الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

توفيق صاحب الجواهر

قال صاحب (التكملة): كان للشيخ محمد حسن مؤلف الكتاب النفيس (الجواهر) من العمر خمسة وعشرون عاماً حين بدأ بتأليفه وقد نقل الشيخ الأجل فقيه العصر الشيخ محمد حسن آل ياسين الكاظمي عن صاحب (الجواهر) ما يرجع إلى سبب تأليف هذا الكتاب، قال: أمرني أستاذي صاحب (الجواهر) أن أسكن في الكاظمية مشغولاً بترويج الأحكام وتبليغ الإسلام، فعرضت على جنابه العالي أن يكتب برسالة إلى الحاج علي بن الحاج (محسن بوست فروش) التاجر المعروف في الكاظمية ليعيرني بعض مجلدات (الجواهر) التي بحوزته.

فلما سمع مني الشيخ هذا الكلام قال: سبحان الله! إن كتاب (الجواهر) بلغ إلى هذا الحد، وأن التجار يأخذون من نسخته ويراجعهم الناس؟ أقسم بالله يا ولدي! ما كنت أقصد في كتابي أن يكون يوماً بصورة كتاب، ولو كان لي قصد التصنيف والتأليف من الكتابة، أحببت أن يكون على غرار كتاب (رياض المسائل) للمير سيد علي الطباطبائي، وإنما كتبت (الجواهر) لنفسي.

يقول صاحب (التكملة): لما سمعت هذا الكلام من هذا الشيخ العظيم، قلت: سبحان الله كان تعجبي لما يرجع إلى كتاب (الجواهر) من جهتين، والآن قد زال تعجبي.

فقال الشيخ: ما كان تعجبكم وما هي العلة في إزالة هذا التعجب؟

قلت: أولاً: كيف أن المرحوم صاحب (الجواهر) قد حالفه التوفيق في كتابة كتاب بهذه العظمة من أول الفقه إلى آخره، مع أن العادة تقتضي أن يكون من الصعب لشخص واحد أن ينهض بهذا العبء. وثانياً: بالنسبة إلى محبوبية ومرغوبية الكتاب الذي راح بسرعة بين أهل العلم، فهم يطلبونه ويسعون وراءه، ولما سمعت هذا الكلام تبين لي أن الباعث في تأليفه لم يكن إلا رضى الله تعالى لا الرياء والتظاهر وطلب الدنيا وإبراز المرتبة العلمية والمقام، وهذا الخلوص في النية لهذا العالم الرباني كان السبب في موفقية هذا الكتاب ومحبوبيته.

يقول الشيخ الفقيه مهدي بن الشيخ علي: عندما كان صاحب الجواهر مشغولاً بكتابة (الجواهر) كان هناك علماء آخرون يتجاوز عددهم خمسة وعشرين كلهم كانوا مشغولين بهذا الموضوع (شرح (الشرائع) ) ولكن لم ينتشر لأحد منهم شيء.

العالم بين الأشرار

في أوائل حياة الآخوند الملا محمد تقي المجلسي (رحمه الله) وقبل أن يبلغ الشهرة، كان قد جاءه رجل من مريديه وقال له: إن جاري يضايقني، فتراه يجمع الفساق والأشرار في بيته ليلاً، ويقضي عيشه وعشرته بالرقص والشراب، فهل عندكم سبيل لإصلاحه؟

قال له الشيخ: ادعهم هذه الليلة إلى وليمة وسأحضر أنا أيضاً، فدعاهم الرجل لتناول طعام العشاء في بيته، فقال رئيس الأشرار: ما الذي حدث حتى تنضم إلينا؟

قال: هكذا حدث، فسر الأشرار وغمرهم الفرح والابتهاج بهذا الحدث لأنه أضيف واحد إلى حلقتهم ليزيد عددهم، وفي الليل دخل الآخوند المنزل قبلهم جميعاً وجلس في زاوية من المنزل، ثم جاء رئيس الأشرار يصحبه أتباعه فجلسوا فلما شاهدوا الآخوند في المجلس بدت عليهم علائم عدم الارتياح ولم يستطيبوا ذلك، لأن الآخوند من غير جنسهم، وبوجوده يكون عيشهم مراً، فأراد رئيسهم إخراج الآخوند من المجلس فالتفت إليه وخاطبه بالقول: الشيء عندكم أفضل أم الشيء عندنا؟

قال الآخوند: كل واحد منا يبين خواص ولوازم عمله، وعند ذلك يظهر أينا أفضل؟ فقال رئيس الأشرار: هذا الكلام منتهى الإنصاف، قال الرئيس إن من إحدى صفاتنا وخواصنا أننا لم نخن أحداً ممن أكلنا من زاده، فقال الآخوند: إنني لا أقبل هذا الكلام منك، قال رئيس الأشرار: وهذا مسلم عندنا، فقال الآخوند: ألم تأكل من طعام الله فلماذا تخونه؟

فلما سمع رئيس الأشرار هذا الكلام أخذ يتأمله وقام من مكانه دفعة واحدة وذهب وتبعه أصحابه بالخروج. فقال صاحب المنزل للآخوند: لقد ساء الوقف أكثر، واشتد حراجة، وهاهم خرجوا من المنزل بغضب وانزعاج، فقال الآخوند: أما والأمر قد بلغ إلى هذه الحال لنرى بعدها ماذا يكون؟

فلما أصبح الصبح جاء رئيس الأشرار إلى باب منزل الآخوند، وقال: إن كلاكم لي في الليل قد أثر بي تأثيراً بالغاً، فها أنذا قد تبت واغتسلت غسل التوبة، وجئتك لتعلمني مسائل الدين، وهكذا اهتدى بسبب تأثير نفس الآخوند محمد تقي المجلس (رحمه الله).

اختبار صفاء النفس

كان بين السيد محمد باقر الداماد والشيخ البهائي (رحمهما الله) خلطة تامة ومؤاخاة عجيبة قل ما يوجد نظيرها وقد نقل: أن السلطان شاه عباس الصفوي ركب يوماً إلى بعض مقاصده، وكان الميرداماد والبهائي أيضاً في موكبه لأنه كان لا يفارقهما غالباً، وكان السيد الداماد عظيم الجثة بخلاف الشيخ البهائي فإنه كان نحيف البدن في غاية الهزال.

فأراد السلطان أن يختبر صفاء الخواطر فيما بينهما، فجاء إلى السيد الداماد، وهو راكب فرسه في مؤخر الجمع وقد ظهر من وجناته الإعياء والتعب لثقل جثته، وكان جواد الشيخ البهائي في مقدم الجمع يركض كأنما لم يحمل عليه شيء.

فقال: يا سيدنا ! ألا تنظر إلى هذا الشيخ في مقدم الجمع كيف يلعب بجواده ولا يمشي على وقار بين هذا الخلق مثل جنابك المتأدب المتين؟

فقال السيد: أيها الملك! إن جواد شيخنا لا يستطيع أن يتأنى في جريه من شغف ما حمل عليه، لأنه يعلم من ذا الذي ركبه؟

ثم جاء إلى الشيخ البهائي وقال: يا شيخنا! ألا تنظر إلى ما خلفك كيف أتعب هذا السيد المركب، وأورده من غاية سمنه في العي والنصب، والعالم لا بد أن يكون مثلك مرتاضاً خفيف المؤونة؟

فقال: لا، أيها الملك! بل العي الظاهر في وجه الفرس من عجزه عن تحمل حمل العلم الذي يعجز عن حمله الجبال الرواسي على صلابتها.

فلما رأى السلطان المذكور تلك الألفة التامة والمودة الخالصة بين عالمي عصره، نزل من ظهر دابته بين الجمع، وسجد لله تعالى، وعفر وجهه بالتراب، شكراً على هذه النعمة العظيمة.

وحكايات سائر ما وقع أيضاً بينهما من المصادقة والمصافاة وتأييدهما الدين المبين بخالص النيات كثيرة، فأكرم بهما من عالمين صفيين ومخلصين رضيين. 

سر الفراق

كان المقدس الأردبيلي (رحمه الله) يعيش لوحده في غرفة، وكان أحد طلاب المدرسة يرغب أن يكون مع المقدس في غرفة واحدة، وفي هذا الصدد تكلم مع الشيخ فرفض طلبه، وبعد أن زاد في إصراره والتماسه، أجاب الشيخ قائلاً: أوافق على ذلك بشرط أن لا تطلع أحداً على حالي وتظهر ما عندي، فوافق الرجل على ذلك وقضينا مدة معاً، حتى جاء زمان ابتلي فيه الاثنان بضيق المعاش ولم يظهرا لأحد ذلك الذي يعانيانه، حتى بدت عليهما آثار الضعف وعدم القدرة.

وفي أثناء ذلك مر رجل فرأى زميل الأردبيلي وقد علاه الضعف وسوء الحال فسأله فلم يجبه، فأصر عابر السبيل عليه بأن يبين له علته، فما كان من زميل الأردبيلي إلا أن يعلمه بالقضية ويفشي له بذلك، ويقول له: نحن طالبان من طلاب العلوم الدينية، لم نذق طعاماً لمدة طويلة، فلما اطلع هذا الشخص على حقيقة الأمر ذهب لإحضار الطعام، وجاء به مع مقدار من المال وأعطاه لزميل الأردبيلي وقال له: خذ نصفه، ونصفه الباقي لصاحبك.

