الفهرس

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

أهل الذمة في العصر العباسية

لما أخذ الموالي الفرس في تنظيم الحكومة وترتيب دواوينها أحسوا بافتقارهم إلى من يعينهم على ذلك من أهل الذمة في العراق والشام وكانوا أهل معرفة في الحساب والكتابة والخراج فضلاً عن العلوم فأطمعوهم بالرواتب والجوائز وسهّلوا لهم أسباب المعيشة وقرّبوهم وأكرموهم، فاطمأنوا لتلك الدولة وتقاطروا إلى بغداد وخدموا العباسيين بعقولهم وأقلامهم بما آنسوه من تسامحهم وإطلاق حرية الدين لهم فاستخدمهم العباسيون في دواوينهم وولوهم خزائنهم وضياعهم.

وسرى ذلك الاعتدال والتسامح في الدين إلى الدولة الفاطمية بمصر وكان لأهل الذمة فيها شأن عظيم فتقلّد الوزارة أو الكتابة (وهي كالوزارة في مصر) غير واحد منهم وقويت شوكتهم في الدولة فاستوزر العزيز بالله الفاطمي رجلاً نصرانياً اسمه عيسى بن نسطوروس وآخر يهودياً اسمه منشا فعزّ النصارى واليهود في أيامهما. وكان الخلفاء في صدر الدولة العباسية يكرمون الأساقفة ويجالسونهم، فالهادي كان يستدعي إليه الأسقف تيموثاوس في أكثر الأيام ويحاوره في الدين ويبحث معه ويناظره ويطرح عليه كثيراً من المشكلات وله معه مباحث طويلة ضمنها كتاباً ألفه الأسقف المذكور في هذا الموضوع وكذلك كان يفعل معه هارون الرشيد.

اضطهاد أهل الذمة في العصر العباسي

على أن ذلك لم يمنع من تضييق بعض الخلفاء على النصارى فإن الملوك المستبدين تختلف سياستهم باختلاف أخلاقهم وأطوارهم فقد يتراءى لبعضهم التضييق على النصارى لسبب أو لغير سبب كما فعل هارون الرشيد والمتوكل من خلفاء بني العباس، فالمتوكل المتوفى سنة 247هـ كان شديد الوطأة على النصارى ولعله أشد الخلفاء العباسيين وطأة عليهم لأنه أمر بهدم الكنائس المحدثة بعد الإسلام ونهى أن يستعان بهم في الأعمال أو أن يظهروا الصلبان في شعائر دينهم وأمر أن يجعل على أبوابهم صور شياطين من الخشب وأن يلبسوا الطيالسة العسلية ويشدوا الزنار ويركبوا السروج بالركب الخشب بكرتين في مؤخر السرج وأن يرقعوا لباس رجالهم برقعتين تخالفان لون الثوب قدر كل واحدة أربع أصابع ولون كل واحدة غير لون الأخرى ومن خرجت من نسائهم تلبس إزاراً عسلياً ومنعهم عن لبس المناطق وغير ذلك.

ولا يُستغرب هذا التضييق من المتوكل فإنه نقم مثل هذه النقمة على سائر أهل الدولة وغيرهم وشدد النكير على الشيعة وأهلك العلماء والكتاب. وكان شديد التعصب على الشيعة فاضطهدهم وعذبهم ولاقى أهل الذمة منه الشدائد. ويقال نحو ذلك في ما صدر في أيام الرشيد من الأوامر بهدم الكنائس في الثغور وأخذ أهل الذمة بمخالفة هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم. وهكذا يقال في اضطهاد النصارى بمصر على عهد الدولة الفاطمية مع ما تقدم من منزلتهم وحرية الدين عندهم، وأقدم ما قاسوه من تضييق الحكام في طقوسهم وكنائسهم في أيام الحاكم بأمر الله سنة 395هـ. وسبب ذلك ما ذكرناه من تقدم النصارى في مصالح الدولة في أيامه حتى صاروا كالوزراء وتعاظموا لاتساع أحوالهم وكثرة أموالهم فتزايدت مكايدتهم للمسلمين على عهد عيسى بن نسطوروس وفهد بن إبراهيم فغضب الحاكم بأمر الله. وقد سوّغ للحاكم المبالغة في اضطهاد النصارى حرب كانت بين الروم والمسلمين يومئذ فأخرب الروم بعض جوامع المسلمين ومنها جامع كان لهم في القسطنطينية فانتقم الحاكم منهم بالتضييق على أهل مذهبهم في بلاده. على أن أفظع ما قاساه النصارى واليهود من الاضطهاد إنما كان في دور الانحطاط أو التقهقر في الأجيال الإسلامية الوسطى وخصوصاً بعد الحروب الصليبية لأنها كانت سبباً كبيراً في إثارة التعصب بين الأمتين. فالنصارى تذكروا تقدم المسلمين عليهم واضطهاد حكامهم لدينهم وزاد حقد المسلمين على رعاياهم النصارى لما كان من نصرتهم الإفرنج سراً فبالغ أمراء المسلمين في الفتك بهم. فنصارى (قارا) مثلاً بين دمشق وحمص كانوا يسرقون المسلمين في أثناء تلك الحرب ويبيعونهم خفية من الإفرنج فلما مرّ بها السلطان الملك الظاهر في أثناء عودته من بعض غزواته سنة 664هـ أمر بنهب أهلها وقتل كبارهم واتخذ صبيانهم مماليك فتربّوا بين الأتراك في الديار المصرية فصار منهم أجناد وأمراء. وتزايدت الضغائن بعد تلك الحروب بين المسلمين وأهل الذمة في بلادهم حتى أصبحت كل من الطائفتين تبذل جهدها في أذى الأخرى ولما كانت الحكومة إسلامية فالنصارى هم المغلوبون، فإذا احترقت مادة للمسلمين اتهموا النصارى واليهود بإحراقها فتأمر الحكومة بإحراقهم أو إحراق كنائسهم وهذا التعصب من مقتضيات تلك العصور المظلمة لأن الدول النصرانية كانت تعامل المسلمين في بلادهم مثل هذه المعاملة أو أشد منها، وكثيراً ما كانوا يهددون أسرى المسلمين بالقتل أو يتنصّروا وإذا دخلوا بلداً إسلامياً بالحرب عنوة ضربوا نواقيسهم في الجوامع ولما تغلّب نصارى الأندلس على المسلمين أجبروهم على حمل علامة كان يحملها اليهود وأهل الدجن ولما غلبوهم في آخر الدولة خيّروهم بين النصرانية والموت فتنصّروا عن آخرهم. على أن المسلمين إبان تمدنهم أطلقوا حرية الدين لرعاياهم على اختلاف طوائفهم ونحلهم فلم يسمع أنهم أكرهوا طائفة من الطوائف على الإسلام تعصباً للدين، وبالجملة فقد كانت الحرية المطلقة في الأفكار والمعتقدات الدينية في تلك العصور فلا يكره الرجل على معتقده أو مذهبه فربما اجتمع عدة أخوة في بيت واحد وكل منهم على مذهب، فأولاد أبي الجعد ستة كان منهم اثنان يتشيعان واثنان مرجئان واثنان خارجيان.