الفهرس

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

العادة والعرف

والعادة والعرف هما من القانون الوضعي، وان كانا قد يطابقان القانون الطبيعي، والعرف ان تبع العادة كان امتداداً لها، وان وضع اولاً من قبل ان يصير عادة يكون عرفاً بدون عادة، ولذا كان بينهما المطلق ـ غالباً ـ.

والعرف والعادة انما يتدخّلان ـ حسب الشريعة الإسلامية ـ في الموضوع فقط لا في الحكم، قال تعالى: (إنِ الحكم الاّ للّه)(1) وانما يتدَّخلان في الموضوع فيما اطلق الشارع الموضوع وفوّضه إلى ما رآه الناس ـ حسب عرفهم أو عادتهم ـ لا ما إذا عينه الشارع بنفسه، كالعبادات فانه لا دخالة لهما فيه وذلك لقوله سبحانه: (ما ارسلنا من رسول الاّ بلسان قومه) (2).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: « إنّا معاشر الأنبياء اُمِرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم »(3).

 صفة الدوام في القانون 

وهنا يأتي الإشكال في انه لماذا جعلتم لهذا القانون صبغة الدوام؟ فهل انتم اعقل من الذين يأتون من بعدكم من العقلاء؟

طبعاً: لا، فليكن اذن قانونكم هذا ساري المفعول مدّة امتداد الرئاسة، اي اربع سنوات مثلاً، وبعد ذلك يكون الرأي للمجلس الآخر الذي ينعقد بعدكم، فإن رآى تقريره قرّره، وان رآى تغييره غيّره؟.

ولذا لا قانون اساسي في بلاد الإسلام غير نصوص القرآن الكريم والسنة المطهّرة، التي لا تقبل التغيير والتبديل مثل:

(انَّ هذه اُمتكم اُمّة واحدة)(4).

و: (انما المؤمنون اخوة)(5).

و: (احلّ اللّه البيع)(6).

و: (لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل)(7).

و: « الناس مسلّطون على أموالهم »(8).

و: « الناس كأسنان المشط سواء »(9) أي بالنسبة إلى القانون، وما اشبه ذلك.

وهذه النصوص مستغنية عن التدوين لما يلي:ـ

أولاً: عدم الحاجة إلى تدوينها وجعلها قانوناً اساسياً، لانها موجودة في الكتاب والسنة، فجلعها قانوناً اساسياً عبارة اُخرى عن وضعها في مكان واحد.

ثانياً: انها أيضاً بين عام ومطلق وما اشبه، ولها تخصيصات وتقييدات، واستثناءات بالأحكام الثانوية كالإضطرار، ولا ضرر، وقاعدة الأهم والمهم، وما أشبه ذلك مما يجعلنا في غنى من التدوين والتقنين وان تجشمه بعض على ما سنذكرهم:

العثمانيون وتغيير القانون الإسلامي

واول من جعل القانون في بلاد الإسلام ـ اتباعاً للغرب من غير درك ـ العثمانيون، كما سنفصله، ثمّ تبعهم القاجاريون في ايران ثمّ سائر بلاد الإسلام المتجزّئة، كالعراق وسوريا ومصر وما اشبه.

وسبب جهل العثمانيّين في هذا الامر بالإضافة إلى جهالتهم في سائر الاُمور ـ التي أودت بحكومتهم ـ انهم رأوا اختلاف المذاهب الأربعة المسلّمة عندهم، ولا يمكن ان تكون الدولة مضطربة من حيث القانون، ولذلك فضّلوا ان يجعلوا القانون واحداً، ساري المفعول في كل مرافق الدولة.

مع ان هذا النحو من الفكر يرد عليه امران يمكن الأخذ بكل واحد منهما على سبيل البدل:

الأوّل: ان يقرّروا ان لكل من يعتقد بمذهب من المذاهب في دولتهم، الحق في ان يحكم عليه حسب مذهبه، فإذا جاء إلى القاضي المالكي حكم حسب مذهب مالك، أو الحنفي حكم حسب مذهب أبي حنيفة، وهكذا، اما مرافق الدولة في اخذها وعطائها فتتبع مذهب الدولة.

الثاني: ان تجعل الدولة قانوناً عاماً مأخوذاً من المذاهب الأربعة: باكثرية آراء المذاهب حسب (أمرهم شورى)(10) وإذا فرض تساوي الآراء، اخذوا بالقرعة فانها لكل امر مشكل.

اما القضايا المستجدّة، فالمرجع فيها احد امرين:

اما الإستنباط من الكتاب والسنّة حسب ما يقرّره علماء البلاد.

أو المستفاد من رأي أئمّتهم الأربعة، حسب ما يقرّره علماء البلاد أيضاً، فماذا كان ينقصهم بعد ذلك حتى يحتاجوا إلى استيراد قوانين الغرب، والتي منها جعل القانون الأساسي؟.

امّا ايران فكانت اكثر اشتباهاً في ايام المشروطة، وذلك لان للشيعة فقهاء، وكل الشعب مقلدون لهم، فكان اللازم عليهم اتباعهم مباشرة، في كل دور من ادوار المجلس ـ فرضاً ـ لا جعل القانون الأساسي الذي فيه مشكلتان:

الاُولى: إذا كان النص، فكما تقدّم في الإيراد على الدولة الثعمانية: من عدم الحاجة إلى جعلها قانوناً اساسياً لوجودها في الكتاب والسنّة.

الثانية: إذا لم يكن نص وكان من الإستنباط، فأيّ حق للدولة في فرض استنباط فقيه أو فقهاء على الناس على طول الخط ـ الذي هو معنى القانون الأساسي ـ فإذا مات اولئك الفقهاء جاء فقهاء آخرون، فما هو الدليل العقلي أو الشرعي في لزوم اتباع الدّولة أو الناس المقلدين لفقهاء آخرين اتباع اُولئك السابقين؟.

والحاصل: ان وضع القانون الأساسي، في المسلمين سواء سنّة ام شيعة، فيه خطاءان: خطاء عقلي وخطاء شرعي.

نعم من يريد أن يشايع الغرب، يبتلي بالخطاء العقلي من جهة وضع القانون الأساسي، كما يبتلي بالخطاء الشرعي أيضاً من جهة عدم الحاجة إذا كانت نصّاً، أو الجمود إذا كانت استنباطاً.

ثمّ ان بعض بلاد الغرب أيضاً لا قانون اساسي لهم ـ كما ذكرناه في كتاب (الفقه ـ السياسة)(11).

هذا ولقد كانت الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد لبلاد الإسلام في مختلف حاجاتهم القانونية وغيرها، وذلك إلى اواخر الدولة العثمانية، حيث انّه في القرن الثالث عشر الهجري المصادف للقرن التاسع عشر الميلادي رأت تلك الدولة ـ جهلاً ـ أن تُغير قانون الإسلام إلى قانون مستورد، فكان ذلك من اسباب سقوطها السريع، حيث انفصل عنها المسلمون كافة، ورأوا أن لا يساعدوها امام الإستعمار الغربي الذي كان بصدد سقوطها.

ومن المعلوم: ان مثل هذه الدولة التي لها اعداء في الخارج، وشعبها عدوّها من الداخل، لا تتمكن ان تبقى، فسقطت مثل سقوط الأوراق اليابسة في الخريف العاتي، ولم يأسف لها احد.

لكن في الدولة القاجارية لم يكن سبب سقوطها ذلك، وانما كان السبب: عُتـُوّها وظلمها المتزايد والخارج عن الحد، اضافة إلى ان الناس كانوا يرون تقدّم الغرب صنعةً ونظاماً وغير ذلك، وكلما طالبوا الحكومة بالإصلاح ركبت رأسها وزادت في عنفها.

وكان من انذار الناس ببقاء الحكومة المستبدة ما حدث من اعطاء الحكومة امتياز التبغ للدولة الإنجليزية والغاء الميرزا الكبير (قدس سرّه) لها ـ في قصة مشهورة ـ فقد فكر الناس انه لو فعلت الحكومة مثل ذلك مرّة ثانية، والميرزا (قدس سرّه) غير موجود فمن ينقذ البلاد؟ ولذا فكروا في ازالة الحكومة، وجعل الامر مشروطة ـ اي حكومة مشروطة بالمجلس ـ.

لكن الذي حدث ان الحكومة ازيلت ولم يأت البديل الذي كانوا يترقّبونه، وذلك لضعف التخطيط في البناء، وان كان تخطيط الهدم قوياً، حيث هُدم البيت القديم المتداعى ولم يمكن صنع البيت الجديد المترقّب، ولذا آل الامر إلى ان المستعمرين دخلوا من النافذة بعد ان خرجوا من الباب.