فلما دخل المقدس الغرفة ورأى ذلك، سأل صاحبه: من أين وصل إلينا هذا؟ فنقل له صاحبه الحكاية التي جرت له مع عابر سبيل.

فقال المقدس: الآن حان وقت افتراقنا، ثم تناولا الطعام، وصادف أن احتلم المقدس تلك الليلة، فنهض مسرعاً وذهب إلى الحمام حتى لا تفوته صلاة الليل، فرأى الحمام مغلقاً فطلب المقدس من صاحب الحمام أن يفتح الباب مقابل أن يزيد له في الأجرة فلم يوافق على ذلك، فأخذ يضيف ويضيف على أجرة الحمام حتى وصل إلى قدر سهمه، ففتح صاحب الحمام الباب فأعطاه ذلك المبلغ فاغتسل وأدى صلاة الليل ثم افترق عن صاحبه، وبذلك نعرف أن من هذه العبادات والمجاهدات والرياضات حصلت له المقامات العالية حتى صار من أهل الكشف والكرامة.

التواضع وظيفة العلماء

كان زيد بن ثابت ـ من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قد صلى على جنازة، وبعد ذلك جيء إليه بركابه ليركب ويرجع إلى مكانه، فأخذ ابن عباس بركابه حتى يركب زيد.

فقال زيد: يا ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هل يمكنني ذلك؟ قال ابن عباس: أمرنا أن نتواضع للعلماء والكبار.

فأخذ زيد بيد ابن عباس وقبلها، وقال: وكذلك نحن أمرنا بأن نتواضع لأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

حب الدنيا عدو العلماء

عن أبي عبد الله (ع) قال: (كان لموسى بن عمران جليس من أصحابه قد وعى علماً كثيراً، فاستأذن موسى في زيارة أقارب له، فقال له موسى: إن لصلة القرابة حقاً، ولكن إياك أن تركن إلى الدنيا، فإن الله قد حملك علماً فلا تضيعه وتركن إلى غيره.

فقال الرجل: لا يكون إلا خيراً، ومضى نحو أقاربه، فطالت غيبته فسأل موسى عنه فلم يخبره أحد بحاله، فسأل جبرائيل عنه، فقال له: أخبرني عن جليسي فلان ألك به علم؟ قال: نعم، هوذا على الباب قد مسخ قرداً في عنقه سلسلة، ففزع موسى إلى ربه وقام إلى مصلاه يدعو الله ويقول: يا رب! صاحبي وجليسي، فأوحى الله إليه: يا موسى! لو دعوتني حتى تنقطع ترقوتك ما استجبت لك فيه، إني كنت حملته علماً فضيعه وركن إلى غيره).

الشيخ الأنصاري وقران من سهم الإمام (ع)

روى أحد أعاظم العلماء قال: عندما كنت بخدمة الشيخ الأكبر المرتضى الأنصاري (رحمه الله) في النجف الأشرف، رأيت في إحدى الليالي في المنام شيطاناً وبيده عدد من الأطواق وهو يذهب لحاله فقلت له: إلى أين تذهب؟ فقال: أريد أن أضع هذه الأطواق في أعناق أشخاص، كما وضعت أمس إحداها في عنق الشيخ الأنصاري من الغرفة حتى خارج الزقاق فسحبته بها إلا أنه تمكن من طرح الطوق في الزقاق.

ولما انتبهت من نومي تشرفت بخدمة الشيخ ونقلت له ما رأيته في المنام، فقال: صحيح ما قاله الشيطان، فهذا الملعون أراد أن يغريني أمس، حيث لم يكن عندي من المال شيء، وكان المنزل بحاجة إلى شيء، ففكرت في نفسي أن أستقرض قراناً ـ أصغر عملة إيرانية ـ من سهم الإمام (ع) وأصرفه في الحاجة وبعد ذلك أؤديه فأخذت القران وخرجت من المنزل إلى الزقاق ثم ندمت أثناء الطريق فرجعت إلى البيت وأرجعت القران إلى موضعه.

ومقتضى القاعدة أن أخذ الشيخ للقران لم يكن بنظره الشريف جائزاً.

زهد وورع الملا عبد الله التستري (رحمه الله)

كان المولى الفاضل التقي الورع المتقي الملا عبد الله التستري يقول لابنه وهو يعظه: يا بني إني بعدما أمرني مشايخي (رضوان الله عليهم) بجبل عامل بالعمل برأيي ما ارتكبت ـ مباحاً ـ حتى الأكل والشرب، وكان يعد ذلك بأصابعه، وهو (رحمه الله) أصدق من أن يتوهم في مقاله غير محض الحقيقة.

وكأن ما يوجد في بعض المواضع من أن بعض العلماء، كان يقول: لم يصدر مني منذ ثلاثين سنة إلى الآن، غير الواجب والمندوب شيء من الأحكام الخمسة، أيضاً يشير إلى هذا العالم الكبير.

وروى: أنه جاء يوماً إلى زيارة الشيخ البهائي (رحمه الله)، فجلس عنده ساعة إلى أن أذن المؤذن، فقال الشيخ: صل صلاتك هاهنا حتى نقتدي بك ونفوز بثواب الجماعة، فتأمل ساعة، ثم قام ورجع إلى المنزل، ولم يرض بالصلاة جماعة هناك، فسأله بعض أحبته عن ذلك، فقال: أنك مع غاية اهتمامك بالصلاة في أول الوقت كيف لم تجب الشيخ إلى مسؤوله؟! فقال: راجعت نفسي سويعة، فلم أر نفسي لا تتغير بإمامتي لمثله، فلم أرض بذلك.

ونقل أيضا أنه كان يحب ولده المولى حسن علي كثيراً، فاتفق أنه مرض مرضاً شديداً فحضر المسجد لأداء صلاة الجمعة مع تشتت حواسه، فلما بلغ في سورة المنافقين إلى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) جعل يكرر ذلك، فلما فرغ سألوه عن ذلك؟ فقال: إني لما بلغت هذا الموضع تذكرت ولدي، فجاهدت مع النفس بتكرار هذه الآية إلى أن فرضته ميتاً وجعلت جنازته نصب عيني، ثم تلوت ما بعدها.

وكان من عبادته أنه لا يفوت منه شيء من النوافل، وكان يصوم الدهر، ويحضر عنده في جميع الليالي جماعة من أهل العلم والصلاح وكان مأكوله وملبوسه على أيسر وجه من القناعة، ونقل أنه اشترى عمامة بأربعة عشر شاهياً وتعمم بها أربع عشرة سنة، وكان مبجلاً للغاية عند الناس.

دعاء الحاج ملا أحمد النراقي (رحمه الله)

روي أن المرحوم الحاج ملا أحمد النراقي قد طرد حاكم كاشان، لظلمه وسوء استعماله السلطة، مما أدى بالسلطان فتح علي شاه أن يستدعي الملا أحمد إلى كاشان وخاطبه بلهجة قاسية مفادها: أنكم تتدخلون في شؤون السلطنة وفي أمور الدولة مما يؤدي إلى الإخلال بالأمن.

فرفع النراقي (رحمه الله) يديه إلى السماء وقال: إلهي! إن هذا السلطان ظالم قد نصب حاكماً ظالماً على الناس، وأنت تعلم أني ما أخرجت هذا الحاكم من البلد إلا لرفع الظلم، والآن هذا السلطان الظالم يؤنبني على ما قمت به.

فتحول فتح علي شاه من مكانه، وأمسك بيد النراقي وأنزلها إلى الأرض، وأخذ يعتذر للملا أحمد، وأرسل السلطان حاكماً لكاشان أفضل من الذي طرده النراقي وكان السلطان حذراً من أن يستجاب دعاء النراقي (رحمه الله) .

الميرزا محمد تقي الشيرازي لا أحد يخدمه

روى الشيخ عبد الكريم الحائري (رحمة الله عليه): أن المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي (رحمه الله) الذي كان من كبار مراجع الدين وقد قاد الثورة ضد الكفار وأخرجهم من العراق لم يكن من عادته أن يكلف أحداً بخدمته، حتى أنه مرض في أحد الأيام، وجاء أهله إليه بالطعام ووضعوه عند باب غرفته وذهبوا، وحيث أنه كان مريضاً لم يتمكن من النهوض، ولما ذهب أهله خارج المنزل وعادوا وجدوا أن الطعام الذي قدموه إليه على حاله، لأنه (رحمه الله) فكر في نفسه أنه إذا أراد أن يتناول الطعام فلا بد أن ينادي أحد أولاده ليساعده في تقديمه إليه، وهذا ليس من طبعه وأخلاقه.

عزة نفس السيد الرضي

كان السيد الرضي محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي عالي الهمة شريف النفس، لم يقبل من أحد صلة ولا جائزة، أما الملوك من بني بويه فإنهم اجتهدوا على قبوله صلاتهم فلم يقبل، وكان يرضى بالإكرام وصيانة الجانب وإعزاز الأتباع والأصحاب.

