الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

المقدمة

الإسلام وعاشوراء

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
إن رسالة عاشوراء: إحياء الإسلام، وإرجاع القرآن إلى الحياة، وهذا هو ما كان يهدفه الإمام الحسين (عليه السلام) من نهضته وشهادته، وذلك لأن الإسلام الذي أنزله الله تعالى في كتابه، ونطق به قرآنه، وبلّغ رسوله (صلى الله عليه وآله)، وضحّى من أجله أهل البيت (عليهم السلام) وخاصة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء يوم عاشوراء، هو الدين الكامل، والقانون الشامل، الذي باستطاعته وفي كل عصر وزمان أن يسعد الإنسان، والمجتمع البشري، ويضمن له التقدم والرقي، والتطلع والازدهار، وذلك في ظل حكام استشاريين، غير مستبدين ولا ظالمين، نص الله على إمامتهم وولايتهم، وفي جوار حكومة عادلة، وإدارة حكيمة، ورعاية واعية، ونظام استشاري.
وكذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووصيه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد صوّرا أيام ولايتهما الظاهرية القليلة، عن الإسلام أفضل صورة من الحرية والاستشارية، وتطبيق العدالة وأداء الحقوق الفردية والاجتماعية.
ولكن لما نزى على كرسي الحكم بنو أمية، تشدّقوا بالإسلام، وهتفوا به ظاهراً، بينما قد اتخذوه مهجوراً في الواقع، وطبقوا أحكام الجاهلية، وحكموا بما يحلو لهم من نزعاتهم الرومية، إذ هم كانوا يرجعون إلى أصل رومي سبباً ونسباً، وفكراً ومعتقداً، وأحيوا كل ما أمكنهم مما أماته الإسلام، وأماتوا كل ما استطاعوا مما أحياه الإسلام، فارجعوا عاصمة الإسلام إلى الشام عاصمة الروم، وأعادوا الحكم إلى السلطنة والوراثة كما كان عليه الرومان، وغيّروا وبدّلوا، وعكسوا عن أعمالهم العدوانية التي كانوا يضفون عليها اسم الإسلام، صورة مشوّهة عن الإسلام، ووجهة مموهة منه، وذلك بغية طمسه وهجره، بحيث انه لو لم يتدارك الإمام الحسين (عليه السلام) الإسلام، لمحوه من الوجود، ولاجتثّوه من الجذور، ولأكلوا عليه وشربوا.

الإمام الحسين (عليه السلام) يتدارك الإسلام

نعم تدارك الإمام الحسين (عليه السلام) الإسلام، وكان ثمن تداركه هذا، تقديم دمه الطاهر، والتضحية بثمانية عشر فتىً من أهل بيته الطاهرين الذين لم يكن لهم على وجه الأرض من شبيه، كما في الحديث الشريف(1).
وحيث أن الثمن كان غالياً جداً، والتدارك كان لله خالصاً محضاً، ولم يكن يشوبه هوى نفس، ولم تمتزج به مصلحة شخصية أبداً، وإنما كان لله تعالى وحده، حتّى ينقذ عباد الله من الجهالة ومن حيرة الضلالة، صار كلما يذكر الإمام الحسين (عليه السلام)، أو عاشوراء، أو كربلاء، يذكر إلى جانبه، ويتجسم بحياله: الإسلام، القرآن، الحرية، الاستشارية، المؤسسات الدستورية، التعددية الحزبية، الأخوّة الإسلامية، الحقوق الإنسانية الفردية والاجتماعية، العدالة العامة والضمان الاجتماعي، التقدم والازدهار، الرقي والحياة الرغيدة، السعادة والهناء، كما ويذكر إلى جانبه: الحرب ضد التجبّر والطغيان، وضد الدكتاتورية والاستبداد، وضد التوحش والبربرية، وضد التقهقر والرجعية، وضد الفقر والجهل، وضد الاستثمار والاستعمار، وضد الكبت والحرمان.

