الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

ثروة الدولة الإسلامية

إذا كان المراد بثروة الدولة ما يزيد من دخلها على نفقاتها أو ما تختزنه بعد نفقاتها من الأموال ونحوها فالدولة الإسلامية في عصر النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يكن عندها ثروة حقيقية لأنهم لم يكونوا يختزنون مالاً ولا كان عندهم بيت مال بل كانوا إذا أصابوا غنيمة فرّقوها فيما بينهم، وكذلك الصدقات فإنها كانت تفرّق في أهلها وإذا ظل منها شيء استبقوه لحين الحاجة إليه، وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) يتولّى ذلك بنفسه وأكثر الصدقات من الماشية والإبل والخيل فكان يسِمُها بميسم خاص بها تمتاز به عن سواها.

بيت المال

توفي النبي (صلّى الله عليه وآله) والمسلمون هم رجال الحكومة والجند ولم يكن عندهم بيت مال للأسباب التي قدّمناها ولم يكونوا يتطلبون المال إلا لقضاء الحاجات وكان أكثر ما يرد عليهم منه ماشية وحنطة وخيل ونحو ذلك من أموال الصدقة والغنيمة وكانت النقود قليلة بين أيديهم، فلما فتحوا الشام وفارس ومصر ورَدَت عليهم الأموال ذهباً وفضة فأدهشتهم كثرتها وتنبّهوا لها.

يقال أن أبا هريرة قدم على عمر بن الخطاب من البحرين بمالٍ فقال له عمر: (بما جئت؟) قال: (بخمسمائة ألف درهم) فاستكثره عمر وقال: (أتدري ما تقول؟) قال: (نعم مائة ألف خمس مرات) فصعد عمر المنبر وقال: (أيها الناس قد جاءنا مال كثير فإن شئتم كِلنا لكم كيلاً وإن شئتم عددنا لكم عدّاً) وكان ذلك من جملة ما دعاه إلى وضع الديوان وفرض العطاء لكل واحد من المسلمين باعتبار السابقة والقرابة من النبي (صلّى الله عليه وآله) ولكنه نهى عن اختزان المال.

وقد باشر الناس في أيام عثمان بن عفان (سنة 23 ـ 35هـ) جمع الأموال لأنه لم يكن شديداً وكان مع ذلك أموياً فاعتز الأمويون به وأرادوا أن يعيدوا لأنفسهم السلطة التي كانت لهم في الجاهلية وكان بنو هاشم قد سلبوهم إياها بعد الإسلام لأن النبي (صلّى الله عليه وآله) منهم، فأخذ عثمان يولي الأعمال رجالاً من أقربائه وفيهم من لم يعتنق الإسلام إلا يأساً من فوزه على المسلمين، وكثرت في أيامه الفتوح وفاضت الغنائم فكان يُخص أهله منها بأكثر من سائر الصحابة، كما فعل بغنائم أفريقية سنة (27هـ) فإن المسلمين حاربوها وعليهم عبد الله بن سعد (أخو عثمان من الرضاع) فبلغت غنائمهم منها 2.500.000 دينار أعطى خمسها إلى مروان بن الحكم وزوّجه ابنته وكان هذا الخمس من حقوق بيت المال، وأبطل عثمان محاسبة العمال لأنهم من أهله فازدادوا طمعاً في حشد الأموال لأنفسهم وخصوصاً معاوية بن أبي سفيان عامله على الشام وهو أكثر دهاءً وأبعدهم مطمعاً.

واقتدى بمعاوية غيره من العمال وسائر الصحابة فاقتنوا الضياع والعقار وفيهم جماعة من كبار الصحابة مثل طلحة والزبير وسعد ويعلى وغيرهم وزادت أموالهم وظهر الغنى فيهم حتى عثمان نفسه فإنه اقتنى الضياع الكثيرة واختزن الأموال فوجدوا عند خازنه بعد موته 150.000 دينار و1.000.000 درهم وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما 100.000 دينار وخلف خيلاً وإبلاً والظاهر أن عثمان اندفع إلى تسهيل الثروة على المسلمين بما زاد عنده من الأموال وإغراء أهله على ذلك وخصوصاً معاوية ـ ثم صار امتلاك العقار مألوفاً شائعاً. فلما قتل عثمان سنة 35هـ وقامت الفتنة في الخلافة وأرادها معاوية لنفسه فقد رأى بين دعاتها من هم أحق بها منه نسباً وسابقة فاحتال إليها بالمال فازدادت رغبته في الاستكثار منه لبذله في إنشاء الأحزاب.

ولا غرو فإن المال قوة تتحول إلى ما يراد من القوى وهو منذ القدم مرجع المشروعات العظمى ولا يزال حتى اليوم المحور الذي تدور عليه سياسة العالم المتمدن، فما من حرب أو سلم، محالفة أو معاهدة، وما من فتح أو حصار إلا والمحرك عليه أو الداعي (المال).