حكى أبو إسحاق الصابي قال: كنت عند الوزير أبو محمد المهدي ذات يوم فدخل الحاجب واستأذن للشريف الرضي (رحمه الله) وكان الوزير قد ابتدأ بكتابة رقعة فألقاها ثم قام كالمندهش حتى استقبله من دهليز الدار، وأخذ بيده وأعظمه وأجلسه في دسته، ثم جلس بين يديه متواضعاً، وأقبل عليه بجميعه.

فلما خرج الرضي خرج معه وشيعه إلى الباب ثم رجع، فلما خف المجلس قلت: أيأذن الوزير لي ـ أعزه الله تعالى ـ أن أسأله عن شيء؟ قال: نعم، وكأنك تسأل عن زيادتي في إعظام الرضي؟ فقلت: نعم، أيد الله الوزير.

فقال: بلغني ذات يوم أنه ولد له غلام، فأرسلت إليه بطبق فيه ألف دينار فرده، وقال: قد علم الوزير أني لا أقبل من أحد شيئاً فرددته، وقلت: إني إنما أرسلته للقوابل فرده ثانية، وقال: قد علم الوزير إنا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة، وإنما عجائزنا يتولين هذا الأمر من نسائنا، ولسن ممن يأخذن أجرة ولا يقبلن صلة، فرددته إليه، وقلت: يفرقه الشريف على ملازميه من طلبة العلم، فلما جاءه الطبق وحوله الطلبة، قال: هاهم حضور فليأخذ كل أحد ما يريد.

فقام رجل وأخذ ديناراً فقرض من جانبه قطعة وأمسكها ورد الدينار إلى الطبق، فسأله الشريف عن ذلك، فقال: إني احتجت إلى دهن السراج ليلة ولم يكن الخازن حاضراً، فاقترضت من فلان البقال دهناً، فأخذت هذه القطعة لأدفعها إليه عوض دهنه، وكان طلبة العلم الملازمون للشريف الرضي في دار قد اتخذها لهم سماها (دار العلم) وعين لهم فيها جميع ما يحتاجون إليه. فلما سمع الرضي أمر في الحال أن يتخذ للخزانة مفاتيح بعدد الطلبة ويدفع إلى كل منهم مفتاح ليأخذ ما يحتاج إليه، ولا ينتظر خازناً يعطيه، ورد الطبق على هذه الصورة، فكيف لا أعظم من هذه حاله؟

عيسى (ع) كان يركب الحمار حافياً

وصل الخبر يوماً أن الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) يريد أن يدخل مدينة بغداد، فأعلن أهالي بغداد التعطيل العام لاستقبال الشيخ، وكان من جملة المستقبلين السفير الإيراني في بغداد، وكانت مشاركة السفير إما رغبة أو تصنعاً وفي هذه الأثناء دخل عليه أحد السفراء الأجانب، وفهم أن السفير الإيراني كان ينوي الذهاب إلى مكان ما فسأله: إلى أين تريد أن تذهب؟ فأجاب قائلاً: أذهب لاستقبال أحد علماء الشيعة يريد أن يدخل هذه المدينة، ففهم السفير الأجنبي من التعطيل العام للأسواق أن هناك واقعة مهمة، فأظهر الميل والرغبة في أن يصاحب السفير الإيراني للمشاركة في الاستقبال المذكور، فركبا ومضيا من بين الناس، وبسرعة استطاعا أن يتقدما أمام الناس بانتظار موكب الشيخ الجليل، وفجأة رأيا شيخاً راكباً على حمار وبدون تشريفات متوجهاً إلى بغداد، ففكر السفيران في نفسيهما أن هذا المسافر غريب، ومن غير الممكن أن يكون هو الشيخ المقصود، ولما لم يعرف السفير الإيراني ومن معه الشيخ الأنصاري مروا عليه بدون أن يعيروه اهتماماً أو ترحيبا، ولم تمض لحظات حتى وصل الشيخ واقترب من المجتمعين وتعالت الأصوات بالصلوات والسلام وغمرهم الفرح والسرور، وجاء الناس إليه كالبحر المواج وأحاطوا به، وعلم السفيران أن هذا الشيخ البسيط هو مرجع تقليد المسلمين الذي يقبل الناس يديه ورجليه.

فاندهش السفير الأجنبي وسأل السفير الإيراني: إن هذا الرجل الذي له هذا النفوذ والمحبوبية عند الناس ما موقعه وعنوانه؟

فقال السفير الإيراني: إن مثل هؤلاء الأشخاص يسمونهم حجة الإسلام ومرشد المسلمين. فقال السفير الأجنبي: هذا هو الحق بعينه، سمعت أن عيسى (ع) مع تلك العظمة والمكانة التي كانت له كان يمشي راجلاً ويركب الحمار حافياً، إلا أني لم أكن أتصور ذلك، ولكن اليوم برؤيتي هذا الشيخ الجليل حصل لي اليقين بأن ما سمعته من سيرة الأنبياء (ع) صحيح وواقع.

الوحيد البهبهاني والزهد

ولد الآقا محمد باقر بن المولى محمد أكمل الأصفهاني البهبهاني الحائري سنة (1118 هـ) في أصفهان بعد وفاة خاله العلامة المجلسي بخمس أو ست سنين، وقد جاء في (نخبة المقال) هذا الشعر:

والبهبهـــانـــي معــلــــم البشـــر               مــجــدد المــــذهب الثاني عشر

أزاح كـــل شبـــــهـــــــة وريـــب                    فبان للميلاد (كنه الغـــيب 1118)

وقطن برهة في بهبهان ثم انتقل إلى كربلاء ـ شرفها الله ـ وكان ربما يخطر بخاطره الارتحال منها إلى بعض البلدان لتغير الدهر وتنكد الزمان، فرأى الإمام الحسين (ع) في المنام يقول له: (لا أرضى لك أن تخرج من بلادي) فجزم العزم على الإقامة بذلك البلد، وقد كانت بلدان العراق سيما المشهدين الشريفين مملوءة قبل قدومه من الجاهلين والقاصرين، حتى أن الرجل منهم كان إذا أراد حمل كتاب من كتب الفقهاء حمله مع منديل، وقد أخلى الله البلاد منهم ببركة قدومه، واهتدى المتحيرون في الأحكام بأنوار علومه، وبالجملة كل من عاصره من المجتهدين فإنما أخذ من فوائده واستفاد من فرائده، وله مصنفات رشيقة وتحقيقات أنيقة، وقد تخرج على يديه أعيان العلماء وأساطين الفضيلة، أمثال: السيد بحر العلوم، وصاحب الرياض، والميرزا القمي صاحب (القوانين)، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والميرزا مهدي النراقي، والميرزا مهدي الشهرستاني، والميرزا مهدي الخراساني، وغيرهم من أعاظم العلماء.

وكان سلطان الوقت محمد خان قد أمر أن يكتب قرآن بخط الميرزا التبريزي وأن يكون جلده من الياقوت والماس والزبرجد وسائر الأحجار الثمينة، وزين الإطار بقيمة عالية، وأرسله إلى الشيخ الوحيد البهبهاني بمعية بعض الشخصيات والوزراء، فلما طرق بابه جاء الوحيد بنفسه ففتحه، فسلموا عليه وقالوا: إن السلطان قد بعث إليكم هذا القرآن.

فقال لهم الوحيد: ما هذه المجوهرات التي صرفت على هذا القرآن؟ اقلعوها وتصدقوا بها على الفقراء والمساكين.

فقالوا: القرآن بخط التبريزي وقيمته عالية، خذه واقرأه.

فقال: كل من أتى بالقرآن يأخذه ويحتفظ به ويقرأه، وبهذا الكلام قد سد عليهم الطريق فرجعوا من عنده.

يقول جمال الدين البهبهاني: وهو من تلامذة الوحيد ـ في (التحفة الرضوية): إن زهد الآقا محمد باقر لا يوصف، فقد كان يلبس اللباس الخشن وغالباً ما كانت زوجته هي التي تقوم بحياكتها، ولم يلتفت إلى الأقمشة الثمينة وأمتعة الدنيا.

زهد الشيخ المرتضى

كان الشيخ الأنصاري المرجع الأعلى للشيعة، ولكنه عاش كأحد الطلبة الفقراء.. ومات كأحدهم، قال أحد الأشخاص للشيخ يوماً: أيها الشيخ! إنك تعمل عملاً عظيماً حيث تأتيك هذه الحقوق الشرعية الكثيرة دون أن تتصرف فيها.

فقال الشيخ: لا يوجد هنالك شيء مهم، فالحد الأعلى لعملي أنه مثل عمل أصحاب الحمير في كاشان، حيث يحملون أمتعة الناس إلى مقاصدهم، في مقابل المبلغ الذي يتقاضونه منهم، فهل رأيت هؤلاء قد خانوا أموال الناس؟ فقال: كلا، لأن هؤلاء أمناء الناس.

فقال الشيخ: ونحن هكذا أمناء الناس ولا نستطع أن نتصرف في هذه الحقوق التي تأتينا لمنافعنا الشخصية.

