الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

ثروة الدولة العباسية في عصر الانحطاط

لكل دولة أدوار شبيهة بأدوار الحياة من الطفولة إلى الشيخوخة. فالدولة العباسية بلغت شبابها في أيام الرشيد والمأمون وهو العصر العباسي الزاهر ثم أخذت بعدهما في الانحدار نحو الكهولة فالشيخوخة كما بلغت الدولة الأموية في الشام شبابها في أيام عبد الملك بن مروان وابنه الوليد والدولة الأموية بالأندلس بلغت شبابها في أيام الخليفة الناصر وابنه الحكم، والدولة العثمانية بلغت ذلك الدور في أيام السلطان سليمان، وقس عليه.

(العرب والفرس) وقد علمت مما تقدم أن الدولة العباسية إنما قامت بنصرة الفرس وخصوصاً أهل خراسان، وهؤلاء لم ينصروها إلا انتقاماً لأنفسهم من بني أمية لما كان من تعصبهم للعرب واحتقارهم سائر الأمم الخاضعة لهم ولو كانوا مسلمين. فالعباسيون عرفوا للفرس فضلهم في ذلك فقربوهم واستخدموهم في مصالح الدولة واتخذوا منهم الوزراء والعمال والكتاب وغيرهم، فضعف شأن العرب وصاروا ينظرون إلى الدولة نظر المحاذر المراقب ولا حيلة لهم في إرجاع نفوذهم، فلما نكب البرامكة ظن العرب أنهم سيرجعون إلى شوكتهم وسلطاتهم، ثم مات الرشيد واختلف ابناه الأمين والمأمون على الخلافة والأمين عربي الأبوين لأن أمه زبيدة حفيدة المنصور، فأخذ أهل بغداد بنصرته وفيهم جند العرب (الحربية). وأما المأمون فأمه فاديه فارسية الأصل، وكان في خراسان بين أخواله وشيعته فنصره الخراسانيون كما نصروا أجداده وانتهى الخلاف بمقتل الأمين وفوز المأمون فعاد النفوذ إلى الفرس وعادوا إلى امتهان العرب.

(الأتراك) فلما مات المأمون سنة 218هـ أفضت الخلافة إلى أخيه المعتصم بالله وكانت أمه تركية الأصل من بلاد السغد في تركستان فشبّ محباً للأتراك وكان قد أصبح لا يأتمن الفرس على نفسه بعد أن قتلوا أخاه الأمين وهي أول مظاهر جرأتهم على الخلفاء، ولم يكن له من الجهة الأخرى ثقة في جند العرب لما يعلمه من ضعفهم بعد ما سامهم العباسيون من الذل، وزد على ذلك أن أخاه المأمون أوصاه عند دنوّ أجله بمحاربتهم، فلم ير له غنى عن اقتناء من ينصره غير الفرس والعرب، وكان مع ذلك على رأي أخيه المأمون من قبيل القول بخلق القرآن فاستخدم العنف والشدة في تأييده حتى أنه أحضر أحمد بن حنبل الإمام الشهير وسأله عن رأيه في القرآن فلم يجب إلى القول بخلقه، فأمر به فجلد جلداً عظيماً حتى غاب عقله وقطع جلده وحبس مقيداً فزاد نفور عامة المسلمين منه وخصوصاً العرب وهو لا يكترث بذلك وإنما كان معتمده على جند الأتراك. فقد فسدت النيات واضطربت الأموال وابتدأت الدولة بالتقهقر من ذلك الحين، فأصبح المال محور القوة لحفظ كيان الدولة وعليه معول الخلفاء في تثبيت بيعتهم ومحاربة أعدائهم والدفاع عن حياتهم حتى في داخل قصورهم. ثم إن ثروة الدولة تتبع حال الدولة من العسر واليسر، فلما كانت الدولة العباسية إبان عمرانها على عهد الرشيد والمأمون كانت الثروة على معظمها فيها ثم أخذت بالتقهقر بغتة في أيام المعتصم.

مقدار الجباية في عصر الانحطاط

وإذا نظرنا إلى ما كان يجتمع ببيت المال من بقايا الجباية على توالي الأعوام رأيناه لا يقاس بما كان يبقى فيه على عهد الخلفاء الأولين، على أنهم كانوا إذا توفق لهم خليفة حكيم يقتصد فيجمع شيئاً خلّفه من يسرف فيضيعه، ومن أمثالهم المأثورة أن ما جمعه السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد أنفقه الأمين (سنة 193 ـ 198هـ) وما جمعه المأمون والمعتصم والواثق أنفقه المتوكل (سنة 232 ـ 247هـ) وما جمعه المنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي أنفقه المقتدر (سنة 295 ـ 320هـ).

وبالإجمال إن الثروة تقهقرت بعد المأمون بتقهقر الدولة وانحطت بانحطاطها. والثروة كما قدمنا ما يفيض من الدخل على النفقات ولذلك قلما كان يبقى في بيت المال بقية إلا في أحوال خصوصية وبمبالغ صغيرة فالمعتصم ترك في بيت ماله 8.000.000 درهم والمستعين (سنة 251هـ) خلف في بيت المال 500.000 دينار والمكتفي (سنة 295هـ) خلف 15.000.000 دينار والظاهر أنها اجتمعت بتوالي الخلفاء فلما تولى المقتدر أنفقها كلها وأنفق ما جمعه في أيامه من أموال المصادر فضلاً عن الخراج حتى قدّروا ما أنفقه ضياعاً وتبذيراً بنيف و 70.000.000 دينار ما عدا نفقات الدولة واضطر مع ذلك لاسترضاء الجند والغلمان للخلافة أن يبيع ضياعه وفرشه وآنية الذهب، وبلغ من فقر بيت المال في أيام المطيع لله سنة 361هـ أنه باع ثيابه وأنقاض داره ليدفع 400.000 درهم طلبت منه للجند في أثناء الفتنة ببغداد. وكانت أحوال الخلفاء قد تغيرت في أيام الراضي بالله سنة 322هـ وخرجت قيادة الأمور من أيديهم ولم يبق لهم غير الخطبة والسكة.

وأسباب انحطاط الثروة العباسية هي: (1) قلة الجباية و(2) كثرة النفقة.