ولو كان التخطيط هو الواقع الإسلامي المتألّف من شورى الفقهاء في القمة، والأحزاب الحرّة الإسلامية في القاعدة، والتعاون بينهما في ادارة دفـّة البلاد نحو تطبيق الإسلام، لما رآى المسلمون مدّة قرن واحد من المآسي والمشاكل ما لا يعلم كمّها وكيفها إلاّ اللّه سبحانه.

ذريعة العثمانيين

وعلى ايّ حال: فإن العثمانيّين تذرّعوا لتغيير قوانين الإسلام بأمور ثلاثة:

الأوّل: انهم تحت ضغوط مباشرة وغير مباشرة من الغرب.

الثاني: متطلّبات الظروف الراهنة في بلادهم.

الثالث: مستحدثات المدنيّة الجديدة.

لكنهم لم يفكروا ولو لساعة واحدة: ان المشكلة في استبدادهم لا من الغرب فقط، وان الغرب تقدّم كل تقدّم لانه استطاع التخلص من الإستبداد بالموازين الديمقراطية، ولو ان العثمانيين تمكنوا من رفع اليد عن الإستبداد (إلى الإستشارية الإسلامية) لم يكن كل مبرّراتهم مؤثراً في تغيير القوانين.

ان الخليفة الذي يقتل الناس بدون حساب، ويتمتع بالغلمان الحسان وبنات الناس، ويتصرف في اموال الناس كأنها امواله الشخصية، ولا يلتزم بدين ولا عرف ولا قانون، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا بد وان ينهار ولو أحدث ألف اصلاح واصلاح في القانون (قالوا طائركم معكم)(12).

وكيف كان: فقد بدأت الدولة العثمانية تقنّن القوانين في مختلف المجالات كقوانين التجارة، وقوانين اُصول المرافعات، وقوانين تنظيم احكام الأراضي، وقانون العقوبات، وما اشبه ذلك، وكانت الشرائع الغربية، وخصوصاً قوانين فرنسا هي المعين الذي أخذ منه العثمانيون معظم تلك القوانين.

ولذا فقد صار مصدر التشريع في الدولة العثمانية الشاسعة الأطراف عبارة عن: السنّة المطهرة، وقوانين الغرب، وحيث استنشق الناس نسيم الحرية في قوانين الغرب ـ مقابل استبداد الحكام ـ اقبل المتجدّدون على قوانين الغرب اكثر فاكثر، حتى وصم الإسلام زوراً- لأنه في الحقيقة وصم حكام المسلمين البعيدين عن الإسلام ـ بالرجعيّة والجمود وما إلى ذلك، وتدريجاً تُرك الإسلام جملة وتفصيلاً وحلّت قوانين الغرب مكانه، مع العلم بان قوانين الإسلام اصلح للحياة من قوانين الغرب.

هذا وفي الآونة الأخيرة لما لم يجد الحكام كثير فائدة في قوانين الغرب جائوا ببعض قوانين الشرق الشيوعي منضماً إلى قوانين الغرب الرأسمالي أيضاً يبغون بذلك صلاح حالهم، غير انه صار الامر اسوء، حتى ان في بلد اسلامي كان الرفاه شعاره، صاروا يطعمونهم لحوم القردة في كل اسبوع مرّة ـ مجلوبة عن الصين ـ ويقف المشترون في صفوف طويلة ومرهقة.

نعم:

ان من صــاد عقعقــاً لمشـوم

كيف من صاد عقعقين وبوم

والبوم هو اسرائيل الذي جاء به الشرق والغرب شرطياً للمنطقة، فقد ذاق المسلمون التاركون للإسلام وبال امرهم في الدنيا، والآخرة اشدّ واشقى، وقد قال القرآن الحكيم: (ومن أعرض عن ذكري فانّ له معيشة ضنكاً)(13).

العرف والعادة

وأما العرف والعادة فهما يصلحان لتعيين الموضوع لا الحكم، فإذا قال الشارع ـ مثلاً ـ (الماء مطهّر) و(الكلب نجس) و(العقد حلال) فنسأل العرف هل المياه الزاجية والكبريتية (ماء) ام لا، وهل ما يسمى بـ (كلب الإجرام) كلب ام لا؟ وهل المعاملة السابحة، والتأمين، عقد ام لا؟

وقد تقدم الفرق بين العرف والعادة فلا حاجة إلى تكراره، كما ان للعرف والعادة مجال آخر في الفقه، وهو: كشف ارادة المتعاقدين، أو الواقف، أو ما اشبه، عن عرفهم.

مثلاً: إذا قال مسيحي: وقفت داري من بعدي للفقراء، فاللازم هو الوقف على عرفه فلا يعطى إلاّ لفقراء المسيحية، اللّهم الا إذا عرف من سابق اعماله واخلاقه انه يبذل لكل فقير، وكذلك إذا اوصى بشيء، إلى غير ذلك من الأمثلة.

وإذا لم يكن له عرف خاص، فالمرجع في حلّ المشكلات من هذا القبيل: العرف العام، ولو فرض عدم العرف العام أيضاً، فالمرجع: الاُصول العملية.

المراد بالعرف

ثم المراد بالعرف إن كان خصوص ما عُرف عند أهل الدّين والمتشرّعة، فلا دلالة في هذه الآية على أخذ الأحكام من مطلق العرف، وإن كان الأعم من ذلك فالآية مخصّصة بأدلّة الأحكام، إذ بعد أن بيّن اللّه والرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأوليائهما من الأئمة الطاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين كل الأحكام على سبيل الجزئية أو الكلية، لم يبق مجال لأن يحكم العرف في قبال الكتاب والسنّة، وعليه: فاللازم أن يخصّص بالعرف الشرعي.

وكيف كان: فقد كانت (مجلة الأحكام العدلية) خطوة لإلغاء قوانين الإسلام كافة، في جميع بلاد الإسلام كافة، كما حدث وصار ذلك بالفعل، مثل القصّة المشهورة: (ما أفره حمارك، وحمارنا، وحماري) على ما هو المعروف من سياسة الغربيّين: الخطوة خطوة بالنسبة إلى مواجهتهم للإسلام.

مثلاً: في العراق لم يحكم على طبق (المجلة) الا زهاء ثُلث قرن من الزمان، حيث الغي بعده بالكامل، إلاّ فيما يسمّى بالأحوال الشخصية، فإنها كانت على حالها حتّى جاء (قاسم) وألغى الأحوال الشخصيّة أيضاً، وهكذا حدث في سائر بلاد الإسلام، كما لا يخفى على من راجع التاريخ.

نعم، بقي في بعض البلاد شيء من قانون الكتاب والسنّة، لكن التزَمُّتَ الكثير في الفهم تارة، والتطبيق اُخرى، أوجب الغائهما فيهما ـ عمليّاً ـ بحيث لم يبق سوى الإسم فقط، وصدق رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: « لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه ومن الإسلام إلاّ اسمه »(14).

ويشبه العراق فيما مثّلنا له في التدرّج نحو تطبيق قوانين الغرب باقي بلاد الإسلام كالهند ـ طبعاً في جملة من بلادها الإسلامية ـ وذلك قبل الخروج عن سيطرة الغربيّين واستعمارهم السافر، أما اليوم فالهند لها قانونها الموضوع مما هو خليط من قوانين الغرب والقوانين التي كانت سائدة فيها للأديان سماويّها وغير سماويّها، ممّا لا يهمنا التعرّض لها.

نعم ذهب كثير من المسلمين بكل غرور في نبذ قوانين الإسلام، واللّه سبحانه تركهم على حالهم حتّى ذلّ كثير منهم ذلّة لا سابق لها في تاريخ الإسلام الطويل، وبلاده العريضة.

القانون والعرف العام

قد تقدّم: ان العرف مرجع في أمرين: ـ

الأول: معنى ألفاظ الموضوعات سعة وضيقاً، مثل قوله: (الماء مطهّر) فهل الماء يشمل المياه الزاجية والكبريتية أم لا؟

أو (الوطن) الموجب لتمام الصلاة والصيام، هل يشمل من استوطن مكاناً، وبقي فيه شهرين ـ مثلاً ـ أو لابد من أن يبقى فيه ستة أشهر حتى يصدق عليه الوطن؟ إلى غير ذلك من الأمثلة.

الثاني: معنى ألفاظ الأحكام، مثل قوله: (الخمر حرام)(15) فهل الحرام معناه: الممتنع الذي فيه العقاب، أو الأعم من المكروه الذي في الحزازة، حيث ان معنى (الحرام) لغة: الممتنع، قال سبحانه: (وحرام على قرية أهلكناها انّهم إلينا لا يرجعون)(16) أي: ممتنع؟

وكذلك لفظ (الأمر) هل معناه: الوجوب المانع من النقيض المستحق مخالِفُه العقاب، أو هو أعم منه ومن الإستحباب، إلى غير ذلك.

