الفهرس

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

القانون الاسلامي بين النظرية والتطبيق 

القانون وعصمة الأنبياء عليهم السلام 

لا ينبغي الإشكال في ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسائر المعصومين عليهم السلام لا يخطأ كما لا ينسى ـ وأحاديث الانساء ضعيفة للتقيّة ـ كما ان أحاديث نسيان الأنبياء يراد بها الترك، لا النسيان الحقيقي، فهو من قبيل: (إنّا نسيناكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا)(1) ولذلك فإن كل آية ظاهرها ينافي مقام العصمة، وكل حديث كذلك، يجب أن يؤوّل، أو يتنظّر في سند الحديث.

هذا ولا يخفى: ان قضية موسى والخضر عليهما السلام، كانت تمثيلية عملية لأجل التعليم، كما كان الأمر كذلك في قصّة الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام في وضوئهما لتعليم الشيخ الذي لم يكن يحسن الوضوء، وإلاّ فهل يمكن أن يترك الإنسان العادي وعده ثلاث مرّات في مصاحبة واحدة، ناهيك عن العاقل الكامل، بله النبيّ المعصوم عليه السلام ؟ وهذا بحث طويل ليس كلامنا فيه، لأنه مربوط بالعقائد.

وانما الكلام هنا في قضاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقوله المنسوب إليه: «انما اقضي بينكم بالبيّنات والأيمان ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له به قطعة من النار»(2) فإنه إن فرض تمامية السند، فاللازم أن يراد به: التعليم في باب القضاء، وانه إذا أخطأ الحاكم فلا يتصوّر المبطل من المترافعين: انّ حكم الحاكم قد أثبت له حقّاً في مال أو مرأة أو ولاية أو دم أو غيرها.

وإلاّ فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يشتبه كبرىً، بأن يفتي بالباطل حسب الإشتباه في الموضوع أو في الحكم، كأن يشتبه بين الكلب والشاة موضوعاً، فيقول: الشاة نجسة ـ زاعماً ان الشاة كلب ـ أو يشتبه في الحكم بأن يعلم انه شاة، لكن يشتبه في ان حكم الشاة الطهارة فيفتي بنجاسة الشاة.

كما لا يشتبه صغرىً، بأن يزعم ان الحق في نزاع زيد وعمرو، مع زيد، فيعطي مال زيد لعمرو.

وانما قلنا: إنّه صلى الله عليه وآله وسلم لا يسهو ولا يخطأ، لأنه (ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى)(3) وكذلك لا يفعل ولا يترك عن هوى، وانما فعله وتركه مطابق صغرى لكليّات الوحي، فإنه ـ مثلاً ـ إذا ترك أكل الحمص أو أكله، كان كل منهما صغرى للجواز ـ بالمعنى الأعم ـ من الإباحة والإستحباب والكراهة.

المعصوم عليه السلام لا يفعل المكروه 

هذا و لا يخفى:ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسائر المعصومين عليهم السلام لا يفعلون المكروه أيضاً، وإذا رأينا انهم فعلوا ما الحكـم فيه الكراهة ـ كما هو منقول عن الإمام الرضا عليه السلام من النوم قبل طلوع الشمس ـ فلابدّ أن يكون هناك أحد أمرين:

اما اهمّ يرفع الكراهة التي هي المهم.

أو انّ الكراهة مرتفعة لعلمهم بارتفاع علّتها مما هو مخفيّ علينا، فلا كراهة.

بل ذكرنا في مبحث العقائد: انهم عليهم السلام لا يفعلون ترك الأولى أيضاً، لأنّ ترك الأولى مرتبة من النقص، وهم عليهم السلام منزّهون عن كل نقص، وما ظاهره ذلك يؤوّل، حاله حال ما ظاهره في القرآن الكريم من نسبة الجسمية ـ بظاهره ـ إلى اللّه سبحانه، تعالى اللّه عن ذلك، مثل: (يكشف عن ساق)(4).

و: (جاء ربّك)(5).

و: (على العرش استوى)(6).

و: (إلى ربّها ناظرة)(7).

وكذلك يكون حال نصب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعزله، وحلّه وترحاله، ويقظته ونومه، وقعوده وقيامه، ومسكنه ومنكحه، وسائر شؤونه الشخصيّة أو الإجتماعيّة، فإنه لا يطبّق إلاّ أوامر اللّه سبحانه، فإنّ اللّه أدّب نبيّه بآدابه ففوَّض إليه دينه(8)، كما ان المعلّم يربّي تلميذه على الحساب كاملاً، ثمّ يفوّض إليه المحاسبة، حيث لا يشتبه في الجمع والضرب والتقسيم والتفريق.

وعليه فإذا فرض ترافع قضية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت الأدلة في ظاهرها مع المبطل، بأن شهد الشهود بصالحه، فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحكم له، وانّما يطوّر القضية حتّى يظهر الحق، ويتبيّن زيف دعوى المدّعي.

فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته»(9) ان فرض تمامية السند، لابدّ وأن يُراد به: تعليم القضاة: بأنهم بشر يُمكن فيهم الإشتباه، وتعليم المترافعين: بأنّ اشتباه القاضي لا يصحّح الحكم، ولا يثبت حقّاً للمبطل، ولا يبطل حقّاً للمحقّ، بل يبقى الحقّ على ما هو عليه واقعاً وحقيقة.

وأما نسبته إلى نفسه الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم، فمن باب التعارف في الكلام، ومن باب «إيّاك أعني واسمعي يا جارة»(10) مثل قوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطنّ عملك)(11) مع ان الشرك في النبي صلى الله عليه وآله وسلم محال، ومثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (لا تفعل كذا وكذا)(12) حيث انّه من باب «إيّاك أعني واسمعي يا جارة»(13) كما ذكرنا، إلى غير ذلك من التفصيل الذي ليس هذا محلّ كلامه.

نعم لا يبعد أن لا تكون الاُسوة في خصوصيّات الاُمور العادية، كما إذا أكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الإثنين خامس شوّال «التفاح»، أو تزوّج بامرأة أصلها يهودية مثل «صفيّة»، أو مسيحيّة مثل «مارية»، أو عمرها خمسون عاماً مثل «سودة»، أو جلس مع انسان في الساعة السابعة من يوم الجمعة ليستمع كلامه، أو ما أشبه ذلك، ان كل تلك الاُمور تدلُّ على الجواز ـ بالمعنى الأعم الذي ذكرناه ـ لكن هل يستحب لغيره صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك بأن يتزوّج امرأة أصلها يهودية أو مسيحية، إلى آخر ما ذكرناه، وإلى غيرها من الأمثلة؟

الظاهر: ان «الاُسوة» لا تكون في هذه الخصوصيّات، كما لم يفت أحد من الفقهاء بذلك.

نعم إذا كرّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً خاصّاً في مكان خاصّ، أو زمان خاص، يستفاد منه الإستحباب و«الاُسوة» كما إذا شرب في كلّ يوم خميس صباحاً العسل، أو كلّ مرّة ذهب إلى حجّ أو عمرة ـ كما في الأحاديث حيث انه صلى الله عليه وآله وسلم فعلهما أربعين مرّة ابّان كونه في مكّة والمدينة ـ جلس في المكان الفلاني وتخلّى، كما هو الفتوى «في المأزمَيْن».

وبهذا ظهر: انّ الأصل الاُسوة، في كلّ شيء، فعلاً أو تركاً، فتوىً أو تطبيقاً، إلاّ في خصوصية العاديات، سوى ما كان ظاهره منها الاُسوة أيضاً، لتكرار أو نحوه.

وبذلك ظهر: ان قول بعض العامة: لقضاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم صفتان:

احداهما: تشريعية.

والاُخرى: قضائية محضة.

فالتشريعية قال بمعنى: القواعد العامة التي يقرّرها صلى الله عليه وآله وسلم فإنها تعتبر تشريعاً ملزماً لاعتبارها جزءاً من السنّة النبوية.

والقضائية المحضة قال: بمعنى: تطبيق الأحكام على الوقائع المعروضة أمامه، والمتنازع عليها بين الخصوم، وهو بصفته القضائية هذه قال: لم يدّع العصمة، بل كان يمارس هذه المهمّة كسائر الناس، ثم ذكر الحديث المتقدّم «ألحن بحجّته»(14) ممّا يدلّ على انه يمكن أن يشتبه في التطبيق.