أما أسباب قلة الجباية، فهي:

1 ـ ضيق المملكة العباسية

بلغت المملكة العباسية أكبر سعتها في أيام الرشيد والمأمون ثم أخذت بعض الولايات تنفصل عنها لأسباب يطول شرحها. وأول ما استقل من الولايات العباسية أفريقية بدأت بالاستقلال في أيام الرشيد كما تقدم، ثم خراسان في أيام المأمون ثم مصر في أيام المعتمد في أواسط القرن الثالث للهجرة ثم فارس وما وراء النهر وغيرها، ولم يمض الربع الأول من القرن الرابع حتى انقسمت تلك المملكة الواسعة إلى بضعة عشر قسماً كل منها في حوزة دولة من دول المسلمين، على أن معظم هذه الدول كانت تعدُّ الخليفة العباسي رئيسها الديني وتؤدي الأموال له بعضها باسم الضمان والبعض الآخر باسم المصالحة والآخر باسم الهدية أو غير ذلك، وكان أكثرهم لا يؤدي ما عليه إلا مرة كل بضعة أعوام، وطبيعي أن تشتّت المملكة على هذه الصورة يقلل من مقدار الجباية.

2 ـ تخفيض الخراج المضروب

ذكرنا من أسباب زيادة الثروة العباسية في أيام زهوها ثقل الضرائب وخصوصاً في العراق إذ كانت المقاسمة على النصف إلى أيام المأمون، فأدرك هذا الخليفة ثقل هذا الخراج ورأى الثروة فائضة في بيت ماله والأموال متوفرة فعمد إلى التخفيف عن الناس فجعل خراج العراق خمسين أي أنه أنقصه عشرين في المائة وقد ظهر فرق ذلك في ارتفاع جباية العراق حالاً إذ كان في قائمة قدامة 114.457.650 درهماً فصار في قائمة ابن خرداذبة 78.319.340 درهماً لأن الأول قدّره على ما يظهر باعتبار النصف والثاني باعتبار الخمسين واقتدى بالمأمون في تخفيض الضرائب من جاء بعده من الخلفاء فأبطل الواثق سنة 232هـ أعشار السفن وقد رأيت أنها ضريبة ذات بال كان يرد منها إلى بيت المال شيء كثير، واقتدى بالواثق خلفه المتوكل فأرفق بأهل الخراج بتأخير ميقات اقتضائه شهرين.

الجزية والزكاة

ومن هذا القبيل ما أصاب الجزية من النقص بدخول الناس في الإسلام بتوالي الأعوام حتى انحط مقدار ما يجبى منها بمدينة السلام في أواسط القرن الثالث للهجرة إلى 130.000 درهم وفي قائمة علي بن عيسى أنهم جبوها 16.000 دينار أي نحو ضعفي ذلك.

ويقال نحو ذلك أيضاً في الزكاة فقد تناقصت بتوالي الأعوام حتى كادت تتلاشى وأصبحت المطالبة بها تدعو إلى التذمّر.

3 ـ استئثار العمال بالجباية

فلما ضعف شأن الخلفاء عاد العمال إلى ما تطمح إليه أنظارهم من طلب الاستقلال بالحكم أو الاستئثار بالجباية واضطر الخلفاء إلى التراضي معهم على مال مضمون وأن يكون أقل مما يجبى وهو الضمان أو المقاطعة، كما قاطع المأمون بشير بن داود على السند سنة 205هـ على أن يدفع له 1.000.000 درهم في العام مع أن ارتفاع جبايتها الحقيقي 11.500.000 درهم وضمن البريدي الأهواز على أيام الراضي كل سنة 360.000 دينار على أن يدفعها أقساطاً وخراجها الحقيقي يزيد على أربعة أضعاف هذا المبلغ. ومع ذلك فالضامنون لم يكونوا يدفعون إلا قليلاً مما تعهّدوا به.

4 ـ انشغال الناس بالفتن والظلم عن العمل

لما نشأت الفتن ونشبت الحروب بين طوائف الجند أو بينهم وبين العمال انشغل الناس عن تجارتهم وزراعتهم وتوقف العمال وغلت الأسعار وتعطّلت الزراعة لضياع الأمن فقلّت الجباية واحتاج العمال والقواد إلى المال فظلموا الناس من أجل تحصيلها منهم فزاد الخراب، وما من هادم للعمران كالظلم فإنه يغلّ الأيدي ويقعد الناس عن السعي فينشغل به الزارع عن زراعته والتاجر عن تجارته والصانع عن صناعته ووبال ذلك عائد على الدولة إذ لا قوام لها إلا بالرعية.

5 ـ تحويل أكثر البلاد إلى ضياع

يراد بالضياع عندهم المزارع. ويغلب في الضياع أن تكون لأهل الدولة من الخلفاء أو أقاربهم أو عمالهم أو وزرائهم أو كتابهم أو من يلوذ بهم من أهل النفوذ. فلما انتقلت الدولة الإسلامية من الخلافة الدينية إلى الملك العضوض في أيام بني أمية اختزن الصحابة الأموال واتخذوا المصانع والضياع واقتدى بهم من جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين وكان أقدمهم على ذلك الخلفاء من بني أمية فقد أكثروا من المصانع والضياع حتى كان بعض أهلهم يقبضها اغتصاباً من أصحابها وليس من ينصفهم من غضب بني أمية للعرب واحتقارهم سائر الأمم ولاعتبارهم ما فتحوه من الأرض ملكاً حلالاً لهم فما أرادوا أخذه أخذوه وما أرادوا تركه تركوه.

فلما أفضت الخلافة إلى بني العباس سنة 132هـ أعملوا السيف في بني أمية ففروا وتركوا أموالهم وضياعهم فاستولى عليها العباسيون، فاستكثر العمال والوزراء وغيرهم من اقتناء الضياع والأبنية بحق أو بلا حق والخلفاء يمنعونهم جاهدين وعندما لا يتمكنون من منعهم بالحسنى كانوا يصادرونها أو يقبضوا أموالهم بعد موتهم كما فعل الرشيد بأموال محمد بن سليمان عامله على البصرة وكان مبلغها 500.000.000 درهم سوى الضياع والدور والمستغلات وكانت غلته 100.000 درهم في اليوم، ولذلك كثرت الضياع عند رجال الدولة حتى صاروا يتهادونها أو ينعمون بها على الناس جائزة على قصيدة أو خطاب أو نكتة أو غير ذلك، وكان من أبواب اقتناء الضياع عندهم ـ حتى في صدر الدولة العباسية ـ كثرة ما كان من الأرضين المهملة في عهد بني أمية، فيأمر الخليفة بعض أهله أو خاصته بتعميرها وغرسها ثم تصير له ـ كما فعل المنصور بابنه صالح إذ أمره بعمارة بعض المزارع العاطلة في الأهواز ـ ومن أحيى أرضاً مواتاً فهي له.

