الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

ثروة المملكة العباسية أي البلاد وأهلها

فرغنا من الكلام في ثروة الدولة العباسية ورجالها وبقي علينا النظر في ثروة المملكة وهي البلاد بما فيها من الناس على اختلاف طبقاتهم من أهل التجارة والزراعة والصناعة، وغيرهم. وكانت البلاد قسمين المدن والقرى:

المدن

كانت الثروة محصورة في المدن دون القرى عملاً بقاعدة التمدن في تلك الأيام وهي أن تكون الثروة والأبهة حيثما يكون ولاة الأمر أو من يلوذ بهم من الخليفة إلى أهله فأهل بلاطه فعماله ووزرائه.

ففي هذه المدن فاضت ينابيع الثروة الإسلامية وعاش الناس في الرخاء والرغد بجوار الخليفة ورجال دولته ينالون جوائزهم وهداياهم وخلعهم ويبيعونهم السلع والمجوهرات والأقمشة. وفي هذه المدن كان يجتمع العلماء والشعراء والمغنون والندماء يتعيشون بما يجود به الخليفة أو أمراؤه أو رجال دولته، فالثروة في المدن تابعة لثروة الحكومة أو رجالها. فلما كان بلاط الرشيد غاصاً بالوفود وبيت ماله حافلاً بالنقود والبرامكة يبذلون المئات والألوف كان تجار بغداد في نعمة وثروة وخصوصاً باعة المجوهرات والرياش لأنهما مما تتطلبه المدنية في عهد الترف والبذخ فمثلاً أن بائع للمجوهرات بالكرخ في بغداد ساومه يحيى البرمكي على سفط من الجوهر بمبلغ 7.000.000 درهم فلم يبعه وهو جزء مما في حانوته فما قولك بسائر ما فيه؟ وهناك جواهري آخر يقال له (ابن الجصاص) صادره الخليفة المقتدر سنة 302هـ فكان ما أخذوه من بيته من صنوف الأموال تزيد قيمته على 20.000.000 دينار، وكان في بغداد شريف يسمى محمد بن عمر بلغ خراج أملاكه 2.500.000 درهم في السنة. وقس على ذلك سائر التجارات في بغداد وغيرها، فقد كان في اصطخر بيتٌ ينتسب إلى آل حنظلة أحدهم عمرو بن عيينة بلغ من يساره أنه ابتاع بمليون درهم مصاحف فرقها في مدن الإسلام وكان مبلغ خراج هذا البيت من ضياعهم نحو 10.000.000 درهم. ومنهم مرداس بن عمر كان خراج ماله 3.000.000 وابن عمه محمد بن واصل ملكه مثل ملكه. وكان في سيراف تجار واسعو الثروة يتجاوز مال أحدهم 60.000.000 درهم اكتسبوها من تجارة البحر من العود والكافور والعنبر والجواهر والخيزران والعاج والأبنوس والفلفل وغيرها. ومنهم من يبني داراً فينفق على بنائها 30.000 دينار وأوصى أحدهم بثلث ماله لعمل فبلغ 1.000.000 دينار بين مركب قائم بنفسه وآلته وأمثال ذلك كثير في معظم مدن المشرق، وقس عليه ثروة كل من خالط الخلفاء ونال جوائزهم أو خدمهم في بلاطهم إبان ثروتهم غير الوزراء والكتاب والعمال فإنهم جمعوا أموالاً طائلة حتى المغنين والشعراء. فقد توفي إبراهيم الموصلي مغني الرشيد عن ثروة مقدارها 24.000.000 درهم وتوفي جبريل بن بختيشوع طبيب الرشيد وخلف ما يساوي 90.000.000 درهم من ضياع وجواهر ونقود.

القرى

أما القرى فقد كان سكانها من الفلاحين من أهل البلاد الأصليين ويموّنهم (أهل الخراج) فهؤلاء يعملون بالأجرة أو شركاء لأصحاب الأملاك من الخلفاء أو الأمراء أو من ينتمي إليهم وخصوصاً الدهاقين في العراق وفارس وهم أصحاب الإقطاعات الكبرى قبل الإسلام. فسكان القرى هم الفلاحون ومن يجري مجراهم وكانوا يقتنعون بالحصول على ما يقوم بأود حياتهم ويغلب فيهم الفقر المدقع وربما كان بينهم من لم يرَ الدينار طول عمره فكان أهل الدولة في المدن يبذلون الدنانير جزافاً ويهبونها مئاتٍ وآلافاً وأهل القرى في فقر مُدقع لو رأى أحدهم الدينار لسجد له وقبله مثنىً وثلاثاً، ولو دفعت إليه عشرة دنانير أو عشرين لأصابه خبل أو مات من ساعته كما اتفق للصياد بين يدي ابن طولون.