ليس قولاً عن دليل، بل الدليل على خلافه، قال سبحانه: (ما ينطق عن الهوى)(15) علماً بأنّه لا فرق بين ذكره صلى الله عليه وآله وسلم «الحكم» وبين «تطبيقه الحكم» على الاُمور الخارجية، إذ أيّ فرق بينهما؟

وهل هذا الــــكلام إلاّ مـــثل أن يقال: «والعياذ باللّه»: انّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا قال: «الناس مسلّطون على أموالهم»(16) فهو حكم صحيح، أما إذا أخذ مالاً، من باب تطبيق ذلك الحكم على نفسه، فهو ممّا يحتمل انه قد اشتبه فيه وانه أكل مال الناس، وكذلك في حكمه صلى الله عليه وآله وسلم بزواج الخلية، ثم تزوّج بمن تصوّر انها خلية، وهذا ممّا يستبعد أن يلتزم به حتى العامة أنفسهم لو توجّهوا إليه.

وعلى أيّ حال: فالقاضي العادي، يمكن أن يشتبه كبرىً أو صغرىً، كما نرى من تغيير الفقهاء العظام لفتاواهم حيث انهم غير معصومين، وكما نرى من إمكان اشتباههم في التطبيق، ولذا قالوا: أوّل ما يفعله القاضي الجديد الذي يخلف القاضي السابق هو مراجعة فايلات السجناء، فإذا رآى أحد السجناء غير مستحقّ، أو مستحق لكن قد انقضى زمان سجنه أطلق سراحه ـ وقد استدللنا نحن بذلك وغيره على صحّة نقض قاض حكم قاض آخر، في الاستيناف والتميزـ.

وبذلك تبيّن: انّ كلّ قول وفعل وترك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو مشمول لقوله تعالى: (إن هو إلاّ وحي يوحى)(17) بلا أيّ تقييد ولو مقدار شعرة.

أسئلة حول تطبيق القانون الإسلامي  

تفشّي المنكرات في بلاد الإسلام ليس ممّا يوجب التخوّف من قيام الدولة الإسلامية، وإن استلزم ذلك علامات استفهام بمثل: انه كيف يصنع الإسلام مع وجود قطّاع كبير من الناس قد اعتادوا مزاولة المنكرات وممارسة المحرَّمات، وصاروا يقتاتون على الفجور والخمور، ويتعيَّشون بالملاهي والأغاني، واللعب بالقمار والميسر، وما إلى ذلك مما حرّمه الإسلام؟

أليس قيام الدولة الإسلامية في هكذا مجتمعات - وهو الغالب في مجتمعاتنا الحاضرة - يعني: ضرب مصالح هذا القطاع الكبير من الناس وشلّ حياتهم الإقتصادية والمادية، والحكم عليهم بالفقر والحرمان؟

والجواب نقضاً: بأنّ هذا الإشكال ليس مثله إلاّ كمثل ما إذا تفشت الفوضى في مجتمع وازداد فيه القتلة والسراق وقطاع الطرق وما أشبه.

فهل يقال: ماذا يعمل بهم إذا اُريد استتاب الأمن وتثبيت النظام، وتحكيم القانون الصحيح؟

أو هل يقال: ان الشيوعية البائدة التي كانت قد تفشت في ثلث العالم من الإتحاد السوفياتي والصين واروبا الشرقية، كيف يصنع بأجهزتهم التي لا تعد ولا تحصى إذا اُريد إرجاع البلاد إلى الديمقراطية؟

والجواب حلاًّ: بأن تطبيق القانون الإسلامي بحاجة إلى أربعة اُمور:

الأول: التوعية الشاملة والمتزايدة، وحيث ان هذا القانون فطري يتلائم مع فطرة البشر، فالتوعية تكون سهلة ويسيرة.

وانما تكون التوعية صعبة وعسيرة فيما إذا كان القانون يخالف الفطرة، مثل قانون توعية النظام البعثي، أو الشيوعي، أو القومي، أو ما أشبه.

ويلزم أن تكون التوعية مناسبة لحجم الإنحراف كمّاً وكيفاً.

الثاني: وضع العلاج الناجح والصحيح لتبديل كلّ ما كان وسيلة للعيش الحرام، والإرتزاق الباطل، إلى ما يحلّ العيش به، ويصح الإرتزاق منه، وتهيئة الأجواء الصالحة لذلك.

كما روي من فعل علي عليه السلام ذلك حين جاء إلى الكوفة، فقد زوَّج المتَّهمات وسهّل بناء الحياة الزوجية وتأسيس الاُسَر الصالحة، وبدّل معامل الخمر والحانات إلى معامل إنتاج للمواد الغذائية الصالحة ومحلات تجارية لبيع الحاجيات اليومية وما أشبه.

وإذا احتاج الأمر في ذلك كلّه إلى بذل المال، لزم الإنفاق من بيت المال، فلا يحدث للأمر هزة اقتصادية أو اجتماعية أو ما أشبه، كما لا يحدث لأحد من الناس فقر أو حرمان.

وهذا ما أثبته التاريخ بالنسبة إلى البلاد التي دخلت في ظل الإسلام، حيث لم يحدث فيها هزة اقتصادية ولا شلل اجتماعي أوّل ظهوره.

أما أجهزة البث ووسائل الإعلام وخاصة الراديو والتلفزيون فيجعل فيها مكان الغناء والأفلام الخلاعية برامج للترفيه المحلّل أمثال القصص والحِكَم، والمدح والرثاء ذات الأطوار غير الغنائية، وأفلام ومسرحيات تثقيفية.

وهذا كلّه وإن لم يكن يسيراً إلاّ انه غير عسير أيضاً، وذلك إذا لوحظ الأمر فيه على نحو الإستشارية باستقطاب الخبراء والمتحمّسين.

إلى غير ذلك من أمثلة المحلّل والمحرّم في السينمات والملاهي وما أشبه.

الثالث: الردع المناسب للمتخلّفين، فإنه يأتي بعد ذلك دور العقاب الرادع الموضوع بكل تعقّل مع ملاحظة الزمان والمكان والجهات المكتنفة بالأمر، حتّى مثل دعايات المغرضين الذين يحاولون التشبّث ببعض الاُمور لتشويه نزاهة الإسلام وتخريب سمعته، وملاحظة قواعد لا ضرر، والأهم والمهم، ونحوها.

الرابع: تهيئة الأرضية الصالحة لبقاء القانون الإسلامي وتجذيره حتّى يكون جزء الحياة اليومية، ولا يكون قانون آخر أسمى منه في نظر الناس فإن «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه»(18) كما جاء في الحديث.

لكن من الواضح: ان ذلك بشرائطه، فإن القانون الإسلامي ليس كشجرة في الفراغ تنمو بنفسها بدون أرضية صالحة ولا سقي أو رعاية وعناية.

ومن الأرضية الصالحة: الإهتمام بحوائج الناس ومشاطرتهم في الحياة، فالفقر والجهل والعزوبة والبطالة أرضية مستعدّة لنموّ المناهج اللاأخلاقية وارتكاب الأعمال التخريبية.

فاللازم اغناء الفقراء ولو من بيت المال، وإلاّ فإنّه «كاد الفقر أن يكون كفراً»(19) كما ان الجهل مبعث الرذيلة، والعزوبة سبب للأعمال الجنسية الشاذّة، والبطالة فراغ، ولابدّ للبطّال أن يملأ فراغه، فإذا لم يقدر على أن يملأه بالعمل البنّاء يملأه بالعمل التخريبي، إلى غير ذلك، وفي الإسلام آلاف القوانين لهذه الاُمور.

اسلوب تطبيق القانون 

كل قانون إذا أريد تطبيقه لا يكون الا بأحد أمرين:-

الأول: الحراب.

الثاني: الإقناع.

والقانون الإسلامي طبّق أوّل ما طبّق بالقناعة، لانه فطري ولا حاجة في تطبيقه الا بفهم الناس له، وربما كان هناك موانع من تثبّط المنفّذين وتكاسلهم، فيدفعهم الإسلام بالقدر الضروري جداً كما هو المعروف من سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام.

