الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

علوم العرب بعد الإسلام

نريد بها العلوم التي اشتغل بها المسلمون من أول الإسلام إلى إبان التمدن الإسلامي وهي كثيرة يمكن حصرها في ثلاثة مجاميع:

1 ـ العلوم التي اقتضاها الإسلام وهي علوم القرآن والحديث والفقه واللغة والتاريخ ونسميها العلوم الإسلامية أو الآداب الإسلامية.

2 ـ العلوم التي كانت في الجاهلية وارتقت في الإسلام وهي الشعر والخطابة ونسميها الآداب الجاهلية أو الآداب العربية.

3 ـ العلوم التي نقلت إلى العربية من اللغات الأخرى كالطب والهندسة والفلسفة والفلك وسائر العلوم الطبيعية والرياضية ونسميها العلوم الدخيلة أو الأجنبية.. ولنتقدم على ذكر العلوم الثلاثة منها:

مقدمات تمهيدية

1 ـ الإسلام والعلوم الإسلامية

كان العرب في ما ذكرناه من علومهم وأخبارهم وأطوارهم إذ جاءهم القرآن فبهتوا لما رأوه من بلاغة أسلوبه على غير المألوف عندهم، لأنه ليس من قبيل ما كانوا يعرفونه من نثر الكهان المسجّع ولا نظم الشعراء المقفى الموزون وقد خالف كليهما، وهو منثور مقفى على مخارج الأشعار والأسجاع فلا هو شعر ولا نثر ولا سجع وفيه من البلاغة وأساليب التعبير ما لم يكن له شبيه في لسانهم فبصروا بأسلوبه وبما حواه من الشرائع والأحكام والأخبار، فلما دانوا بالإسلام أصبح همهم تلاوته وتفهم أحكامه لأنه قاعدة الدين والدنيا وبه تتأيد السلطة والخلافة، ثم أشكل عليهم بعض ما فيه واختلفوا في تفسيره فعمدوا إلى الأقوال المأثورة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) (الأحاديث) يستوضحون بها ذلك الإشكال فأصبح همهم جمع الأحاديث ممن سمعها أو رواها عن سامعها بالإسناد المتسلسل فرأوا تبايناً في الروايات فاشتغلوا في التفريق بين صحيحها وفاسدها فرجعوا إلى درس الأسانيد واستطلاع أخبار أصحاب الحديث فجرهم ذلك إلى درس طبقات المحدثين والأحوال التي تناولوا تلك الأحاديث فيها.

ولما قامت دولتهم أخذوا في ضرب الأموال على البلاد التي فتحوها أو غنموها، وضرائبها تختلف شكلاً ومقداراً باختلاف طريق الفتح بين أن يكون عنوةً أو صلحاً أو أماناً أو قوة فبحثوا في تحقيق أخبار الفتوح والمغازي وتدوينها، ولما فسدت الأحكام في أيام بني أمية أكثر العلماء من ذكر المواعظ وإيراد أخبار السلف من الصحابة وخصوصاً الخلفاء الأولين فاجتمع من ذلك تاريخ النبي (صلّى الله عليه وآله) والصحابة والتابعين.

والنظر في أحكام القرآن والسنّة لابد فيه من فهم العبارة وتدبرها فنشأ من ذلك علم التفسير وبإسناد نقله وروايته واختلاف القراء بقراءته تولد علم القراءات، وبإسناد السنّة إلى صاحبها والتفريق بين طبقات الحديث والمحدثين تولدت علوم الحديث، ثم لابد من استنباط هذه الأحكام من أصولها على وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط وهو علم أصول الفقه ثم الفقه فالعقائد الإيمانية ثم علم الكلام.