الشعائر الحسينية وأهميّتها

ثمّ أن الذي يجسّد هذه القيم، ويحيي هذه المثل، ويبقيها طرية جديدة، وينشرها في ربوع الكرة الأرضية، وخاصة في مثل هذا الزمان الذي اتخذ المسلمون الإسلام مهجوراً، واكتفوا منه بالاسم دون العمل، هو: إقامة الشعائر الحسينية، ونشر ثقافة المنبر الحسيني، ويجب أن يكون ذلك عبر الفضائيات والانترنيت، ووسائل الإعلام القديمة والجديدة، وفي كل البلاد الإسلامية، بل في جميع بلاد العالم.
وهذا يتطلب من المسلمين جميعاً، وخاصة أصحاب الهيئات والمواكب، وأهل القلم والمنبر، وذوو الخطابة والبيان، أن ينظروا إلى قصة الإمام الحسين (عليه السلام) بنظرة أوسع، وان يتعاملوا معها برحابة صدر اكبرن وان يعلموا بان الإمام الحسين (عليه السلام) ليس هو حكراً على المسلمين فحسب، وفي البلاد الإسلامية فقط، وإنما الإمام الحسين (عليه السلام) هو خلف جده الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي بعثه الله تعالى إلى الناس كافة، وأرسله إلى العالم كله، وكذلك يكون الإمام الحسين (عليه السلام) إماماً للناس كافة وعلى العالم جميعاً، علماً بأن الناس جميعاً والعالم كله متعطش إلى أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) وتعاليمه، ومتلهف إلى أخلاق الإمام الحسين (عليه السلام) وسيرته، فلو استطعنا أن نوصل إلى الناس كافة، وإلى جميع العالم صوت الإمام الحسين (عليه السلام) ونداءه، وأهدافه وتعاليمه، لاتبعه كل الناس وفي جميع العالم.
وعليه: فكل تقصير منا في إيصال هذا الصوت، وإبلاغ هذا النداء، وكل اشتغال منا بالتنازع فيما بيننا، والتشاجر على مصالحنا الشخصية، أو الأهواء النفسية، مما يبعدنا عن هذا الهدف الإنساني والشرعي، فهو ذنب لا يغفر، وعيب لا يستر، وربما ـ ولا سمح الله ـ يجعلنا بالنسبة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) وجدّه وأبيه، وأمّه وأخيه، والأئمة من بنيه (عليه السلام)، من أولئك الذين ينقلب شفعاؤهم، خصماؤهم يوم القيامة.
إذن، فعلينا أن نسعى جادين، متشاورين ومتعاونين، وبكل طلاقة وجه، ورحابة صدر، وسعة فكر، من اجل تعميم بركة الإمام الحسين (عليه السلام) على كل المعمورة، وإلى كل الناس، فإنه كما قال فيه جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة) أي: لجميع الناس وفي كل العالم، وما ذلك على الله بعزيز.

كربلاء: البلدة المقدسة

نقل العالم الشهير، والمحدّث الكبير ابن قولويه رحمه الله في كتابه المعروف: (كامل الزيارات): إنه قد دفن في أرض كربلاء المقدسة مائتا نبي، ومائتا وصي، ومائتا سبط(2).
كما أن في النجف الأشرف قبر كثير من الأنبياء والصديقين، مثل: آدم ونوح، وهود وصالح على نبينا وآله وعليهم السلام.
إن تاريخ الأرض وما جرى عليها مجهول لدينا، ولا نعلم من ذلك إلا شيئاً قليلاً، اللهم إلا إذا ظهر الإمام المهدي (عليه السلام) وعجل الله تعالى في ظهوره، فيبيّنها لنا، ويطلعنا على انه كم مر على الأرض من أدوار؟ وكم بقي للأرض من أزمان؟ فإن هذا وأمثاله مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، ومن اطلعه الله تعالى على علمه، وهم نبينا (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، لكن مع كل ذلك يقول الله تعالى في هذه الدنيا وما فيها من ارض وسماء، وشمس وقمر، وماء وهواء، وبرّ وبحر (فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)(3) ويعبر عنها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بتعبير اللّماظة(4) كما ويعبر عنها (عليه السلام) أيضاً: بأنها كعراق خنزير في يد مجذوم.(5)
ثم إن هذه الدنيا الصغيرة أمام الآخرة، والحقيرة عند الله تبارك وتعالى وعند أوليائه، بقي ولا يزال أغلبها خافياً على كثير من الناس، فكيف بالآخرة الكبيرة بالنسبة إلى الدنيا، والعظيمة عند الله تعالى وعند أوليائه؟