أسباب سقوط القانون الإسلامي

ثمّ ان السبب في سقوط القانون الإسلامي في بلاد الإسلام في هذا القرن مما سبّب ذلّ كثير من المسلمين وفقرهم ومرضهم وجهلهم وتأخرهم هو: عدم المنهجية العامة في الحركة الإصلاحية، فان سيادة ايّ قانون صحيح أو منحرف يحتاج إلى ثلاثة أمور:

الأوّل: التذمر العام عن القانون القديم حيث انه الأرضية الصالحة للتبديل، والا فلو رضي الناس عن وضعهم، فلا يفكرون في تغييره إلى غيره.

الثاني: تطلّب التغيير، إذ ربما يكون التذمر العام، إلا أن المتذمّرين راضون بوضعهم ولو خوفاً من ان يتبدل إلى الأسوأ.

وهذان الأمران متوفران في المسلمين، فانهم متذمرون غاية التذمر من الأنظمة السائدة عليهم، حتى الأنظمة التي تسمّي نفسها بالإسلامية، وهي في حقيقتها أسوء من الأنظمة العلمانية، لأنها جمعت بين سيئات القومية وسيئات العلمانية، مضافة عليها الجشع الغريب والجهل الفضيع.

وهم أيضاً متطلعون إلى غد مشرق يطبق فيه قانون الإسلام المحرّر لهم من الفرقة والذلة والعبودية والفقر والمرض والجهل والخوف وغيره، لكنهم مع ذلك يخافون التبدل إلى الأسوء، فيقفون عن التغيير.

الثالث: وهو الأهم من بين الاُمور الثلاثة التي هي أثافي التغيير: المنهجية في الحركة الموصلة إلى النتيجة، والا فكل حزب وفئة يرى المنهجية في عمله.

مثلاً: هل من المنهجية الصحيحة: منهجية إسلاميين يدعمون مثل صدام بكل جرائمه التي شذ أن رأى العالم مثلها حسب التاريخ المدوّن.

القانون وسيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  

إذا قامت الدولة الإسلامية بإذن اللّه تعالى فاللازم في وضع القوانين التطبيقية وتطبيق القوانين على الصغريات المتحقّقة - بالنسبة إلى العقوبات - المشي حسب سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مما زخر به القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، حتى لا يوجب التنفير والسقوط كما شاهدنا في بعض الدول التي قامت باسم الإسلام.

إذ أوّلاً: ان سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حجّة، إذا تشابهت الظروف، أما إذا لم تتشابه فذلك من السالبة بانتفاء الموضوع، لا ان السيرة ليست بحجّة حينئذ.

وثانياً: الأمر دائر بين الأهم والمهمّ، ويقدم الأول على الثاني.

أمّا تمييز ذلك، وان الظروف متشابهة أم لا، والتدرّج كيف يكون كمّاً وكيفاً، فهو موكول إلى شورى الفقهاء بالتعاون مع أهل الخبرة الزمنيين.

ولنذكر في هذه المسألة- وذلك الماعاً لا استيعاباً - بعض سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المستفادة من سورة التوبة فإنها اختصّت في عرض موجز من سياسات الرسول مع المناوئين من الكفّار والمنافقين والذين زلّت قدمهم من المؤمنين، فإنها سورة مهمّة جدّاً في التعليم، من هذه الجهة.

والجامع بين ما نذكره هو: ان الآيات تدل على عدم استعمال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم العنف معهم إطلاقاً، وانما اكتفى بتهديدهم بالمستقبل المظلم، والنار المحرقة في الآخرة، ثم تركهم وشأنهم، مع انهم فعلوا أبشع المحرّمات ممّا يستحق - في نفسه - أشدّ العقاب، لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لاحظ الأهم والمهمّ وسلك سبيل الأول حتى يتجذر الإسلام ويتقدّم إلى الأمام.

قال تعالى:

1 - (يا أيُّها الَّذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ قليل)(20).

2 - (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنّي ألا في الفتنة سقطوا وانّ جهنّم لمحيطة بالكافرين)(21)

3 - (إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولّوا وهم فرحون)(22).

4 - (قل انفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبّل منكم انّكم كنتم قوماً فاسقين)(23).

5 - (ويحلفون باللّه انهم لمنكم وما هم منكم ولكنّهم قوم يفرقون)(24).

6 - (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن اعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون)(25).

7 - (ومنهم الذين يؤذون النبيّ ويقولون هو اُذن، قل اُذن خير لكم يؤمن باللّه ويؤمن للمؤمنين ورحمة للَّذين آمنوا منكم، والّذين يؤذون رسول اللّه لهم عذاب أليم)(26).

8 - (يحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة تنبّئهم بما في قلوبهم، قل استهزءوا انّ اللّه مخرج ما تحذرون)(27).

9 - (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون ايديهم، نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم، ان المنافقين هم الفاسقون)(28).

10 - (يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم، ومأواهم جهنّم وبئس المصير)(29) مع العلم ان المراد من الجهاد مع المنافقين، ليس هو الحرب معهم وانما الجهد معهم حسب متطلبات الامر.

11 - (يحلفون باللّه ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا، وما نقموا الا أن أغناهم اللّه ورسوله من فضله، فان يتوبوا يك خيراً لهم، وإن يتولوا يعذبهم اللّه عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة ومالهم في الأرض من ولي ولا نصير)(30).

12 - (ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكونن من الصالحين)(31).

13 - (الذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون الاّ جهدهم فيسخرون منهم، سخر اللّه منهم ولهم عذاب اليم)(32).

14 - (فرح المخلَّفون بمقعدهم خلاف رسول اللّه وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وانفسهم في سبيل اللّه وقالوا: لا تنفروا في الحرّ، قل نار جهنم اشدّ حرّاً لو كانوا يفقهون)(33).

15 - (وإذا اُنزلت سورة أن آمنوا باللّه وجاهدوا مع رسوله استئذنك اُولوا الطوْل منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين)(34).

16- (وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا اللّه ورسوله، سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم)(35).

17 - (يعتذرون اليكم إذا رجعتم اليهم قل: لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبّأنا اللّه من أخباركم، وسيرى اللّه عملكم ورسوله، ثمّ تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)(36).

18 - (الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألاّ يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله، واللّه عليم حكيم)(37).

19 - (وممَّن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدنية مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم، سنعذبهم مرّتين ثم ّ يردون إلى عذاب عظيم)(38).

20 - (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، عسى اللّه أن يتوب عليهم إنّ اللّه غفور رحيم)(39).

21 - (وآخرون مرجون لأمر اللّه، إمّا يعذّبهم، وإمّا يتوب عليهم، واللّه عليم حكيم)(40).

22 - (والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى واللّه يشهد انهم لكاذبون)(41).

23 - (لقد تاب اللّه على النبيّ والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثمّ تاب عليهم انه بهم رؤوف رحيم)(42).

24 - (وعلى الثلاثة الذين خلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلاّ إليه، ثمّ تاب عليهم ليتوبوا ان اللّه هو التواب الرحيم)(43).

25 - (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)(44). الدلالة في هذه الآية التحضيض فقط لا التهديد والعقاب.

26 - (وإذا ما اُنزلت سورة فمنهم من يقول أيُّكم زادته هذه إيماناً، فأمّا الّذين آمنوا فزادتهم ايماناً وهم يستبشرون)(45).

27 - (وإذا مـــا انزلـــت سورة نـــظر بعضهم إلــي بعض هـــــل يراكم مـــن أحد ثمّ انصرفوا صرف اللّه قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون)(46).

ولنذكر لتتميم الثلاثين موارد اخر من القرآن الحكيم تعرض كيفية معاشرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى مع اشد من كان عليه ممن يستحق العقاب، ليتخذ ذلك اسوة عند قيام الدولة الإسلامية باذن اللّه تعالى. قال سبحانه:ـ

28 - (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول اللّه، واللّه يعلم انك لرسوله، واللّه يشهد ان المنافقين لكاذبون* اتخذوا أيمانهم جنّة فصدوا عن سبيل اللّه، انهم ساء ما كانوا يعملون* ذلك بأنهم آمنوا ثمّ كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون* وإذا رأيتهم تعجبك اجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خُشبٌ مسنّدة، يحسبون كل صيحة عليهم هم العدوّ فاحذرهم، قاتلهم اللّه إني يؤفكون* وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول اللّه لوَّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون* سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم، إنّ اللّه لا يهدي القوم الفاسقين* هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضّوا وللّه خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون* يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ، وللّه العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)(47).