ثم هل يراد بالعرف الذي يؤخذ به في الموضوع أو الحكم، عرف زمانهم عليهم السلام، أو عرف أهل اللغة، أو العرف العام عند الناس؟ وماذا لو جهلنا عرف زمانهم عليهم السلام ـ لو كان هو المعيار ـ؟

والجواب: ان المراد: عرف زمانهم عليهم السلام لأنهم تكلّموا بلسان القوم، ولذا قالوا: لو قال الإمام عليه السلام لمدني: يجب لأمر كذا (رطل) من الماء، فهم منه: (رطل المدينة) ولو قال لكوفي ذلك، فهم منه: (رطل الكوفة) فيما إذا كان هناك رطلان.

أما إذا لم نعلم ماذا كان عرف زمانهم عليهم السلام، وكان لزماننا عرف، فاللازم: حمل كلامهم عليهم السلام عليه، لأصالة عدم النقل، وهو أصل عقلائي يعتمد عليه العقلاء في كل زمان ومكان.

وأما إذا لم يكن لزماننا عرف واحد بل أعراف متعدّدة، فاللازم: العمل حسب العلم الإجمالي ـ إذا كان العرفان متصادمين ـ وإذا كان بينهما عموم مطلق: يؤخذ بالأقل، وإذا كان بينهما من وجه: أخذ بالجامع المتيقّن، وتجري البراءة عن مادّتي الإفتراق.

أقسام القانون

قوانين بلاد الإسلام على ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما يعم المسلمين وغير المسلمين، مثل قوانين المرور والصحة وسائر الامور العامة التي ترتبط بالدولة بما هي دولة، وهذه يعاقب على تركها المسلم وغير المسلم.

الثاني: ما يخص المسلمين ويترك لغير المسلمين شأنهم، مثل: الصلاة والزكاة والصيام وموازين النكاح والطلاق والإرث ومختلف انحاء المعاملات، وفي مثل هذه القوانين لا يختلف مسلم عن مسلم إلا بما تستدعيه الإختلافات المذهبية وكل يقرّ على مذهبه.

الثالث: ما يخص غير المسلمين، والقاعدة العامة فيهم انهم ان أتوا بما يوافق مذهبهم ـ من غير ان يظهروا المناكير ـ يتركون وشأنهم، وان كان ذلك في ديننا محرماً كنكاح المجوس، وتركهم الصلاة والصيام والخمس والزكاة، نعم يؤخذ منهم الجزية.

القانون المدوّن والمطبّق

لا يخفى ان هناك فرقاً بين القانون المدوّن والقانون المطبق، سواء في الشريعة ام في القانون الوضعي.

مثلاً: القانون المدوّن هو المستفاد من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، اما القانون المطبّق فهو الذي يراه الفقيه أو القاضي مكتنفاً بالمناسبات.

وهذا وان كان يرجع إلى القانون المدوّن أيضاً لكن ليس بخط مستقيم بل مع ملاحظة المناسبات، ولذا يمكن ان يزيد في مكان وينقص في مكان آخر مع تشابه القضية بالنسبة إلى القانون المدوّن، ولذا ورد أن الأئمة (عليهم السلام) ـ كانوا احياناً ـ يجيبون عن مسألة واحدة بثلاثة أجوبة في مجلس واحد، لسؤال ثلاثة اشخاص.

فان خصوصية الزمان والمكان والشرائط والمستفتين أو المتقاضيين لها مدخلية في القانون المطبّق، بينما هي منتشرة هنا وهناك في القانون المدوّن، فان مكانة المستفتين أو الخصوم، بمراكزهم الإجتماعية أو الإقتصادية أو السياسيّة وكيفية استفتائهم أو بيان حججهم في التقاضي وغير ذلك كلها تؤثر في التطبيق.

يقال: ان الملك القاجاري فتح على شاه جاء إلى المحقق القمي( قدس سره) وقال: إني جهلت ذات يوم وافطرت عمداً في شهر رمضان، فما هي الكفارة؟

قال المحقق القمي (قدّس سره): صم ستين يوماً.

قال الملك: العتق أو الإطعام لا يكفي؟

قال المحقق (قدّس سره) لا.

فذهب الملك، وبعد ذهابه اعترض على المحقق قدس سره الحاضرون: بانّ كفارة الإفطار مخيرّة لا معيّنة؟

فقال لهم المحقق القمي (قدّس سره): هذا تام في غير الملك، أما الملك فانّه يسهل عليه الإطعام والعتق، فإذا اجزت له ذلك، يستسهل الامر فيفطر ثانياً وثالثاً، اما الصيام فهو صعب عليه جداً، ولذا اردت ردعه عن التكرار.

وفي قصص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام نجد الشواهد الكثيرة لذلك، فان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ـ مثلاً ـ صلى على المنافق، لكنّه في الحقيقة لعنه ـ كما في الرواية ـ ولذا قال له عمر: ألم ينهك اللّه؟ مشيراً إلى قوله سبحانه: (ولا تصلّ على احدٍ منهم مات ابداً)(17) ولما رأى اتباع ذلك المنافق سماحة الإسلام ومداراة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لهم ترك كثير منهم النفاق وحسن اسلامهم.

وكذا لم يجر الحد على الفارين من الزحف، والمرجفين في المدينة، وانّما هددهم فقط، قال سبحانه: (لئن لم ينته المنافقون والّذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم)(18) كما لم يجر الحد صلى الله عليه وآله وسلم على الرادّين عليه والمنكرين له، وقد ترك قتل احد المتآمرين معللاً له بأنه كريم سخي الطبع، وإلى غير ذلك.

وكذلك علي عليه السلام ترك مؤاخذة أهل الجمل وعفى عنهم، بينما لم يعف عن أهل صفين، مما اُعترض عليه، فأجاب عليه السلام : بأنهما ليسا متساويين.

وفي قصة واحدة متشابهة ـ مثلاً ـ اجرى علي عليه السلام ستة احكام مختلفة على زنات ثبتت ادانتهم بالزنا، مع انهم في الظاهر كانوا يستحقون حكماً متشابهاً لتشابه الجريمة التي ارتكبوها.

وربما يأتي إلى الفقيه من اتلف الخمس فيأخذه منهم بتفاوت: كلاً. أو نصفاً، أو ثلثاً، أو خمساً، وقد يعفو احياناً عن بعضهم، وما ذلك إلاّ لتقديره مقدار الخمس المتلف بإختلاف النسب واختلاف اصحابها وربما لاحظ عدم تنفيرهم ـ مما هو بنظره اهم ـ فيعفو.

ومما يذكر: انه جاء نفران إلى السيد الاصبهاني قدّس سره وهما يشتكيان وجع الظهر وعجزهما عن الصلاة من قيام، وسألاه: بانه هل يجوز لهما الصلاة من جلوس؟.

وكانا قد أتيا إليه متفرقين، فأجاز لأحدهما ولم يجز للآخر، مما اثار استغراب بعض من حضر، ولما سُئل عن سبب عدم اجازة الثاني، قال: انه ليس بعاجز وذلك لاني اعرفه وهو يأتي كلّ يوم إلى الحرم الشريف من مسافة كيلو مترين ـ مثلاً ـ فهل لا يقدر على القيام في الصلاة دقائق؟.

وقيل: انه جيء إلى احد القضاة بزانيين وزانيتين مع شهود أربعة، فلما ثبتت إدانتهم بالزنا، رجم القاضي احد الرجلين، وترك المرأة، ورجم احد المرأتين وترك الرجل، وفي زنا ثالث عزّر الرجل وجلد المرأة، ولما سُئل عن سبب التفريق؟ قال: الرجل الأول كان محصناً والمرأة مكرهة، والمرأة الثانية كانت محصنة والرجل كان مشتبها، والرجل الثالث كان مكرها ـ لكن لأجل الإختلاف الموجود بين الفقهاء في صحة اكراه المرأة للرجل عزّرته تأديباً ـ والمرأة غير محصنة ولا مكرهة ولا مشتبهة فجلدتها، إلى غيرها من الأمثلة.

ولا يهمنا بعد ذلك البحث عن خصوصيّات القضايا التي نقلناها عن الفقهاء، وانما اردنا ذكر النموذج، ولعل بعض الإجتهادات تختلف عما ذكرناه.

