الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

التعليم

قد رأيت في ما تقدم أن القرآن أساس العلوم الإسلامية فتعليمه أساس التعليم الإسلامي وأول دروس القرآن قراءته وأول المعلمين في الإسلام النبي (صلّى الله عليه وآله) علّمه للصحابة وهم علموه للناس مع ما ترتب عليه أو تفرع عنه من العلوم. ولهذا السبب كانت مدارس المسلمين في جوامعهم، وكانوا يسمون التلامذة المجتمعين حول الأُستاذ لكي يتلقون علماً من العلوم (حلقة). وتفرعت العلوم بتوالي الأعوام واتسعت دوائرها حتى أصبح للعلم الواحد عدة حلقات والغالب أن تنسب الحلقة إلى أستاذها فيقولون مثلاً حلقة أبي إسحاق الشيرازي في جامع المنصور أو نحو ذلك. وكانوا يجعلون في كل جامع خزانة كتب للمطالعة أو الاستنساخ على أن التعليم لم يكن خاصاً بالمساجد فكثيراً ما كانوا ينشئون حلقات التدريس في المارستانات أو الربط أو المنازل أو غيرها. وأشهر الجوامع في التدريس على الإطلاق الجامع الأزهري في القاهرة فقد بني مع القاهرة في أواسط القرن الرابع للهجرة وكانت تلقى فيه دروس القرآن والفقه على جاري العادة في سائر الجوامع. وكان جماعة من الطلبة يقيمون فيه ويسمون المجاورين ومنهم من جاء من أقاصي البلاد الإسلامية حتى تركستان والهند وزيلع وسنار ولكل طائفة منهم رواق باسمها كرواق الشوام أو المغاربة أو العجم أو الزيالعة أو السنارية أو اليمنية أو الهندية فضلاً عن أروقة أهل الصعيد، وبلغ عدد تلامذة الأزهر في أوائل القرن التاسع للهجرة 750 طالباً من طوائف مختلفة وكانوا يقيمون في الجامع ومعهم صناديقهم. وبلغ عدد مجاوريه في عهد العائلة الخديوية بضعة عشر ألفاً.

المدارس

ومما لاحظناه من أمر التعليم في التمدن الإسلامي أن العلم نضج على اختلاف وجهاته وأثمر، ونبغ العلماء والفقهاء والأطباء والفلاسفة وليس في الإسلام مدرسة مستقلة نحو مدارس هذه الأيام.

والإفرنج يذكرون للمسلمين مدرسة أنشأها المأمون في خراسان وهو والٍ هناك. وذكر المسلمون عدة مدارس أُنشئت في نيسابور عاصمة خراسان قبل زمن نظام الملك منها مدرسة ابن فورك المتوفي سنة 406 والمدرسة البيهقية نسبة إلى البيهقي المتوفي سنة 450هـ والمدرسة السعيدية بناها نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود الغزنوي الشهير ومدرسة بناها إسماعيل الاسترابادي الصوفي الواعظ وأخرى بنيت للأستاذ أبي إسحاق، وعلى كل حال فإن أول من بنى المدارس في الإسلام الأمراء الأعاجم، ولما ضعف شأن الخلفاء وأفضت الحكومة إلى السلاطين والأمراء من الفرس والأتراك والديلم والأكراد وغيرهم أصبح هؤلاء في حاجة إلى اكتساب قلوب العامة لتأييد سلطانهم بما يقوم مقام نفوذ الخلفاء الديني.