29 - (ان الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم لكل امرىء منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولّى كبره منهم له عذاب عظيم* لولا اذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيراً وقالوا هذا افك مبين* لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء فاذ لم ياتوا بالشهداء فاُولئك عند اللّه هم الكاذبون* ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته في الدنيا والاخرة لمسكم في ما افضتم فيه عذاب عظيم* اذ تلقونه بالسنتكم وتقولون بافواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند اللّه عظيم* ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ان نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم* يعظكم اللّه ان تعودوا لمثله ابداً ان كنتم مؤمنين* ويبيّن اللّه لكم الآيات واللّه عليم حكيم* ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون* ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته وان اللّه رؤوف رحيم* يا ايها الذين امنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يامر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته ما زكى منكم من احد ابداً ولكن اللّه يزكي من يشاء واللّه سميع عليم* ولا ياتل اُولوا الفضل منكم والسعة ان يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل اللّه وليعفوا وليصفحوا الا تحبون ان يغفر اللّه لكم واللّه غفور رحيم* ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والاخرة ولهم عذاب عظيم* يوم تشهد عليهم السنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون* يومئذ يوفيهم اللّه دينهم الحق ويعلمون ان اللّه هو الحق المبين)(48).

30 - (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما اُنزل اليك وما اُنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد اُمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً* وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما انزل اللّه وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً* فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم ثمّ جاؤك يحلفون باللّه إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً* اُولئك الذين يعلم اللّه ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً)(49).

مسجد ضرار 

وللمزيد من الإطلاع في هذا المجال نشرح فقرات قصة من القصص المتقدمة، لنرى موقف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من اعتي الناس وأسوئهم حتى يكون ذلك مستنداً ومنهجاً تسير عليه الدولة الإسلامية المرتقبة باذن اللّه تعالى، الا وهي قصة مسجد ضرار المذكورة في سورة التوبة حيث وصفهم اللّه سبحانه تصريحاً او تلويحاً بهذه الاُمور:

(1) (والذين اتخذوا مسجداً ضراراً)(50).

(2) (وكفراً)(51).

(3) (وتفريقاً بين المؤمنين)(52).

(4) (وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل)(53).

(5) (وليحلفن إن أردنا الاّ الحسنى واللّه يشهد انهم لكاذبون)(54).

(6) (لمسجد اسس على التقوى من أول يوم احق ان تقوم فيه)(55) فيه إشارة إلى انه لم يؤسس على التقوى.

(7) (فيه رجال يحبون ان يتطهروا)(56) وفيه تعريض بان هؤلاء لا يحبون الطهارة والنزاهة كما يحبه اُولئك.

(8) (أفــــمن أســـَّس بنيانه على تــــقوى من اللّه ورضــــوان خير، أم مــــن اسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم)(57).

(9) (واللّه لا يهدي القوم الظالمين)(58).

(10) (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم الا أن تقطع قلوبهم)(59). ومع كل ذلك فما هو ياترى الجزاء الذي سينفذه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حقهم؟ قال تعالى: (لا تقم فيه أبداً)(60).

وورد في السنة: ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أرسل علياً عليه السلام فاحرق بنيانهم ذلك الذي بنوه حتي لا يكون لهم محل الإجتماع للتآمر على اللّه ورسوله والإسلام والمسلمين تحت شعار المسجد والصلاة.

وهكذا أسَّس رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم الدولة الإسلامية على دعائم الخير والفضيلة، واللين والسماح مما سجل للإسلام البقاء إلى اليوم، وإلى أن تقوم الساعة باذن اللّه سبحانه.

سيرة علي عليه السلام  

ثمّ ان من تابع خطب وكلمات نهج البلاغة وسائر ما ينقل عـن سيـرة علي عليه السلام مع المناوئين والمنافقين والمخدوعين يجد بوضوح تطابق سيرته عليه السلام مع سيرة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حيث انه كان يسير على نفس ما سار عليه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم.

كما ورد في الأحاديث من انه عليه السلام كان يتبعه صلى الله عليه وآله وسلم في كل الامور وقد اشار هو عليه السلام إلى ذلك في مختلف المناسبات مثل قوله عليه السلام: «مننت على أهل البصرة كما من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على أهل مكة»(61) إلى غير ذلك مما يحتاج جمعه إلى كتاب مستقل.

وهذا ان دل على شيء فانما يدل على ان فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن من باب اختصاصاته: بل من باب قاعدة الأهم والمهم، فكلما تحقق ذلك تحقق القانون الذي يجب اتباعه.

مضافاً إلى ما المعنا إليه من قول الإمام الرضا عليه السلام: بانه لو وصل إليه الأمر عفى عما سلف، فان الإيمان اولى ان يجبّ عن جبّ الإسلام.

القانون وتفسير الشريعة 

لا يحق تفسير الشريعة في مفاد الأدلة الأربعة، لغير المستنبط من الفقهاء، وهذا ليس ببدع في الأمر، بل هو كمنع غير الطبيب والمهندس والفيلسوف عن تفسير كتب القدماء في هذه الشؤون، وكذا الحال في كل أهل خبرة.

أما القوانين الوضعية (التأطيرية) إذا كان فيها غموض، فلا يفسرها إلا واضعوها أو من قام مقامهم، كالشورى في الدرجة الثانية، بالنسبة إلى القوانين التي وضعها الشورى في الدرجة الاُولى، أي اللاحقون بالنسبة إلى السابقين، وكذلك بالنسبة إلى سائر المجالس المعترف بها كالأعيان والاُمة والوزراء ومن إليهم.

وعليه: فلا يبقى مجال لجملة من القوانين التي ذكرها المقنّنون: من تقسيم التفسير إلى فقهي وتشريعي وقضائي واداري.

نعم الأجهزة التطبيقية كالقضاء والإدارة، أو التأطيرية كمجلس الاُمة والوزراء، إذا فسّروا القانون بما يراه شورى المراجع غير صحيح بالنسبة إلى ما يرتئيه هو من الواقع، كان له حق الشكاية.

ففي القضاء يشتكي إلى التمييز والإستيناف.

وفي الإدارة يشتكي إلى من فوق المفسّر ـ إن كان له فوق اداري ـ وإلاّ فإلى القضاء.

وفي مجلس الاُمّة إلى شورى الفقهاء لأنهم السلطة العليا في الدولة على ما عرفت، نعم حيث لا سلطة أعلى من «شورى الفقهاء» فتفسيرهم للشريعة هو المأخوذ به، والمجتهد الذي يخالفهم في الرأي ولم يكن له مقلّدون حتى يرتقي إلى أن يكون عضواً في شورى الفقهاء لم يكن له من الأمر شيء، لأن المفروض ان الناس انتخبوا هؤلاء المجتهدين حتى يكونوا السلطة العليا في البلاد.

ولو فرض انه لم تكن أكثرية في آراء شورى الفقهاء وانما كان الإختلاف بين طائفتين قد تساوى عددهما، سواء في الأحكام الفقهية مثل كون الرضعات المحرّمة أزيد أو أقل، أم في الموضوعات المستنبطة مثل ان الوطن الإتخاذي يحتاج إلى اقامة ستة أشهر، أو يكفي الأقل ـ في ترتيب أحكام الوطن عليه ـ فإن كان مجال لأن يذهب كلّ مقلِّد من الشعب إلى رأي مجتهده فهو، وإن لم يكن مجال لذلك، وانما احتاج الأمر إلى البتّ كالحرب والسلم، فلحل المسألة طريقان في الموضوعات:

الأول: الرجوع إلى الشعب فيما يراه حسب نظر الخبراء العدول.

الثاني: الرجوع إلى القرعة، لأنها لكل أمر مشكل.

لا يقال: القرعة في الموضوعات، لا في الأحكام.

لأنه يقال: وهنا الكلام في الموضوعات، لأنا قلنا: اما الإختلاف بين شورى الفقهاء في الموضوعات: فالحل القرعة، أو الرجوع إلى الشعب، أما القرعة: فللنص، وأما الخبراء: فلأنهم المرجع فـــي كلّ نـــــزاع موضوعي، ويدل عــــليه آية أهــــل الذكـــــر(62)، وغيرها، ولو بالملاك.

واما الإختلاف بينهم في الأحكام ـ في مفروض احتياج الأمر إلى البتّ ـ فالمرجع المحكمة العليا، لأن القضاء هو الذي يحسم الأمر حتى بين المجتهدَيْن المتنازعين ـ كما ذكره الفقهاء في كتب القضاء ـ سواء طابق رأي القضاء رأي أحد الجانبين أو رآى رأياً ثالثاً.