وهذا الذي ذكرناه ـ وان كان مقتضى القاعدة ـ الا ان مشرّعي القوانين الوضعية في الغرب، اختلفوا في مدى ذلك، فبعضهم ذهب إلى لزوم اختلاف التطبيق حتى سمّوا هذا الإتجاه: (بالنظرية الواقعية) ولذا قال احد قضاتهم، وهو (هولمز): ان التنبّوء حول ما تفعله المحاكم شيء ادعائي، إذ لا يعرف مدى ما يفعله القاضي.

العناوين الطارئة

هذا في اصل تطبيق القانون الأوّلي، اما إذا لوحظت العناوين المختلفة الطارئة: من العناوين الثانوية، والحر والبرد، والمرض والصحة ـ في الفاعل ـ وكون الأرض ارض الإسلام أو أرض الكفر، فما ذكرناه من الإختلاف في التطبيق يقوى قوة كبيرة، ويظهر بشكل جلّي.

فان الضرر والحرج والعسر والإضطرار، واصرار الفاعل للمنكر أو ابتدائه، وعمده وسهوه، واشتباهه وخطأه، ومرضه وصحته، وكون الوقت حاراً أو بارداً لا يجري فيه الحدّ، وكون الأرض ارض العدو، إلى غير ذلك، كلّها توجب التفرقة في القضاء.

بل وكذلك في الفتوى التطبيقي أيضاً، فان شتى الحالات التي تتفاعل في نفس المفتي أو القاضي لها مدخلية في اصدار القرار النهائي، فتوى أو قضاءاً.

هذا عندنا، اما عند من يشرّع القانون، فانه يجري عندهم حتى بالنسبة إلى وضع القانون أيضاً، يعني: ان الامر عندنا صغروي فقط.

اما عندهم فكبروي أيضاً، فحال القانون حال الطب والهندسة والتجارة وغيرها مما تؤثّر مؤثرات كثيرة في قولهم أو عملهم وان كان الشكل واحداً ظاهراً.

القانون والتقسيمات الثانوية

لا اعتبار بالتقسيمات الثانوية التي اعتادها أصحاب القوانين الوضعية من جهة الجوهر، وانما فائدتها التبويب فقط، فإنهم قسّموا القوانين إلى:

(قوانين موضوعية) وأرادوا بها القوانين التي ترتبط بحياة الناس.

وإلى (قوانين اُصولية) وأرادوا بها الطرق التي يلزم سلوكها لإحقاق الحق في المنازعات، إذ تثبيت الحق في الحقوق غير المنازعات، مثل حق الوصية، وحق الثلث، وحق النفقة، وما أشبه ـ فيما لم يكن هناك نزاع ـ وانما يراد بها بيان ان الحق القانوني ماذا؟

وإلى (قانون داخلي) ويراد به ما يرتبط بالروابط الإجتماعية التي ينظمها القانون داخل المجتمع، كالأحكام المدنية، والأحوال الشخصية، والقواعد الدستورية.

وإلى (قانون خارجي) ويراد به ما ينظم روابط الدول بعضها مع بعض.

وإلى (قانون عام) ويراد به القوانين التي تنظم الروابط التي تكون الدولة طرفاً فيها، سواء بين الدولة وبين أفراد الشعب، أم بين الدولة والدول الاُخرى مما يراد به تحقيق الأمن والإستقرار.

وإلى (قانون خاص) ويراد به القوانين التي تنظم روابط الأفراد بعضهم ببعض في حياتهم الإقتصادية والإجتماعية.

ثم ان الدولة إذا أخذت باعتبارها صاحبة السيادة، فلا شأن لهذا القانون بها، وإن اخذت باعتبارها شخصية حكمية تتصرف كما يتصرف سائر الشخصيات الحكمية الاُخرى في التعاقد، كتصرف الجمعيّات والأحزاب والهيئات، كانت من مصاديق القانون الخاص، ولذا كان القانون العام يهتم بالمصالح العامة، أما القانون الخاص فاهتمامه بمصالح الأفراد، أو كالأفراد من الشخصيات الحكمية، وما يشبه هذا الشيء موجود في الشريعة باسم (حق اللّه) و(حقّ الناس).

ولا يخفى: ان (حق اللّه) للحاكم الشرعي العفو عنه، أما حق الناس فيجوز للناس رفع اليد عنه، مثل الضمانات والديات وما أشبه ذلك، لكنا ذكرنا في الفقه: ان الحاكم الشرعي قد يتمكن من العفو عن حق الناس أيضاً ـ بموازين خاصة ـ كما عفى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل مكة مع انه كان عليهم حق اللّه وحقّ الناس.

لا يقال: ان ذلك كان لأجل انهم أسلموا، و(الإسلام يجبّ ما كان قبله)(19).

لأنه يقال: كثير منهم لم يسلموا.

وكما عفى علي عليه السلام عن أهل البصرة مع انهم كان عليهم الحقّان، وردّ أموال المحاربين إليهم مع انها كانت من حق أفراد عسكره عليه السلام إلى غير ذلك من الشواهد والأدلة.

وأما بالنسبة إلى حق الناس، فقد ذكر الفقهاء انه لا فرق بين الحق والحكم، فالحق قابل لأن يوهب ويتعامل عليه ويورث ويُسقط، بينما الحكم ليس كذلك.

ولو شك في شيء انه حق أو حكم، رجع في تشخيصه إلى العرف، فإن لم يميّزه أو اختلف فيه، فإن الأصل كونه حكماً لأنه مشمول لقوله سبحانه: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(20) إلى غيره من الآيات والروايات، إضافة إلى ان الإسقاط ونحوه خلاف الأصل، وقد فصّلنا الكلام في ذلك في كتاب: (الحقوق)(21) وغيره فلا حاجة إلى تكراره.

ثم انهم ذكروا: ان بعض الأشياء يجتمع فيه حق اللّه وحقّ الناس كالسرقة، فردّ المال من حق الناس، ولذا لصاحب المال العفو عنه، والقطع من حق اللّه، ولذا ليس له العفو عنه، وكذلك الزنا الإكراهي حيث المهر لها من حق الناس، بخلاف الحدّ، إلى غير ذلك من الأمثلة المذكورة في الفقه.

ولا يخفى: ان ما يذكر من (حق الناس) انما هو بالإعتبار الذي ذكرناه، وإلاّ فلا حق للناس إلاّ ما قرّره اللّه سبحانه، فيكون بين حق اللّه وحق الناس عموم مطلق، فكل حق للناس هو حق اللّه سبحانه ـ لأن اللّه قرّره ويعاقب على تركه، إلاّ إذا تركه صاحبه ـ بينما ليس كل حق للّه سبحانه حق للناس، كما عرفت.

آراء حول القانون

إنّه كما حدث في الإسلام الأخباري المتقيّد بالنصّ إلاّ نادراً، والاُصولي الذي يرى استنباط الفروع من الاُصول، ولكلّ دليله وحجّته، إلاّ أنّ التوسّع في الإحتياجات الفقهيّة المتزايدة سبّب انزواء الأوّل وتوسّع الثاني، مع أنّهما قد انطلقا منذ ألف سنة من الصدوق قدس سره الأخباري والشيخ الاُصولي، فكذلك حدث في الغرب حول القانون الرأيان.

فبعض علماء القانون ذهب الى التقيّد بالنصوص حتى قال أحدهم: (إنّي لا أعرف القانون المدني وإنّما أدرس تقنين نابليون).

وقال آخر: (إنّ شعاري والعقيدة التي اُؤمن بها أبداً، هي: النصوص قبل كلّ شيء).

وقد اهتمّ هؤلاء بشرح القانون فقط من دون تجديد له، حتى وضع بعض علمائهم كتاباً لشرح القانون المدني في ثمانية أجزاء، ووضع عالم آخر من علمائهم كتاباً في شرح القانون المدني في واحد وثلاثين جزءاً، وجماعة منهم وضعوا أيضاً كتاباً في تسعة وعشرين جزءاً، ووضع آخر منهم كتاباً في ثلاثة وثلاثين جزءاً، بينما ذهب آخرون من علمائهم الى تجديد القوانين.

وإذا كان لكلّ من الأخباري والاُصولي الحقّ في إختيار طريقه في الإسلام، فهو من اختلاف الإجتهاد، لكن ليس في القوانين الغربية مثل هذا الحق، إذ واضع قوانينهم هم البشر المحدود بكل معنى الكلمة، فأيّ ميّزة لعالمهم السابق الذي عايش العالم السابق مع محدوديّاته العلميّة ووضع القانون في أن يكون آرائه حجّة على من عداه من العلماء الآتين؟

إذن: فلا يمتاز النصّ السابق في القوانين الغربية بما يمتاز به النصّ من القرآن الكريم والسنّة المطهّرة في القوانين الإسلاميّة حيث أنّ واضعه هو خالق الإنسان الخبير بكلّ ما يصلح الإنسان ممّا يفسده، والعليم بكلّ الأزمان والأدوار وما تتطلّبها، حتى يلزم الناس على مدى العصور والأجيال التقيّد به، ولا يحق لأحد منهم أن يغيّر أو يبدّل شيئاً ممّا أنزله السماء، وشرحه نبيّه المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال فيه تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى)(22).