ولما عمدوا إلى تلاوة القرآن والحديث وتفسيرهما أشكل على غير العرب إعرابهما لأن ملكة اللغة غير راسخة فيهم فاضطروا إلى تدوين اللغة وترتيب قواعدها وتعيين معاني ألفاظها ـ ولذلك كان أكثر المشتغلين بعلوم اللغة من الأعاجم ـ وتعيين معاني الألفاظ وضبط التلفظ بها دعاهم إلى البحث عن لغة قريش التي كتب بها القرآن حيث إن مرجع التحقيق في ذلك إلى الأشعار والأمثال فاشتغلوا في الأسفار إلى بادية العرب وخالطوا الأعراب ونقلوا أشعارهم وأقوالهم وأمثالهم ليدونوها ويرجعوا إليها في التحقيق، فرأوا مشقة في فهم معاني أشعارهم وأمثالهم إلا بالاطلاع على أنسابهم وأخبارهم وآدابهم فلم يكن لهم بد من درس ذلك كله وهو ما يعبرون عنه بعلم الأدب، واختلفوا في فهم الأشعار ووجدوا في روايتها اختلافاً وفي بلاغتها تفاوتاً فعمدوا إلى البحث في طبقات الشعراء وأماكنهم وأشعارهم وأخبار قبائلهم وكان الراحلون في التقاط اللغة والشعر من أفواه العرب يقفون في مضاربهم على سائر علومهم كالنجوم والأنواء والخيل والأنساب وغيرها فلما عادوا لتدوين اللغة دونوا أيضاً كثيراً من تلك العلوم ولذلك كان أصحاب هذه العلوم غالباً من علماء اللغة وعثروا أيضاً على ألفاظ وأشعار يندر ورودها فألّفوا النوادر.

وجملة القول أن ما اشتغل به المسلمون في صدر الإسلام من العلوم مرجعه إلى القرآن فهو المحور الذي تدور عليه العلوم الأدبية واللسانية فضلاً عن الدينية ولذلك سميناها العلوم الإسلامية.

2 ـ العرب والقرآن والإسلام

وأساس الإسلام وقوامه هو القرآن، ففي تأييده تأييد الإسلام أو العرب. وتمكن هذا الاعتقاد في الصحابة لمّا فازوا في فتوحهم وتغلبوا على دولتي الروم والفرس فنشأ في اعتقادهم أنه لا ينبغي أن يسود غير العرب ولا يتلى غير القرآن، وشاع هذا الاعتقاد خصوصاً في أيام بني أمية وقد بالغوا فيه حتى آل ذلك فيهم إلى نقمة سائر الأمم عليهم.

أما في الصدر الأول فقد كان الاعتقاد العام (أن الإسلام يهدم ما كان قبله).

3 ـ إحراق مكتبة الإسكندرية وغيرها

أنشأ البطالسة في القرن الثالث قبل الميلاد مكتبة في الإسكندرية جمعوا فيها كتب العلوم من أقطار العالم المتمدن في ذلك الحين.

جاء في تاريخ مختصر الدول لأبي الفرج المالطي عند كلامه عن فتح مصر على يد عمرو بن العاص ما نصه: وعاش (يحيى الغراماطيقي) إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية ودخل على عمرو وقد عرف عمرو موضع يحيى من العلوم فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية ـ التي لم يكن للعرب بها أنس ـ ما هاله ففتن به، وكان عمرو عاقلاً حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه ثم قال له يحيى يوماً: (إنك قد أحطت بحواصل الإسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها فما لك به انتفاع فلا نعارضك فيه وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به) فقال له عمرو: ما الذي تحتاج إليه؟ قال: (كتب الحكمة التي في الخزائن الملوكية) فقال له عمرو: (هذا ما لا يمكنني أن آمر فيه إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب). فكتب إلى عمر: عرّفه قول يحيى، فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: (وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه فتقدم بإعدامها) فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها فاستنفدت في مدة ستة أشهر، فاسمع ما جرى وأعجب. وقد ورد في أماكن كثيرة من تواريخ المسلمين خبر إحراق مكاتب فارس وغيرها على الإجمال وقد لخصها صاحب كشف الظنون في عرض كلامه عن علوم الأقدمين بقوله: (إن المسلمين لما فتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم كتَب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين فكتب إليه عمر: (أن اطرحوها في الماء فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه وإن يكن ضلالاً فقد كفانا الله تعالى) فطرحوها في الماء أو في النار فذهبت علوم الفرس فيها)، وجاء في أثناء كلامه عن أهل الإسلام وعلومهم: (إنهم أحرقوا ما وجدوا من الكتب في فتوحات البلاد) وإحراق الكتب كان شائعاً في تلك العصور تشفّياً من عدو أو نكاية فيه فكان أهل كل شيعة أو ملة تحرق كتب غيرها كما فعل عبد الله بن طاهر بكتب فارسية كانت لا تزال باقية إلى أيامه (سنة 213هـ) من مؤلفات المجوس، وقد عرضت عليه فلما تبيّن حقيقتها أمر بإلقائها في الماء وبعث إلى الأطراف أن من وجد شيئاً من كتب المجوس فليعدمه.