ثم لو فرض الرجوع إلى الاُمّة ـ في حلّ المسألة المختلف فيها موضوعياً ـ فكان للاُمة رأيان، أخذ بالأكثرية، حسب ما ذكرناه في بابه: من ان (الشورى) في الآية والرواية يشمل ذلك.

حصانة الشورى من الانحراف  

وربما يقال: إذا كان شورى المراجع الفقهاء، هو المرجع الأعلى والأخير في الدولة الإسلامية، فماذا تفعلون ان مال الشورى إلى الإستبداد والديكتاتورية؟

والجواب: انّه لا يمكن ذلك لما يلي:

أوّلاً: لأن الإستبداد خلاف الشريعة الإسلامية، فإذا استبدّوا سقطت عدالتهم تلقائياً، وسقطوا عن كونهم مرجع الاُمة تقليداً أو حكومة.

ثانياً: لأن المفروض: ان الأحزاب المستندة إلى المؤسّسات الدستورية تراقب كل الوضع، وفي الأحزاب العلماء العدول، والمدرسون الكبار، وأصحاب الكفاءات، إلى سائر طبقات المثقّفين، وإذا كان الأمر كذلك كانت القدرة مُتوزّعة بين الجميع، فلا يتمكن شخص أو جماعة من الإستبداد.

وللمثال على ذلك ترى انه هل تتمكن إحدى السلطات في البلاد الديمقراطية من الإستبداد؟

انها لا تتمكن من ذلك عادة، وذلك لأنها هي في الحقيقة مؤسسة في الدولة من المؤسّسات، لا ان كل القدرات بيديها، حتى تتمكّن من الإستبداد.

شورى المراجع 

ولذا نرى نحن وجوب تشكيل (شورى المراجع) في رأس السلطة، حيث يتعاونون مع الأحزاب النزيهة الذين هم خبراء في مختلف شؤون الحياة في ادارة البلاد، وبمثل ذلك نأمن من الإستبداد والطغيان والإنحراف وحينئذ يعطى حق كل واحد من المجتمع والفرد بقدر استحقاقه الواقعي.

قال بعض علماء الغرب: «العقد الإجتماعي» هو اتفاق حصل بين أفراد المجتمع جميعاً كيما يتحدوا ويكونوا جماعة مدنية عامة للمحافظة على الحياة والحرية والملكية والتقدم مما ـ لولا ذلك ـ يهدّدها الأخطار في الداخل والخارج، وقد تنازل كل فرد بمقتضى هذا العقد عن بعض ما يراه حقاً له حتى يطبق القانون الطبيعي مما يوجب انزال العقاب بمن خالف، وبهذا القدر فقط يتنازل كل فرد عن حقه ولا يتنازل عن أيّ حق سواه، والتنازل انما يكون للمجموع من حيث المجموع لا لشخص خاص أو جماعة خاصة، وانما لمن اتصف بالمواصفات القانونية، فالتنازل محدود في قدره كماً وكيفاً، وفي هدفه وغرضه.

وعليه: فلا مجال للسلطان المطلق، ولا لأخذ الهيئة المشرفة ازيد من الحق المقرّر لها من قبل الفرد.

وعلى هذا: فالسلطان دستوري انتخابي، وعمله لصالح الفرد والمجتمع، ويخوّل السلطان القضاة لتطبيق العدالة في الإختلافات حسب ما يقرّره السلطان المخوّل، كما ليس للسلطان ان يخوّل سلطانه لأي شخص أو هيئة لم تكن منتخبة من قبل الأفراد، وكذا ليس له أن يعمل حسب المحسوبيات والمنسوبيات.

أقول: هذا الكلام، هو ما قاله الإسلام، لكنه ينقص عما قرره الإسلام بأمرين:ـ

الأول: ان القانون يجب أن يكون من السماء، ومورد التطبيق يجب أن يكون من جزئيات ذلك القانون.

الثاني: يجب أن تكون الهيئة أو الفرد المخوّل جامعاً لما اشترطه اللّه سبحانه في الفرد الحاكم أو الهيئة الحاكمة أيضاً، وبذلك يكون الأمن ضعفين: شعبياً والهياً.

وحيث انا ذكرنا الفطرة، وقوانين اللّه سبحانه، والقائمين بتطبيقها، استغنينا عن الكلام حول: العقد الإجتماعي بفصوله التي ذكرها بعضهم: من التساؤل عن وجود القانون الطبيعي، وامكان كشف الإنسان له، وهل ان هذا القانون مسجل في عقل الإنسان؟ وهل للإنسان قدرة في ادراكه عن تجارب الحواس؟ وهل يمكن الكشف عنه بسبب ما تعارف الناس عليه؟ وما هي قوة الإلزام في القانون الطبيعي وما إلى ذلك؟

ما يلزم على الحاكم 

فاللازم على الحاكم: أن يعطي حق الناس ولا يكتفي به وحده، بل يعطي من حقّه لهم أيضاً، وهذا بحاجة إلى أخلاق رفيعة، ومعرفة تامّة بالقوانين الأوّلية والثانوية والإستثناءات والتخلّصات، فإن اللّه تعالى أمر الناس بعبادته ـ مثلاً ـ لكن عبر هذا الاُسلوب الجميل قال سبحانه: (فليعبدوا ربَّ هذا البيت، الّذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)(63) ولعلّه يشعر إلى انه بعد الإطعام وتوفير الأمن لهم، يطلب منهم العبادة.

نزاهة الحاكم 

وكثير من القوانين وإن صحّ تطبيقها، إلاّ انه يذهب بنزاهة الحاكم مما يلزم عليه تجنّبها، فإنّ إبقاء الناس ملتفين حول الحكومة والحاكم بحاجة إلى ادارة حازمة، وسياسة حكيمة.

مثلاً: كان بإمكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يفتح حصون خيبر وقلاعها سريعاً بمجرد أن يقطع عليهم الماء الذي كان يدخل عليهم من الخارج ـ كما اقترح ذلك أيضاً بعض الأصحاب ـ لكن الأمر كان يذهب بالنزاهة، ولذا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وعلي عليه السلام كان يتمكّن من مقابلة معاوية بمنع الماء عنه وعن أصحابه، لكن ذلك كان يخدش في كونه «اُسوة حسنة» للحاكم الصالح، ولذا لم يفعله.

وكذا في منّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على أهل مكة، ومنّ علي عليه السلام على أهل البصرة، وآلاف الأمثلة فـي الأنبياء والرسُل، والأئمة الطـاهرين «صلوات اللّه عليهم أجمعين» والحكام الصلحاء، والعلماء الأعلام، وسائر الأبرار الناجحين في مختلف مناحي الحياة.

وربما تكون حتى الكلمة الواحدة احياناً مضرة، فقد جاء الفرزدق إلى الإمام السجّاد عليه السلام بعد قصيدته (الميميّة) التي قالها في حقه وهو مرفوع الرأس حيث اُوذي في سبيله وخاطر بحياته في قصيدته التي ألقاها أمام هشام من أجله عليه السلام، مما سبّب قطع راتبه، وسجنه، ومطاردته، لكن كل ذلك لم يشفع له في العفو عن شعره الذي مدح فيه بني اُميّة ووصفهم بكونهم أهلاً للخلافة إذ صارت الخلافة إليهم قائلاً:

والآن صِرتِ إلى اُمية

والاُمور لها مصاير

فإنّ هذا الشعر حيث كان يسير به الركبان كان هدماً لأصل الكيان، ولذا نبّهه الإمام عليه السلام على ذلك.

وقال واحد من بني أسد للإمام عليه السلام مفتخراً: بأن حبيب بن مظاهر الأسدي منهم، فقال له الإمام عليه السلام: ومنكم أيضاً حرملة بن كاهـل الأسدي، ولعلّه أراد عليه السلام أن لا مفخرة للإنسان إلاّ بعمله، أمّا بنسبه فلا، وإلاّ كان في مقابله المنقصة بالنسب أيضاً.

ومما يشير إلى عدم حنكة الحاكم وقلة تجاربه: ذكر أمجاده وعرض بطولاته، كما هو شأن الحكومات المتخلفة، فإن ذلك مما يزيد الحاكم بُعداً من الناس، ويؤجّج كراهيتهم له، إلاّ في أقصى حالات الضرورة.