وعليه: فأيّة أهميّة للإهتمام بنيّة المشرّع البشري المحدود بالزمان والمكان والشرائط حتى يجب التعرّف على نيّته ولا يحقّ لمن يأتي بعده أن يضع القانون كما هو وضعه؟

فمن باب المثال: المشروع الفرنسي ينصّ على عدم جواز التصرّف بالعقار الذي تقدّمه الزوجة مهراً لزوجها في بعض حالات الزواج، ولم يتعرّض المشروع لحكم المال المنقول الذي دفعته الزوجة في مثل هذه الحالة.

وعلّة عدم التعرّض: أنّه حينما وضع هذا القانون كان العقار هو الثروة الوحيدة التي تستحق العناية والإهتمام حماية لحقوق الزوجة، ولكن بعد أن تطوّرت الأوضاع الإقتصاديّة وأصبحت بعض الأشياء المنقولة أهمّ شأناً من العقار فلا معنى للجمود وعدم التعدّي عنها، بينما مدرسة الشرح بقيت ملتزمة لا تتعدّى الى الشيء المنقول إطلاقاً وإنّما تقتصر على العقار، ورأت مدرسة التجديد عدم الجمود والتعدّي عنها وذلك لوجود الملاك والعلة التي وضع من أجلها القانون.

وإنّا نرى أنّه لا وجه لمدرسة الشرح، إذ أيّة ميزة للمشرّع الأوّل حتى يلزم إتّباعه حرفياً؟

وكذلك الحال في المشروع الفرنسي بالنسبة الى معاقبة السارق حيث ينصّ الدستور على عقاب من اختلس مالاً منقولاً، وذلك قبل مجيء الكهرباء والتليفون والغاز وغيرها من الأموال غير المنقولة.

وبعد أن جاء الكهرباء والتليفون والغاز وما أشبه ذلك، اقتصرت مدرسة الشرح في العقاب على المال المنقول ولم تتعدّ في توسعة العقاب على أمثال هذه الاُمور المستجدّة، بينما مدرسة التجديد ترى التوسّع.

وهذا الإختلاف يرجع الى أنّ المعيار هل هو الهيكل أو الروح؟ واللازم أن يكون المعيار عندهم هو الروح لا الهيكل.

أمّا ما تقدم من بحثنا حول أحكام القضاء وأنّه هل المعيار فيه هو روح القانون أو جسمه؟ فذلك بحث آخر، كنّا هناك في صدد بيان أنّ العرف يفهم من النصّ أيّهما؟ بينما المدرستان هنا في القانون بشريّتان والمهم عند البشر الروح، ولذا فاللازم أن يترك عندهم الجسم الى الروح - لما ذكرنا: من عدم فضل المشرّع الأول على الأخير - بينما علينا نحن أن نلتزم بكلام المشرّع حرفياً، وإنّما البحث في أنّه ماذا يفهم من كلام المشرع؟ وبالتعبير الاُصولي: النزاع عندهم كبروي، والنزاع عندنا صغروي.

القانون والمسائل المستجدّة

القانون في حال تطوّر دائم من ناحيتين:

1 - ناحية اختلاف الإستنباطات.

2 - ناحية تجدّد الفروع والجزيئات، فيتجدّد ـ مثلاً ـ عقد التأمين، وعقد المعاملة السابحة، ووقف الروح لا الهيكل، وما اشبه، فيدخل في (اوفوا بالعقود)(23) و « الوقوف على حسب ما وقفها اهلها »(24).

أما عند غير المتشرعة فيضاف عليها تطور تجديد القوانين، لانهم إذا وجدوا القانون غير صالح حذفوه وأبدلوا مكانه القانون الصالح في نظرهم.

والقانون أيضاً وسيلة لغايات فردية واجتماعية، ايجاباً أو سلباً، لانه الكفيل بجلب المصلحة ودفع المضرّة، والتقدم إلى الأمام، كما ان القانون يسير بسير المجتمع وسير الفرد، فكلما تقدّم تقدّم، وكلما تأخرّ تأخّر (لتركبنّ طبقاً عن طبق)(25) فالمجتمع الرأسمالي حيث انه اوتي من المجتمع البدائي يحتاج إلى قوانين تنظّم شؤون رأس المال سواء بالنسبة إلى الفرد أو بالنسبة إلى المجتمع، وهكذا حال المجتمع الزراعي، والمجتمع الصناعي، إلى غير ذلك.

والفقير إذا صار غنياً تطور قانونه إلى قانون الأغنياء، وإذا انعكس سقط منه القانون، فللغني ـ مثلاً ـ قانون الخمس والزكاة ومجهول المالك والمظالم والكفارات وما اشبه، بينما الفقير حتى كفاراته تتبدّل إلى الإستغفار.

فالمجتمع المتطور والفرد المتطور يسبق القانون، اما بالنسبة إلى غير المتشرعين فواضح.

وأما بالنسبة إلى المتشرّعين بالدّين، فلأن هيكل القانون وان كان موجوداً إلاّ ان تطبيقه يتوقف على التحقق الخارجي، وفي الإصطلاح الاُصولي: انه من دون التحقق الخارجي يكون القانون على نحو القضية الحقيقة، فإذا تحقق يكون على نحو القضية الخارجية.

كما ان القانون تابع لما يُفعل ـ في الفرد والإجتماع ـ لا لما ينبغي ان يُفعل، إذ القانون يحتاج إلى الموضوع، والموضوع هو ما (يُفعل) لا (ما ينبغي ان يُفعل).

والقانون وان كان ينظم سلوك الناس، الا ان سلوك الناس هو ما يعطي للقانون العينية، فقانون حرمة الخمر ـ مثلاً ـ يوجب تجنّب الناس عنها، الا انه إذا شرب انسان الخمر طبّق عليه القانون المحرم للخمر، من العقوبة، وكراهة التزويج، وعدم الائتمان وما اشبه ذلك.

وقد تقدم ان القانون لا يحدّد سلوك المفتي والقاضي، وانما يحدّده جملة من الاُمور التي منها القانون، وهذا ما يسميه الفقهاء احياناً: (الإستيناس)، ويسميه فقهاء العامة: (الإستحسان)، وقد تقدم: انه بالأخرة أخذ بالقوانين، لكن بجمع وتفريق، وحذف وترقيع.

ثمّ ان قيمة القانون تحدّد بقدر اثره في المجتمع والفرد، فالقانون له قيمة رفيعة إذا اوجب صيانة الأموال والأنفس، كقوانين المرور، حيث انه لولاها لزم التصادم الكثير وذهاب الأنفس والاموال، بينما لا قيمة رفعية له إذا كان اثره قليلاً، كقانون صيانة الحيوانات النادرة، وما اشبه ذلك.

وهناك قسم من علماء القانون يسمّون القيمة للقانون بـ: (فلسفة الذرائع) ويفسرونه بأنه: (ما يتخذه الإنسان من افكاره وآرائه ذرائع يستعين بها لحفظ كيانه في مختلف ابعاده أولاً، ثمّ السير بالحياة نحو السمو والكمال ثانياً، سواء في الفرد أو في الإجتماع).

ثمّ لا يخفى: ان السلطة الفتوائية، والسلطة القضائية، لا كلمة لها بالنسبة إلى التشريع ـ عندنا ـ لأنهما يطبّقان، ولا يشرّعان، بينما لهما قيمة التشريع عند الذين لا يعتقدون بالشريعة الالهيّة، حيث ان منطقهم: (دع ما لقيصر لقيصر).

بين الشريعة الإلهية والوضعية

ومما تقدم: ظهر التمايز بين (الشريعة الاليهة) و(الشريعة الوضعية) في المدارس المختلفة القانونية في العصر الحاضر.

فهناك ما يلي: ـ

1 ـ نظرية القانون الطبيعي الذي يكشف عنه العقل البشري، وبعبارة اُخرى: (الفطرة السليمة)، حيث انه في نظرنا خاص بالكليات العقلية من باب التحسين والتقبيح العقليين، وفي نظرهم اعم من ذلك.

2 ـ يصدر من صاحب السلطة، ففي نظرنا صاحب السلطة هو: اللّه تعالى ـ القانون الوضعي الذي يقول: ان القانون يجب ان وحده، وفي نظرهم: الشعب، أو الأشراف، أو الحاكم المستبد، أو ما أشبه ذلك.