في بلدة نور

نعم، إن الذي خفي علينا من هذه الدنيا، ومن الآخرة المقبلة علينا كثير جداً، أما ما خفي علينا من الدنيا فمنها ما أشار إليه الحاج النوري صاحب المستدرك (قدس سره) في بعض كتبه: من إنه كان في بعض اشهر السنة وهو في بلدته (نور) من منطقة مازندران، يصطاف خارج المدينة، ويصطحب معه كتبه وأوراقه إلى مزرعة أحد أقربائه هناك، وذلك حين كانت خالية من المزارعين، ويشتغل فيها بالمطالعة والتأليف، وذات ليلة وهو يكتب في ضوء المصباح إذ دخل عليه نفران طويلا القامة، عريضا المنكبين، يرتديان ملابس بيضاء نقيّة، فسلّما عليه وقالا له: ماذا تكتب؟
قال الحاج النوري: أكتب بعض الروايت المروية عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وعن أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام).
فقالا له: اقرأ لنا بعض ما كتبت.
فقرأ عليهم الحاج النوري بعض ما كان قد كتبه من خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم الغدير، ولما قرأ بعض مقاطعها، أخذ أولئك النفران يصحّحان بعض ما قرأه عليهما قائلين: إن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد قال هذه الكلمة مكان هذه الكلمة التي قرأتها.
فتعجّب الحاج النوري من تصحيحهما وقال لهما متسائلاً: من أين تعلمان ذلك؟
قالا في جوابه: إنا نفران من الجن، وكنا حاضرين عندما خطب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بهذه الخطبة يوم غدير خم.
هذا وقد نقل لي الوالد رحمه الله(6): من أن الحاج النوري (قدس سره) بعد تلك المكاشفة، أضاف ما صحّحه أولئك النفران من ألفاظ الخطبة إلى الخطبة بين هلالين، وجعل ذلك باعتبار: نسخة بدل عن الأصل.

تقريرات علمية

وعليه: فالجن حقيقة من حقائق هذه الدنيا، ولكن هل نعلم عن الجن شيئاً؟ أو هل نعلم شيئاً عن كثير من الموجودات التي تعيش معنا في هذه الدنيا ناهيك عن الجن مع أن الجن جاء حديثهم في القرآن الحكيم؟ وقد رأيت أنا في بعض التقريرات أن الأحياء الموجودة في الأرض غير الإنسان، وذلك حسب إحصاء علماء الغرب تبلغ ثلاثين مليون موجود حي، فهل نعلم حتّى عشرها؟ بل هل نعلم ما في بدننا من الذرات والخلايا، ومن الطاقات والقوى، ومن الماديات والمعنويات، حتّى جزء من ألف جزء؟
إذا كان هذا هو حال القوى المادية والمعنوية في أبداننا حيث لا نعلم منها إلا الشيء القليل، فكيف بالقوى المادية والمعنوية الموجودة في هذا الكون الرحيب؟ ناهيك عن القوى المادية والمعنوية، الموجودة في الآخرة، فإنا لا نعلم منها شيئاً، سوى القدر القليل جداً مما أخبرنا به الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام.