وأقرب السبل المؤدية إلى ذلك الإحسان إلى الفقراء وإكرام العلماء والفقهاء وذلك أيضاً مما حمل نظام الملك على إنشاء المدارس لأنه وزر للسلطان الب أرسلان عشر سنين وكان بمنزلة والده وله النفوذ الأكبر عنده فلما توفي الب أرسلان وازدحم أولاده على الملك وطّد المملكة لولده ملك شاه فصار الأمر كله لنظام الملك وليس للسلطان غير التخت والصيد، أقام على ذلك عشرين سنة وكانت طائفة الباطنية قد استفحل أمرها في ذلك العصر وكثر المتزاحمون على السلطة، وكان نظام الملك عاقلاً حكيماً فبذل جهده في استمالة الأعداء وموالاة الأولياء فأكثر من الإحسان حتى عم به العدو والصديق والبغيض والحبيب، وكان من أهم مساعيه في ذلك أنه بنى دور العلم للفقهاء وأنشأ المدارس للعلماء وأسس الرباطات للعباد والزهاد وأهل الصلاح والفقراء ثم أجرى الجرايات والنفقات لطلبة العلم وغيرهم. وعمّ بذلك سائر أقطار مملكته في الشام وديار بكر والعراقين وخراسان إلى سمرقند فلم يكن فيها حامل علم أو طالبه أو متعبد أو زاهد إلا وكرامة نظام الملك شاملة له سابغة عليه وقدروا ما كان ينفقه في هذا السبيل فبلغ 600.000 دينار في السنة. وكان من أسباب إنشاء المدارس أيضاً تأييد المذهب الذي يتبعه السلطان أو الأمير فقد كانت القاهرة شيعية منذ بنيت وكانت الدروس التي تلقى في الجامع الأزهر على مذهب الشيعة فلما تولاها صلاح الدين الأيوبي أبطل هذا المذهب وأحيى المذهبين المالكي والشافعي فأنشأ المدارس لتعليم هذين المذهبين فبنى المدرسة الناصرية سنة 566هـ للمذهب الشافعي، وجاء في رحلة ابن جبير الذي طاف الشرق الإسلامي في القرن السادس أنه شاهد عشرين مدرسة في دمشق و30 في بغداد، أما الأندلس فقد نقل الأمير علي صاحب تاريخ الإسلام في الإنكليزية أن المسلمين أنشأوا المدارس في قرطبة واشبيلية وطليطلة وغرناطة ومالقة وغيرها وأن مملكة غرناطة وحدها بلغ عدد مدارسها 17 مدرسة كبرى و120 مدرسة صغرى. وعدد الطلبة في كل حال يختلف باختلاف شهرة الأستاذ في فنه فكان يجتمع في حلقة الفارابي مئات من الطلبة، وقد يكون للأستاذ تلامذة، ذكروا أن أبا بكر الرازي الطبيب الشهير كان يجلس في مجلسه ودونه التلاميذ ودونهم تلاميذهم ودونهم تلاميذ أخر فكان يجيء الرجل فيصف ما يجد لأول من يلقاهم فإن كان عندهم علم وإلا تعداهم إلى غيرهم فإن أصابوا وإلا تكلم الرازي وكان الأستاذ يزداد شهرة ونفوذاً بازدياد تلامذته وإذا مشى مشوا حوله وقد يركب وهم مشاة، كان الإمام فخر الدين خطيب الري إذا ركب مشى حوله 300 تلميذ من الفقهاء.

المكاتب الإسلامية

لما ظهر الإسلام ونهض المسلمون للفتح أحرقوا ما عثروا عليه من الكتب لأسباب تقدم بيانها لكنهم ما لبثوا أن تحضّروا وذاقوا طعم العلم حتى أصبحوا أحرص الناس على الكتب وأكثرهم بذلاً في الحصول عليها وأشدهم عناية في صيانتها.