(الإلجاء) ومن أسباب كثرة الضياع عند أهل الخلفاء ورجال الدولة إلجاء الأهالي ضياعهم ومغارسهم إلى بعض أقارب الخلفاء أو العمال تعززاً بهم من جباة الخراج، فكان صاحب الأرض يلتجئ إلى بعض أولئك الكبراء فيستأذنه أن يكتب ضيعته أو ضياعه باسمه فلا يتجرّأ الجباة على العنف أو الظلم في اقتضاء خراجها بل هم قد يكتفون منهم بنصف الخراج أو ربعه مراعاة لذلك الكبير، ويجعل صاحب الضيعة نفسه مزارعاً له ويدوّن ذلك في دفاتر الحكومة، فتصبح تلك الضيعة بتوالي الأعوام ملكاً للملجأ إليه ويصبح صاحبها الأصلي شريكاً في غلتها، ومثل هذا الإلجاء يحدث في كل العصور في البلاد التي يخاف أهلها سطوة الحكام واستبدادهم.

فالضياع على إجمالها قليلة الخراج مع أنها أخصب الأرضين لأن الخلفاء وعمالهم كانوا يغضون عن كثير من الأموال المطلوبة منهم.

(الإيغار) وكان عندهم ضرب من استهلاك الخراج اسمه (إيغار) ومعناه في الأصل (استيفاء) فيقولون: (أوغر العامل الخراج أي استوفاه) ثم استخدموها بمعنى الإعفاء من الخراج بمال معين يدفعه صاحب الأرض مرة واحدة ولذلك قالوا: (أوغر الملك الرجل الأرض: جعلها له من غير خراج)

وأما أسباب كثرة النفقات فهي:

1 ـ إسراف الخلفاء ونسائهم

من الأمور الطبيعية في العمران إذا كثرت الأموال في الدولة أن يسخو الملوك في بذلها وخصوصاً في الدولة المطلقة وعلى الأخص في الدولة العباسية والخليفة مطلق التصرف في بيت المال ودعاة الخلافة كثيرون لا يُقعد فتنتهم غير استرضاء الأحزاب بالمال أو كسر شوكتهم بالحرب، والأول أسلم عاقبة وأقرب منالاً إذا توفرت الأموال وقد رأيناها متوفرة خصوصاً في عصر الرشيد والمأمون، فلا غرو إذا رأيناهما يبذلان الأموال في استكفاف الأذى عن الدولة أو سد أفواه أهل الفتن، لكنهم تجاوزوا ذلك إلى صنوف البذخ وضروب التبذير والترف فاقتنوا الجواري واتخذوا الفُرش من الخز والديباج والحرير والمسامير من الفضة وابتنوا المنتزهات والقصور والمدن واقتنوا الندماء وأنشأوا مجالس الغناء وارتكبوا سائر ضروب الترف والتأنق بالطعام واللباس والرياش، وقد سهّل عليهم ذلك لقرب عهد العراق وفارس من بذخ الفرس قبيل الفتح الإسلامي وأطلقوا أيدي نسائهم وأمهاتهم وخاصتهم في الأموال.

ثروة نساء الخلفاء

لم يتزوج السفاح إلا امرأة واحدة، وقبل أن يتوفى المنصور أوصى ابنه المهدي أن لا يشرك النساء في أمره ومع ذلك فإن الخيزران أم الرشيد كانت هي صاحبة الأمر والنهي في أيام الهادي وأيامه، وكان وزيره يحيى تحت أمرها فأفضى نفوذها إلى حشد الأموال لنفسها حتى بلغت غلتها في العام 160.000.000 درهم وذلك نحو نصف خراج المملكة العباسية لذلك العهد، وغلة أعظم متمولي العالم اليوم لا تزيد على ثلثي هذا المال، فقد ذكروا أن إيراد روكفلر الغني الأمريكي الشهير 10.500.000 جنيه في السنة وغلة الخيزران أكثر من 10.500.000 دينار. وقد بينا في غير هذا المكان أن قيمة النقود كانت تساوي ثلاثة أضعاف اليوم والدينار نصف جنيه فتكون دخل روكفلر نحو ثلثي غلة الخيزران.

وكانت الخيزران مع ذلك شديدة الوطأة، رغّابة في الاستئثار فلما آنست في ابنها الهادي معارضة لإرادتها دسّت إليه من قتله ولما ماتت توسّع الرشيد بأموالها وأقطع الناس ضياعها.

وقبيحة أم المعتز وجدوا لها من مخبآت في الدهاليز ونحوها نحو 2.000.000 دينار نقداً وما لا تقدر قيمته من التحف والجواهر مما نأتي بذكره على سبيل المثال: من ذلك مقدار مكوك من الزمرد الثمين ونصف مكوك لؤلؤ كبير ونحو كيلة ياقوت أحمر مما قدروا قيمته 2.000.000 دينار وكانت مع ذلك قد عرضّت ابنها للقتل من أجل 50.000 دينار، وأغرب من ذلك شأن أم محمد بن الواثق فقد كانت غلتها 10.000.000 دينار في العام تنفقها في جواريها وهي نحو غلة الخيزران، وأخرجوا من تربة والدة المقتدر 600.000 دينار كانت مخبأة هناك ولم يعلم بها أحد مع ضيق الخليفة وفراغ بيت ماله، وقس على ذلك أمهات الخلفاء الآخرين في العراق وغيره من بلاد الإسلام، فلا عجب والحالة هذه إذا تحول الغنى إلى النساء والخدم والقواد، وهل تستغرب بعد ذلك إذا علمت أنه كان بين رياش أم المستعين بساط أنفقت على صنعه 130.000.000 دينار فيه نقوش على أشكال الحيوانات والطيور أجسامها من الذهب وعيونها من الجواهر؟ أو إذا قيل لك إن فلانة حشت فم الشاعر الفلاني درّاً فباعه بعشرين ألف دينار أو إذا سمعت بهدايا قطر الندى وغيرها من نساء الخلفاء؟