هكذا كانوا عازفين عن الدنيا

كانت ضياء السلطنة.. إحدى بنات السلطان فتح علي ـ ذات مال وجمال وكمال ـ فالتمس أبوها من المرحوم الآخوند الملا حسن اليزدي صاحب (مهيج الأحزان) أن يزوج ابنته ـ ضياء السلطنة ـ من ابنه، فرفض الآخوند طلبه واعتذر له: بأننا رعايا لا يليق أن تكون بنات السلاطين في بيوتنا.

ثم طلب السلطان فتح علي من الميرزا القمي صاحب (القوانين) أن يزوج ابنه من إحدى بنات السلطان، وبعد انتهاء مجلس الطلب أخذ الميرزا يدعو الله تعالى أن يعجل بموت ابنه لكي لا تصح بنت السلطان زوجة لإبنه، وبعد أن أتم الميرزا دعاءه غرق ابنه ومات وقيل مرض ولم يدم مرضه أكثر من ثلاثة أيام حتى توفي.

وبعد وفاة السلطان فتح علي، سافرت ضياء السلطنة إلى العتبات المشرفة في العراق، وأرسلت إلى المرحوم السيد محمد مهدي بن السيد علي الطباطبائي صاحب ( رياض المسائل) وطلبت منه أن يختارها زوجة له، فامتنع السيد المذكور من طلبها، ثم التمست بنت السلطان من الشيخ محمد حسين صاحب (الفصول) أن يتزوجها فلم يوافق الشيخ علي على رجائها، ثم أرسلت إلى السيد إبراهيم الموسوي القزويني صاحب (ضوابط الأصول) وطلبت منه التزويج بها، فأجابها: إن مصارف بنات الملوك والسلاطين عالية جداً، وليس بمقدورنا ذلك، ونحن نعيش الفقر والفاقة، فأرسلت إليه ثانية: بأني لم أطالبك بأي مصرف، بل أن مصارفك ومصارف أهلك أقوم أنا بتكفلها؟ والمقصود أن يبقى اسمك فقط على رأسي، فامتنع السيد أيضاً من الاستجابة لطلبها.

هل أنت كما يدل عليه ظاهرك؟

كان الحاج الميرزا مسيح الطهراني من كبار علماء طهران وحاكم الشرع في وقته، وفي أحد الأيام كان راكباً حماره وقد عبر الشارع فاتبعته امرأة فاحشة وقالت له: يا حاج ميرزا مسيح! الكل يعرف أني امرأة بهذا الشكل فهل أنت بهذا الشكل كما يدل عليه ظاهرك؟

قيل: إن هذا الكلام قد تأثر به الحاج ميرزا مسيح، حتى لم يخرج من بيته مرة، ولم يتدخل في شؤون الناس والقضاء بينهم.

وينقل مثل ذلك عن امرأة بذيئة قالت للآخوند الخراساني مثل هذا الكلام.

ناصر الدين شاه في منزل الملا السبزواري

روى الراوي في سفر الشاه إلى المشهد المقدس قال: كان يستقبلنا أهالي كل مدينة ندخل إليها، وعندما نغادرها يقوم أهاليها بتوديعنا، وفي شيراز جاءوا لاستقبالنا باستثناء الملا هادي مع أن استقبالنا كان سهلاً، ولم يتأثر الشاه من ذلك الموقف واعتبره مسألة عادية، ولما كان الشاه يعرف الملا هادي، فقد عين وقتاً وبصحبة أحد الخدمة ذهب إلى منزل الحاج ملا هادي وكان الوقت نهاراً، وبعد تدارس الأمور، قال الشاه: إن الله العالم تفضل علي بنعم كثيرة، وعلي أن أشكره على كل نعمة أولاني بها، فأرجو منكم أن تؤمن لي خدمة أقوم بها حتى أؤدي شكر نعمة السلطنة.

فأظهر الحاج الملا هادي استغناءه وعدم احتياجه، ولم يؤثر فيه إصراره، حتى اقترح علي قائلاً: سمعت أن لك أرضاً زراعية، فأرجو منكم أن تقبلوا إعفاءها من الرسوم والضرائب المالية، فرد هذا الاقتراح بعذر وقال: إن الضرائب المالية للدولة وفي كل بلد، قد اتخذت بصورة قطعية لا تقبل التغيير، وإذا أنا (هادي) لم أعط ضريبة سيقطع المسؤولون على الضرائب مقدارها من سائر آحاد الرعية، ومن الممكن أن تلحق بامرأة أرملة أو يتيم، وأنت لا ترضى أن يلحق إعفائي من الضريبة ضرراً بامرأة لا معيل لها أو بطفل يتيم.

قال الشاه: نريد أن نأكل معكم طعامكم فأمر الملا هادي خادمه بتقديم الغذاء، فجاء الخادم بطبق فيه عدد من أقراص الخبز واللبن والملح وبعض الملاعق ووضعه أمامنا، وذهب لحاله، فابتدأ الملا هادي بتقبيل أقراص الخبز، وأخذ يشكر الله كثيراً من صميم قلبه، وبعد ذلك أخذ يقطع الخبز ويضعه في اللبن، ووضع ملعقة أمام الشاه وقال: أيها السلطان! كل إنه خبز حلال من زراعة وأتعاب هاتين اليدين، فأكل الشاه منه ملعقة واحدة فقط لأنه وجد أن الاستمرار في أكل هذا الشيء خارج عن نطاق قدرته، وبعد الاستئذان أخذ الشاه بيده بقية الأقراص وأعطاها للخادم واحتفظ بها لأفراد العائلة ليستشفوا بها عند الإصابة بالمرض وقمنا ونحن في عجب من زهد هذا العالم بعدم رغبته في الدنيا.

يوجد هناك من هو أعلم مني

كان الشيخ محمد حسن صاحب (الجواهر) يطوي اللحظات الأخيرة من عمره الشريف، وكان يحيط به جميع الفقهاء وكبار أهل العلم وهم يفكرون في مصير المرجعية ومن يخلفه، ففتح عينيه ونظر إلى الجموع الملتفة حوله وقال: أين بقية العلماء؟

فقيل له: كلهم موجودون في خدمتكم، فقال: أين الملا مرتضى؟ فذهب جماعة امتثالاً لأمر الأستاذ للبحث عن الشيخ الأنصاري فوجدوه في حرم أمير المؤمنين (ع) فقالوا له: لماذا تركت الأستاذ في هذا الوقت؟

فقال: جئت أدعو له بالشفاء، وأخيراً جيء بالشيخ الأنصاري إليه، وبعد السلام والسؤال عن الحال جلس، فالتفت صاحب (الجواهر) إلى الحاضرين وقال: إنه الذي يصلح للزعامة بعدي والتفت إلى الشيخ وقال: أيها الشيخ! قلل من احتياطك في المسائل ـ وكان الأنصاري يحتاط كثيراً ـ فأجاب الشيخ: أنا لا أصلح لزعامة الدين، فلما سمع العلماء هذا الجواب من الشيخ الأنصاري تعجبوا، وسألوا الشيخ نفسه عن السبب في انصرافه عن هذا الأمر الخطير؟

فقال: هناك من هو أجدر وأليق مني بهذا الأمر، قالوا: لا نعرف أحداً غيرك، فقال الشيخ الأنصاري: نعم، إن الأستاذ سعيد العلماء المازندراني أفضل مني وأعلم وأفقه، وهو الآن موجود في إيران، لأني رأيته في كربلاء في درس المرحوم شريف العلماء، وأنا أدري أنه أعلم مني، فكتب الشيخ الأنصاري إلى سعيد العلماء وطلب منه أن يقبل المرجعية والزعامة الحوزوية، فلما وصلت الرسالة إلى سعيد العلماء، كتب في جوابها:نعم، إن ما ذكرت وكوني أعلم منك في زمان حضورنا درس شريف العلماء صحيح، أما الآن فإنك متفوق علي، لأني تركت المباحثة لسنوات طويلة، كما أني انشغلت بأمور الناس والتدخل في حل وفصل قضاياهم، وأنت أدمت التحصيل بحضور الأساتذة، فعلى هذا أنت أعلم مني.

فلما وصل جواب الرسالة إلى الشيخ الأنصاري أخذ يبكي لعظم المسؤولية التي أنيطت به، وتوجه إلى الحرم المطهر لأمير المؤمنين (ع) واستغاث به ليعينه على تأدية هذا الأمر الخطير على أحسن وجه.

هذا الشيخ أكثر كفاءة مني للتدريس

كان المرحوم آية الله السيد حسين الكوه كمري من تلامذة صاحب (الجواهر) وكان مجتهداً مشهوراً ومعروفاً، وكان ـ على طبق المتعارف ـ يدرس في ساعة معينة في إحدى مساجد النجف الأشرف، وفي أحد الأيام جاء قبل الوقت المقرر للدرس فجلس في المسجد حتى يجتمع الطلاب، ولكن رأى في إحدى زوايا المسجد شيخاً جالساً مع بعض الطلاب، وهو يقوم بتدريسهم.

فأخذ السيد حسين يستمع جيداً إلى كلام هذا الشــــيخ ومع كمال التعجب أحس بأن هذا الشيخ محقق كبير، فجاء في اليوم الثاني عمداً وقبل وقت درسه وجلس جانباً من المسجد يستمع جيداً إلى درس الشيخ، وبعد أيام تيقن أن هذا الشيخ أفضل منه في التدريس، ولو أن طلابه حضروا درس هذا الشيخ لكانت استفادتهم أكثر.