وكذلك فعل معاوية فاستخدم بالمال جماعة من دهاة العرب نصروه بالدهاء والسيف حتى أفضت الخلافة إليه بعد واقعة صفين ولكنها لم تصْفُ له إلا بعد مقتل علي (عليه السلام) سنة (40هـ) وتنازل الحسن (عليه السلام) له عنها والناس مع ذلك يعلمون أن معاوية إنما فاز ببذل المال حتى قال زين العابدين (عليه السلام) حفيد الإمام علي (عليه السلام): (إن علياً كان يقاتله معاوية بذهبه).

وسار بنو أمية على خطوات معاوية في ذلك فجعلوا المال أكبر نصير لهم على دعاة الخلافة من بني هاشم وعلى الخوارج وغيرهم فجرّهم ذلك على الاستكثار منه بأي وسيلة كانت.

والسلطة تحولت في دولة بني أمية من الخلافة الدينية إلى الملك السياسي. وتمتاز عن الدولة العباسية بأنها عربية بحتة شديدة التعصّب للعرب كثيرة الاحتقار لسواهم، ولذلك فإن أهل الذمّة وغيرهم من سكان البلاد الأصليين قاسوا من خلفاء بني أمية ومن عمالهم الأمور الصعاب حتى الذين أسلموا منهم فإن العرب كانوا يعاملونهم معاملة العبيد وكانوا يسمّونهم (الموالي) ويعدّون أنفسهم ذوي إحسان عليهم لأنهم أنقذوهم من الكفر وإذا صلوا خلفهم في المسجد حسبوا ذلك تواضعاً لله، وكان بعض العرب إذا مرّت به جنازة مسلمة قال: (من هذا؟) فإذا قالوا: (قرشي) قال: (واقوماه) وإذا قالوا: (عربي) قال: (وابلدتاه) وإذا قالوا: (مولى)، قال: (هو مال الله يأخذ ما شاء ويدع ما شاء). وكانوا يحرمون الموالي من الكنى ولا يدعونهم إلا بالأسماء والألقاب، ولا يمشون في الصف معهم، وكانوا يسمونهم العلوج.

وفي كتاب (الموالي) للجاحظ أن الحجاج لما قبض على الموالي الذين حاربوا مع ابن الأشعث أراد أن يفرقهم حتى لا يجتمعوا فنقش على يد كل واحد منهم اسم البلدة التي وجّهه إليها. وكان من جملة نتائج تعصّب بني أمية للعرب واحتقارهم سائر الأمم أنهم اعتبروا أهل البلاد التي فتحوها وما يملكون رزقاً حلالاً لهم، يدل على ذلك قول سعيد بن العاص عامل العراق: (ما السواد إلا بستان قريش ما شئنا أخذنا منه وما شئنا تركنا). وقول عمرو بن العاص لصاحب اخنا لما سأله عن مقدار ما عليهم من الجزية فقال عمرو: (إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثّرنا عليكم وإن خُفف عنا خففنا عنكم). فاتخذوا ذلك ونحوه ذريعة للاستيلاء على ما شاءوا من أموال الناس وقد جرّأهم على ذلك معاوية إذ جعل بعض الأعمال طعمة لبعض عماله والبعض الآخر ضمّنه بمال زهيد.

أجور العمال

وكان عمال بني أمية يجورون على أصحاب الأرضين من أهل الذمة في التحصيل ونحوه لا يهمهم بقي لهم من المحصول شيء أم لا. وكان الخراج يومئذ على المساحة فيؤخذ على الأرض مال معين زرعت أم لم تزرع. وكان من شروط الخراج أن يستبقى لأصحاب الأرضين ما يجبرون به من النوائب والجوارح.

ومما يحكى أن الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان يستأذنه في أخذ تلك البقية منهم فأجابه: (لا تكن على درهمك المأخوذ أحرص منك على درهمك المتروك وابق لهم لحوماً يعقدون بها شحوماً).

والظاهر أن الضغط على أهل القرى وأصحاب الأرضين حمل بعضهم على الإسلام احتماءً به فأصبحوا من الموالي فلم يمنع ذلك تحصيل الخراج والجزية منهم فألزمهم الحجاج الخراج مع أنهم تنازلوا عن مغارسهم لأهلهم وغادروا القرى وسكنوا الأمصار فراراً من تلك الضرائب، فأمر الحجاج بردّهم وطالبهم بالخراج. وكتب الحجاج إلى الأمصار: (إن من كان له أصل في قرية فليرجع إليها لتؤخذ منه الجزية والخراج) فعل ذلك في أيام ابن الأشعث فخرج الناس وهم يبكون وينادون: (يا محمداه يا محمداه) ولا يدرون إلى أين يذهبون فاضطروا إلى الانضمام للأشعث على الحجاج.

ولم تكن تلك المعاملة خاصة بالحجاج من عمالهم فقد فعل مثله أيضاً يزيد ابن أبي مسلم عامل يزيد بن عبد الملك على أفريقية، وكذلك فعل الجراح في خراسان وغيره في ما وراء النهر، وكان أهل سمرقند قد أسلموا على أن تُرفع الجزية عنهم فظلوا يأخذونها منهم فعادوا إلى دينهم.

