الفهرس

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

مصادر القانون في الإسلام

أدلة التشريع والأدلة المتفرعة عنها

القانون مهما كان نوعه، وبأي مجال من مجالات الحياة كان ارتباطه، يجب أن يستفاد من الأدلة الأربعة: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، لما دل على حجية كل واحد منها، ف

كل قانون يخالف هذه الأدلة بالمباينة، أو بالمطلق، أو من وجه، فهو باطل.

ففي الأول: باطل إطلاقا.

وفي الثاني: إن كانت الأدلة الأربعة أعم فباطل حصره، وإن كان القانون أعم فباطل سعته.

وفي الثالث: يبطل السعة من ناحية والضيق من ناحية اخرى.

مثلاً: بين الإنسان والأبيض من وجه، فإذا كان المطلوب الإنسان وقال: انه الأبيض يبطل الأبيض غير الإنسان، ويصح الإنسان غير الأبيض.

والظاهر ان ما ذكره العامة من الأدلة الاخر: كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وما أشبه هي بنظرهم مستفادة من الأدلة الأربعة المتقدمة كما يظهر ذلك من كتبهم، لكن الشيعة لا يقولون بها وذلك إما للنص على عدم الصحّة مثل القياس، أو لأنهم لا يرون استفادتها من تلك الأدلة كالاستحسان، أو لأنهم لا يرون حاجة إليها كالمصالح المرسلة - ونقول: بإما وإما من باب منع الخلو لا الحقيقية أو منع الجمع كما لا يخفى -.

وعلى أي حال: فاللازم الأخذ بالقانون المستفاد من الأدلة المذكورة.

ومن الواضح: ان القانون في الإسلام أعم من القانون الوضعي حيث يشمل المستحبات والمكروهات والمباحات، وكذلك يشمل العبادات ونحوها، ولا يحق لأيّ إنسان أن يستنبط القانون من هذه الأدلة، إلاّ بعد أن يصل إلى درجة الاجتهاد.

لا يقال: كيف ولم يبلغ المسلمون الأوائل هذه الدرجة من الإجتهاد، ومع ذلك كانوا يستفيدون من القرآن والسنّة؟

لأنه يقال: لم يكن في ذلك الزمان كل الأدلة على اختلافها وتعارضها مجتمعة عندهم، بخلاف الآن حيث ان الاجتماع يوجب النظر في الجميع والاستنتاج منها، إضافة إلى ان البعد عن زمان المعصومين عليهم السلام أوجب مزيداً من الصعوبة إلى غير ذلك(1) وهذا هو الاجتهاد.

كما أنّه لا يقال: كيف كان شيخ الطائفة قدس سره مجتهداً مع انّ عُدَّته(2) أقل تفصيلاً من الكفاية والرسائل وما أشبه، وهكذا بالنسبة إلى صاحب المعالم ومعالمه.

لأنه يقال:

أولاً: توسع الاحتياجات الفقهية أوجب توسع الاحتياجات الاُصولية، فكلما توسع البناء احتاج إلى سعة المبنى.

وثانياً: كثرة انظار المدقّقين والمحقّقين سببت الاحتياج إلى النظر في آرائهم لاستكشاف الحق منها، وبمثل هذا الجواب يجاب عن توسع وتعمّق الطب والهندسة وغيرهما.

معالجة الإختلاف في القانون

لا شك في ان الدولة بحاجة إلى قانون موحّد، وآراء الفقهاء المستنبطين عن الأدلة الأربعة مختلفة في كثير من القوانين فكيف يعمل بها؟

والجواب: يعمل بأكثرية الآراء، حيث يصب منها القانون فإن ذلك هو المستفاد من دليل «الشورى» الحاكم على دليل «التقليد»(3).

لا يقال: إذا كان المعيار الأكثرية يلزم ترجرج القانون وتغيّره حسب تغير الأكثرية.

مثلاً: إذا كان الأكثرية في زمان يرون قانون تحريم الرّضعات العشر، وفي زمان آخر يرون عدم التحريم.

لأنه يقال: لا بأس بذلك، كما إذا اختلف اجتهاد الفقيه الواحد، إضافة إلى قلّة حدوث مثل ذلك، وهذا هو حال القوانين الوضعية أيضاً حسب البرلمان التشريعي، وكذلك حالهم في التنفيذ، ولذا يختلف الرؤساء الديمقراطيون في السير بالدول إلى الأولويات التي يرونها مثل الإهتمام بالسلاح أو بالخدمات، وفي الخدمات: بالطب أو التعليم، وفي الصناعة: بالخفيفة أو الثقيلة، وهكذا.