الجواري والغلمان

قالوا إنه كان في قصر الرشيد ثلاثمائة جارية ما بين ضاربة على آلة موسيقية إلى مغنية إلى راقصة فضلاً عمن كان في قصره من الندماء والمضاحكين كالشيخ أبي الحسن الخليع الدمشقي وابن أبي مريم المدني وغيرهم، وما من جارية إلا وثمنها ألف دينار أو عشرة آلاف دينار إلى مائة ألف دينار غير ما يقتضيه اقتناؤهن من النفقات الأخرى كالألبسة والحلي وهي شيء كثير، فقد اشترى الرشيد خاتماً بمائة ألف دينار، وقس على ذلك.

ناهيك عمّا كانوا يقتنونه من المماليك والغلمان مما يعدون بالمئات والألوف فقد بلغ عدد خدم المقتدر 11.000 خصي من الروم والسودان غير ما يقتضيه ذلك من الأبنية والقصور والرياش، فقد بنى المعز داراً في بغداد أنفق عليها 13.000.000 درهم وبنى الأمير قصوراً في الخيزرانية أنفق عليها 20.000.000 واصطنع في دجلة خمس حراقات (سفن) إحداهما على صورة الأسد والثانية بصورة الفيل والثالثة بصورة العقاب والرابعة بصورة الحية والخامسة بصورة الفرس أنفق عليها مالاً عظيماً.

السخاء

على أن الإسراف كان أكثره فيما يبذلونه كرماً وسخاءً ومنه ما ينفق يومياً فرضاً واجباً، فقد كان الرشيد يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته وكان المأمون ينفق على خاصته كل يوم 6.000 درهم فاعتبر مقدار ذلك في السنة فيزيد على 2.000.000 درهم، وليس هذا بالشيء الذي يذكر بجانب ما كانوا يهبونه من الجوائز ونحوها، فقد فرّق المنصور في يوم واحد 10.000.000 درهم على أهل بيته، وفرق المأمون في يوم واحد 1.500.000 درهم على ثلاثة أشخاص، وقد فرق 24.000.000 درهم ورجله في الركاب، وأوصى الرشيد للمأمون بمبلغ 100.000.000 درهم، وتصدق المعتصم في أثناء خلافته بما مجموعه 100.000.000 درهم وبلغ ما أنفقه المقتدر ضياعاً ما خلا الأرزاق 70.000.000 دينار فضلاً عن جوائزهم للوافدين من الشعراء وغيرهم وربما بلغت جائزة الشاعر مائة ألف درهم، وذكروا جوائز كثيرة بنحو هذه القيمة أو أكثر. وروى ابن خلكان عن سالم الشاعر المعروف بالخاسر أنه نظم قصيدة مدح فيها المهدي وحلف أنه لا يأخذ قيمتها إلا مائة ألف ألف درهم (مائة مليون) فأعطاه إياها.

ومن هذا القبيل ما اتفق ليحيى بن خالد إذ أمره الرشيد أن يدفع ثمن جارية 100.000 دينار واستكثر يحيى المال واعتذر عن دفعه فغضب الرشيد فأراد يحيى أن يبين له مقدار ما يتحمله بيت المال من هذا الإسراف في ما لا مصلحة للدولة فيه فجعل ذلك المال دراهم فبلغت نحو 1.500.000 درهم فوضعها في الرواق الذي يمر به الرشيد إذا أراد الوضوء، فلما رأى الرشيد ذلك المال استكثره ولما أخبروه أنه ثمن الجارية أدرك إسرافه ولكنه شعر بما في ذلك من الجرأة عليه ومحاولة غلّ يديه فأضمر ذلك في نفسه. ويقال أنه كان من جملة الأسباب التي حملته على نكبة البرامكة.

واتفق نحو ذلك للواثق بالله مع وزيره ابن الزيات في ثمن جارية فلما ماطل الوزير بالدفع أمره أن يدفع ضعفين ففعل.

2 ـ تكاثر أبواب النفقة في الدولة

تدرّجت الدولة الإسلامية في مصالحها منذ كان النبي (صلّى الله عليه وآله) هو الأمير والوزير والقاضي والقائد حتى أصبح موظفو الحكومة في أيام الخلفاء الأربعة ستة ثم تزايدوا بتزايد الحضارة واتساع المملكة في أيام بني أمية فبني العباس، وكانت تلك المصالح تتكاثر عندهم بتكاثر الثروة وميل الخلفاء ورجال دولتهم إلى الترف والرخاء فأصبحت في أيام الرشيد أكثر منها في أيام المنصور وفي أيام المأمون أكثر منها في أيام الرشيد، وقس على ذلك تكاثرها في أيام من جاء بعدهم من الخلفاء.

3 ـ زيادة الرواتب

ولم تقتصر زيادة النفقات على تجديد المصالح التي لم تكن من قبل ولكن المصالح القديمة زادت نفقاتها عما كانت عليه في أوائل الدولة، وطبيعي إذا كثرت ثروة الدولة أن توسِّع على رجالها فتزيد رواتبهم وجوائزهم، فإذا كانت تلك الدولة مبنية على أساس ضعيف لا تلبث أن تنفذ ثروتها وتبقى الرواتب كما هي فيقصر بيت المال في تأديتها فيضطرون إلى ضرب الضرائب الفادحة واستخدام العنف في تحصيلها فتضعف همة الناس عن العمل وتزداد البلاد فقراً.

رواتب العمال

كان راتب العامل في أيام عمر 600 درهم في الشهر ثم اختلف باختلاف العمال والأعمال فقد جعل عمر لمعاوية على الشام ألف دينار في السنة، وربما جعلوا الولاية كلها طعمة لا يدفع عنها العامل شيئاً بل ينالها مكافأة على خدمةٍ قام بها، على أن ذلك كان خاصاً بالعمال الكبار كعامل العراقين أو مصر أو خراسان، وقد بلغ راتب يزيد بن عمرو بن هبيرة أمير العراق في أيامهم 600.000 درهم في السنة وبلغت غلة خالد القسري 13.000.000 درهم.