الآخرة للصالحين

إذن، فما خفي عنّا من الآخرة هو أكثر بكثير ممّا خفي عنّا من أنفسنا ومن الدنيا، وأما ما خفي علينا من الآخرة فمنها: ما قد نقله لنا الأستاذ الفقيد آية الله السيد الميلاني(7) رحمه الله حيث انه كان حاضراً عند موت استاذه الشيخ مرتضى الطالقاني، وكان الشيخ الطالقاني رحمه الله من أخيار علماء النجف الأشرف، قال: إنه كان في ساعة الاحتضار مغمى عليه، وفي لحظات عروج روحه إلى السماء، فتح عينيه ونظر إلى من كان حوله من الناس وقال لهم: لو أن المؤمن يعلم ما اعد الله تعالى له في الآخرة، لم يرض لنفسه أن يعطي الدنيا كلها في قبال دقيقة من الآخرة، قال هذا الكلام ثمّ غمض عينيه قائلاً: لا اله إلا الله، وفارقت روحه الدنيا رحمة الله عليه.
نعم، هكذا نحن قاصرون في علمنا بالنسبة إلى أنفسنا، وبالنسبة إلى دنيانا، وهكذا بالنسبة إلى الآخرة التي أعدها الله تعالى للصالحين من عباده، والمتقين من بريّته وخلقه.

الاهتمام بالمنبر الحسيني

المنبر الحسيني قد أثبت نفسه على طول التاريخ وممرّ العصور، بأنه من أفضل الوسائل، وأهم العوامل، لحفظ قضيّة الإمام الحسين (عليه السلام) وإبقائها حية طرية، تتفاعل مع القلوب والضمائر، والنفوس والأرواح، والعقول والعواطف.
ومن المعلوم: إن قصة الإمام الحسين (عليه السلام) هي أهم قصة يتمكن المسلمون بسببها من تبليغ القرآن والإسلام، ونشر التقوى والفضيلة في ربوع الأرض عامة، وبين المسلمين خاصة، وذلك لأن قصة الإمام الحسين (عليه السلام) هي قصة حقيقية وواقعية، عقلانية بحتة، وفي نفس الوقت، عاطفية صرفة أيضاً، وليست هناك عند البشرية قصة مثلها، ولا قضية تضاهيها في الاستهواء والتأثير، والجذب والتسخير، واستقطاب الجماهير، فقد نقل لي أحد خطباء المنبر الحسيني ما يلي:
قال: كنت وجماعة من خطباء المنبر الحسيني في سيارة قد استأجرناها لتنقلنا من مكان إلى آخر، وفي الطريق تلاطف أحدنا مع سائق السيارة بملاطفات انجرّ الكلام بينهما إلى ما لا يليق، قال ذلك الخطيب: فتداركت الموقف وأخذت اعتذر من السائق، لأصرف ذهنه عما جرى، واغسل ذاكرته عن الكلام غير اللائق، الذي كلّمه به صديقنا الخطيب، والذي ربما جرح خاطره، وكدّر عواطفه، فلما قدّمت له اعتذاري وانتهيت من كلامي، التفت اليّ السائق وقال بكل احترام واجلال وتواضع وخشوع: يا سماحة الشيخ إنه لم يبدر اليّ منكم ما يستدعي الاعتذار والتنصّل، كيف وإن لكم حق الحياة عليّ؟ إذ بسببكم هداني الله تعالى إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وعليّ أن أؤدّي حقكم، وأقدم جزيل الشكر الذي يجب علي بالنسبة إليكم.

