: 43.

3- كنز العمال: ج6، ص295.