الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

ديوان المظالم والإنشاد

وهو من توابع القضاء ويشبه ما نسمّيه اليوم (مجلس الاستئناف) بعض الشبه، والغرض منه استماع ظلامات الناس من القضاة أو غيرهم. وكان العرب في جاهليتهم يلتفتون إلى هذا الأمر فيتحالفون على ردّ المظالم كما فعلت قريش قبيل الإسلام.

ولم يجلس للمظالم أحد من الخلفاء الأربعة لأن الناس في الصدر الأول كانوا بين من يقوده التناصف إلى الحق أو يزجره الوعظ عن الظلم، إلا علياً (عليه السلام) فإنه احتاج إلى النظر في المظالم ولم تكن في الحقيقة كما صارت إليه بعدئذ. على أنه لم يفرد لسماع الظلامات يوماً معيناً أو ساعة معينة وإنما كان إذا جاءه متظلم أنصفه، ثم أفردوا يوماً خاصاً للنظر في أقوال المتظلمين وتصفح قصصهم، وكانوا يسمعون ظلامات الناس وينصفونهم وفيهم من يتظلم من الولاة أو من العمال أو من جباة الأموال أو من كتاب الدواوين في تقصيرهم بشيء من رواتبهم أو من أحد أبناء الخلفاء أو الأمراء أو نحوهم من أهل الوجاهة ممن يغتصبون الأموال أو الضياع، أو من القضاة لأنهم لم ينصفوهم في أحكامهم أو من أي إنسان كبيراً كان أو صغيراً، فهو أوسع دائرة من مجلس الاستئناف وأطول باعاً وأشد وقعاً وأسرع نفوذاً.

دار العدل

ولما أفضت الحكومة في مصر إلى السلاطين الأيوبيين بنوا داراً للنظر في المظالم سموها (دار العدل) وكان قد سبقهم إلى بناء مثل هذه الدار في دمشق الملك العادل نور الدين زنكي. وكان الأيوبيون يجلسون في دار العدل للنظر في المظالم، وجرى سلاطين المماليك بعدهم على ذلك، وكانت لهم عناية كبرى في إنصاف الناس وكانوا يحترمون مجلسهم للمظالم فلا يقعدون فيه على تخت الملك. وكان لسلاطين المسلمين وأمرائهم عناية كبرى في النظر في مظالم الرعية، وكانوا يبذلون الجهد في رفعها، ولو كان التظلم منهم أو من أولادهم، وأمثلة هذه الحوادث كثيرة في تاريخ الإسلام، فتعوّد الناس أن يرفعوا شكواهم إلى خلفائهم وسلاطينهم في أيام معينة وصاروا يحسبون ذلك فرضاً واجباً.

الحسبة

هي منصب ديني من قبيل القضاء، وصاحب الحسبة (المحتسب) يبحث عن المنكرات ويعزّر ويؤدّب على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدن مثل المنع من المضايقة في الطرقات ومنع الحمالين ومنع أهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة، والضرب على أيدي المعلمين في المكاتب إذا بالغوا في ضربهم للتلامذة، وله النظر في الغش والتدليس في المعايش وغيرها وفي المكاييل والموازيين مما يُعد من واجبات مصلحة البلدية في هذه الأيام، والأصل في الأمور التي ذكرناها أن تكون من واجبات القاضي لكنهم جعلوها عملاً مستقلاً تنزيهاً للقاضي عن استقصاء هذه الأمور بنفسه، على أنها كثيراً ما كانت تجعل في جملة أعمال القضاة في عهد الفاطميين بمصر والأمويين في الأندلس.

الشرطة

والشرطة في الأصل من توابع القضاء لأن المراد بها تنفيذ أحكام القضاة أو فرض العقوبات الزاجرة للجرائم وإقامة التعزير والتأديب في حق من لم ينتهِ عن الجريمة، فكانت الشرطة خادمة للقضاء تساعد القاضي في إثبات الذنب على مرتكبه وتساعد الحكومة على تنفيذ الحكم، ويتولى صاحبها أيضاً إقامة الحدود على الزنا وشرب المسكر وكثير من الأمور الشرعية التي يجلون مقام القاضي عنها.

ثم صار النظر في الجرائم وإقامة الحدود في الدولة العباسية والأموية في الأندلس والفاطمية بمصر راجعاً إلى صاحب الشرطة وأفردوها من نظر القاضي.

ديوان الإنشاء

الكتابة

لم يكن العرب في جاهليتهم يعرفون الكتابة إلا نفراً قليلين، ولما ظهر الإسلام لم يكن يكتب بالعربية إلا بضعة عشر إنساناً كلهم من الصحابة، فكتبوا للنبي (صلّى الله عليه وآله) سور القرآن والكتب التي خاطب بها الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكان بعضهم يكتب له في حوائجه والبعض الآخر يكتبون بين الناس في المدينة والبعض الآخر يكتبون بين القوم في مياههم وقبائلهم وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء.

ولما انتقلت الخلافة إلى بني أمية وتعدّدت مصالح الدولة تعدّد الكتّاب فصارت الكتابة خمسة أصناف، كاتب الرسائل لمخاطبة العمال والأمراء والملوك وغيرهم، وكاتب الخراج يدوّن حساب الخراج داخله وخارجه. وكاتب الجند يقيّد أسماء الأجناد وصفاتهم وطبقاتهم وأعطياتهم ونفقات الأسلحة وغير ذلك، وكاتب الشرطة يكتب التقارير عما يقع من أحوال العقود والديات وغيرهما، وكاتب قاض يكتب الشروط والأحكام.

وأهم أصناف الكتّاب كاتب الرسائل وهو أقدمها وقد يسمى كاتب السر وهو يد الخليفة وكاتبه ومستودع أسراره.