من بركات المنبر

قال الخطيب وهو يواصل قصته: فسألت السائق حينئذ عن قضيّته، وكيف هداه الله تعالى بسببنا؟
فأجاب قائلاً: لقد كنت في أول شبابي، وعلى أثر المحيط الفاسد الذي كنت أعيش فيه، والأصدقاء السوء الذين كانوا يصحبونني، منحرفاً أشد الانحراف، وبعيداً غاية البعد عن التقوى والفضيلة.
وذات مرّة وقد انّبتني نفسي اللوّامة، ووخزني ضميري ووجداني على ما أمارسه من انحراف، واقترفه من ذنوب، إذ وقع طريقي على مجلس من مجالس الإمام الحسين (عليه السلام)، فحملت نفسي وأنا ألومها على انحرافها، واعتب عليها لانزلاقها واعوجاجها، على أن اشترك في هذا المجلس الحسيني، فدخلت فإذا أنا بالخطيب على المنبر وهو يعظ الناس ويرشدهم، ويفسّر لهم بعض الآيات الكريمة، ويقرأ عليهم نزراً من الأحاديث الشريفة، فأخذتني مواعظه، وأثّرت في قلبي نصائحه، وصقلت نفسي الآيات والروايات التي كان يرتلها على مسامعنا، ثم عرّج من نصائحه ومواعظه إلى قراءة المصيبة على قمر بني هاشم أبي الفضل العباس (عليه السلام) وحكى لنا عن كيفية جهاده في سبيل الله، ومواساته لأخيه الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أن وصل إلى حكاية ما قاله أبو الفضل العباس (عليه السلام) يوم عاشوراء، عندما قطع الأعداء يمينه من رجزه في وجه الأعداء وهتافه بهم:
والله إن قطعتموا يميني***إني أحامي أبداً عن ديني(8)
فبكيت بكاءً شديداً، وقلت في نفسي متمتماً: كيف تسمح لنفسك وأنت تدّعي حب أبي الفضل العباس (عليه السلام) أن تهتك حرمة الدين بمواصلة انحرافك، واستمرار جرائمك وجناياتك، وأبو الفضل العباس (عليه السلام) قد ضحّى بنفسه، وقدّم يديه لحماية الدين وحفظ حرمة الإسلام؟ فهزّني ذلك من الأعماق، وأيقظني من رقدتي وغفلتي، وجعلني اندم على ما سلف مني، واعزم على إصلاح نفسي.
وبالفعل فقد توفقت للتوبة، واهتديت إلى طريق الأوبة، وأخذت جادة الصواب، وسرت في طريق التقوى والفضيلة، كل ذلك ببركة ذلك الخطيب الحسيني، ثمّ تحسنت حالتي، وتخلّصت من شقوتي وكآبتي، والحمد لله رب العالمين، لذا بقيت وأنا أرى نفسي مديناً لرجال الدين، وأرى لخطباء المنبر الحسيني حق الحياة عليّ، كما أرى على نفسي أن أجلّهم واحترمهم، وأن أكون لهم من الشاكرين دوماً وأبداً.

القصة الخالدة

نعم قصة الإمام الحسين (عليه السلام) قصة خالدة، ترتبط بواقع الكون الرحيب، وتتصل بعمق الحياة المليئة بالمعنويات، مما يمكن الاستفادة منها لاصلاح الدنيا في كل مجالتها، واسعاد الإنسان في جميع أبعاده، ونشر الدين بكل فضائله، واحراز الآخرة بجميع خيراتها، فإن وراء ما ظهر من قصة الإمام الحسين (عليه السلام) الخالدة، حقائق وواقعيات عميقة الغور، بعيدة المدى، لا ينالها الإنسان بفكره، ولا يدركها بعقله، إلا بعد تدبّرها وتحقيقها، مطالعتها ومدارستها، وذلك لأنها قصة مستوحاة من الوحي، ومستقاة من السماء.
فكما أن وراء كل الظواهر الكونية، حقائق كامنة، وواقعيات باطنة، وأعماق نافذة، ومعنويات ضافية، لا يتمكن الإنسان الوصول إليها، ولا يستطيع دركها ولا فهمها إلا عن طريق اسبابها، فكذلك تكون قصة الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ((وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها))(9) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة والحكمة فليأتها من بابها)(10) وعن ابن عباس: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها إلا وله ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب (عليه السلام) علم الظاهر والباطن)(11). وعن جابر قال: فقال لي أبو جعفر (عليه السلام): (يا جابر أن للقرآن بطناً، وللبطن بطن، وله ظهر وللظهر ظهر، يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن)(12).
وفي القرآن أيضاً آيات تشير إلى هذه الحقيقة، وذلك حيث يقول سبحانه: ((وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ))(13).
وفي آية أخرى: ((فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ))(14).
وقال الشاعر:
أُذُن الحقيقة والعيونُ وألسنُ الـ***أشياء تحت ستائر الأضمار
ولعل الشيء الظاهر لنا هو: جزء يسير من الواقع المخفي علينا، قال سبحانه: ((فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ))(15) إشارة إلى عالم ما بعد الموت، حيث يكشف الله تعالى عن بصر الإنسان ما كان عليه من ستائر وحجاب يمنعه من رؤية حقائق الأمور، وبواطن الأشياء، فيحتدّ بصره، وينفذ في الأشياء، فيرى كوامنها وبواطنها، مما كانت خافية عليه من قبل في عالم الدنيا. ومن ذلك أمور كونية ترتبط بشهادة الإمام الحسين فقد لا يستوعبها البعض ولكنها حقيقة أرادها الباري عز وجل.