وفي اليوم التالي وعندما جاء الطلاب واجتمعوا حوله قال لهم: أريد اليوم أن أقول لكم مطلباً جديداً، إن هذا الشيخ الجالس في زاوية من المجلس وهو يعطي الدرس أراه أكفأ مني في التدريس فلنذهب سوية إلى درسه، ومن ذلك اليوم أصبح من حضار درس الشيخ.

كان هذا الشيخ هو الشيخ المرتضى الأنصاري الذي عرف فيما بعد، ولقب بأستاذ المتأخرين، وكان الشيخ في ذلك الوقت قد جاء من السفر تواً، بعد أن زار ولسنوات طويلة كلاً من: مشهد وأصفهان وكاشان.

السيد بحر العلوم (رحمه الله) يختبر المرحوم النراقي (رحمه الله)

ينقل أن المرحوم الملا مهدي النراقي ـ وكان متبحراً في كثير من العلوم وقد ألف كتاب ( جامع السعادات) في علم الأخلاق وتزكية النفس ـ كان قد أرسل نسخة من كتابه المذكور إلى السيد بحر العلوم في النجف الأشرف، ومن ثم سافر بنفسه إلى زيارة العتبات المشرفة ودخل النجف، فجاء العلماء إليه تجليلاً لمكانته السامية، إلا أن السيد بحر العلوم امتنع عن المجيء لزيارته، ولم تمض أيام حتى قام المرحوم النراقي بزيارة السيد بحر العلوم، إلا أن السيد لم يعر اهتماماً كبيراً به، ومرة أخرى قام السيد النراقي بزيارة بحر العلوم في بيته وأمضى معه ساعة من الوقت، وهذه المرة لم تكن بأفضل من سابقتها حيث إن بحر العلوم لم يهتم اهتماماً كبيراً بالنراقي، فرجع النراقي إلى منزله، ومرة أخرى زار النراقي بحر العلوم دون أن يفكر بأنه لا فائدة مرجوة من اللقاء ببحر العلوم و.. و.. وهذه هي المرة الثالثة، فما أن وصل منزل السيد وطلب الاستئذان، حتى خرج إليه بحر العلوم حافياً لاستقباله واحتضنه وقبله وأدخله المنزل بكل احترام وتجليل، وبعد أداء الاحترام قال السيد مخاطباً النراقي: كتبتم كتاباً في الأخلاق وتزكية النفس وأهديتمونا نسخة منه، وأنا قد طالعت الكتاب من أوله إلى آخره بكل دقة وإمعان، والحق يقال: أنه كتاب يقل نظيره، ومفيد جداً، وأما السبب في عدم مجيئي لزيارتكم واستقبالكم منذ ورودكم إلى النجف، وعدم الاهتمام اللائق بشأنكم عند زيارتكم لنا في المنزل، كل ذلك قمت به عمداً، لأطلع على أنك عامل بما كتبت، أو لا؟ فظهر لي أنك في أعلى درجات تزكية النفس، وأنت بنفسك كتاب أخلاق، تهدي الآخرين بأخلاقك، وليس بكتابك فحسب.

قناعة الخليل بن أحمد الفراهيدي

كان الخليل بن أحمد الفراهيدي من أفضل الناس في الأدب، وقد اخترع علم العروض، وكان صدوقاً عالماً عابداً، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان إمامي المذهب، روى عنه النضر قال: كان منزله في البصرة وكان يسكن في غرفة من الحصير، ولم يملك قرشاً أسود، وقد تخرج على يديه الكثير من أهل العلم والأدب وكان تلامذته من أصحاب الأموال، وكان زهده غير قابل للوصف، حتى نقل عنه : أن أحد الملوك طلب منه أن يؤدب أولاده، فأرسل له رسولاً فرآه وبيده قطعة من الخبز اليابس ليأكلها، فقال للرسول: ارجع إلى الذي بعثك وقل له: مادام تصلني أمثال هذه القطعة من الخبز اليابس فلا حاجة لي بك، ولم يذهب إلى الأمير.

وعن سفيان بن عيينة أنه قال: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك، فلينظر إلى الخليل بن أحمد.

وكان النضر بن شميل بن خرشة البصري ـ الذي هو من كبار أصحاب الخليل ـ يقول: ما رأيت أحداً أعلم بالسنة من الخليل بن أحمد، ويقول: أكلت الدنيا بأدب الخليل وكتبه، وهو في خص لا يشعر به.

وقال أبو عبيده: ضاقت المعيشة على الخليل بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيعه من أهل البصرة ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث أو نحوي أو لغوي أو إخباري، فلما صار بالمربد قال: يا أهل البصرة: يعز علي فراقكم، والله لو وجدت كل يوم كليجة باقلا ما فارقتكم، قال: فلم يكن فيهم من يتكلف ذلك. وكان الخليل كثيراً ما ينشد عن الأخطل هذا البيت:

وإذا افتــقرت إلى الذخائـــر               لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال

ورع المرحوم الميرزا محمد حسن الشيرازي

ذكر المرحوم السيد محسن الأمين في شرح أحوال الميرزا الشيرازي (قدس سره) صاحب قضية (التنباك) قال: كان يكتب بخطه الجميل الحوالات المالية لمساعدة المحتاجين في ورقة لا تتجاوز كف اليد، وكان يختمها بختمه الشريف، ولم يكن يترك مكاناً خالياً لإضافة شيء، وقد سئل عن ذلك؟ فقال في الجواب: مصرف الورق أكثر من هذا إسراف، ومن جهة أخرى، عندما تمتلئ الورقة لا يكون بمقدور أحد أن يضيف شيئاً إليها.

وكان الميرزا قانعاً في لباسه ومعاشه وأموره الأخرى، وكان يتعيش هو وعائلته من أملاكه الموروثة في شيراز، وغالب تلك الأموال كان يقوم بتقسيمها بين الفقراء والطلاب وفي الأمور الخيرية.

ونقل أحد الذين كان مطلعاً على أحواله قال: إن الميرزا كان يجمع عيدان الكبريت التي يستعملها في إشعال التبغ نهاراً ويستفيد منها ليلاً بعد أن يقربها من شعلة الفانوس.

وإذا كان يسمع عن أحد من أهل العلم مطلباً خلاف العدالة، فكان موقفه منه أنه لا يسأل عن حاله عندما يدخل عليه، ويكتفي بهذا. وطلب منه أن يكتب لأحد المعروفين بالفضل إجازة اجتهاد، فامتنع من ذلك، فقيل له: أتشكون في اجتهاده؟ قال: لا، ولكن لا تعطى الإجازة لكل مجتهد، وليس كل مجتهد يعطي الإجازة ـ قيل: وكان ذلك الشخص بدون تدبير.

من المقامات العملية للشيخ الأنصاري

كان الشيخ مرتضى الأنصاري يتأخر في بعض الأيام عن التدريس، ولما سئل عن السبب في ذلك؟

قال: كان أحد السادة يرغب في تحصيل العلوم الدينية، واقترحت على البعض أن يقوم بتدريسه المقدمات إلا أنه اعتذر عن ذلك، ولهذا السبب اضطررت أن أقوم بتدريسه بنفسي.

ونقل أنه قال أحد الأشخاص للشيخ: إن الميرزا الشيرازي يشرب الشاي ـ وكان غرضه السعاية حتى يقلل الشيخ من مرتبه الشهري ـ، فقال له الشيخ: رحمك الله، لقد ذكرتني أمراً، وكنت عنه غافلاً، ثم طلب من خادمه الملا رحمه الله أن يكثر من المرتب الشهري لذلك الطالب بمقدار مصارف الشاي، حتى يتفرغ إلى تحصيل العلم ويستمر عليه.

ونقل الآقا الشيخ منصور ـ سبط الشيخ الأنصاري ـ عن والده المعظم قال: رأى أحد أجلة العلماء في المنام أنه دخل في مجلس كبير، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شرف ذلك المجلس، وكان أئمة الهدى (ع) واحداً بعد الآخر على جهته اليمنى وهم جالسون، وعلماء الإمامية بحسب الزمان في الجهة اليسرى من تلك الحضرة الشريفة وهم جالسون، وفي تلك اللحظة رأيت الشيخ الأنصاري قد دخل، وأراد أن يجلس خلف أستاذه، ولكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره أن يجلس مع حضرة ولي العصر (أرواحنا فداه) فاعتذر الشيخ، فأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك ثانية، فأجاب الشيخ وجلس بجنب الإمام الحجة (عج).

فسأل بعض الحضور عن السبب؟

فقال (ص): (كان في حياته يبدي نهاية الاحترام لأولادي، ولم يكن احترام الآخرين مثل احترامه).

تعهد بالعبادة الاستيجارية لسنتين

قال صاحب (لؤلؤة الصدف): حكى أحد أعاظم العلماء للمؤلف أنه ذهب إلى الشيخ الأنصاري وقال له: إن أحد السادات من فضلاء الحوزة مضطر جداً وزوجته على وشك أن تضع حملها، فتفضل بمساعدته.