3 ـ القانون التطوّري التاريخي، الذي يعدّ القانون شيئاً كامناً في ضمير الشعب يفصح عنه عُرْفه الجاري بين افراده، سواء وصل إلى حدّ العادة أم لا، بان كان في بداية الــــطريق، فـــفي نظــــــرنا: انه تام في الجملة حيث (فطرة اللّه التي فطر الناس علـــيها)(26) وحيث «ان الــــــعقل حــجة بـــاطنــــة»(27)، وفي نظرهم: اعم مـــــن ذلك فهو يستوعب كلما يحتاج إليه فرد أو اُمّة.

4 ـ القانون الغائي الإجتماعي، الذي يرى القانون غاية يهدف إليها المجتمع لتحقيق غايات اجتماعية، ففي نظر بعضهم: ذلك هو القانون، وفي نظرنا: انه جزء لا كل، إذ الغايات الفردية أيضاً مرتبطة بالقانون، حيث ذكرنا انه يلزم التوازن بين الفرد والمجتمع.

5 ـ القانون الكفيل بالتضامن الإجتماعي، ففي نظر بعضهم ذلك، وفي نظرنا اعم منه، ولذا نحن نرى ان القانون الصحيح هو المزيج من كل ذلك، مع تعديل.

إلى غير ذلك من الأقوال التي ادعاها علماء الغرب في خصوصيات القانون مما قد اضربنا عنها صفحاً.

ثمّ لا يخفى على من نظر إلى قوانين البلاد الغربية والشرقية، وإلى فلسفة علماء كل بلد منهم، والى عادات وتقاليد كل شعب من اولئك الشعوب، ان يرى التناسب الكامل بين الامور، فتقاليد وعادات كل شعب تنعكس في فلسفة علمائها، ومن الاثنين تؤخذ القوانين.

إذ من الواضح: انّ كل مفكر يتلون فكره - عادةً - بلون عصره واُمته، من غير فرق بين ان يكون ذلك المفكر دينياً أو فلسفياً أو قانونياً، سواء كان ذلك المفكر له نزعة إلى الدّين أم إلى الإلحاد أم إلى سائر مناحي الحياة.

بل ذهب ابن سينا إلى أكثر من ذلك، حيث قال: بان اعشاب وعقاقير كل بلد يناسب مزاج اهله.

وهذا ليس ببعيد إذ الإنسان وكذلك الحيوان أيضاً بإعتبار نموّه من الأرض نوع من النبات ـ كما ان الفكر نبات أيضاً ـ قال سبحانه: (فتقبّلها ربّها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً)(28) وقال تعالى: (واللّه أنبتكم من الأرض نباتاً)(29).

نعم، مسرح الفكر اوسع، ولذا نرى ان كل بلد ينمو، وينمو دين ذلك البلد وعاداته وتقاليده وعرفه جنباً إلى جنب.

نعم، من الممكن ان تهبّ عاصفة تغيّر الأشياء تغييراً، كما حدث في الغرب تخلصاً من الكنيسة، أو في الشرق استدراجاً إلى الشيوعيّة، لكن العاصفة ان كانت خلاف الفطرة لا تلبث ان تزول وترجع الاُمور إلى ما هو الأقرب من الفطرة، (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه)(30) وان كانت وفق الفطرة لبثت وترسّخت (اما الزبد فيذهب جفاءاً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)(31) ولذا بقي الإسلام، وكلّما اريد ازاحته لم يكن الامر إلاّ وقتياً ثمّ رجع كما كان.

لا يقال: انّ المسيحيّة منحرفة في الغرب فكيف بقيت؟

لأنه يقال: انّ الغربيّين رجعوا في الحقيقة عن المسيحيّة إلى الحريّة، وما يشاهد من الفوضى في حريّتهم من ناحية، والكبت من ناحية ثانية، انما هو نتيجة جهلهم بالحرية الصحيحة التي جاء بها الإسلام، ولو عرض الإسلام عليهم عرضاً صحيحاً لقبلوه قبولاً تاماً، كما كان الامر كذلك بالنسبة إلى الدولة الفارسية والرومية والهندية والصينية وغيرها حينما عرض الإسلام عليها.

انهم رأوا وقرئوا عن اسلام حكومات غارقة في الإنحراف قد اتخذت الإسلام جسراً للوصول إلى الحكم كالأمويين والعباسيين والعثمانيين، فلم يسمحوا لأنفسهم ان يتركوا ما بأيديهم من الإنحراف، إلى انحراف آخر، فان الإنسان لا يترك ما لديه من الماء المرّ إلى ماءٍ مرّ آخر، أما إذا وجد الماء الحلو ترك ماءه إلى ذلك الماء العذب.

هذا بالنسبة إلى فلسفات وقوانين الشرق والغرب حيث يحدّها الزمان والمكان والمؤثرات الاُخرى، فان لكل ارض طبيعة عناصرها، وكما تؤثر العناصر في اشكال وامزجة والوان شعبها فكذلك تؤثر في فلسفتها وقوانينها وعاداتها وتقاليدها واعرافها، فالبلاد الحارة تعطي - عادة - الفلسفات الخشنة والقوانين المناسبة للحرارة، كما ان البلاد الباردة، تكون بعكس ذلك.

نعم هناك سؤال عند العلماء وهو: انه لو جئنا بأهالي بلد آسيوي إلى افريقيا وبالعكس، فهل كما يؤثر المناخ في وجوههم وامزجتهم واخلاقهم واحتياجات جسدهم، كذلك يؤثر في صفاتهم النفسية، أم لا؟

فإذا كان ـ مثلاً ـ احد الشعبين بخيل جبان، والآخر كريم شجاع، فهل بعد جيل أو اجيال يصبح الكرماء الشجعان بخلاء جبناء، وبالعكس، ام لا؟ بل يبقون على صفاتهم السابقة وانما تتغير اشكالهم واخلاقهم فقط؟.

نعم: الإسلام ليس كالقوانين الوضعيّة، لانه نازل من لدن حكيم عليم، محيط بكل الأزمنة والأمكنة والخصوصيات، فهو مطلق وليس بنسبي كما في سائر القوانين، وانما تتغير خصوصيات الأحكام بتغيّر خصوصيات المواضع، ولذا نشاهد في المستثنى منه انه باق ما بقي الإنسان، فهل يعقل القبح بالنسبة إلى اصل الحرية، أو الأخلاق الفاضلة، أو المعاملات الصحيحة، أو ما اشبه ذلك؟.

نعم ـ في المستثنى ـ إذا صار الشيء ضررياً، أو حرجياً، أو عسراً، أو الشخص مضطراً، أو خرج الموضوع عن حالة إلى حالة اُخرى، أو ما اشبه ذلك، تبدّل الحكم من الأوّل إلى الثاني، لكن بشرط ان لا يكون الحكم الأوّل اهم ـ من باب قاعدة الأهم والمهم ـ حيث يبقى على حاله أي: المستثنى منه فـ(لا ضرر)(32) ـ مثلاً ـ يخصص الأحكام الاولية، لكن إذا لم يعارض بضرر أهم أو أمر أهم.

فمن يتضرر من المعاملة التي عقد عليها من دون اقدامه على الضرر لعدم علمه ـ مثلاً ـ بالسعر، أو بالعيب، كان له خيار الغبن أو العيب أو ما اشبه ذلك، لدليل (لا ضرر).

أما إذا كان لا ضرر هذا معارضاً بلا ضرر اهم قدّم الثاني، مثل ما إذا دار امر السفينة المشرفة على الغرق بين القاء الناس في البحر أو امتعتهم، فانه يقدّم القاء الأمتعة على القاء الأنفس، فانه وان كان في كليهما ضرر، إلاّ ان لا ضرر بالنسبة إلى النفس اهم من اللاّضرر بالنسبة إلى البضاعة.

وهكذا إذا قال الجائر: اقتل فلاناً والاّ جلدتك عشر جلدات أو حبستك عشرة ايام، قدّم الثاني، لأنّ القتل اهم تحريماً، من تعريض النفس لمثل ذلك.

والحاصل: ان الأدلة الثانوية مخصِّصة - بالكسر ـ الا فيـما كانت مخصَّصة ـ بالفتح ـ.

تطابق القانونين

القانون الطبيعي يطابق الشريعة الالهية، لا بالمعنى الذي كان يراه بعض أصحاب الأديان في القرون الوسطى، بل بالمعنى الذي ذكرناه: من الفطرة، والعقل الذي جعله سبحانه حجة، ولذا قال العلماء: « كلّما حكم به العقل حكم به الشرع وكلما حكم به الشرع حكم به العقل ».

