الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

(عالمة غير معلَّمة)(1) كذا وصف الإمام السجاد عليه السلام عمته السيدة زينب (عليها السلام).

ويظهر من ذلك أن علمها (عليها السلام) كان لَدُنَيّاً(2) وان لم يكن بمنزلة علومهم (عليهم السلام) وبقدره في الارتفاع فـ : [ تلك الرُّسُلُ فضَّلنا بعضَهم على بعض ] (3) وهو مقتضى العقل، لاختلاف مراتب الإمكان.. حتى يصل إلى الخطاب الرباني لرسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم): بـ(لولاك لما خلقتُ الأفلاك..)(4).

وذلك لأنه لولا خلقه(5) (صلى الله عليه وآله وسلّم) ـ الذي هو غاية الممكن ـ لكان دليلا على عدم قدرة الخالق أو عدم لطفه ـ تعالى الله عن ذلك علوَّاً كبيراً ـ كما هو مذكور في علم الكلام.

فكان خلقه تعالى للأفلاك بما فيها.. من دون خلقه (صلى الله عليه وآله وسلّم) غير لائق له سبحانه وتعالى، كالمهندس الذي لا يبني الدار اللائقة في غاية الجودة، حيث إن بناءه دون ذلك دليل على عدم قدرته الكاملة على البناء الجيد أو ما أشبه ذلك.

وهناك احتمال آخر في هذا الحديث الشريف ليس هنا موضع ذكره(6).

وأما (لولا علي..) فلوضوح أنه لولاه عليه السلام ـ حسب ما قرره الله سبحانه لهذا الكون ـ لذهب المبطلون بنقاء الإسلام ولحرَّفوا الكتاب الكريم، كما أخذوا [ يحرِّفون الكلم عن مواضعه ] (7) و[ نسوا حظا مما ذكروا به] (8) في الأديان السابقة كاليهودية والنصرانية، والله سبحانه حسب حكمته أمكن منهم.

فلولا أمير المؤمنين علي عليه السلام لكانت خلقة الأفلاك ناقصة وعلى غير الحكمة.

و(لولا فاطمة …) لأنها (عليها السلام): (الصديقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأولى)(9).

ولأنها امتداد للأئمة الأطهار(عليهم السلام) (10)الذين هم سبب بقاء الدين إلى يوم القيامة..

وهم السبب في حفظ كتاب التكوين أيضاً..

بالإضافة إلى كتاب التشريع، قال عليه السلام : ( لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها) (11)، فالإمام علي عليه الاسلام واسطة الفيض ، وهم (عليهم السلام) أخير العلة.

ولذا لو لم يصلنا حديث (لولاك لما خلقت الأفلاك ولولا علي لما خلقتك ولولا فاطمة لما خلقتكما) لكان العقل دليلاً على النقل قبله.

ثم إن السيدة زينب (عليها السلام) من هذه العترة الطاهرة، وإنا لا نفهم حقيقة هذه السيدة الجليلة وعظمتها كما هي هي ولا يسعنا معرفتها حق المعرفة ، إذ الأقل لا يحتوي على الأكثر وإلاّ لزم الخلف.

وهذا أيضاً دليل عدم إمكان فهم الممكن حقيقة الواجب تعالى ، وان كان للممكن وسْعة وسيعة، فقد [ أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها] (12).

إن الممكن مهما كان رفيعاً ، لابد وأن يقول: (ما عرفناك حق معرفتك)(13).

وقد ورد في الحديث: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يكلم أحداً بقدر عقله الشريف(14)، وذلك لأن عقله فوق كل عقل وهكذا بالنسبة الى علمهم (عليهم السلام)(15).

فهناك قضيتان: قضية عدم استيعاب الممكن للواجب، وقضية عدم استيعاب الأدنى للأعلى ، مهما كان الأدنى رفيعاً.

وعلى أي حال فكيف يمكننا أن نعرف السيدة زينب (عليها السلام) حق معرفتها؟!

وهذه كلمات حول السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) بقدر معرفتنا بها، فالهدايا على مقدار مهديها، ولم يكن المقصود في هذا الكراس إلاّ الإلماع إليها (عليها السلام)(16) لعل الله سبحانه يثبته في ديوان أعمالنا الصالحة ببركتها [ يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلاّ من أتى الله بقلب سليم ] (17) وهو المستعان.