إلى غير ذلك مما هو كثير، فالعلم المستمر، والإرتباط الدائم بالمجتمع، والتدرّج في الكمال، والتخلّق بالأخلاق المثالية، وما أشبه ذلك، بالإضافة إلى الإستعانة باللّه، كلّ ذلك يكون كفيلاً بأن يكون الحاكم مؤدياً لوظيفته - بعد صحّة القوانين الموضوعة تأطيراً -.

أبعاد القانون  

يلاحظ في وضع القوانين التطبيقية أربعة اُمور:

1 - الزمان.

2 - المكان.

3 - الأشخاص.

4 - الأحوال.

وقد لاحظ كل ذلك الإسلام في القوانين الكلية التي وضعها بنفسه، في عشرات الآيات، ومئات الروايات القولية والعملية والتقريرية - التي نُقلت إلينا من سيرتهم الطاهرة صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ.

القانون ولحاظ الزمان 

أما الأول: وهو الزمان، فالقوانين الإضطرارية ونحوها، يلاحظ في مدى بقائها، مدّة موضوعاتها، إذ لا قانون بعد إتمام أمَدِ الموضوع، فلو اُصيب اللبن في مكان ببعض الجراثيم المعدية للمرض، فمنع القانون من بيع اللبن، فإنه محدّد بمدة المرض، وحيث انه قانون شرعي، فاللازم اتباعه مادام لم ينقض الشرع ذلك القانون.

بخلاف ما إذا لم يكن القانـون قانوناً شرعياً، فإن الأمر يدور مدار «لا ضرر»(64) كما سبق التنبيه عليه، فإذا منعت الدولة غير الشرعية عن شيء، دار المنع الشرعي مدار تشخيص المكلف انه ضرر أو ليس بضرر، فإذا لم يكن ضرراً لا يهمه المنع، كما انه إذا كان ضرراً، لا يهمه الإجازة.

وهكذا يلزم أن يلاحظ الزمان بالنسبة إلى الجيل والأجيال ـ كما سبق الإلماع إليه ـ ولنفرض مياه جوفية مختزنة في الأرض منذ آلاف السنوات يحتاج إليها هذا الجيل، والأجيال اللاحقة، فإنه لاحقّ في وضع قانون يبيح التصرّف في كل هذه المياه بما ينافي حق الأجيال الآتية مما قرّره الإسلام وحدّده القرآن بقوله: (لكم)(65).

فالقانون الذي يُراد وضعه بالنسبة إلى التصرّف في مثل هذه المياه، يجب أن يأخذ بنظر الإعتبار، كل الأزمنة التي يكون لأجيالها الحق في مثل هذا الماء، والتحديد بفائدته للأجيال ـ كم مدّتها ـ مما يعيّنه الخبراء، كما تقدّم مثل ذلك في المعادن غير الدوريّة.

القانون وبُعد المكان 

وأما الثاني: وهو المكان، فالقانون يلزم أن يلاحظ فيه المكان الذي يراد تنفيذه فيه، والمكان الذي يتعلّق بالمسلمين هو عبارة عن كل بلاد المسلمين، في قبال بلاد الحرب التي ليست للمسلمين، وفي قبال بلاد الصلح التي صالح عليها أهل تلك البلاد المسلمين.

وبعد ذلك لا تأثير للحدود الجغرافية في كل الأقسام الثلاثة، فإذا كانت بلاد المسلمين مبعّضة ـ كما هو الحال ـ فإن لكلها حكماً واحداً، كما ان بلاد الحرب لو كانت متعددة كان لجميعها أيضاً حكم واحد، وكذا بلاد الصلح إن كانت متعددة فلجميعها حكم واحد، إذا صالحت المسلمين، نعم إذا اختلفت شروط الصلح، كان لكل بلد مختلف عن الآخر في الصلح شروطه.

ولو غصب غير المسلمين بعض بلاد المسلمين، فإن كانت بيد المسلمين مثل (غزة) في الحال الحاضر، فلها حكم بلاد الإسلام وإن كان يحكمها اليهود المحاربون، وإن كانت بيد غير المسلمين كفلسطين فلها حكم بلاد غير المسلمين ـ وإن وجب إرجاعها إلى المسلمين ـ لتحقّق الحكم بتحقّق الموضوع، إذ لا اعتبار بالحكم السياسي في المقام.

وعليه: فإذا كانت الهند تحكمها الهندوس وبعض بلادها بيد المسلمين ـ شعباً ـ كفيض آباد، فإنه بحكم بلاد المسلمين، وإذا انعكس الأمر: بأن كان البلد للمسلمين وفي بعض منه يسكن غير المسلمين، كان البعض بحكم غير بلاد الإسلام، في أمواته، ولقطته، واللحوم المجلوبة منه، إلى غير ذلك.

ولو كان بلد فيه المسلم وغير المسلم، فإن كان في سلطان المسلمين فهو من بلاد الإسلام، وإن كان في سلطان غير المسلمين فليس من بلاد الإسلام.

أما الأول: فلصدق «بلد الإسلام» عليه، وقد كان العراق ومصر وفارس أوّل دخول الإسلام فيها يُعدّ بلداً إسلامياً مع ان غير المسلمين كانوا بكثرة.

وأما الثاني: فلأنه لا يصدق بلدالإسلام عليه، وكلما تحقق الموضوع تحقق الحكم.

القانون وأقسام المكان 

ثم المكان على أقسام:

أولها: أرض الدولة ـ بلداً أو غير بلد ـ وسماءها وجزرها ومياهها بحراً أو نهراً أو مستنقعاً، والكل لها حكم واحد.

ثانيها: السفارات غير المسلمة في بلاد الإسلام، وبالعكس، وهي تابعة للدولة المتبوعة لها، فسفارة الغرب ـ مثلاً ـ في بغداد لها حكم بلد غير الإسلام، وسفارة مصر ـ مثلاً ـ في الغرب لها حكم بلد الإسلام، بالنسبة إلى الزواج والموت والذبيحة ونحوها.

فإذا رآى مسلم فتاة في سفارة أجنبية، فإنه لا يحق له الزواج بها بدون السؤال عن انها مسلمة أو مشركة إن كان لا يحق للمسلم الزواج بها، وبالعكس في الفتاة المسلمة حيث يريد رجل في سفارة أجنبية أن يتزوّجها، فإنه لا يحق لها الزواج منه حتى تعرف انه مسلم، إلى آخر الفروع من هذا القبيل.

ثالثها: الأراضي المحايدة ـ اصطلاحاً ـ إذا كانت بين بلد الإسلام وبلد الكفر ولا سلطان لأحدهما عليها، فإنه يعمل معها حسب الأصل، فما يتوقّف الحكم فيه على «بلد الإسلام» لا يتحقّق ذلك الحكم على تلك الأرض، فإذا كان هناك ـ مثلاً ـ ميّت لا يعلم انه من المسلمين أو من غير المسلمين، لم يجب على المسلم إجراء أحكام الإسلام عليه من تجهيزه، وهكذا سائر الفروع من هذا القبيل.

ثم في مورد التنازع، أو شبه التنازع ـ كمعاملة بين اثنين يختلفان عليها ـ يوضع القانون على ستّة أقسام:

الأول: بين مسلمين من مذهب واحد وتقليد واحد، فالفصل يكون حسب الإسلام وطبق ذلك المذهب والتقليد.

الثاني: بين مذهبين مختلفين كالمالكي والحنفي، فإذا كان أحدهما أقرب من الآخر في نظر القاضي حكم به، وإلاّ تخيّر بينهما.

الثالث: بين مقلّدين مختلفي التقليد، وهنا يحكم القاضي حسب ما يراه ان كان يقطع باشتباه الرأيين، وإلا حكم على طبق الأقرب منهما إلى الواقع حسب نظره.

الرابع: بين غير مسلمين من دين واحد ومذهب واحد، وهنا يتخيّر بين الحكم على طبق الإسلام أو على طبق دينهما.

الخامس: بين غير مسلمين مختلفي الدين، كاليهودي والنصراني مع وحدة رأيهما في تلك المسألة، فيحكم حسب الإسلام أو حسب ذلك الرأي.

وإن اختلفا في الرأي صح الحكم حسب رأي الإسلام، أو حسب رأي أحدهما الأقرب إلى نظر الإسلام، وإن كان كلا الرأيين متساويين تخيّر بين رأي الإسلام ورأي أحدهما ـ حسب ما يراه ـ.