السماء والأرض يبكيان الإمام الحسين (عليه السلام)

إن في قصة الإمام الحسين (عليه السلام) كوامن جليلة، وخفايا كثيرة، قد كشف لنا عن بعضها أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، منها: بكاء السماوات والأرض، والشمس والفلك، والوحش والطير، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (زوروا الحسين (عليه السلام) ولا تجفوه، فإنه سيد شباب أهل الجنّة.. وشبيه يحيى بن زكريا، وعليهما بكت السماء والأرض)(16).
وفي خبر ابن شبيب عن الإمام الرضا (عليه السلام): (إنه بكت السماوات السبع والأرضون لقتله)(17).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل جاء فيه: (إن أبا عبد الله لما قتل، بكت عليه السماوات السبع، والأرضون السبع، وما فيهن وما بينهن، ومن يتقلّب في الجنة والنار، وما يرى وما لا يرى...)(18).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بكت الانس والجن والطير والوحش على الحسين بن علي (عليهما السلام) حتى ذرفت دموعها)(19).
وعن زرارة قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا زرارة إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم، وإن الأرض بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة... وما اختضبت منا امرأة ولا ادّهنت، ولا اكتحلت، ولا رجّلت، حتّى أتانا رأس عبيد الله بن زياد لعنه الله، وما زلنا في عبرة بعده...)(20).
فبكاء السماء والأرض وما فيهما وما بينهما على الإمام الحسين (عليه السلام) حقائق كامنة لقصة الإمام الحسين (عليه السلام) نحن لا نعلمها، وإنما كشف لنا عنها، أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين اطلعهم الله تعالى على غيبه وعلى حقائق الأمور وواقعياتها.

ضجيج الملائكة وبكاؤهم

ومنها: بكاء الملائكة وضجيجها، فعن الفضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما لكم لا تأتونه يعني: قبر الحسين (عليه السلام)؟ فإن أربعة آلاف ملك يبكون عند قبره إلى يوم القيامة)(21).
وعن أبي عبد الله قال: وكّل الله بالحسين بن علي سبعين ألف ملك يصلّون عليه كل يوم شعثاً غبراً، منذ يوم قتل إلى ما شاء الله يعني بذلك: قيام القائم (عجل الله تعالى فرجه)(22).
وعن محمد بن حمران قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (لما كان من أمر الحسين بن علي ما كان، ضجّت الملائكة إلى الله تعالى وقالت: يا رب أيفعل هذا بالحسين صفيّك وابن نبيك؟ قال: فأقام الله ظلّ القائم (عجل الله تعالى فرجه) وقال: بهذا انتقم له من ظالميه)(23).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكون الحسين إلى يوم القيامة، فلا يأتيه أحد إلا استقبلوه، ولا يمرض أحد إلا عادوه، ولا يموت أحد إلا شهدوه)(24).
نعم إن ضجيج الملائكة، وكذلك بكاؤهم على الإمام الحسين (عليه السلام)، وهكذا مكثهم حول قبره الشريف، واستقبالهم لزواره، وإكرامهم لهم، هو من كوامن قصة الإمام الحسين (عليه السلام) ومن حقائقه الباطنة، التي اخبرنا عنها من اطلعهم الله تعالى عليها، وذلك ما يؤكد على عظمة قصة الإمام الحسين (عليه السلام) وكبير وقعها وأهميتهأ.