لا يقال: إذا اختلفت الأكثرية في القانون فماذا يعمل بالمتخالفين؟

لأنه يقال: لا إشكال في جواز الإنتقال من الأصعب إلى الأسهل كرؤية القانون السابق حرمة الرضعات العشر والحال حليتها بخلاف العكس، فإنه قد ذكرنا في الفقه: انّ الواقعة الواحدة لا تتحمّل اجتهادين، فيبقى السابق على ما تحقّق.

وانما يطبق الأصعب في المستقبل ولا يؤثر في الماضي إلا إذا فرض ان القانون الجديد يرى الأثر الرجعي - وذلك استثناء نادر - فاللازم اتباعه وكلا الأمرين المستثنى والمستثنى منه موجودان في القوانين الوضعية أيضاً.

قانون التساوي بين الذكر والانثى

القانون الإسلامي يساوي الـــذكر مع الانثى فـــي كل الأمور إلاّ مـــوارد خــاصـــة استثنائية قطعية، مثل الإرث لقوله تعالى: (يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظ الاُنثيين)(4) وما أشبه ذلك، وكل مورد ثبت الإختلاف فإنه تابع لميزان علمي دقيق مذكور في فلسفة الأحكام.

وهناك موارد مختلف فيها بأنهما هل يتساويان أم لا؟ في بعضها الشهرة إلى أحد الجانبين، وفي بعضها لا شهرة وانما قولان.

فمن موارد الإختلاف: حق المرأة في الترشيح والدخول إلى مجلس الشورى - مثلاً - بينما من موارد القطع: إنها لا تتصدّى منصب القضاء والحكم، كما لا يحق لها أن تكون مرجعاً للتقليد، ومن موارد القطع أيضاً: صلاحيتها لكثير من الوظائف والحرف كالطبابة وما أشبه.

فمن أعطاها حق الترشيح ودخول المجلس استدل بالإطلاقات، وأدلة الإشتراك في التكليف إلاّ ما خرج قطعاً وليس المقام من المستثنى، ولأنه نوع وكالة.

ومن قال بالعدم، استدلّ: من الكتاب بقوله سبحانه: (الرِّجال قوّامون)(5).

ومن السنّة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة)(6).

ومن الإجماع: بأنه لم يعهد في تاريخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام إسناد أمر من هذا القبيل إلى النساء.

ومن العقل: بأنها عاطفية أكثر من كونها عقلانية، فكيف يعهد إليها بما يحتاج إلى إعمال العقل أكثر ممّا يحتاج إلى إعمال العاطفة؟

وردَّ الأولون هذه الأدلة بقولهم:

أما الكتاب: فلا دلالة في الآية إلاّ على ما يخص الشؤون البيتية حيث يلزم في البيت الإدارة، والإدارة لابدّ فيها من مدير، فلا يقاس بذلك ما نحن فيه، ولذا قال سبحانه: (وبما أنفقوا من أموالهم)(7).

وأمّا السنّة: فلا سند نقي فيها، بالإضافة إلى احتمال انه قضية خارجية لا انه حكم، ويشير إليه ما رووه من انه لما بلغ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ان أهل فارس ملّكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.

وكذا ما رواه البخاري وإبن حنبل والنسائي في هذا المجال.

ويؤيده: ان قوم بلقيس افلحوا حيث اسلمت واسلموا معها للّه ربّ العالمين.

واما الإجماع: فلا إجماع ايجابي، والسلب لا يدل على الإيجاب.

واما العقل: فما استدلوا له بان المرأة عاطفية صحيح، لكنها أيضاً عقلانية، فمن جانب عاطفية ومن جانب عقلانية، فلا يكون حينئذٍ دليلاً عقلياً صالحاً لإستناد الحكم إليه.

وعلى أي حال فليس الكلام في الجزئي وانما في القانون بما هو قانون.

مرونة القانون والإجتهاد فيه

بعد ان عرفت انّ القانون خاص بالمستفاد من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، فليس من الحق وضع القانون الأساسي الذي معناه تجميد الاستنباط وحصره على جماعة خاصة من الفقهاء، إلاّ إذا كان من نصوص الشريعة غير القابلة لمختلف الاستنباطات المستقبلية.

مثلاً يجعل من مواد القانون الأساسي:

قوله تعالى: (ان هذه اُمتكم اُمّة واحدة)(8).

و: (إنّما المؤمنون إخوة)(9).

و: (يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(10).