أما انه حسب رأي الإسلام: فللدليل الوارد في ذلك.

وأما انه حسب رأي أحدهما: فلقاعدة الإلزام، إذ المقام من صغرياته.

واما انه يختار الأقرب منهما إلى نظر الإسلام: فلأن القضاء لإجراء العدل والحق، والأقرب منهما إليه أولى بالإتباع.

لا يقال: الشارع خيّر بين رأيهما وبين الإسلام، فإذا تعذر الأول تعيّن الثاني.

لأنه يقال: قانون الإلزام يجعل الأقرب منهما إلى نظر الإسلام، عِدلاً في الحكم بالإسلام أو به.

نعم لا إشكال ان الأفضل هو الحكم بالإسلام، لكن ربما لا يريدان هما الإسلام، وقد قال علي عليه السلام: «لحكمتُ بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم...»(66).

السادس: بين غير مسلمين مّتفقي الدين لكن بينهما اختلاف فقهي، كمسيحيين أحدهما برتستانت والآخر كاثوليكي، وهنا يأتي ما ذكرناه في القسم الخامس.

ثم انه لا يفرق في غير مسلمين بين كتابيين متقدماً كالمجوسي، أو متأخراً كالمسيحي، أو متوسطاً كاليهودي، وكذلك حال كافرين لا كتاب لهما ـ في اعتقادنا ـ كالبوذي والكنفوشيوسي.

أما إذا كان أحدهما من أهل الكتاب والآخر من غيرهم، فهل يقدّم رأي الأول ـ مع الإختلاف ـ أم لا؟ احتمالان:

الأول: لأن كونه ذا كتاب يجعله أقرب، وإن حرّف كتابه.

الثاني: لأن بعد النسخ لا تفاوت من هذه الجهة ـ لعدم الدليل على التفاوت ـ وإن كان التفاوت من جهات اُخر.

ثم ان غير المسلمين في بلاد الإسلام، أو المسلمين في بلد إسلامي لكن لهم مذهب غير المذهب الرسمي الذي عليه الأكثرية، فإنهم يطبّقون دينهم ومذهبهم في كل شيء، ما عدا شيئين:

الأول: اظهار المناكير والمحرّمات فلا حق لهم في ذلك.

الثاني: خرق القوانين العامة مثل قانون المرور وما أشبه.

كما ويجب على غير المسلمين اعطاء الجزية ـ ولو كانوا غير أهل الكتاب، وذلك على ما اخترناه في الفقه ـ، إلاّ إذا اتّفق على عدم أخذ الجزية.

أما الأخذ منهم للعسكرية ـ إذا اضطرّ إلى أخذ ذلك قهراً، وإلاّ فقد ذكرنا ان العسكرية في الإسلام اختيارية ـ بمعني: انه هل يقدّم الأخذ من المسلم في حالة الإضطرار، أو يتساوى الأخذ من أيّهما؟ فذلك يرجع إلى ما يراه «شورى المرجعية».

هذا وقد سبق أن ذكرنا التنازع ونحوه بين المسلم والكافر، فلا حاجة إلى تكراره.

القانون ولحاظ الأشخاص 

وأما الثالث: وهو الأشخاص، فيلزم على القانون ملاحظة الأشخاص، فإن الأصل في كل شخص الحريّة إلاّ ما خرج، من غير فرق بين المسلم وغير المسلم، وقد قال علي عليه السلام: «الناس صنفان: إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»(67).

ولا فرق بين طوائف المسلمين ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم واُصولهم، كما لا فرق بين غير المسلمين في كل ذلك.

نعم، الفارق هو: ان المسلم يُلزم بحكم الإسلام، ولكل اجتهاده ومذهبه، وغير المسلم يُلزم بما التزم به ـ كما ورد بذلك نصوص متعدّدة ـ(68).

وعلى هذا: فالأمر على أقسام:

الأول: أن يرتكب غير المسلم، أو مسلم من مذهب آخر غير المذهب الرسمي الذي عليه الأكثرية ـ فرضاً ـ شيئاً، ولم يعدّ ذلك الشيء عندهم جُرماً، فهذا لا شيء عليهم فيه إن لم يتجاهروا به، مثل شرب الكافر الخمر في داره، أو أكل لحم الخنزير، أو ما أشبه، لأنه مقتضى قانون الإلزام، وكذلك الحال إذا شرب غير الشيعي الفقاع في داره، أو أكل الجرّي، إلى غير ذلك.

الثاني: أن يرتكب ما يعدّ جريمة عندهم، وهذا على أربع صور:

أ : جريمته أكثر عندهم من عندنا، والحاكم يخير بين الأخف لأنه مقتضى الإسلام أو المذهب، أو الأشد لأنه مقتضى الإلزام.

ب : جريمته أقل عندهم من عندنا، ولا يحق لنا إلاّ العقاب الأخف، لأنه مقتضى الإلزام.

لا يقال: لماذا لا تقولون بالتخيير هنا؟

لأنه يقال: من القريب جداً انصراف التخيير عن مثل ذلك هنا، فيشمله (ادرأوا الحدود بالشبهات)(69).

ج : جريمته مساوية عندنا وعندهم، فلا فرق.

د : جريمته مباين مع ما عندنا، بأن كان مثلاً عندنا جَلْدٌ وعندهم تغريب، فهنا يخيّر الحاكم، لأنه مقتضى تخييرنا لهم بين حكم الإسلام وبين حكمهم.

القانون ولحاظ الأحوال 

وأما الرابع: وهو الأحوال، فيلزم على القانون ملاحظة الأحوال، فإن قانون حال الصغر يلزم أن يكون غير قانون حال الكبر، وقانون حال الإختيار غير قانون حال الإضطرار، وهكذا.

مثلاً: الصغير يؤدّب في المحرمات الشديدة، مثل الزنا واللواط والقتل والسرقة وما أشبه، بينما الكبير يحدّ الحدود الشرعية ـ إذا اجتمعت الشرائط ـ وإذا تكرّرت الجريمة من الصغير لا قتل عليه وانما يُحبَس ـ مثلاً ـ إذا لم ينفع التأديب حتى ينقلع، أو يكبر فيكون محكوماً بحكم الكبار.

ومثلاً: الإنسان في حالات الإختيار يختلف حكمه مع ما يقابله من حالات الإضطرار والضرورة والنسيان والجهل ـ خصوصاً الجهل القصوري ـ وكذا حال السهو والإكراه والإلجاء، والفرق بين الإكراه والإلجاء واضح، وكذا في حال النوم أو الإغماء أو السكر.

وكذلك في حال الخطأ، فإذا لم يقصد ـ مثلاً ـ شرب الخمر، ولكن أخطأ وشرب ما كان يتصوّره ماءاً، فبان انه خمر، فإنه لا يحدّ حدّ شارب الخمر، لأن الحدّ في حال الإختيار وهذا لم يكن مختاراً ولا كان من عادته ذلك، وكذا إذا لم يرد الدخول فلا يحد حد الزنا.

ثم ان غير المسلم في بلاد الإسلام، أو المسلم في بلد إسلامي له مذهب غير المذهب الرسمي الذي عليه الأكثرية، يحق له البيع والشراء، والرهن والإجارة والمضاربة والشراكة، والمزارعة والمساقاة، والزواج والطلاق، والتوريث والوصية، والوقف والتحجير، وشراء حتى الأرض عامرة أو يباباً، وبيعها وأخذ ثمنها، والإنتقال بزوجته وكل ممتلكاته إلى بلد آخر من بلاد المسلمين، أو بلاد غير المسلمين.

مثلاً: للمسيحي الإيراني أن يتزوّج بمسيحية أو يهودية عراقية وبالعكس ثم يسافر بها إلى مصر أو إلى فرنسا، كما ان له الحق أن يأتي من بلد غير إسلامي إلى بلد إسلامي، كأن يأتي من تايلند إلى باكستان ـ كل ذلك حسب القوانين الأوّليةـ.

نعم إذا كان هناك قانون قد نصّ عليه شورى المرجعية اتُّبع، لكنه يكون من القوانين الثانوية الخاصة بظرف التقنين، لا انه من القوانين الأولية ـ كما تقدم الإلماع إلى مثل ذلك ـ.