وقد عقد المأمون للفضل بن سهل على المشرق من جبل همدان إلى التبت طولاً ومن بحر فارس إلى بحر الديلم (قزوين) وجرجان عرضاً ويدخل في ذلك كل ما وراء العراق شرقاً إلى الهند وجعل له عمالة 3.000.000 درهم في السنة وعقد له لواءً على سنان ذي شعبتين وأعطاه علماً وسماه ذا الرئاستين (السيف والقلم) ونقش على سيفه بالفضة من جانب (رئاسة الحرب) ومن الجانب الآخر (رئاسة التدبير).

رواتب الكتاب

وكانت رواتب الكتّاب إلى أيام المأمون مثل رواتب العمال الصغار لا يزيد مقدارها في الشهر على 300 درهم فزادها الفضل بن سهل.

رواتب الوزراء

ألف دينار في الشهر، فإذا اعتبرنا تقدير النقود بالنظر إلى قيمة الفضة والذهب في هذه الأيام زاد هذا الراتب على 1.500 جنيه، وما من وزير يبلغ راتبه إلى هذا المقدار اليوم.

على أن رواتب الوزراء كانت تختلف باختلاف العصور والدول، كان راتب الوزير على أيام الناصر الأندلسي 80.000 دينار في السنة وهدايا، وكان راتب يحيى بن هبيرة وزير المقتفي في أواسط القرن السادس للهجرة 100.000 دينار في السنة، وكان للوزراء فضلاً عن رواتبهم المشار إليها رواتب لأولادهم وأخوتهم وخدمهم وأتباعهم وأرزاق ووظائف كثيرة وخصوصاً في مصر، فقد كان راتب الوزير في الدولة الفاطمية 5.000 دينار في الشهر ولمن يليه من ولد أو أخ من 300 إلى 200 دينار ثم حواشيهم على مقتضى عدتهم من 300 ـ 500 دينار ما عدا الإقطاعات غير ما يجري عليه وعلى أهله من المأكولات وسائر حاجيات الحياة، فقد كان للوزير ابن عمار أيام العزيز بالله الفاطمي بمصر من الجرايات لنفسه وأهل حرمه من اللحم والتوابل ما قيمته 500 دينار في الشهر، ومن الفاكهة سلة بدينار وعشرة أرطال شمع بدينار ونصف جمل بلح.

رواتب القضاة

كان راتب القاضي في أيام الخلفاء الأربعة مائة درهم في الشهر ومؤونته من الحنطة ثم ارتقى في أيام بني أمية مثل سائر الرواتب فصار راتب قاضي مصر سنة 88هـ ألف دينار في السنة، حتى بلغ في أيام المأمون سنة (213هـ) 4.000 درهم في الشهر أي نحو 270 ديناراً.

رواتب الخلفاء وأهلهم

قد رأيت أن الخلفاء كانوا يفرضون الرواتب لأهل الوزراء والكتاب فبالأولى أن يفرضوها لأنفسهم وأولادهم، والخليفة هو القابض بيده على بيت المال، لكننا لم نجد قولاً صريحاً بهذا الشأن غير ما كان يأمر به الخلفاء لأهلهم من الضياع أو الأموال وأكثر ما كانوا يفعلون ذلك في أول الدولة إذا خافوا أهلهم من مناظرتهم على الملك فيبتاعون البيعة بمال يرضون به أهلهم كما فعل المنصور مع عيسى بن موسى إذ اشترى منه البيعة لابنه المهدي بمبلغ 11.000.000 درهم له ولأولاده، أو للتوسعة عليهم واستنصارهم كما فعل مع أعمامه فإنه أمر لكل واحد منهم بمليون درهم تدفع إليهم من بيت المال وهو أول من فعل ذلك ويظهر أنها كانت تدفع إليهم في كل عام، ولما توفي ابنه المهدي فرض لأهل بيته كل واحد 6.000 درهم في السنة. والظاهر أن الرشيد زاد في رواتب أهله، وكذلك المأمون بالقياس على ما كان من زيادة الرواتب في خلافته، وكان أفراد العائلة قد زاد عددهم حتى بلغوا في أيامه 33.000 نفس.

رواتب حاشية الخليفة

ونريد بحاشية الخليفة الموظفين المتعلقة أعمالهم بشخص الخليفة وليس بأعمال الدولة كالأطباء والحجاب والحرس الخاص. وإليك راتب جبريل كما وجدوه مدوناً بخط كاتبه وخاصته في مدة خدمته وهي 23 سنة 88.700.000 درهم وهو جملة ما اكتسبه من بيت المال غير الصلات الجسام، وقس رواتب سائر الحاشية على هذه النسبة في تلك الأيام، فقد كانت غلة صاحب حرس الرشيد 300.000 درهم في السنة، وغلة صاحب شرطته 500.000 درهم وغلة حاجبه 1.000.000 درهم في السنة.