ويؤيد ذلك قوله سبحانه: (وإذا أردنا أن نهلك قرية...)(33) الآية. فان إرادة الإهلاك لا يكون الاّ بعد أن يخالف الناس حكم العقل، فبينما يكتفي العقلاء في العقاب بذلك، ويرون من حق المولى معاقبة العبد إذا وقع ابن المولى في البئر فلم ينقذه، أو وقع حريق في الدار فلم يطفئه، أو ما أشبه ذلك، مما يحكم العقل به مستقلاً، ولا يستمعون إلى اعتذار العبد بانه لم يأمره المولى، نرى الشارع برأفته وفضله لا يعاقب الا بعد الأمر والنهي والمخالفة ولذا قال سبحانه: (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..)(34).

وقد ابتلى المسلمون في هذا القرن بنتائج اعمال الحاكمين باسم الكنيسة في القرون الوسطى، واعمال الحاكمين باسم الإسلام من الامويين والعباسيين والعثمانيين ومن اليهم، فأعرض البعض عن أحكام الإسلام جملة وتفصيلاً، لأنهم زعموا انه لو اُعيد حكم الإسلام اُعيدت تلك المآسي، بينما الإسلام بريء من أعمال اولئك الحكام، كما ان المسيح عليه السلام بريء من أعمال الحاكمين باسم الكنيسة والحاصل: ان الدنيا أعرضت عن المفهوم، بزعم انه ذلك المصداق.

بينما ان المصداق الذي طبق لم يكن مصداقاً لذلك المفهوم الذي قرره اللّه سبحانه.

والمطالع للقرآن الحكيم والسنة التي طبقها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يرى ان الإسلام دين العقل والمنطق، وان كلما لم يحكم به العقل ـ بمعنى نفيه له ـ لا يحكم به الشرع، والإنسان يتمكن ان يذكر الف آية وآية من الكتاب، والف رواية ورواية من السنّة، المؤيدة لما ذكرناه، سواء في العقائد، ام الأحكام، أم الأخلاق، أم الآداب، أم غيرها.

ولو كتب كتاب يقارن بين الإسلام وبين القوانين الوضعية، على غرار: (التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي) من أوّل الفقه إلى آخره، لرأى ان كل أحكام الإسلام مطابقة للعقل في كلياته ـ مع تحفظات لنا على الكتاب المذكور وانما أردنا مجرد المثال ـ.

اما الجزئيات من الأحكام: فهي في دائرة تلك الكليات، وإن كان اختيار هذا الجزئي دون غيره من باب فلسفة خفية، أو من باب انه جزئي هذا الكلي وأحد مصاديقه، وانما اختير هذا الجزئي والمصداق للتنسيق ـ مثلاً ـ في القانون، وذلك على ما تقدم من مثال: المرور على الأيمن، أو الوقوف عند الإشارة الحمراء.

بلا حاجة منا للتمثيل بالقياس والإستحسان والرأي والمصالح المرسلة، حيث قد عرفت الأشكال فيها كلها، وعدم الحاجة اليها بعد وجود الدليل من الأدلة الأربعة على كل ما يراد من الأحكام، وقد تقدم عذر الآخذين بهذه، وان كان في نظرنا انه من اشتباه المصداق غالباً.

ولا يخفى: ان القانون الطبيعي الذي ذكرناه ـ مستنداً إلى الكتاب والسنة بل والإجماع والعقل عندنا ـ يشبهه قول المعتزلة الذين قالوا بالحسن والقبح الذاتيّين، فما حسّنه العقل فهو حسن، وما قبّحه فهو قبيح، وان لم يرد شرع ـ فرضاً ـ ولذا يقولون بكثير مما نقول به ـ كما حقق في علم الكلام ـ.

بخلاف الأشاعرة الذين جعلوا الحسن والقبح شرعيّين فقط، فما حسّنه الشرع فهو حسن، وما قبّحه فهو قبيح، ولا حسن ولا قبح في ما عدا الشرع وهذا يشبه القانون الوضعي.

وقد نشأ من مذهب إلاستحسان الذي قال به الحنفية، فان العامة من الاُصول على احد المذهبين، بينما هم في الفقه على احد المذاهب الأربعة مما جمعهما الشاعر بقوله:

قلت وقــد لجَّ في معاتبـتي

وظـن ان المـــلال مـن قِبَلـي

وجهُك ذا الأشعري حنَّفني

وكان مـن أحمـد المذاهب لي

حسنك ما زال شافعي ابداً

يا مالكي كيف صرت معتزلي

والإستحسان يسمّى عندهم بالقياس الخفي، وعرفه بعضهم: بانه الحكم الذي يستنبطه الفقيه عن طريق القياس، فان الفقيه إذا شعر بالحرج الذي يحققه ذلك الحكم، لمناسبات ذهنية لابست الأمر من جهة الزمان أو المكان أو الشرائط، فإنه يعدل عنه إلى مبدأ آخر يراه أنسب من جهة كونه أرفق بالناس، أو أقرب إلى العدل، أوالاحسان، أو المصلحة، أو إلى العرف، أو إلى العادة، أو أحمد عاقبة، أو ما اشبه ذلك.

والظاهر: ان ذلك من باب الأخذ بروح القانون، في قبال الأخذ بهيكله، وله أمثله كثيرة في النزاع المشهور بين انصار الرأيين.

مثلاً: إذا كان القاضي مقتنعاً ان الحق مع المدعى عليه، بينما الدليل ـ من البينة ونحوها ـ مع المدعي، فانه هل يأخذ بروح القانون: من اعطاء الحق للمدعى عليه، أو بهيكله: من اعطاء الحق للمدعي؟ ذكرنا في الفقه: ان الأقرب لدينا: الهيكل، لكن بتطوير.

اما انه كذلك: فلأنه لو اخذ بالروح سقطت الموازين وصار القضاء فوضى، إذ من المعلوم: ان خصوصيات القضاء والقضايا مختلفة ـ حتى مع كونهم من أعدل العدول ـ فكيف يمكن ايكال الأمر اليهم؟

اما معنى التطوير: فهو اخراج الحق الذي يراه ـ الموافق لروح القانون ـ بأسباب مشروعة، كما نشاهده في قضايا علي عليه السلام، التي يعبر عنها بانها قضيّة في واقعة.

والمراد: استخراج الحق باسباب مشروعة، وبطرق شرعية لا تخالف قواعد القضاء والحكم في الإسلام.

وكما نشاهده في قضايا بعض القضاة الأذكياء من مثل القاضي حجة الإسلام الشفتي، والقاضي اياس، وغيرهما.

وفي ذلك جمع بين: (فاحكم بين الناس بالحق)(35) وبين « انما اقضي بنيكم بالبيّنات والأيمان »(36).

كما انّا نرى ان الأخذ بالحسن والقبيح الشرعيين، على ما يراه ويدّعيه الاشعري، غير ممكن القول به، لا لما نجده من انفسنا من نداء العقل والفطرة، ولا للأدلة الشرعية الأخر ـ أيضاً ـ فقط، بل لأن ذلك يوجب اجتثاث جذور الشرع، وذلك لانه حيث لا حسن ولا قبح قبله، فكيف يمكن ان يستجيب الناس إلى الأنبياء والأوصياء والمصلحين، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في علم الكلام والاُصول.

ثمّ ان القانون الطبيعي، أو نداء الفطرة، أو الإنتحاء نحو الحسن والقبح العقلي هو الذي يجب ان يُنحى نحوه لأجل جعل القانون الدولي، إذ ما عداه لا يكون وِفق العدل والصواب، ولا كاسباً رضى الأطراف.

كما انه هو الذي يجب ان يؤخذ به ـ قبل وضع القانون الدولي ـ في موارد المنازعات بين الدول، سواء كانت المنازعات دولية، ام قضائية، أم جنائية، كما إذا تعدت دولة على دولة ـ مثلاً ـ أو كان الزوج من احدهما والزوجة من الآخر واختلفا وكان قانونهما مختلفاً أيضاً في اعطاء الحق للزوج ـ مثلاً ـ أو للزوجة، وهكذا الامر فيما لو قَتـَـلَ احدُ افراد هذه الدولة فرداً من تلك الدولة وكان قانون هذا غير قانون ذاك، إلى غير ذلك.

هذا من الوجهة القانونية، اما من الوجهة الإسلامية ـ عندنا ـ فله تفصيل ذكرنا بعضه في الفقه، وفي بعض الكتب الاُخرى المعنيّة بهذا الشأن ونحوه.

وحيث ان المهم في القانون الدولي: الإستناد إلى القانون الطبيعي، فاللازم تعديله بما يوافق الفطرة، فيجب ـ مثلاً ـ مؤاخذة المتآمرين الذين يقومون بانقلاب عسكري ويأتون إلى الحكم عبر القوة والنار، والتنديد بهم وعدم الإعتراف بانقلابهم وتسليمهم إلى القضاء.