مكاتب بغداد

أما في الدولة العباسية فكان إنشاء المكاتب من جملة أسباب نهضتهم لنقل العلوم فأنشأوا مكتبة في بغداد سموها (بيت الحكمة) وجمعوا إليها ما كان قد نقل إلى العربية من كتب الطب والعلم وما ألّف من العلوم الإسلامية مع ما سعى يحيى بن خالد في جمعه من كتب الهند وما وقع للرشيد من كتب الروم في أنقرة وغيرها. وكان بيت الحكمة عبارة عن مجلس للترجمة أو النسخ أو الدرس أو التأليف فيجلس النساخ في أماكن خاصة بهم ينسخون بأجور معينة وكذلك المترجمون والمؤلفون والمطالعون، وكان للبيت المذكور قَيِّم يدير شؤونه يسمى صاحب بيت الحكمة وأشهر مديريها سهل بن هارون وهو فارسي شعوبي شديد التعصب على العرب وله في ذلك كتب كثيرة، ومنهم سلم وله نقول من الفارسية إلى العربية، فترى من ذلك أن البيت أو الخزانة المذكورة أُنشئت على يد الفرس وخدمتها والمترددين إليها من الفرس. وفي قرطبة أنشأ الحكم مكتبة جمع إليها الكتب من أنحاء العالم فكان يبعث في شرائها رجالاً من التجار ومعهم الأموال ويحرضهم على البذل في سبيلها لينافس بني العباس في اقتناء الكتب وتقريب الكتّاب. ولا تظننا نبالغ إذا سلمنا مع ابن خلدون والمقري أن مجموع ما حوته تلك المكتبة 400.000 مجلد. واقتدى بخلفاء بغداد والأندلس الخلفاء الفاطميون بمصر بدأ بذلك منهم العزيز بالله ثاني خلفائهم تولى الخلافة سنة 365هـ وهو شاب فأنشأ مكتبة خصص لها قاعات في قصره وسماها (خزانة الكتب) كانت تحوي 1600.000 كتاب في الفقه والنحو واللغة والحديث والتاريخ والنجامة والروحانيات والكيمياء. وقد أصاب هذه الخزائن من الإحن بتوالي الفتن مثل ما أصاب مكتبة الإسكندرية في عهد الرومان، فألقي بعض كتبها في النار والبعض الآخر في النيل وترك بعضها في الصحراء فسفت عليه الرياح حتى صار تلالاً عُرفت بتلال الكتب، واتخذ العبيد من جلودها نعالاً وغيره مما يطول شرحه. وبالإجمال فقد طُرح ما بقي منها عند دخول الأكراد للمبيع في أواسط القرن السادس وكان في جملة ما أخرجوه من تلك القصور نحو 120.000 كتاب أعطاها صلاح الدين للفاضل عبد الرحيم البياني.

دار الحكمة

وتسمى أيضاً دار العلم وهي غير خزانة العزيز أو خزائن القصور، أنشأها الحاكم بأمر الله بن العزيز بالله سنة 395هـ بجوار القصر الغربي بالقاهرة ووقّف لها أماكن ينفق عليها من ريعها، ففرشوها وزخرفوها وعلقوا الستور على أبوابها وممراتها وأقاموا عليها القوام والمشرفين، والغرض من دار الحكمة خدمة الناس في المطالعة والدرس والتأليف، وهي طريقة القدماء في تعليم الناس إذ يتعذر على غير الأغنياء اقتناء الكتب نظراً لغلائها فمن أحب تعليم رعيته أنشأ مكتبة جمع فيها الكتب وفتح أبوابها للناس. وقد عدّ بعضهم دار الحكمة مدرسة لأن الحاكم أقام بها القراء والمنجمين وأصحاب النحو واللغة والأطباء وأجرى لهم الأرزاق وأباح الدخول إليها لسائر الناس على اختلاف طبقاتهم من محبي المطالعة ليقرأوا أو ينسخوا ما شاءوا وجعل فيها ما يحتاجون إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر، وكان الحاكم يستحضر بعض علماء الدار المذكورة إلى ما بين يديه ويأمرهم بالمناظرة ويخلع عليهم الخلع، وقد أباح المناظرة بين المترددين إلى دار الحكمة فكانوا يعقدون الاجتماعات هناك وتقوم المناظرات. ولا نظن عدد كتبها يقلُّ عن 100.000 كتاب ولما أفضت الحكومة إلى صلاح الدين الأيوبي هدم دار العلم وبناها مدرسة للشافعية.

مكاتب الشام

لما كانت الشام مركز الخلافة في أيام بني أمية لم يكن للخلفاء رغبة في العلم ولا التفت العباسيون إليها، ولكنها اشتهرت في عهد الدولة الفاطمية بمكتبة كانت في طرابلس الشام حتى فتحها الإفرنج سنة 502هـ فنهبوها وذكر جبن أن عدد كتبها 3.000.000 مجلد أحرقها الإفرنج إلى غيرها، ولا تتضح فخامة تلك المكاتب إلا إذا قابلناها بمكاتب هذا العصر مع اعتبار الفرق بين العصرين وما كان لانتشار الطباعة من تسهيل اقتناء الكتب مع مرور الأزمنة الطويلة على مكاتب هذه الأيام وكثرة الوسائل المساعدة على اقتناء الكتب لقلة النفقة وغير ذلك.