الجن تنوح على الإمام الحسين (عليه السلام)

ومنها: نوح الجن وبكاؤها، فعن ابن نما في مثير الأحزان قال: ناحت عليه الجن، وإنه كان نفر من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) منهم: المسور بن مخزمة، يستمعون النوح ويبكون.
وذكر صاحب الذخيرة عن عكرمة: إنه سمع ليلة قتله (عليه السلام) بالمدينة مناد يسمعونه ولا يرون شخصه:
أيها القاتلون جهلاً حسيناً***ابشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء تبكي عليهم***من نبي وملك وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داود***وموسى وصاحب الإنجيل(25)
وفي كامل الزيارات مسنداً قال: بكت الجن على الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقالت:
ماذا تقولون إذ قال النبي لكم***ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بأهل بيتي وإخواني ومكرمتي***من بين أسرى وقتلى ضرّجوا بدم(26)
وقد نقل أحد الزهّاد قائلاً: إنه سمع بكاء امرأة من الجن ليلة عاشوراء وهي تنوح وتبكي على الإمام الحسين (عليه السلام).
ونقل لي الوالد (رحمه الله) أنه كان يسمع نياح الجن في ليالي عاشوراء من الدار المجاورة لنا في كربلاء المقدسة، وغير ذلك من القصص الكثيرة.
وعليه: فهذه وأمثالها حقائق كامنة، وواقعيات باطنة، لا يمكن انكارها، ولا يصح تكذيبها، رغم خفائها علينا، واستتارها عن انظارنا، وذلك لانها موجودة أخبر بها الصادقون، وشهدها المتقون، وهي كلّها ترتبط بقصة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتدل على ارتباطها الوثيق بالغيب والماورائيات، وبالوحي والسماء.

البحار، ج44، ص285، ضمن حديث الإمام الرضا (عليه السلام) لابن شبيب.
واليك نص الرواية: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يسير بالناس حتّى إذا كان من كربلاء على مسيرة ميل أو ميلين تقدّم بين أيديهم حتّى صار بمصارع الشهداء ثم قال: قبض فيها مائتا نبي ومائتا وصي ومائتا سبط كلّهم شهداء باتباعهم فطاف بها على بغلته خارجاً رجله من الركاب فأنشأ يقول: مناخ ركاب ومصارع شهداء لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من أتى بعدهم. كامل الزيارات الباب الثامن والثمانون، ص27.
3ـ  سورة التوبة، الآية 37.
4ـ (ألا حرّ يدع هذه اللماظة لأهلها) واللماظة: بقية الطعام في الفم، يريد (عليه السلام) بها الدنيا، أي: الا يوجد حرّ يترك هذا الشيء الدنيء لأهله.  نهج البلاغة، قصار الحكم 456.
5ـ (والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم) نهج البلاغة، قصار الحكم، 236.
6ـ سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الحسيني الشيرازي (1304-1380هـ).
7ـ سماحة آية الله العظمى السيد محمد هادي الحسيني الميلاني (1313-1395هـ).
8ـ بحار الأنوار، ج45، ص40.
9ـ سورة البقرة، الآية 189.
10ـ بحار الأنوار، ج28، ص198، ج40، ص87.
11ـ البحار، ج89، ص93.
12ـ البحار، ج89، ص95، ح48.
13ـ سورة آل عمران، الآية 71.
14ـ سورة النازعات، الآية 14.
15ـ سورة ق، الآية 22.
16ـ البحار، ج45، ص201.
17ـ البحار، ج45، ص201.
18ـ البحار، ج45، ص202.
19ـ البحار، ج45، ص205.
20ـ البحار، ج45، ص206.
21ـ البحار، ج45، ص222.
22ـ البحار، ج45، ص222.
23ـ البحار، ج45، ص221.
24ـ البحار، ج45، ص223.

25ـ البحار، عن تاريخ ابن عساكر، ج4، ص341.

26ـ البحار، ج45، ص237.