رواتب الجند

ولما أفضت الخلافة إلى المعتصم سنة 218هـ وكان ما كان من اقتنائه الأتراك والفراعنة والمغاربة وتجنيدهم وضعف الخلفاء للأسباب التي قدمناها أصبح مرجع القوة في كل شيء إلى الجند، وكانت فاتحة ذلك النفوذ استفحال أمر بابك الخرمي في أرمينيا وآذربيجان وكان بابك قد ظهر في أيام المأمون يدعو الناس إلى دين جديد أساسه التقمص فبعث إليه المأمون جنوداً هزمهم غير مرة، فلما تولى المعتصم جعل همه قمع بابك لأنه أصبح في خطر منه على ملكه فبعث إليه أتراكه بقيادة رجل منهم اسمه الافشين حيدر بن كاووس سنة 220هـ ثم أردفه بآخر اسمه بغا الكبير ومعه المال وآخر اسمه جعفر الخياط ثم أنفذ إليه ايتاخ ومعه 30.000.000 درهم لنفقات الجند، وبعد حروب سنتين فاز الافشين وقبض على بابك بحيلة بذل فيها المال، وجاء ببابك إلى سامراء فخرج الواثق بن المعتصم وسائر أهل المعتصم لاستقباله باحتفال وهم لا يصدقون أنهم نجوا من بابك على يده لأنه كان قد أمعن في البلاد نهباً وقتلاً فقتل في عشرين سنة 255.500 نفس وغلب على معظم قواد المأمون والمعتصم، فلما قبض الافشين عليه أمر المعتصم أن يركبوه على الفيل فأركبوه واستشرفه الناس وكان بابك عظيم الجثة، ثم أدخلوه على المعتصم في داره فأمر سيّاف بابك نفسه أن يقطع يديه ورجليه فقطعها فسقط بابك فأمره بذبحه ففعل وشق بطنه وأنفذ رأسه إلى خراسان وصلب بدنه في سامراء، وكان ذلك اليوم يوماً مشهوداً أمن فيه المعتصم على ملكه وعرف ذلك الفضل للافشين ورجاله، وكان لا ينفك وهو يواصل الافشين بالعطايا والخلع من يوم خروجه إلى يوم رجوعه. فكان يرسل إليه كل يوم خلعة وفرساً ويدفع إليه في أثناء إقامته بإزاء بابك (سوى الأرزاق وغيرها) عن كل يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم وعن كل يوم لا يركب فيه خمسة آلاف درهم. ولما عاد الافشين تقدم المعتصم بنفسه وألبسه وسامين مرصعين بالجوهر ووصله بعشرين مليون درهم عشرة ملايين منها لنفسه وعشرة يفرقها في عسكره وعقد له على السند وأدخل عليه الشعراء يمدحونه.

فالافشين لم يثبت في محاربة بابك إلا طمعاً بالمال، فإذا اعتبرت هذه النفقات مع أرزاق الرجال وما قد يحتاجون إليه من المؤونة والأخرجة كان المجموع عظيماً جداً. قال الطبري في حوادث سنة 252هـ: (وذكر أن أرزاق الأتراك والمغاربة والشاكرية قدرت في هذه السنة فكان مبلغ ما يحتاجون إليه في السنة 200.000.000 دينار وذلك خراج المملكة كلها لسنتين). على أن الخلفاء كانوا إذا احتدم القتال وخاف الخليفة أو الأمير ضعفاً صاح في جنده: (من جاء بأسير فله عشرة دنانير ومن جاء برأس فله خمسة دنانير).

رواتب أخرى

كانت سياسة الملك في تلك العصور تقتضي استرضاء بعض الناس ممن يخاف الخلفاء أقلامهم أو ألسنتهم أو أحزابهم، لأن المملكة لم تكن تخلو من دعاة يطلبون الخلافة لأنفسهم من العلويين أو الخوارج أو غيرهم، والملك لا يخلو من حساد يترقبون الفرصة للانتقام، وكان للخطابة والحماسة يومئذ تأثير على الرأي العام أكثر مما للصحافة في هذه الأيام. فالخلفاء العقلاء كانوا يؤثرون تلافي شرور المقاومين بالإحسان إليهم أو الرفق بهم فيقطعون ألسنتهم بالجوائز الوقتية أو بالرواتب الجارية.

عدد أيام الشهور

شرعت الدولة العباسية في زيادة الرواتب إبان ثروتها ولم تكن تشعر بثقل تلك الزيادة لوفرة الأموال الواردة على بيت المال. ثم ما لبثت أن رأت الجباية تتناقص ولم يعد في إمكانها تنقيص الرواتب بعد أن تعود أصحابها الإسراف والبذخ واقتناء الخدم والمماليك اقتداءً بخلفائهم ولا في الإمكان إقالتهم خوفاً من غضبهم فعمد الوزراء إلى حيلة حسنة اقتصدوا بها شيئاً كثيراً من المال، وذلك أنهم جعلوا الرواتب بإضافة عدد من الأيام على الشهر فإذا أرادوا تخفيض بعضها وكان مقدار الرواتب ألف دينار في الشهر ـ مثلاً ـ فبدلاً من أن يجعلوه 800 دينار يبقونه على ما كان ويزيدون أيام ذلك الشهر فيجعلونها أربعين يوماً أو خمسين. فأصبح لكل فئة من الموظفين تقريباً شهر خاص يختلف عن عدد أيام الشهر عند الآخرين.

4 ـ النفقة على البيعة

رأيت في ما تقدم أن الخلفاء في أوائل الدولة العباسية كانوا يحتاجون في تأييد بيعتهم إلى استرضاء أهل الحرمين وكانوا يحملون إليهم الأموال ويبذلون لهم الأعطية ويفرقون فيهم الهدايا. فلما ضعف شأن العرب بعد المعتصم وقوي جند الأتراك أهمل أمر الحرمين وصارت القوة إليهم أو بالأحرى إلى المال، لأن الأتراك إنما يحاربون مع صاحب المال .

وأما بعد أيام المعتصم فأصبحت البيعة تجارة ينالها صاحب المال أو صاحب الجند والمعنى واحد، وكان الجند يُسرّون بخلع الخلفاء طمعاً بالمال لأنهم كلما تولى خليفة طالبوه بحق البيعة ورزق ستة أشهر أو سنة أو أكثر أو أقل على قدر مطامعهم، وانشغل الناس عن الزراعة والتجارة وأهملت الأعمال بوجه الإجمال.

وزاد أهل البلاد شقاءً أن قواد الجند كانوا إذا أعوزهم المال ولم يكن في بيت المال ما يكفي استخرجوه من الأهالي، وكثيراً ما كان يحدث ذلك في أثناء الحروب بين فرق الجند في تنازعهم على تولية أحد الخلفاء، فقد نهب جند الديلم أموال الناس في بغداد في أثناء الخصام بين ناصر الدولة ومعز الدولة سنة 334هـ بشأن الخليفة المطيع لله وكان مقدار ما نهبوه من أموال المعروفين فقط 100.000.000 دينار. فلم يبق في الدولة العباسية والحالة هذه مصدر للمال للقيام بنفقات مصالحها واستبقاء جندها لأن الفتن أقعدت الناس عن العمل فخربت البلاد.