قم المقدسة

27/ رجب/ 1419 هـ ق

محمد الشيرازي

(1)- بحار الأنوار ج 45 ص162 ب39 ح7، وفيه: ( لمّا أدخلوا السبايا الكوفة وأخذ الناس يبكون وينوحون لأجلهم ، التفتت إليهم سيدتنا زينب (عليها السلام) وأومأت إليهم بالسكوت، ثم خطبت عليهم خطبتها الشهيرة والتي قال عنها الراوي : فلم أر والله خفرة أنطق منها كأنما تنطق وتفرغ عن لسان أمير المؤمنين عليه السلام ، وبعد أن انتهت من خطابتها على الناس، توجه إليها الإمام زين العابدين عليه السلام قائلاً لها : (يا عمَّة… أنت بحمد الله عالمة غير معلَّمة ، فهمة غير مفهَّمة).

(2)- لدنية .. لدنَّياً : أي علما حضورياً لا حصولياً. والعلم الحضوري هو ما كان موهوباً من الله سبحانه ومستفاضاً منه بطريق الإلهام أو النقر في الأسماع أو التعليم من الرسول أو غير ذلك من الأسباب المشار إليها في الكتاب الكريم والسنة المطهرة ، راجع كتاب (علم الإمام) للشيخ محمد حسين المظفر (قدس سره). وربما يكون هذا الاصطلاح منبثقاً من قوله تعالى في قصة الخضر مع كليم الله موسى (على نبينا وآله وعليهما السلام): [ وعلمناه من لدنّا علماً] [ سورة الكهف: 65 ] أي من عندنا.. فالعلم اللدنّي هو العلم الرباني بأحد طرقه المذكورة .

(3)- سورة البقرة: 253.

(4)- راجع: عوالم العلوم ص26 عن مجمع النورين، ومستدرك سفينة البحار ج3 ص334. وملتقى البحرين ص14 للمرندي، والجنة العاصمة للميرجهاني عن كشف اللآلي لابن العرندس، وفاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى ص9. وهذا نص الحديث القدسي: عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا أحمد، لولاكَ لما خلقتُ الأفلاك، ولولا عليٌّ لما خلقتُكَ، ولولا فاطمة لما خلقتُكُما).

(5)- هذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما لا يخفى.

(6)- راجع من فقه الزهراء (عليها السلام) للإمام المؤلف: ج1 ص204 وص242.

(7)- سورة النساء: 46.

(8)- سورة المائدة: 13.

(9)- أمالي الطوسي: ج2 ص280، عن الإمام الصادق (ع).

(10)- بل هي (عليها السلام) سيدة نساء العالمين.. وهي قطب دائرة الإمكان .. وهي حجة على الأئمة جميعاً كما يقرر الإمام الحسن العسكريعليه السلام ذلك بقوله: (وهي حجَّة علينا)، وقد أفاض سماحة الإمام المؤلف حول هذا الموضوع في مقدمة الجزء الأول من كتاب (من فقه الزهراء) (عليها السلام): تحت عنوان (لمحة عن عظمة الزهراء) فراجع .

كما يذهب سماحة الإمام المؤلف إلى حجية قول السيدة زينب (عليها السلام) كما هو قول المعصومين (عليهم السلام) وسيأتي ذلك، كما ورد عنه (دام ظله) في المجلد الثاني من كتاب (من فقه الزهراء) (عليها السلام) حيث ان من راوتها سيدتنا زينب (عليها السلام)، فقال ما هذا نصه: (يستحب الرواية للنساء كما يستحب الرواية للرجال للإطلاقات ولأن هذه الخطبة روتها في جملة رواتها _ السيدة زينب (عليها السلام) _ وقد نقلها عنها المعصوم عليه السلام ، إضافة إلى كون أقوالها _أي السيدة زينب (عليها السلام) _ وأفعالها حجة على ما بيناه في الجملة). من فقه الزهراء (عليها السلام) ج2 ص59.

(11)- راجع الكافي: ج1 ص179 ح10 وفيه: (لو بقيت الأرض من غير إمام لساخت). وفي كمال الدين ص204: (لو بقيت الأرض يوماً بلا امام منا لساخت بأهلها).

(12)- سورة الرعد: 17.

(13)- بحار الأنوار: ج69 ص292 ب23 ح23.

(14)- راجع الكافي: ج1 ص23 ح15، وفيه: (إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم).

(15)- ففي كتاب (بناء المقالة الفاطمية): ص23 عن ابن عباس: (والله لقد أعطي علي u تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شاركهم في العشر العاشر). ومثله في (كشف الغمة) ج1 ص117.

(16)- وقد ورد في الحديث، (من ورّخ مؤمناً فقد أحياه) … وقال تعالى: [ ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعاً] سورة المائدة: 32.

(17)- سورة الشعراء: 88 و89.