و: (أحلّ اللّه البيع وحرم الربا)(11).

و: (تجارة عن تراض منكم)(12).

و: (اُمهاتكم من الرضاعة)(13).

لكن إذا رأى الجيل المعاصر من الفقهاء انّ الآية الأخيرة تشمل الرضعات العشر، فلا يكون استنباطه قانوناً غير قابل للتغيير، بل الجيل الجديد من الفقهاء لهم الحق في الإستنباط وان أدّى إلى عدم حرمة الرضعات العشر لإشتراطهم في الحرمة خمس عشرة رضعة، وهكذا في سائر الإستنباطات.

التطبيقات القانونية وفقا لقاعدة المصلحة ورفع الضرر

كما انه ليس من الحق التطبيق على شيء ليس له كلي في الشرعية، نعم للدولة الحق في التطبيقات الفضفاضة كيف رأت ذلك صلاحاً، لكن في اطار صلاح الاُمة الذي هو أضيق من التطبيق الفردي مثلاً: «المؤمنون عند شروطهم»(14) نص شرعي، للفرد ان يطبقه ولو في ضرره، لكن ليس للدولة أن تطبقه ولو في ضرر الاُمة، إلى غير ذلك من الأمثلة.

وعلى ذلك فقوانين: المرور، والشرطة، والنجدة، والصحة، والأمن، والحدود ـ بين بلاد الإسلام وبلاد غير الإسلام ـ والزراعة والتجارة والصناعة والثقافة، والإستفادة من البحار والغابات والمعادن وما أشبه ذلك، يجب أن تكون مطابقة لادلة هذه الامور أولا وللمصلحة ـ حتى لا تكون ضررياً ـ ثانياً.

وفي هذا الاطار الفضفاض يتمكن كل جيل من الفقهاء أو من أهل الخبرة الذين لهم حق التطبيق التغيير والتبديل، سواء كان الثاني أصلح، ام مساوياً للأول.

مثلاً: إذا جعلت ادارة المرور الضوء الأخضر علامة لجواز العبور، والأحمر علامة للتوقف، كان للادارة الثانية الجديدة الحق في تغييره إلى العكس، أو تبديله إلى غيره.

وهكذا في سائر التطبيقات من غير فرق في ما ذكرناه بين القوانين الأولية أو الثانوية.

مثلاً: إذا كان من المصلحة صرف أموال الدولة في التقدمة فرأى الجيل الأول صرفها في الزراعة حق له ان يطبق ذلك، فإذا جاء الجيل الجديد ورأى ان من المصلحة صرفها في الصناعة كان له ذلك، وهكذا الحال في رفع الضرر، وقاعدة الأهم والمهم وما أشبه ذلك.

القانون واعتبار أثره

يحق لمن له تطبيق القانون في الاُمور الفرعية، كما تقدم من مثل قوانين: الأمن والشرطة وما أشبه، أن يجعل القانون بأثر رجعي، أو أثر مستقبلي، أو أثر حالي، فيما لو اقتضت المصلحة ذلك.

مثلاً: يقول: إنا نقبل الدخول في سلك الشرطة بشرط ان لا يخالف المقرر، فإذا خالف المقرر، فالمرة الأولى معفو عنه، أما إذا خالف في المرة الثانية فعليه الغرامة لما تقدم وما تأخر بقطع راتبه الحالي، أو استرجاع راتبه السابق، أو قطع راتبه للشهر اللاحق.

اما ان يكون الأثر الرجعي في القانون المقرر من عند اللّه سبحانه ممّا طبقه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو قال به الأئمة عليهم السلام فالمعهود منه لدينا قليل جداً، كما انه لا معنى له في الأمر السابق على وضع القانون إلاّ فيما إذا كان العقل يؤيّده.

مثلاً: إذا خالف الحكم العقلي فللشارع أن يرتب الأثر أو لا يرتبه بعد وَضع القانون، وإلا فبدون المخالفة للحكم العقلي ـ في باب الجرائم ـ لا يعقل الأثر الرجعي، إذ كيف يطالب الشخص بعقاب عمل عمله بدون جعل قانون سابق؟ ولا نهي عقلي عنه.

نعم في باب النهي العقلي استقر بناء الشارع على عدم الآخذ ـ تفضلاً ـ وان حق له الأخذ بأثر رجعي، فقد قال سبحانه: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً)(15).

وقال سبحانه:(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)(16) وقد ذكرنا تفسير الآية الاولى في بعض كتبنا التفسيرية، وذكرنا تفسير الآية الثانية في «الاُصول».