5 ـ استئثار رجال الدولة بالأموال لأنفسهم

إذا بلغت الدولة إلى قمة ثروتها وانغمس الملك في الترف واللهو وتقاعد عن مباشرة الأحكام بنفسه، تحول النفوذ إلى المحيطين به أو الذين ينوبون عنه أو يتوسطون بينه وبين الناس كالوزير والعامل والكاتب والحاجب والقائد وأصبح الأمر والنهي في أيديهم، فيستأثرون بالأموال لأنفسهم يجمعون منها ما استطاعوا ويسرفون ويبذخون على ما تقتضيه أحوالهم وأطوارهم، فاعتبر ما كان من نفوذ البرامكة في أيام الرشيد وما كان من إحرازهم الأموال لأنفسهم حتى كان يحتاج الرشيد إلى اليسير من المال فلا يقدر عليه فلما غلوا يديه عما كانت تتطلبه نفسه من الترف والاستبداد نكبهم على ما هو مشهور كما نكب المهدي قبله وزيره يعقوب بن داود وكان قد استوزره وسلم إليه الأمور. وكما اتفق للمأمون مع يحيى بن أكثم القاضي إذ عهد إليه بتدبير مملكته وأكرمه نحو إكرام الرشيد للبرامكة ثم لم يكن راضياً عنه ولذلك فلما دنت وفاة المأمون وصى أخاه المعتصم قائلاً: (لا تتخذن وزيراً تلقي إليه شيئاً فقد علمت ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبث سريرته).

الوزراء

بلغ من ثروة الوزراء ما يشبه ثروة الخلفاء أو بيت المال في أيام الازدهار كأن الأموال تحولت من بيت المال إلى بيوت هؤلاء الناس وصارت الوزارة مطمح أنظار أهل المطامع يبذلون الرشاوى ويقدمون الهدايا رغبة فيها، كما فعل ابن مقلة إذ بذل 500.000 دينار حتى استوزره الراضي. ومن غريب ما يحكى عن ارتشاء الوزراء أن الخاقاني وزير المقتدر بلغ من سوء سيرته في قبول الرشوة أنه ولى في يوم واحد تسعة عشر ناظراً للكوفة وأخذ من كل واحد رشوة فانحدروا واحداً واحداً حتى اجتمعوا جميعاً في بعض الطريق فقالوا: كيف نصنع؟ فقال أحدهم: ينبغي إن أردتم النصفة أن ينحدر إلى الكوفة آخرنا عهداً بالوزير فهو الذي ولايته صحيحة لأنه لم يأت بعده أحد. فاتفقوا على ذلك فتوجه الرجل الذي جاء في الأخير نحو الكوفة وعاد الباقون إلى الوزير ففرقهم في عدة أعمال.

وبالإجمال إن الوزراء في عصر التقهقر العباسي قلما كانوا يتولون الوزارة إلا طمعاً باختزان الأموال، فإن أبا الحسن ابن الفرات وزر للمقتدر ثلاث دفعات الأولى سنة 296هـ بقي فيها ثلاث سنين فكان مقدار ما اجتمع عنده من المال يساوي 7.000.000 دينار أخذت كلها مصادرة ثم عاد إلى الوزارة سنة 304 وخلع سنة 306 ثم عاد ثالثة سنة 311 وخُلع سنة 312 فمجموع المدة التي مكث بها في الوزارة في الدفعتين الأخيرتين نحو ثلاث سنوات فكان عنده لما خلع أخيراً ما يزيد على 10.000.000 دينار وضياع يستغل منها كل سنة 2.000.000 وهناك كثيرون من الوزراء جمعوا أموالاً طائلة وانغمسوا في أنواع الترف والبذخ وذلك طبيعي في الدول المنتظمة على الطرق القديمة، لأن الوزراء كانوا يجمعون الأموال الكثيرة حيثما كانوا في العراق أو في مصر أو الأندلس، فقد خلف المارداني وزير بني طولون بمصر من الضياع الكبار ما قلّما ملكه أحد قبله وارتفاعها 400.000 دينار كل سنة سوى الخراج وقد وهب وأعطى وأفضل وحج 27 حجة أنفق في كل منها 150.000 دينار، ويعقوب بن كلس أول وزراء الفاطميين كان في جملة أملاكه إقطاع في الشام دخله 300.000 دينار في السنة وخلف أملاكاً وضياعاً وقياساً ورباعاً وخيلاً وبغالاً ونوقاً وغيرها ما قيمته 4.000.000 دينار غير ما أنفقه في تجهيز ابنته وهو 200.000 دينار وخلف 800 حظية سوى جواري الخدمة وأربعة آلاف غلام عرفوا بالطائفة الوزيرية. وخلف الأفضل أمير الجيوش وزير المستنصر الفاطمي ما لم يسمع بمثله وذلك 60.000.000 دينار عيناً و250 أردب دراهم نقد مصر و75.000 ثوب ديباج أطلس و30 راحلة أحقاق ذهب عراقي ودواة ذهب فيها جوهر قيمته 12.000 دينار ومائة مسمار من ذهب وزن كل مسمار مائة مثقال في عشرة مجالس في كل مجلس عشرة مسامير على كل مسمار منديل مشدود مذهب بلون من الألوان أيها أحب لَبَسه و500 صندوق كسوة ما عدا الخيل والبغال والماشية والجواري والعبيد ما لا يحصيه عدّ، أما الأبواب التي كان وزراء الدولة العباسية يكتسبون تلك الأموال بها فكثيرة من جملتها قبول الرشوة في التوظيف كما تقدم وما يرد عليهم من هدايا العمال للسبب نفسه، ومنها اغتصاب الضياع بما لهم من النفوذ فيستولون على ما شاءوا بغير حساب ناهيك بما كانوا يمدون إليه أيديهم من أموال الخراج الواردة إلى الديوان فإن طريقة دفاتر تلك الأيام لم تكن تمنع الاختلاس أو تظهره.

ومن أبواب الكسب أيضاً أن بعض الموظفين كانوا يحتاجون إلى رواتبهم وهم مشغولون بما هم فيه من الخدمة ولا سبيل لهم إلى المال فكان بعض الوزراء يقيم من قبله أناساً يشترون توقيعات أرزاق أولئك الموظفين بنصف قيمتها ثم يقبضها هو كاملة.