التوقيع

يريدون بالتوقيع في دوائر الحكومة اليوم (الإمضاء) أما في أيام الخلفاء فكان يراد به ما يعلقه الخليفة على القصص أو الرقاع (العرضحالات) المعروضة عليه لطلب أو شكوى أو نحو ذلك فيكتب عليها بما يجب إجراؤه أو ما يفيد الجواب على فحواها بما يشبه التأشير أو التعليم في دوائر حكوماتنا.

وكان الخلفاء في صدر الإسلام هم الذين يوقعون في القصص والرقاع بأنفسهم أو يأمرون كتّابهم بتدوينها، والغالب في توقيعهم أن يكون اقتباساً من آية أو حديثٍ أو حكمة مشهورة أو شعر حكمي.

وكان لهم ولع غريب في اختصار الكتابة في المراسلات اختصاراً يصح أن يتخذ مثالاً للبلاغة.

مكاتبة الخلفاء

وكان من القواعد المرعية في مكاتبة الخلفاء أن يبدأوا بأسمائهم قبل اسم مخاطبهم ويكلّفوا مكاتبيهم أن يراعوا ذلك.

ومن تفنّنهم في المكاتبات الإشارة بحرف واحد إلى مقالة طويلة كما وقع للسلطان محمود الغزنوي بن سبكتكين بعد أن استقل بالسلطنة.

أدوات الكتابة

ومنها القلم الذي كانوا يصنعونه من القصب نحو ما نفعل اليوم، وأما الحبر وهو المداد فالظاهر أنهم كانوا يصنعونه من مسحوق الفحم أو من الهباب مدوفاً بسائل لزج كالصمغ أو نحوه.

وأما القرطاس فأقدم ما كتب فيه العرب من أول الإسلام الرق وهي الجلود، وكتبوا أيضاً على الأقمشة وأشهرها نسيج مصري كانوا يسمونه القباطي وعليه كتبت المعلقات السبع قبل الإسلام، وإذا تعذّر ذلك كتبوا على الخشب أو العظام أو على قطع الخزف أو على الأحجار أو نحو ذلك. فلما كانت أيام الدولة العباسية اتخذوا الورق (الكاغد) وقد أشار به الفضل بن يحيى البرمكي فاصطنعوه، وأنشأوا له المعامل في بغداد والشام وغيرهما من عواصم الإسلام، وكانوا هم أول من نشر صناعة الورق في العالم.

الحجابة

يراد بالحاجب في دول الإسلام ما يراد موظف التشريفات في هذه الأيام، وهو الذي يتولى طلب الاستئذان للناس في الدخول على الملك أو السلطان أو الأمير ولابد منه في الدولة حفظاً لهيبة الملك، وكلّما أغرقت الدولة في المدنية واستغرقت في الترف تكاثف الحجّاب بين مَلِكها ورعاياه، فكان الخلفاء الأربعة يفتحون أبواب مجالسهم لأيٍ كان ويخاطبون الفقير والغني والصعلوك والقوي بلا حجاب ولا كلفةٍ.

فلما تحوّلت الخلافة إلى الملك كان في جملة ما أدخلوه على الدولة التدقيق في الحجاب وترتيب الناس في الدخول على الخلفاء بحسب طبقاتهم وأنسابهم.

فلما جاءت دولة بني العباس وصارت إلى ما هو معروف من العزّ والترف زادوا في منع الناس عن ملاقاة الخليفة إلا في الأمور الهامة وهذا ما يسمّيه ابن خلدون بالحجاب الثاني، وصار بين الناس والخليفة داران دار الخاصة ودار العامة يقابل كل فئة في مكان على ما يراه الحجاب، وتطرقوا عند انحطاط الدولة إلى حجاب ثالث أحصن من الأولين.

النقابة

النقابة ونعني نقابة الأشراف سموها بذلك إشارة إلى أنها تتعلّق بأشراف المسلمين وهم أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله)، وذلك أن عائلة النبي (صلّى الله عليه وآله) كانت في أوائل الإسلام محفوظة الحرمة لقرب عهدهم من النبوة فكانوا يجعلون على أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) رئيساً منهم يتولّى أمورهم ويضبط أنسابهم ويدوّن مواليدهم ووفياتهم وينزههم عن المكاسب الدنيئة ويمنعهم من ارتكاب المآثم ويطالب بحقوقهم ويدعوهم إلى أداء الحقوق وينوب عنهم في المطالبة بحقوقهم في سهم ذوي القربى من الفيء والغنيمة ويقسمه بينهم ويمنع أياماهم أن يتزوجن إلا من الأكفّاء وغير ذلك مما يشبه الوصاية العامة، وكان نقيب الأشراف وصيهم.

وكانت نقابة الأشراف من المناصب السامية ولها الشأن الأول من الشرف بعد الخلافة.

وكان الخلفاء يكتبون لنقباء الأشراف عهوداً وتقاليد تدلّ على جلالة قدرهم ورفعة منزلتهم، وكانوا كثيراً ما يعهدون إليهم بسقاية الحج وديوان المظالم من الخطط السامية، فنقيب الأشراف فيها يقدم في التشريفات الرسمية على سائر رجال الدولة العلية حتى الصدر الأعظم وشيخ الإسلام.

مشيخة الطرق الصوفية

مشيخة الطرق الصوفية من المناصب الدينية التي حدثت بعد حدوث الصوفية ولصاحبها التكلم نيابة عن جميع الطرق الصوفية، والشأن في هذه الطرق أن لكل طريقة شيخاً ولكل شيخ خلفاء في القرى والأمصار ولكل خليفة مريدين، فالشيخ يدير أمر الخلفاء والخليفة يدير أمر المريدين من حيث إرشادهم ومراقبتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتربيتهم ونحو ذلك.