أما النصارى وغيرهم من أهل الذمة الذين ظلوا على دينهم فيكفي في تمثيل حالهم اعتبار ما تقدم من معاملة الذين أسلموا منهم، فكانوا يسومونهم العذاب في تحصيل الجزية، ورأى هؤلاء أن اعتناق الإسلام لا ينجيهم من ذلك فعمد بعضهم إلى التلبّس بثوب الرهبنة لأن الرهبان لا جزية عليهم، فأدرك العمال غرضهم من ذلك فوضعوا الجزية على الرهبان، وأول من فعل ذلك منهم عبد العزيز بن مروان عامل مصر فأمر بإحصاء الرهبان وفرض على كل راهب ديناراً وهي أول جزية أخذت من الرهبان. وأمثال هذه الحوادث كثيرة في تاريخ بني أمية.

ومن أمثلة ما اقترفه بنو أمية من زيادة الخراج والجزية أن أهل الجزيرة بالعراق كانت جزيتهم ديناراً ومدين قمحاً وقسطين زيتاً وقسطين خلاً في العام فلما تولى عبد الملك بن مروان استقل ذلك فبعث إلى عامله فأحصى الجماجم وجعل الناس كلهم عمالاً بأيديهم وحسب ما يكسب العامل سنته كلها ثم طرح من ذلك نفقته في طعامه وأدامه وكسوته وطرح أيام الأعياد في السنة كلها فوجد الذي يحصل بعد ذلك في السنة لكل واحد أربعة دنانير فألزمهم ذلك جميعاً وجعلها طبقة واحدة.

ولم تكن ضرائبهم مقتصرة على أهل الذمة والموالي ولكنها شملت العرب المسلمين أنفسهم وذلك أن محمداً أخا الحجاج بن يوسف لما تولى اليمن أساء السيرة وظلم الرعية وأخذ أراضي الناس بغير حقها وضرب على أهل اليمن خراجاً سماه (الوظيفة).

وكان من أساليبهم في الاستكثار من الأموال ضرب الضرائب على الأرض الخراب.

وكانوا يفرضون على الأهالي هدية في عيد النيروز بلغت في أيام معاوية 10.000.000 درهم وفرضوا مالاً على من يتزوج وعلى من يكتب عرضاً. وكانت مشاطرة عمر عماله حجة اتخذها معاوية بعد ذلك في مشاطرة العمال فلم يكن يموت له عامل إلا شاطر ورثته وهو يقول إنها سنّة سنّها عمر ثم تدرّج إلى استصفاء أموال الرعية وهو أول من فعل ذلك.

وفي كلام القاضي أبي يوسف في عرض وصيته للرشيد بشأن عمال الخراج ما يبين الطرق التي كان أولئك الصغار يجمعون الأموال بها قال: (بلغني.. ثم إنهم يأخذون ذلك كله فيما بلغني بالعسف والظلم والتعدي.. ويقيمون أهل الخراج في الشمس ويضربونهم الضرب الشديد ويعلّقون عليهم الجرار ويقيّدونهم بما يمنعهم من الصلاة.. وهذا عظيم عند الله شنيع في الإسلام). وكان بنو أمية قد انغمسوا في الترف واللهو والخمر وأصبحوا لا ينظرون إلى ما يؤيد سلطانهم ولا يبالون في انتقاء عمالهم وربما ولّوا العامل عملاً بإشارة جارية أو مكافأة على هدية كما فعل هشام بن عبد الملك بالجنيد بن عبد الرحمن. وكان الجنيد قد أهدى امرأة هشام قلادة من جوهر فأعجبت هشاماً فأهدى هشاماً قلادة أخرى فولاه هشام على خراسان سنة 111هـ وبلغ ثمن الجارية في أيام بني أمية 1.000.000 درهم وهي الزلفاء وأصبح العمال لا همّ لهم إلا حشد الأموال والاستكثار من الصنائع والموالي. وكان العمال يبذلون جهدهم في اختزان الأموال لأنفسهم لعلمهم أن الولاية غير ثابتة لهم، فكثرت أموالهم واتسعت ثروتهم فبلغت غلة خالد القسري أمير العراق في أيام هشام 13.000.000 درهم أي نحو مليون دينار.

واختلفت جباية العراق والشام ومصر باختلاف السنين والعمال وقد فصّلنا ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب وخلاصته أن متوسط جباية العراق في أيامهم نحو 130.000.000 درهم، وجباية مصر 3.000.000 دينار (أو 36.000.000)، وجباية الشام 1.700.000 دينار أو (20.000.000) درهم فيكون ارتفاع هذه البلاد نحو 186.000.000 درهم يضاف إليه أموال البلاد الأخرى مما لا نعرف مقداره.

وخلاصة ما تقدم أن الأموال كانت تستخرج في أيام بني أمية بكثرة ولكنها لا تسمى ثروة لأنها كانت تصرف في الحروب ولتأييد شوكتهم.