فقال الشيخ: ليس عندي شيء، إلا ما كان من مقدار وجه لعبادة استيجارية ـ صلاة أو صوم ـ لسنتين، وهذا يكفيه للتغلب على حاجاته.

فقلت له: إن فلاناً من السادات، وليس من أهل العبادة الاستيجارية، علاوة على ذلك أنه شديد العلاقة بالدرس، وهذا العمل يكون مانعاً من مواصلة دروسه.

فتأمل الشيخ جيداً وقال: خذ هذا المبلغ عن عبادة استيجارية لمدة سنتين له وأنا أقضيها عن الميت، فأخذ هذا العمل على عهدته رغم مشاغله الكثيرة.

وأيضاً قال السيد علي الدزفولي المعروف بالسيد المحتاط ـ لكثرة احتياطاته ـ: لما غلب علي الفقر في النجف الأشرف، ذهبت إلى الشيخ الأنصاري وأخبرته عن حالي، فقال لي: ليس عندي شيء، ولكن اذهب إلى الشخص الفلاني وقل له: أن يعطيك سنتين صلاة وخذ أجرتها لك، وأنا أقضي الصلاة بدلك عن الميت.

امتناع السيد بحر العلوم عن التدريس

روى الآخوند الملا زين العابدين السلماسي ـ وكان من أبرز تلامذة السيد مهدي بحر العلوم ـ أن السيد بحر العلوم (رحمه الله) كان يطوف شوارع النجف ليلاً ويطعم الفقراء. وبعد أيام قام بتعطيل الدرس، فشفعني الطلاب إليه ووسطوني أن أسأله عن السبب في تعطيل درسه؟

فقال السيد: لا أدرس بعدئذ.

ولم تمض أيام حتى وسطني الطلاب مرة أخرى عن السبب في تركه التدريس؟

فجئت إليه ونقلت له ما عرضه الطلاب.

فقال السيد: لم أسمع قط من هؤلاء الطلاب صوت التضرع ومناجاة الله بصوت عال في منتصف الليل، مع أني في أغلب الليالي أطوف شوارع النجف، فمثل هؤلاء الطلاب لا يستحقون أن أقوم بتدريسهم.

فلما سمع الطلاب هذا الكلام أخذوا يتضرعون ويناجون، وارتفعت أصواتهم ليلاً في المناجاة والبكاء، فرجع السيد بحر العلوم (رحمه الله) إلى التدريس.

ترك الرئاسة وسكن في إحدى القرى للتبليغ

كان المرحوم الميرزا الشيرازي الكبير في المجلس، وفي الأثناء دخل المجلس رجل روحاني، فقام له الميرزا وأبدى له احتراماً وإكراماً كبيراً، الأمر الذي جلب انتباه الحاضرين وأثار تعجبهم لهذا الموقف، فسألوا عن سبب ذلك؟

فأجاب الميرزا (رحمه الله): أنا وهذا الشخص الروحاني كنا زميلين في الدرس وشريكين في المباحثة، وبعد أن نال درجة الاجتهاد أراد الهجرة إلى وطنه ليكون مرجعاً لأهلها، وفي أثناء الطريق شاهد قرية ـ ظاهراً تقع في أطراف كرمانشاه ـ ويدين أهل هذه القرية بالغلو ويعتبرون الإمام علي بن أبي طالب (ع) إلهاً، فوجد هذا العالم الكبير أن الواجب الشرعي يحتم عليه أن يبقى في هذه القرية ليهدي أهلها للرشاد، فترك الرئاسة وبقي في هذه القرية، وأعلن في المسجد مخاطباً أهل القرية:

أيها الناس! أنا أستاذ ومعلم لأولادكم، وأجرتي هي إمرار المعاش، وبهذا النحو تمكن أن يجلب عدداً كبيراً من الأطفال، وأصبح مشغولاً بتعليمهم القراءة والكتابة والعقائد ومعرفة الله وسائر البرامج الإسلامية، وتمكن بهذا العمل أن يجعل من أهل القرية المغالين موحدين مؤمنين عارفين بالله.

بعض أحوال المرحوم السيد علي خان

نقل السيد نعمة الله الجزائري (رحمه الله) قال: في وقت من الأوقات تشرفت بخدمة السيد علي خان فرأيت لحيته قد غلب عليها البياض، فسألته: لماذا لم تخضب لحيتك؟ فقال: أردت أن أكتب تفسيراً للقرآن المجيد، وفي هذا الخصوص استخرت بالقرآن، فخرجت هذه الآية الشريفة: (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) فعلمت أن أجلي قد اقترب، فقمت بتفسير مختصر، وتركت الخضاب حتى ألقى الله بشيبة بيضاء، وقد ودع (رحمه الله) هذه الدنيا الفانية بعد سنة.

وكان السيد علي خان معاصراً للشيخ البهائي، وكانت له أملاك ومزارع، وكان يصرف حاصلها على هذا النحو: يكتب في الدفتر علامة (زاء) دلالة على صرف الزكاة، وعلامة (ق) دلالة على صرف الصدقة، وعلامة (ص) إشارة إلى صرفها في صلة الرحم، والباقي يصرفه على الواردين والشعراء والمخالفين وكان يقصد به حفظ العرض كما قال الإمام الحسين : خير المال ما وقى به العرض، وكان يقدم على نفسه المؤمنين والفقراء، ولم يرغب في جمع مال الدنيا.

وإذا زاد شيء عن المصارف المقررة يقول: يا رب! لا تجعلني من الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فكان ينفقها في سبيل الله.

ومع كل هذه الأملاك والمكنة كان زاهداً مرتاضاً وكان يلبس اللباس الخشن، ويأكل الخبز مع قشوره، وكانت عبادته يضرب بها المثل، ولم يترك الصلوات والصوم المستحب، وكان يقرأ القرآن كثيراً في ليالي الجمعة.

احترت من العلم بشيئين

نقل الآقا الميرزا أبو القاسم العطار الطهراني عن العالم الكبير الحاج الشيخ عبد النبي النوري وكان أحد تلامذة الحكيم الحاج ملا هادي السبزواري، قال: في أواخر عمر السبزواري جاء إلى منزله يوماً شخص وأخبره: بأنه عثر في المقبرة على شخص نصف بدنه في التراب والنصف الآخر في الخارج، ويلقي ببصره إلى السماء، وكلما يزاحمه الأطفال لا يعتني بذلك.

فقال السبزواري: لا بد أن أراه بنفسي، فلما ذهب الملا إلى قبره رآه على تلك الحال فاقترب منه ورأى أنه لم يعتن به.

فقال له الملا: من أنت وما عملك؟ لأني لم أرك مجنوناً، ومن جهة أخرى فإن عملك غير عقلاني؟

فقال في جوابه: أنا شخص جاهل ولكن لي علم بشيئين، أحدهما: علمت أن لهذا العالم خالقاً عظيم الشأن ويجب معرفته وعدم التقصير في عبادته، الثاني: علمت أني لا أبقى في هذا العالم وسأذهب إلى عالم آخر، ولم أعرف كيف يكون حالي في ذلك العالم؟ إني في حيرة من هذين العلمين، وقد اشتد خوفي حتى يظن الناس أني مجنون. وأنت عالم المسلمين وتعرف ذلك، وأخذت كثيراً من العلم، لماذا لا تتوجع ذرة ولا تبالي ولا تفكر؟

هذا الكلام أصاب كالسهم قلب السبزواري وولد له جرحاً عميقاً، وكان في آخر عمره يفكر في سفر الآخرة، وتحصيل زاد هذا السفر، وطريقه المحفوف بالخطر، حتى فارق الدنيا.

الشيخ عبد الكريم الحائري وإغاثة محتاج

كان للمرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري (رحمه الله) مؤسس الحوزة العلمية بقم المقدسة خادم يدعى ـ الشيخ علي ـ قال: في إحدى ليالي الشتاء كنت نائماً، في ساحة منزل الشيخ، فسمعت صوتاً بالباب، فنهضت وفتحت الباب فوجدت امرأة فقيرة تقول: إن زوجي مريض وليس عندنا دواء ولا غذاء وحتى الفحم للتدفئة، فأجبتها بالقول: أيتها السيدة، لا نستطيع في هذا الوقت من الليل أن نعمل شيئاً، وأنا أعلم بأن الشيخ ليس بحوزته شيء حتى يقوم بمساعدتك.

فرجعت المرأة خائبة! فصاح بي الشيخ بعد أن سمع كلامنا، وقال لي: يا شيخ علي! إذا كان يوم القيامة وسأل الله مني ومنك: في هذه الساعة من الليل جاءت أمتي إلى باب داركم ولم تلبوا حاجتها؟

ماذا يكون جوابنا؟

فقلت: أيها الشيخ! ما الشيء الذي نستطيع أن نفعله الآن لهذه المرأة؟

فقال: أنت تعرف منزل هذه المرأة؟

فقلت: نعم، أعرفه ولكن يصعب الذهاب إليه الآن حيث أن الشوارع مكسوة بالطين والثلج.

فقال: قم، لنذهب.