كما يجب الحيلولة بين الحكام المستبدين وبين مظالم شعبهم وسحب الحكام الظالمين إلى دكة القضاء للحكم عليهم بما جنوه على شعوبهم، لا تركهم وشأنهم بحجة انه شأن داخلي لا يرتبط بالقانون الدولي، إلى غيرها، مما ليس محل بحثه هنا.

من مؤهلات القانون

يجب على واضع القانون، عند من يرى وضع القانون كالعلمانيين، وعلى مطبق القانون على الجزئيات عند من يرى ان القانون من حق اللّه سبحانه، كالمسلمين، ان يلاحظ أمرين:ـ

الأول: صلاحية القانون بالنسبة إلى الظروف الحاضرة، وذلك بان لا يوجب ـ مثلاً ـ الضجر والملل في الناس، وان لا يضر ـ مثلاً ـ الاقتصاد والإجتماع، وما أشبه، وهذا ما يلاحظ غالباً، عند العقلاء.

الثاني: صلاحية القانون بالنسبة إلى المستقبل، وذلك بان لا يوجب ـ مثلاً ـ الخبال والضرر، وهذا ما لا يلاحظه الواضعون للقوانين غالباً، الا بقدر.

ونمثل لذلك بما إذا أراد متولي الوقف استثمار الوقف، فقد يستثمره بايجاره سنة واحدة، والسنة تكون بمائة، بينما السنتان بألف لكنه يؤجره سنة، فإن ذلك يوجب خسارة ارباب الوقف وتضررهم في الحال الحاضر، وقد يستثمر بايجاره عشرين سنة، وذلك يوجب الضرر في المستقبل حيث ان ارتفاع القيم في المستقبل يسبّب ان تكون الاجرة دون المستوى المطلوب.

ثمّ ان ما ذكرناه لا يختص بالقانون وضعاً وتطبيقاً بل يعم كل شؤون الحياة، ومن أمثال ذلك ـ وان كان خارجاً عن المبحث ـ قصة اليهود، فانهم تاريخياً اخطأوا خطأين، خطئاً دينياً وخطئاً زمنياً، مما سبب تشرّدهم على طول الخط، كما لا يخفى على من راجع تاريخهم، وقد رأينا كيف اضطهدهم هيتلر وغيره كما وشهدنا اخراجهم من كثير من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية في النصف الأخير من هذا القرن.

خطأ اليهود

والخطئان هما عبارة عمّا يلي:ـ

الأول: خطأهم الديني، حيث جعلوا دينهم قومياً، محصوراً في اطار قومهم، وذلك مما يوجب عدم نموهم عدداً، وللكثرة العدديّة ما ليس لتقوية الكيف ـ كما يزعمون ـ.

ومن معاجز القرآن الحكيم قوله سبحانه خطاباً لعيسى عليه السلام: (وجاعل الذين اتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة)(37) حيث لا يزال المسيحيون فوقهم من ذلك اليوم إلى هذا الـيوم، ولم يـكـن التخصيص لدينهم بقومهم من ديـن موسى عليه السلام، لانه من اُولى العزم الذين بعثوا إلى شرق الأرض وغربها.

فان جعل هذا القانون القومي من حاخاماتهم أورث لهم التأخّر على مدى الزمان.

الثاني: خطأهم التجاري، حيث انهم لا يحطّون في بلد إلاّ سيطروا على اقتصاده، وبذلك عرّضوا أنفسهم للإخراج على طول الزمان، فإنّ أهل البلاد لا يتحملون مَن يسيطر على أموالهم وثرواتهم؟ بل يفكرون في التخلص منه ولو بعد حين.

وحيث ان اليهود لم ينتهوا عما هم عليه فهم مهددون في المستقبل أيضاً بذلك في اي بلد وجدوا، ولا دليل على استقرارهم النسبي في هذا الزمان، إذ الطبيعة أخيراً هي الحاكمة في البشر.

وعليه: فإن جعل هذا القانون منهم أورث لهم التشرد والمطاردة الدائمة، ولا يتمكنون من النجاة من هاتين المشكلتين، الا بأن يغيّروا ما بأنفسهم كما قال سبحانه: (إنّ اللّه لا يغيِّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم)(38).

ثمّ انهم في هذا القرن اخطأوا خطائين آخرين اُضيفا إلى الخطائين السابقين، فزاد في طينهم بلة وفي امرهم مشكلة، ولا بد من ان يروا نتائج هذين الخطأين الآخرين عن قريب، ويذوقوا وبال امرهم، والخطاءان هما كالتالي:

الفساد

الأول: خطأهم في نشرهم الفساد بين الناس، زاعمين انه يوجب تحلل الشعوب وتفسخها وبذلك يتسنى لهم السيطرة عليهم، ان هذا الزعم ـ كما ذكره كتابهم بروتوكلات حكماء صهيون ـ لعله ينفعهم في الأمد القصير، لكن سيضرهم ويجتث جذورهم في الأمد الطويل، فان من الواضح ان الاُمم لا تتحمل من يبذر فيهم بذور الفساد، ولو نامت اُمة ساعة.. فلن تنام إلى قيام الساعة، فهذا القانون الذي وضعوه سيعود عليهم بابشع النتائج.

اغتصاب فلسطين

الثاني: خطأهم في اغتصاب فلسطين، فان معنى ذلك انهم جَلَبوا لأنفسهم سخط ما يربو على ربع المعمورة يعني: الف وستمائة مليون مسلم، وليست بلاد فلسطين كالأندلس حيث انها اغتصبت من قبل فئة كبيرة من الناس وهم المسيحيون، اضافة إلى انها مجاورة لبلادهم وفي حوزتهم، بينما كلا الأمرين ينعكسان في فلسطين، ومع ذلك فهل تتمكن أن تبقى حكومة صغيرة في بحر خضم من الأعداء مدة مديدة لولا مساعدات الغرب؟

ومساعدات الغرب لهم لابدّ وأن يكون لها أمد قريب وقصير، ثمّ هل يمكن ان تعيش حكومة بالهبات والصدقات والمساعدات المالية والدعائية مدة مديدة؟

نعم هذه هي القوانين الأربعة التي وضعها كبار اليهود وكلها خطأ استقبالي وان فرض صحتها حالاً، لكنها ليست بصحيحة حالاً أيضاً، كما عرفت..

وحيث كان المقصود الالماع لا الإستيعباب، اقتصرنا على هذا الموجز، والا فالتفصيل بحاجة إلى موضع مناسب له، مما لا يناسبه هذا الكتاب.

 

تتمة 

(1) سورة الأنعام، الآية: 57 .

(2) سورة ابراهيم، الآية: 4 .

(3) بحار الأنوار: ج 1، ص 85، ب 1، ح 7.

(4) سورة المؤمنون، الآية: 52 .

(5) سورة الحجرات، الآية: 10 .

(6) سورة البقرة، الآية: 188 .

(7) سورة البقرة، الآية: 188 .

(8) غوالي اللئالي: ج 1، ص 222، ح 99 .

(9) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ، ص 257 ، ب 176 ، ح 8 .

(10) سورة الشورى، الآية: 38 .

(11) موسوعة الفقه: ج 105، كتاب السياسة.

(12) سورة يس، الآية: 19.

(13) سورة طه، الآية: 124.

(14) الكافي: ج 8، ص 243، ح 479.

(15) تهذيب الأحكام: ج 1، ص 291، ب 12، ح 108.

(16) سورة الأنبياء، الآية: 95.

(17) سورة التوبة، الاية: 84.

(18) سورة الأحزاب، الآية: 60.

(19) بحار الأنوار: ج 6، ص 23، ب 20، ح 24.

(20) سورة الحشر، الآية: 7.

(21) موسوعة الفقه ج: 100 كتاب الحقوق.

(22) سورة النجم، الآية: 3.

(23) سورة المائدة، الآية: 1.

(24) الكافي: ج 7، ص 37، ح 34.

(25) سورة الإنشقاق، الآية: 19.

(26) سورة الروم، الآية: 30.

(27) راجع بحار الأنوار: ج 1، ص 137، ب 4، ح 30.

(28) سورة آل عمران، الآية: 37.

(29) سورة نوح، الآية: 17.

(30) سورة الروم، الآية: 17.

(31) سورة الرعد، الآية: 17.

(32) من لا يحضره الفقيه: ج 4، ص 231، ح 2.

(33) و (34) سورة الإسراء، الآية: 16.

(35) سورة ص، الآية: 26.

(36) وسائل الشيعة ج 18، ص 169، ح 1.

(37) سورة آل عمران، الآية: 55.

(38) سورة الرعد، الآية: 11.