ولما فتح هولاكو التتري بغداد سنة 656هـ أمر بإلقاء كتب العلم التي كانت في خزائنها بدجلة ـ وعلى حدّ زعمهم فإن هذا التصرف لا يعبر عن مقابلة ما فعله المسلمون لأول الفتح بكتب الفرس وعلومهم ـ وقال آخرون: إنه بنى بتلك الكتب إسطبلات الخيول وطوالات المعالف عوضاً عن اللبن.

ولما فتح الإفرنج طرابلس الشام في أثناء الحروب الصليبية أحرقوا مكتبتها بأمر الكونت برترام سنت جيل وكان قد دخل غرفة فيها نسخ كثيرة من القرآن فأمر بإحراق المكتبة كلها وفيها على زعمهم ثلاثة ملايين مجلد، وفعل الأسبان نحو ذلك بمكاتب الأندلس لما استخرجوها من أيدي المسلمين في أواخر القرن الخامس عشر، وأصحاب الأديان في تلك العصور كانوا يعدون هدم المعابد القديمة وإحراق كتب أصحابها من قبيل السعي في تأييد الأديان الجديدة. فأباطرة الروم حالما تنصروا أمروا بهدم هياكل الأوثان في مصر وإحراقها بما فيها من الكتب وغيرها وكان خلفاء المسلمين إذا أرادوا اضطهاد المعتزلة وأهل الفلسفة أحرقوا كتبهم، والمعتزلة كثيراً ما كانوا يتجنبون ذلك تحت خطر القتل فيستترون ويجتمعون سرّاً والخلفاء يتعقبون آثارهم ويحرقون كتبهم، ومن أشهر الحوادث من هذا القبيل ما فعله السلطان محمود الغزنوي لما فتح الري وغيرها سنة 420هـ فإنه قتل الباطنية ونفى المعتزلة وأحرق كتب الفلسفة والاعتزال والنجامة.

4 ـ الإسلام والعلم

والمسلمون أنشأوا دولة بعيدة الأطراف ووضعوا الشرائع والأنظمة (الفقه) ولم يكتفوا بنقل العلم عن اليونان واستبقائه على حاله بل هم درسوه وزادوا فيه من نتائج قرائحهم وعقولهم وبما نقلوه من علوم الفرس والهند والكلدان وغيرهم فضلاً عما وضعوه هم أنفسهم من العلوم الإسلامية واللسانية وما تفردوا فيه من قريحة الشعر.