فلما وصلنا رأينا زوجها المريض، وشاهدنا المنزل، ورأينا صحة أقوال المرأة.

فأمرني الشيخ بأن أذهب إلى الدكتور صدر الحكماء وأنقل له عن لسان الشيخ: أن يأتي لفحص الرجل المريض، فذهبت إلى الطبيب المعالج وجئت به فكتب له العلاج وأعطاني الورقة وذهب، فطلب مني الشيخ أن أذهب إلى صيدلية فلان لأشتري الدواء بحساب الشيخ، فذهبت وجئت بالأدوية، ثم طلب الشيخ مني أن أذهب إلى منزل فلان لأشتري كيساً من الفحم على نفقة الشيخ، فجئت بالفحم مع مقدار من الأكل.

والخلاصة، أن عائلة الفقير في تلك الليلة قد دخلها السرور من كل جانب، فمريضهم تحسنت حالته بعد تناول الدواء، وأكلوا الطعام، وتدفئوا.

ثم قال لي الشيخ: ما كمية اللحم التي تأتي بها إلى منزلنا؟

قلت سبعمائة غرام، فقال: أعط نصفه إلى هذه العائلة كل يوم، والنصف الباقي يكفينا، ثم طلب مني أن نذهب لننام.

إيثار المدرس

روت زوجة المدرس قالت: كنت أشاهد المدرس عند عودته من مجلس الشورى كل يوم وإحدى ملابسه غير موجودة عليه، وعندما سألت عن السبب في ذلك أجاب: أعطيته لسائل في الطريق.

وفي أحد الأيام طرقنا سائل، ولم يكن لدى المدرس أي شيء، فطلب مني أن آخذ القدر الذي نستعمله لطبخ الطعام إلى دكان عبد الكريم البقال وآخذ منه مبلغاً من المال لأعطيه لهذا السائل! فقلت له: ليس لدينا غيره؟

فقال: لا بأس.

وأخيراً قتله البهلوي لأنه كان يعارضه في إفساد المسلمين وخراب إيران.

إسلام يهودي ببركة سخاء السيد المرتضى (رحمه الله)

كان للسيد المرتضى علم الهدى حوزة علمية غنية، وكان (رحمه الله) يدرس بها علوماً كثيرة، ويجري على تلامذته رزقاً، فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي أيام قراءته عليه كل شهر اثنا عشر ديناراً، وللقاضي ابن البراج كل شهر ثمانية دنانير.

وأصاب الناس في بعض السنين قحط شديد، فاحتال رجل يهودي على تحصيل قوت يحفظ به نفسه، فحضر يوماً مجلس المرتضى (رحمه الله) وسأله أن يأذن له في أن يقرأ عليه شيئاً من علم النجوم، فأذن له وأمر له بجراية تجري كل يوم، فقرأ عليه برهة، ثم أسلم على يديه.

السيد الشفتي والترحم على الكلبة

كان المرحوم السيد (الشفتي) أحد كبار مراجع التقليد في أصفهان، وكانت له منزلة عظيمة مشهوراً بالعلم والتقوى وكان يتعبد في الليل، وتحدث له حالات من الخوف والرجاء في المناجاة والاستغاثة، وكان يضع القيد في عنقه ويتأوه ويصرخ ويصيح شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب وفي زمان ظل السلطان ابن ناصر الدين شاه والذي كان يمسك بزمام الأمور، جاء فقير إلى السلطان، فقال له السلطان: لم جئتني؟

إن كنت تريد العلم فاذهب إلى مسجد السيد، وهكذا كان.

فكيف وصل إلى هذه الدرجة؟

يحدثنا السيد (رحمه الله) نفسه فيقول: أوصلتني كلبة إلى هذا المقام! فعندما كنت طالباً في النجف، ومرت أيام علي، ولم يأتني شيء من المال ثم اقترضت من رفيقي مقداراً من المال، وصممت أن آكل شيئاً، فاشتريت عند الصباح الخبز واللحم، وأثناء عودتي إلى المنزل رأيت كلبة جائعة جداً ولها ثلاثة أولاد على ثدييها مع أن ثدييها خاليتان من الحليب، فتألمت لهذه الكلبة وقلت في نفسي: إنني إلى الآن قد تحملت الجوع وأيضاً سأتحمل الجوع، فوضعت الخبز في ماء اللحم وعملته ثريداً وقدمته إلى الكلبة فأكلته، وبعد ذلك أنعم الله علي بوصول مبلغ من المال، فلم تمض مدة قصيرة حتى جاءني أحد أهالي شفت ـ إحدى مدن كيلان وكان السيد من أهاليها ـ وقال: إن الحاج الفلاني قد مات وقد أوصى بثلث ماله إليك، وكانت وصيته لي عصر ذلك اليوم الذي أطعمت فيه الكلبة، ومنذ ذلك الوقت وبالتدريج حصلت لي المرجعية في أصفهان.

طريقة المرحوم الميرزا حسن الشيرازي في مساعدة المحتاجين

نقل السيد الأمين العاملي (رحمه الله) في (أعيان الشيعة) في ترجمة الميرزا الشيرازي (قدس سره): أنه كان يقرر الحقوق الشهرية بشكل سري إلى العوائل الكريمة التي: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) وكذلك للتجار المحترمين الذين خسرت تجارتهم، ولم يعلم بذلك أحد حتى وفاته (رحمه الله)، وكذلك الحال بالنسبة للطلبة الذين هم خارج سامراء، وبالخصوص الطلبة المتفوقين علمياً فقد كانت لهم حقوق شهرية مقررة.

ونقل لي: أن الآخوند الملا محمد كاظم الخراساني (رحمه الله)، الذي كان في النجف الأشرف، كان هو الآخر يتقاضى مرتباً شهرياً حتى آخر حياة المرحوم الميرزا الشيرازي، ثم أن الآخذين من الميرزا أخبروا بالأمر بعد وفاة الميرزا.

سخاء السبزواري وعدم اعتداده بالدنيا

كانت للملا هادي السبزواري غلة يتولاها بنفسه وزوجته ويخرج منها سهم الزكوات ليقوم بتقسيمها بين الفقراء، وعلاوة على أداء الحقوق الواجبة، ولسنوات طويلة كان يجمع كافة فقراء مدينة سبزوار في ساحة منزله عصر كل يوم خميس، ويقف بنفسه بباب المنزل ويعطي للفقراء أموالاً حسب القابلية، وفي أواخر شهر صفر من كل عام تقام ثلاثة مجالس للتعزية في منزله يدعو فيها فقراء البلدة، ويرتقي الخطيب المنبر وبعد ختم التعزية يقدم الخبز وماء اللحم، وبعد الانتهاء من تناول الطعام يوزع على كل واحد منهم شيئاً من المال.

وفي أيام شبابه وعندما كان يطلب العلم في المشهد المقدس باع جميع الدكاكين الموروثة بالتدريج وأنفق أموالها في سبيل الله.

وفي السنوات الأخيرة من حياته وبسبب القحط والضائقة، باع ما كان عنده في سبزوار، وقسمه بين الفقراء والمستحقين.

وكانت الدنيا بنظر هذا الرجل صغيرة لا قيمة لها، ولو لم تكن هذه الآية الشريفة: (وليخش الذين لو تركوا ذرية من خلفهم ضعافا خافوا عليهم) تقطع عليه، لصرف ما كان يملكه في يوم واحد في سبيل رضا الله، ويؤيد هذا الأمر أنه حضره شخص وقال له: إنك درويش فلم أبقيت بعض المال ولم تنفق كله، فقال في جوابه: نعم، صدقت، ولكن ما الحيلة والأطفال ليسوا بدراويش؟

من عفو الآخوند الخراساني (رحمه الله)

في وقايع المشروطة انقسم الناس إلى قسمين، وفي إحدى المرات جاء أحد كبار المخالفين للمرحوم الآخوند الخراساني، وكان هذا الشخص دائماً وفي كل مكان ينتقص من شخصية الآخوند ويذمه ويسيء إليه.

وكان هذا الرجل من خطباء كربلاء المعروفين، وأراد أن يبيع داره ليسدد بثمنها الديون التي عليه، لكن المشتري طلب منه أن يقوم الآخوند بإمضاء سند بيع الدار، وإلا فلن يشتري منه الدار، ولم يكن الرجل الواعظ مستعداً للذهاب إلى الآخوند لأنه وبسبب المشروطة التي كان الآخوند من أنصارها، كان ينال من الآخوند، ومن جهة أخرى كان يخشى أن يتعرض لمكروه في منزل الآخوند، ولما كانت القروض قد ثقلت عليه أصبح مضطراً أن يسافر من كربلاء إلى النجف ليرى الآخوند.

فقابله الآخوند باحترام بالغ، وأظهر السرور بهذا اللقاء، فبين الرجل الواعظ الغرض من المراجعة، وقال: الذي أرجوه أن تذيلوا السند بإمضائكم حتى أستطيع بيع داري، فأخذ الآخوند سند البيت من يده وطالعه ووضعه تحت البساط.

فوقع في قلب الرجل الواعظ الشك، وقال في نفسه: الآن كشف هذا الرجل ـ يعني الآخوند ـ عن حقيقته، فلم يقتنع بعدم إمضاء السند، بل صادره مني ليوقعني في متاعب.