المصادرة

كذلك فعل عمر بن الخطاب بعماله على الكوفة والبصرة والبحرين وكانوا يسمون ذلك مقاسمة أو مشاطرة. فلما أفضت الأمور إلى بني أمية وكان ما كان من استبداد عمالهم وطمعهم في أموال الجباية أصبح الخلفاء في أواخر الدولة لا يعزلون عاملاً عن عمله إلا حاسبوه على ما عنده من المال واستخرجوا ما تصل إليه أيديهم من أمواله وكانوا يسمون ذلك (استخراجاً).

والمنصور كان لا يعزل عاملاً إلا قبض ماله وتركه في بيت مستقل سماه (بيت مال المظالم) وتكاثر تعدي العمال في أيام المهدي (سنة 158هـ ـ 169هـ) فاضطر هذا الخليفة إلى النظر في المظالم ـ وما هي إلا مظالم العمال ـ ثم نظر فيها بعده الهادي فالرشيد فالمأمون إلى المهتدي في أواسط القرن الثالث.

العمال

وغنى العمال ميسور في تلك العصور بالنظر إلى استقلالهم في إدارتهم وشؤونهم وخصوصاً عمال الاستيلاء المفوضين في كل شيء، وأبواب الكسب عندهم كثيرة: منها أن العامل إذا جاء عمله فأول شيء يتوقعه أن يحمل إليه الناس الهدايا وفيها الدواب والجواري والأموال والثياب ما يبلغ مقداره شيئاً كثيراً، ناهيك بما كانوا يخترعونه من صنوف الضرائب وتحصيل بعضها مرتين أو ثلاث مرات تبعاً لما تقتضيه حاجتهم إلى المال في إرضاء الوزراء أو لادخاره والانتفاع به عند الاعتزال من المنصب. ومن أبواب الكسب للمال أن ينفق العامل على بناء بيت أو جسر أو على حفر ترعة أو نهر ألف دينار مثلاً ويطالب بعشرة آلاف أو مائة ألف وربما قدروا ما ينفقون فيه عشرة دنانير بستين ألف دينار فضلاً عن اغتصاب الضياع وغيرها، فهل من عجب بعد ذلك إذا بلغت أموال محمد بن سليمان عامل الرشيد على البصرة 50.000.000 درهم سوى الضياع والدور والمستغلات؟ وكان محمد هذا يغلُّ كل يوم 100.000 درهم وبلغت أموال علي بن عيسى بن ماهان 80.000.000 درهم فلم ير الرشيد إلا الجنوح إلى الاستخراج وهو المصادرة، وكان الغالب في بادئ الرأي أن يقبضوا أموال العمال بعد موتهم كما فعلوا بمحمد بن سليمان المذكور ثم صاروا يستخرجون أموالهم وهم أحياء كما فعل الرشيد بعلي بن عيسى فإنه عزله واستصفى أمواله المذكورة وحملها مع خزائنه وأثاثه على 1500 جمل غير 30.000.000 درهم كان ابنه عيسى بن علي قد دفنها في بستان بداره في بلخ.

بدأت مصادرة الوزراء في الدولة العباسية من أولها ولكنها كانت في أول الأمر على سبيل النكبة والغرض منها الانتقام من الوزير لجريمة سياسية أو التخلص منه لغرض آخر. ومن هذا القبيل مقتل أبي سلمة الخلال أول وزراء بني العباس فبعد أن أيّد دعوتهم بأمواله كما أيدها أبو مسلم الخراساني بسيفه وشي إلى السفاح أنه ينوي إخراج الدولة من أيديهم فأوعز إلى أبي مسلم فقتله ثم أصاب أبو مسلم من المنصور مثل تلك النكبة، ويقال نحو ذلك في نكبة البرامكة في أيام الرشيد والفضل بن مروان في أيام المعتصم وفي نكبة الفضل هذا رغبة في قبض أمواله لأن المعتصم نكبه سنة 221هـ وأخذ من داره 1.000.000 دينار وأثاثاً وآنية قيمتها 1.000.000 دينار، ولما تمكن الانحطاط من الدولة صار الغرض من مصادرة الوزراء مجرد الاستحواذ على أموالهم وبلغت المصادرة معظمها في أيام المقتدر (سنة 295 ـ 320هـ).

وكثرت المصادرات في أيام المقتدر لغير الوزراء حتى القضاة والنساء والخدام، وربما زاد مجموع ما قبضه من المصادرة على 40.000.000 دينار على أنهم قدروا جملة ما أنفقه من الأموال تبذيراً وتضييعاً في غير وجه نيفاً و70.000.000 دينار.

الكتّاب

وهناك فئات أخرى من موظفي الدولة كانوا يستأثرون بأموالها ومنهم كتاب الخراج ويهون ذلك عليهم لأنهم يباشرون مصادر الجباية رأساً، وكانت أكثر أموالهم تؤخذ بالرشوة والاختلاس حتى اشتهروا بالظلم كما اشتهر الوزراء.

وكان من أبواب الكسب عند الكتاب ارتشاؤهم للتوسط في تولية العمال أو سواهم كما فعل أحمد بن أبي خالد الأحول كاتب المأمون في توسطه لدى المأمون بتولية طاهر بن الحسين على خراسان وقد شرط له على نجاحه في ذلك 3.000.000 درهم.

الحجاب

وكانت ثروة المملكة عرضة لمطامع كل من كانت له دالة أو وساطة لدى ولاة الأمر وخصوصاً الحجاب الذين يقفون بأبواب الخلفاء فإنهم من أكثر الناس دالة عليهم فكانوا كثيراً ما يستخدمون تلك الدالة لاكتساب الأموال. وكان ذلك شأنهم حتى في العصر الأول ـ قال المغيرة بن شعبة: (ربما عرق الدرهم في يدي أرفعه ليُرى ليسهل إذني على عمر) ـ . وقد عرفت أنه أي (الظلم) يدعو إلى خراب الممالك فإنه يقوّض أركان الدول بما يدعو إليه من تقييد الأيدي عن العمل فيقعد الزارع عن زراعته والتاجر عن تجارته والصانع عن صناعته، ولا مال إلا إذا اشتغل هؤلاء ولذلك قالوا: (العدل أساس الملك).