5 ـ حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم

قد تقدم أن العلوم التي حدثت في التمدن الإسلامي صنفان العلوم الإسلامية والعلوم الدخيلة فتغلُّب العلوم الإسلامية في غير العرب من المسلمين سببه أن العرب قاموا بالإسلام وفتحوا الفتوح وهم أهل بادية أميون فانصرف همّهم في بدء الدعوة إلى نشر دينهم وإنشاء دولتهم مما لا يحتاج إلى علم، وإنما كانت حاجتهم من العلم إلى القرآن يدعون الناس به إلى الإسلام وكانوا يستظهرونه ويتناقلونه بالتلقين، ولم يمض على ظهور الدعوة بضع وعشرون سنة حتى فتحوا الشام والعراق ومصر وفارس وأفريقية وغيرها والمسلمون (العرب) يومئذ هم الجند الفاتح وكانوا قليلين بالنظر إلى ذلك الملك الواسع فضلاً عمن قتل منهم في الحروب والفتن، ومع ذلك فقد كانوا مطالبين بحفظ تلك المملكة وحماية أهلها وتدبير شؤونها، فأصبح همّهم الاشتغال بالرئاسة في الجند والحكومة، ولما فسّرت اللغة واختلفت القراءات وأزمع الخلفاء على جمع القرآن وتدوينه كان أكثر المتهافتين على حفظه المسلمين من غير العرب وهم الموالي وأكثرهم من الفرس وكانوا يومئذ أهل تمدن وعلم وكان العرب يعرفون ذلك عنهم، ومن الأحاديث النبوية: (لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس) وكان الفرس من الجهة الأخرى يرون للعرب مزية عليهم بالسيادة والنبوة وهيبة الفتح فجعلوا يتقربون إليهم بالعلم على ما يتطلبه حال الإسلام وهو في أوائل عهده عبارة عن قراءة القرآن وحفظه وتفسيره وجمع الحديث وإسناده وحفظه، لذلك فكان أكثر الحفاظ والقراء والمحدثين والفقهاء والمفسرين من العجم، وإذا كان فيهم أحد من العرب فالأغلب فيه أن يكون من القبائل الصغرى التي لا شأن لها في الفتح. ولما دعا فساد اللغة إلى ضبط قواعدها وجمع ألفاظها كان العجم أحوج إلى ذلك من العرب لاستغناء العربي بملكته الفطرية عن تعلم القواعد وحفظ الألفاظ فاشتغل الأعاجم بعلوم اللغة وكان أكثر علماء الأدب واللغة منهم كحماد الراوية وهو ديلمي والخليل وسيبويه والأخفش والفارسي والزجاج وغيرهم من الفرس أو من في معناهم.

أما العلوم الدخيلة مثل الفلسفة، فالمشتغلون بها هم غير العرب وغير المسلمين لأن العباسيين لما أرادوا نقل كتب اليونان والفرس والهند إلى العربية استخدموا مترجمين من الكلدان والسريان والفرس وغيرهم لنقلها وأكثرهم من النصارى.

6 ـ تدوين العلم في الإسلام

قضى العرب عصر بني أمية وهم يشتاقون إلى البداوة لأن دولتهم كانت عربية بدوية فانقضى القرن الأول وبعض القرن الثاني للهجرة والمسلمون يتناقلون العلم بالتلقين ويعتمدون على الحفظ ولم يدوّنوا غير القرآن لأسباب، وكان أبو بكر قد توقّف عن جمعه وتدوينه وقال: (كيف أفعل أمراً لم يفعله رسول الله).

أما ما خلا ذلك من التفسير والحديث والأشعار والأخبار والأمثال فقد كانوا يحفظونها في صدورهم وأكثرهم يقرأون ولكنهم لا يكتبون، وقد يكون بعضهم حافظاً ومفسراً وهو لا يقرأ كما كان شأنهم في الجاهلية يشعرون ويخطبون ولا يقرأون.

فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار وتفرّقت الصحابة في الأقطار وحدثت الفتن واختلفت الآراء وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء اضطروا إلى تدوين الحديث والفقه وعلوم القرآن واشتغلوا في النظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط وتمهيد القواعد والأصول وترتيب الأبواب والفصول فرأوا ذلك مستحباً فعمدوا إلى التدوين (يراجع في هذا الشأن كتاب (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) (م)).

وأقدم ما علمنا به من التفاسير تفسير مجاهد بن جبير المتوفي سنة 104هـ ، ثم اشتغلوا في تدوين التاريخ وخصوصاً المغازي وأقدم ما وصل إلينا خبره من كتبهم في هذا الموضوع كتاب ألّفه وهب بن منبه صاحب الأخبار والقصص المتوفي سنة 116هـ وهو من أبناء الفرس المولودين باليمن، فألّف كتاباً في الملوك المتوّجة من حمير وأخبارهم وأشعارهم وقصصهم، قال ابن خلكان: إنه شاهده بنفسه وأثنى عليه ثم كتاب المغازي لمحمد بن مسلم الزهري المتوفي سنة 141هـ ثم ألّف المسلمون في الحديث والفقه في أواسط القرن الثاني للهجرة.