وفي هذه الأثناء تحرك الآخوند من مكانه، وأخرج بعض الأكياس من الليرات الذهبية من داخل صندوق حديدي وسلمها للرجل الواعظ، وقال له: إنك من أهل العلم، وأني غير راض أن يكون أهل العلم في ضائقة، خذ هذه المبالغ واستعن بها على ديونك، ولا تبع منزلك فتجعل زوجتك وأولادك مشردين، وإذا ـ لا سمح الله ـ أصبحت في ضائقة مالية فتعال إلينا لنساعدك عليها.

فلما شاهد هذا الرجل الواعظ ما قام به الآخوند (رحمه الله) تجاهه ندم أشد الندم على ما صدر منه، وأخيرا أصبح من أنصار الآخوند، وهكذا تصنع الأخلاق.

تأثر حتى الموت

روي عن المرحوم الآقا ميرزا مهدي الخلوصي، أنه قال: في زمان العالم العامل والزاهد العابد الآقا ميرزا محمد حسين اليزدي (أعلى الله مقامه) المتوفى في (38 / ربيع الأول / سنة 1307هـ) والمدفون في مقبرة غرب الحافظية، أقيم في بستان الحكومة مجلس للضيافة وكان حفلاً غريباً يحضره جمع من التجار وكان يطغى على ذلك المجلس أنواع من الفسق والفجور وكان أحد المطربين اليهود يرقص ويغني، فأخبر المرحوم الميرزا بما يجري في ذلك المجلس، فتأثر تأثرا شديداً من ذلك، وفي يوم الجمعة وفي مسجد وكيل شيراز وبعد صلاة العصر صعد المنبر وأخذ يبكي بكاء شديداً وبعد أن ذكر جملة من المواعظ والنصائح قال:

أيها التجار الفجار! كنتم دائماً خلف العلماء والروحانيين تسندوهم، وها أنتم تحضرون وتدعون إلى مجلس الفسوق الذي ترتكب فيه المحرمات علناً دون حياء، وبدل أن تؤنبوهم وتوبخوهم صرتم شركاء لهم، لقد أصبتم كبدي وأحرقتم قلبي، ودمي يقع على عاتقكم، ثم نزل من المنبر وذهب إلى منزله، وفي الليل لم يحضر صلاة الجماعة، وعندما ذهبنا إلى بيته للسؤال عن حاله؟ قالوا: إن الميرزا ابتلي بالحمى، يوماً بعد يوم ازدادت الحمى عنده بشكل عجز الأطباء عن مداواته وقالوا: يجب أن يغير الماء والهواء، فأخذوه إلى بستان سالاري، وفي ذلك الوقت كان قد جاء إلى شيراز أحد الهنود المرتاضين، وكان مشهوراً في الإخبار عن الوقائع والحوادث، واتفق أنه مر يوماً من محلّنا، فقال لي والدي: تعال به لأسأله عما يتعلق بأحوال الميرزا وشفائه، فذهبت إلى الهندي وجئت به إلى محلنا، فقال والدي دون أن يذكر اسم الميرزا: عندي شيء أريد أن أعرف هل يصل بسلامة أم لا؟ ولكن في باطنه كان ينوي هل أن الميرزا يشفى من مرضه أم لا؟

فأخذ يحسب المرتاض الهندي واستغرق في الفكر ولم يستطع الإجابة، فقال له والدي: أرجو أن لا تؤخر نفسك أو تؤخرنا إذا كان لك اطلاع فأخبرنا، وإن لم يكن لك ذلك فخذ صلتك وانصرف، فقال الهندي: حسابي صحيح ولكن سؤالك جعلني أستغرق في التفكير، لأن ما قلته لي ظاهراً غير ما عندك باطناً، فقال له والدي: ماذا كانت نيتي؟

فقال الهندي: الآن أزهد رجل على الأرض مريض وأنت تريد أن تعرف عاقبته، فأقول لك: لا يشف من مرضه هذا ويموت بعد ستة أشهر، فتعجب والدي مما ذكره، وأعطاه مبلغاً من المال، وبعد ستة أشهر ودع الميرزا الدنيا.

(الجمهرة) مع ثمنه

حكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي: أن أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن سلك الفالي الأديب كانت له نسخة من كتاب (الجمهرة) لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها، فاشتراها الشريف المرتضى بستين دينار، فتصفحها فوجد فيها أبياتاً بخط بائعها أبي الحسن الفالي، وهي:

أنست بها عشرين حولاً وبعتها           لقد طـــال وجدي بعدها وحنيني

وما كان ظني أنني سأبيعـــــها           ولو خلدتني في السجون ديوني

ولكن بضعف وافتقار وصبـــية           صغار عــليهم تســــتهل عيوني

فقلت ولم أملك سوابق عـــبرة           مقالة مكوي الفؤاد حــــزيــــــن

وقد تخرج الحاجات يا أم مالك            كرائم من رب بهــــــن ضنيـــن

فرد عليه النسخة، وأعطاه الثمن ليستعين به على أموره.

من سخاء الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله)

نقل السيد محمد طاهر الشفيعي الدزفولي ـ إمام جماعة دزفول ـ عن جدته: أن إحدى العادات الجميلة عند الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) أنه كان يزور أقاربه ويصل أرحامه.

وفي إحدى الليالي وبعد صلاة المغرب والعشاء اشتقت إلى أكل السمك، وقلت: يا ليتنا نتمكن من تهيئة سمكة ليوم غد، فجاء الشيخ في الصباح وأعطاني مبلغاً من المال، وقال: أوصيت الملا رحمه الله أن يشتري لكم سمكاً، كما نقل أيضاً السيد أسد الله الدزفولي ابن السيد محمد المجاهد الذي كان من تلامذة الشيخ الأنصاري عن أمه قالت: رأيت والدي ليلة أثناء المطالعة وقد استغرق بالفكر، فسألته: بأي شيء تفكر؟

فقال: أفكر في ديوني التي بلغت ثمانين توماناً، وكيف لي أن أؤديها، وذهب للنوم.

ثم استيقظ من النوم فرأيته مسروراً وهو يشكر الله تعالى، فقلت له: ما الذي جرى؟

قال: رأيت في المنام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال لي: (أوصيت الشيخ مرتضى أن يفي ديونك).

فلما أصبحنا رأيت الملا رحمه الله خادم الشيخ يقول: الشيخ يستدعيك، فذهب السيد إلى الشيخ، فقال له الشيخ: اكتب لي أسماء دائنيك وأعطني إياها، ولا تفكر، فأنا أسددها عنك.

كل من يحب شيبة الشيخ فليساعد الفقير

روي: أن الشيخ جعفر الكبير آل كاشف الغطاء (رحمه الله) كان يقسم الوجوه بين الفقراء يوماً في أصفهان، وبعد الانتهاء من ذلك وقف للصلاة، فأعْـلـِم أحد الفقراء بالتقسيم المذكور فورد بين الصلاتين، وقال للشيخ: أعطني سهمي، فقال الشيخ: جئتنا متأخراً وقد انتهى التقسيم.

فغضب الرجل الفقير وقال ما لا يليق.

فقام الشيخ من محراب الصلاة وأخذ بثوبه يمر بين صفوف المصلين ويقول: كل من يحب شيبة الشيخ فليساعد الفقير، فملأ الناس ثوب الشيخ من الحمراء والبيضاء، فأعطاها الشيخ للفقير.

الرد على الجاهل

بعد أن أنهى الميرزا أبو القاسم بن الملا حسن القمي تحصيله العلمي في كربلاء، عاد إلى مسقط رأسه (جايلق) وسكن في قرية تسمى (قلعة بابو) مشغولاً بترويج الدين وبيان الأحكام الدينية، وكان في تلك القرية رجلان جاهلان، أحدهما: يدعى (سبز علي) والآخر يسمى (شاه مراد) وكانا يحسدان الميرزا القمي (رحمه الله) ويضمران له سوءاً، فأخذا يشنعان عليه عند أهل القرية، ويقولان: إن الميرزا جاهل لا يعرف شيئاً، وأنهما أعلم منه.

وفي إحدى المجالس اجتمع أهل القرية وكان الميرزا القمي موجوداً بينهم، فقال أحد الرجلين للميرزا: اكتب لنا الأفعى، وحيث أن الميرزا لم يعلم قصده وغرضه، أخذ القلم والورقة وكتب له كلمة أفعى على الورقة.

فقال الرجل: هل هذه أفعى؟

ثم أخذ القلم وعلى صفحة الورقة خط صورة الأفعى بالرسم، ثم قال: انظروا أيها الناس! وانصفوا في الحكم والقضاء هل الأفعى ما كتبه الميرزا أم الذي كتبته أنا؟

ولما كان الناس من الجهلة فصدقوا ما كتبه سبز علي.

ومن ذلك الوقت استغل سبز علي جهالة الناس، وقال: أنا عالم والميرزا جاهل، فقبل الناس مقولته، فضاق قلب الميرزا من الجهل وعدم المعرفة، فترك القرية وارتحل إلى قم وسكنها وشرع بالتدريس، حتى اجتمع عليه العلماء والطلاب.