وكيف كان: فمن مورد الأثر الرجعي في الشريعة: هدر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دم هبّار الذي قطع الطريق على زينب عليها السلام حين خروجها من مكة وارعبها، مما ادّى إلى سقوط جنينها.

لكن من المحتمل ان يكون حكم ما ارتكبه هبّار قد شرع قبل ذلك، وكان هبّار مكلفاً به وعالماً ـ إذ سيأتي ان شاء اللّه تعالى البحث في أنّ التكليف بالنسبة إلى علم الشخص وعدم علمه على اقسام ـ.

كما انّ من مورد الأثر الرجعي: ما ورد فيمن زنا بجارية الغير حيث يكره جعلها مرضعة ـ فان من المكروه ارضاع الزانية.

كما ان من المكروه ارضاع ولد الزنا ـ فقد قال الإمام عليه السلام: ان جعلها صاحبها في حلّ من زناها ارتفعت الكراهة في رضاعها، فان الرّضا اللاحق يكون له حينئذٍ أثر رجعي بالنسبة إلى طيب اللبن.

القانون هل يسبق صدوره؟

القانون على قسمين:

الأول: القوانين الكلية التي جعلها الشارع، وهي لا تتغيّر ولا تتبدّل، إلاّ بتغيّر الموضوع، أو التغيّر من القوانين الأولية إلى الثانوية، أو بالعكس.

الثاني: القوانين التأطيرية التي يُحدّدها «شورى المرجعيّة» بسبب اختلاف الأزمنة والأمكنة مما يستفاد من الكليات الشرعية، أو مجلس الوزراء أو مجلس الاُمة أو مجلس الأعيان أو أيّة جهة اُخرى لها الصلاحية حسب التطبيقات الزمنية.

أما القسم الأول: فلا كلام فيه.

وأما القسم الثاني: فالأصل عدم رِجعيَّة القانون بمعنى: سريان التشريع (التأطير) على سبق الإصدار، فلو قرّر القانون عدم اخراج البضاعة إلى البلد الفلاني لأنهم في حالة حرب مع المسلمين، وكان بعض الناس أخرج البضاعة قبل تقرير هذا القانون، لم يكن الحق للحكومة في أن تعاقب من خالف هذا القانون قبل وضعه بالعقوبة المقرّرة بعد وضعه، وذلك لاُمور:

الأول: ان سريان القانون إلى ما قبل صدوره يوجب اضطراب القانون وضعفه، إذ الناس ينظرون إلى القانون حينئذ نظر شك وريبة، لأنهم لا يعلمون هل يبقى القانون السابق أو لا يبقى من جهة خوفهم تعدّي مفعول القانون اللاحق إلى الزمان السابق أيضاً.

الثاني: ان السريان خلاف العدل إذ من الظلم أن يعاقب المشرّع للقانون على أعمال كانت من قبل مباحة ـ مثلاً ـ أو يعاقب بعقوبة شديدة بعد القانون بينما كانت العقوبة قبل ذلك خفيفة، فلو كان القانون السابق قد قرّر في بيع السلاح لأعداء المسلمين عقوبة شهر من السجن، ثم جاءت الحرب وقرّر القانون بأن العقوبة فيه سنة من السجن، فهل يصح أن يسجن مدّة سنة من باع قبل الحرب بشهر أو بسنة؟

انه خلاف العدل الذي يقول لا يجزى انسان بأكثر من جزائه العادي وقد قال سبحانه: (فلا يجزى إلاّ مثلها)(17).

الثالث: ان القانون الثانوي إذا وضع لتحديد الحلّية والحرية، فإنه يكون بطبيعته لاحقاً على القانون الأوّلي القائل: بإطلاق الحلية والحرية، وذلك لأن مقتضى الأصل الأوّلي أن يكون لكل انسان الحريّة في أن يعمل ما لا يخالف الشريعة، وأن يحلّ له ما لم يمنع عنه الشريعة، فإن كان للقانون أثر رجعي لم يكن لهذين الأصلين: (الحرية والحلّية) ضمان حين يعلم ان من حق المشرّع الابطال والعقاب على ما سلف، فيكون عدم السراية حينئذ من ضمانات الحرية والحلية وهو ضروري.

الرابع: ان السريان خلاف النص في الشريعة، حيث قال سبحانه: (ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً)(18) إلى غير ذلك من الآيات والروايات الدالة على البرائة، بل ويدل عليها دليل «رفع عن اُمَّتي... وما لا يعلمون»(19) بالملاك، فإذا كان شيء لا يعلمه المكلف مرفوعاً، فكيف إذا لم يكن شيء؟ علماً بأن المراد من «الرفع» هو: الأعم من كل الآثار ـ كما ذكرناه في الاُصول ـ ومن تلك الآثار المرفوعة: العقاب ونحوه.