7 ـ الخط العربي

تاريخه

ليس في آثار العرب بالحجاز ما يدل على أنهم كانوا يعرفون الكتابة قبيل الإسلام مع أنهم كانوا محاطين شمالاً وجنوباً بأمم من العرب الذين خلفوا نقوشاً كتابية كثيرة، على أن بعض الذين رحلوا منهم إلى العراق أو الشام قبيل الإسلام تخلّقوا بأخلاق الحضر واقتبسوا الكتابة منهم على سبيل الاستعادة فعادوا وبعضهم يكتب العربية بالحرف النبطي والسرياني اللذين بقيا عندهم إلى ما بعد الفتوح الإسلامية فتخلف عن الأول الخط النسخي (الدارج) وعن الثاني الخط الكوفي نسبة إلى مدينة الكوفة. وكان الخط الكوفي يسمى قبل الإسلام الحيري نسبة إلى الحيرة وهي مدينة عرب العراق قبل الإسلام وابتنى المسلمون الكوفة بجوارها.

والخلاصة أن العرب تعلّموا الخط النبطي من حوران في أثناء تجاراتهم إلى الشام وتعلموا الخط الكوفي من العراق قبل الهجرة بقليل وظل الخطان معروفين عندهم بعد الإسلام، والأرجح أنهم كانوا يستخدمون القلمين معاً الكوفي لكتابة القرآن ونحوه من النصوص الدينية والنبطي لكتابة المراسلات والمكاتبات الاعتيادية، وحين جاء الإسلام كانت الكتابة معروفة في الحجاز ولكنها غير شائعة فلم يكن يعرف الكتابة إلا بضعة عشر إنساناً أكثرهم من كبار الصحابة، وقد بلغ عدد الأقلام العربية إلى أوائل الدولة العباسية 12 قلماً وهي (1) قلم الجليل (2) قلم السجلات (3) قلم الديباج (4) قلم اسطور مار الكبير (5) قلم الثلاثين (6) قلم الزنبور (7) قلم المفتح (8) قلم الحرم (9) قلم المدامرات (10) قلم العهود (11) قلم القصص (12) قلم الحرفاج.

وفي أيام المأمون تنافس الكتّاب في تجويد الخط فحدث القلم المرصع وقلم النساخ وقلم الرياسي نسبة إلى مخترعه ذي الرئاستين الفضل بن سهل وقلم القاع وقلم غبار الحلية.

فزادت الخطوط على عشرين شكلاً وكلها تعد من الكوفي وأما الخط النسخي أو النبطي فقد كان شائعاً بين الناس لغير المخطوطات الرسمية حتى إذا نبغ ابن مقلة المتوفي سنة 328هـ فأدخل في الخط المذكور تحسيناً جعله على نحو ما هو عليه الآن وأدخله في كتابة الدواوين.

الحركات

وكان القرآن في أول الإسلام محفوظاً في صدور القرّاء وليس هناك خوف من الاختلاف في قراءته لكثرة عنايتهم في تناقله وضبط ألفاظه حتى دوّنوه وكثر أهل الإسلام، فمضى نصف القرن الأول للهجرة والناس يقرأون القرآن بلا حركات ولا إعجام، وأول ما افتقروا إليه الحركات وأول من رسمها أبو الأسود الدؤلي واضع النحو العربي المتوفي سنة 69هـ.

الإعجام

كان الخط لما اقتبسه العرب من السريان والأنباط خالياً من النقط ـ ولا تزال الخطوط السريانية بلا نقط إلى اليوم ـ فالإعجام حادث في العربية وهو قديم فيها. فيؤخذ من ذلك أن العرب استخدموا الحركات والإعجام من أواسط القرن الأول ولكنهم ظلوا مع ذلك يكرهونهما إلا حيث يريدون التدقيق بنوع خاص كالمصاحف ونحوها، أما في ما خلا ذلك فكانوا يفضلون ترك النقط لاسيما إذا كان المكتوب إليه عالماً، وقد حكي أنه عرض على عبد الله بن طاهر خط بعض الكتاب فقال: (ما أحسنه لولا كثرة شوينزه ـ أي نقطه ـ ) ويقال: (كثرة النقط في الكتاب سوء ظن في المكتوب إليه) وقد يقع بالنقط ضرر كما حكي عن جعفر المتوكل أنه كتب إلى بعض عماله: (أن أحصي من قبلك من الذميين وعرِّفنا بمبلغ عددهم) فوقع على الحاء نقطة فصارت (أخصي)، فجمع العامل من كان في عمله منهم وخصاهم فماتوا غير رجلين.