الخامس: انّ ما يستفاد من دليل «الجبّ»، سواء الجبّ بالنسبة إلى الإسلام أم بالنسبة إلى الايمان ـ كما قاله الإمام الرضا عليه السلام(20) ـ هو: عدم السريان وقد عمل به من قبل علي عليه السلام اقتداءاً برسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وذلك حين خلافته، فإنه لم يؤاخذ الناس بما ارتكبوه قبل خلافته من المخالفات، كما سبق الإلماع إليه.

الأحوال الستـّة

وبما ذكرناه ظهر حكم الأحوال الستّة للقانون اللاحق مع القانون السابق:

1 - أن يكون بين السابق واللاحق تضاد: مثل ما لو كان العقاب سابقاً الجلد، وحالاً السجن.

2 - أن يكون بينهما تباين: مثل ما لو لم يكن عقاب سابقاً، والحال عقاب.

3 - أن يكون بينهما عموم مطلق، والعام مقدّم.

4 - أن يكون بينهما عموم مطلق، والخاص مقدّم.

5 - أن يكون بينهما عموم من وجه كالإنسان والأبيض.

6 - أن يكون عقاب السابق أشدّ واللاحق أخفّ، وعكسه بأن يكون عقاب اللاحق أشد والسابق أخفّ.

وانما ذكرنا العقاب من باب المثال، وإلاّ فالأمر يأتي في كل تغيير حادث على القانون في أحواله الستّة.

التشريع

وأما التشريع: فهو عبارة عن تقنين القوانين، على ما يراه مجلس الاُمّة ـ مثلاً ـ ضارباً عرض الحائط ما كان سابقاً، وهذا وان صحّ عند من يرى: ( ما لقيصر لقيصر) فانه لا يصح عند من يرى (اليوم اكملت لكم دينكم)(21) (ومن أحسن من اللّه حكماً)(22) ولذ افلا مجال له اطلاقاً في بلاد الإسلام سنّةً وشيعةً.

نعم لمجلس الاُمّة ونحوه (التطبيق) بمعنى: تطبيق كليات الشريعة على الموارد الخاصة التي هي محل الإبتلاء، مع ملاحظة القوانين الثانوية إلى جانبها كالإضطرار، والضرر، وقاعدة الأهم والمهم، وما اشبه ذلك.

وقد تقدم: ان مجلس الاُمّة ـ في بلاد الإسلام ـ عبارة اُخرى عن الخبراء الدينيّين والزمنيّين الذين يأتي دورهم بعد دور الفقهاء ـ في شورى المراجع ـ وبالتعاون بينهما يمكن السير بالاُمّة نحو السلام والرقيّ والتقدّم.

 

تتمة

(1) اجاب الإمام المؤلف عن هذا الإعتراض بجوابين آخرين في الأسطر الآتية ضمن الإجابة على الإشكال اللاحق.

(2) العدّة كتاب اُصولي للشيخ الطوسي (قدس سره).

(3) تطرق الإمام المؤلف إلى الحديث عن النسبة بين ادلة الشورى والتقليد في «الشورى في الإسلام» و «الموسوعة الفقهية» وغيرهما.

(4) سورة النساء ، الآية : 11.

(5) سورة النساء ، الآية : 34.

(6) بحار الأنوار: ج 32 ص 194 ب 3 الحديث 143.

(7) النساء ، الآية : 34.

(8) سورة الأنبياء ، الآية : 92.

(9) سورة الحجرات ، الآية : 10.

(10) سورة الأعراف ، الآية : 157.

(11) سورة البقرة ، الآية : 275.

(12) سورة النساء ، الآية : 29.

(13) سورة النساء ، الآية : 23.

(14) وسائل الشيعة : ج 15 ، ص 30 ، ب 20 ، الحديث 4.

(15) سورة الإسراء ، الآية : 16.

(16) سورة الإسراء ، الآية : 15.

(17) سورة الأنعام ، الآية : 160 .

(18) سورة الاسراء ، الآية : 15 .

(19) تحف العقول ، ص 50 .

(20) راجع بحار الأنوار : ج 6 ، ص 23 ، ب 20 ، ح 24 .

(21) سورة المائدة ، الآية : 3 .

(22) سورة المائدة ، الآية : 50 .