الاطمئنان من صحة القانون 

لعل الكيفية الأقرب إلى الأمن من صحة القانون وانطباقه على الشرع والعقل ـ بعد وجود شورى المرجعية وتعدّد الأحزاب الحرّة المستندة إلى المؤسّسات الدستورية ـ: أن تتقدّم جهة من الجهات حكومةً، أو حزباً، أو مجلساً، أو شورى الفقهاء، أو جهة محترمة كالمدرسين في الحوزة العلمية، أو ما أشبه ذلك، بمشروع قانون يسمّى «اللائحة» اصطلاحاً، سواء كان متعلّقاً بالقضاء، أم بسائر الشؤون العادية، أم الطارئة كالحرب والسلم ونحوها.

فترسل إلى شورى الفقهاء ـ إن لم يكن منهم ـ وبعد ذلك يرسل إلى مجلس الوزراء، وبعده إلى مجلس الاُمّة، وبعده إلى مجلس الأعيان ـ وهو مجلس احتياطي من الخبراء الذين انقضى دور عملهم في المرحلة السابقة، سواء كانوا من الفقهاء الذين كانوا ينتمون إلى شورى المرجعية، أم من الوزراء، أم من النوّاب السابقين، أم الخبراء كمدرّسي الحوزة، أم الاختصاصيّين الذين لهم خبرة زمنية سابقة، أو ما أشبه ذلك، علماً بأنه ليس لهذا المجلس شأن إلاّ الإحتياط في سنّ القوانين، والمراقبة على تطـبيق القوّتين: التنـفيذية والقـضائية مهامّهما كما ينبغي ـ.

ثم ان هذه اللائحة يجب أن تمرّ بكل المراحل المذكورة، مرحلة بعد مرحلة، وعلى كل مرحلة دراسة اللائحة بصورة دقيقة، وابداء نظرها بالنسبة إلى ما فيها، وإجراء التعديلات عليها إن كانت بحاجة إلى تعديل.

ثم بعد التعديل ترجع إلى اللجنة السابقة حتى تدرس التعديلات الجديدة، ثم ترسل إلى من بعدها، وهكذا إلى أن تمر اللائحة بكل المراحل ويتم عليها كل ما يلزم من تعديل أو تبديل.

فإذا تمّ الأمر وسار القانون المقترح في اللائحة سيراً صحيحاً، ووافقت عليه كل المراحل بأكثرية الآراء، عرض على وسائل الاعلام لبثه ونشره حتى يطّلع عليه الناس، ويبدؤا نظرهم فيه، وانه هل يصلح أو لا يصلح مطلقاً أو بتعديل؟ وبعد المرور بهذه المرحلة، يأتي القانون إلى المجالس الأربعة من جديد: فمجلس الشورى، ومجلس الوزراء، ومجلس الاُمّة، ومجلس الأعيان، حتّى يوضع قانون يسري في البلاد.

عرض القانون على الناس 

ثم ان فائدة عرض ما في اللائحة على الناس وبثّه عليهم عبر وسائل الإعلام أمران:

الأوّل: انه إذا كان فيه نقص، أو ما أشبه، ينبّه عليه، فقد قال علي عليه السلام: «أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله».

الثاني: انه تطمئن الاُمّة إلى انها تشارك الدولة في وضع القوانين المرتبطة بها.

وقد تقدّم: ان المراد من التقنين ومن القوّة التشريعية: التطبيقية أو التأطيرية، لا التشريعية بمعنى: سنّ القانون غير المستند إلى الأدلة الأربعة.

ومن الواضح: أن يكون في كل من المجالس الأربعة: «الشورى، والوزراء، والاُمّة، والأعيان» لجان خاصة بتدقيق الاُمور، وافرازها، وتعيين انها من الإجتماع، أو الإقتصاد، أو الجيش، أو السياسة الداخلية، أو السياسة الدولية، أو الاعلام، أو غير ذلك.

ولا يخفى: ان ما ذكرناه من الترتيب انما هو من باب أحد المصاديق، وإلاّ فللدولة ـ بالمعنى الأعم ـ أن تختار الطريق الأنسب في سنّ القانون وتأطيره، فإن المقصود: هو الإتقان الأكثر ـ حسب الإمكان ـ وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: «رحم اللّه امرءاً عمل عملاً فأتقنه».

مطابقة القانون للشريعة 

لا يجوز أن تخالف القوانين الفرعية الصادرة من الوزراء ـ كل حسب دائرة عمله ـ أو من أيّة جهة اُخرى، نصوص الشريعة، علماً بأنّ المرجع في تشخيص الموافقة أو المخالفة هو: «شورى الفقهاء»، وذلك بأكثرية الآراء.

فلو احتاجت وزارة الإقتصاد ـ مثلاً ـ إلى المال، وقرّرت لسدّ مصارفها: قانون اباحة الإستفادة من بعض المحرّمات مثل: تربية بعض الأسماك المحرّمة وبيعها لغير المسلمين ـ «بدليل ألزموهم بما الزموا أنفسهم»(70) ـ فإنّ شورى الفقهاء ان صدّق على هذا القانون ـ بأكثرية الآراء ـ جاز ذلك لوزارة الإقتصاد، وإلا فلا، إذ شورى الفقهاء هو المرجع الأعلى في تأطير القوانين، وتفسيرها.

أمّا الأوامر الإدارية التي تصدّرها الوزارات، أو نحوها، فهي ليست من التشريع في شيء، نعم إذا كان هناك اعتراض من موظّف على تلك الأوامرـ والمراد بها الأعم من النواهي ـ فله حق الشكاية إلى السلطة القضائية، باعتبار انه نزاع.

فلو احتاجت وزارة التعليم ـ مثلاً ـ إلى زيادة ساعات عمل المعلّمين، فأصدرت الأمر بذلك، ولكن رأى المعلّمون انه يضرّ بهم، أو ان الاُجرة غير كافية لهذه الساعات الزائدة، فإنّ لهم حقّ الشكاية إلى السلطة القضائية، لترى الحق مع أيّ الجانبين، أو كون الحق متوسّطاً بينهما.

فإذا قرّرت الوزارة ـ مثلاً ـ إعطاءهم لكل ساعة ديناراً، وهم يطالبون بدينارين، فالسلطة القضائية هي التي تفصل بينهم بما تراه، فقد ترى الحق إلى جانب المعلّمين، وقد تراه إلى جانب الوزارة، وقد ترى الفصل في إعطائهم ديناراً ونصفاً.

لا يقال: مثالكم لا يستقيم، لأن المعلم أجير، والأجير إن شاء عمل بالاُجرة المقرّرة له، وإن لم يشأ لم يعمل، فليس له الحق في أن يجبر المستأجر بإعطاء الزيادة، ولا أن يجبره على تقليل ساعات العمل، فيما لو أرادت الوزارة ساعات عمل أكثر والمعلّمون ساعات عمل أقلّ.

لأنه يقال: الوزارة ليست كالمستأجر العادي، الذي يتصرّف في ماله حسب: «الناس مسلّطون على أموالهم»(71) بل اللازم على الوزارة العمل في اطار صالح الاُمّة، لأنها المنتخبة من قبل مجلس الاُمة وممثلة لها، ومجلس الاُمّة ممثّل للاُمة ووكلاء لها، ولا يحق للوكيل أن يتصرّف بما يضرّ الموكّل، كما لا يحق له أن يتصرّف بما يضر طرف معاملته ـ الذي تعامل معه وكالة عن الموكل ـ فهل يحق لوكيل زيد في معاملة مع عمرو ـ مثلاً ـ أن يضرّ زيداً أو عمراً؟

وحيث قد عرفت: ان الأوامر الإدارية الصادرة من الوزارات، وما أشبه، ليست من التشريع (التأطير) في شيء، بل من الاُمور التطبيقية البحتة، فاللازم أن نقول: يستثنى من ذلك، ما إذا كان للأوامر صفة الإطراد والعموم بما يجعلها من التشريع.

مثلاً: قد يقول وزير المواصلات: يجب عليكم أيها الموظّفون في وزارة المواصلات السهر هذا الاُسبوع، لتطهير الطرق من الثلوج التي غطّت سطح الجادة، والتي يتعرض لها حياة المسافرين إلى الخطر ـ إذا غفل الموظفون عن تطهيرها ـ.

وقد يقرّر وزير المواصلات: ان كل انسان عمره دون العشرين، ليس له حق الدخول في وظائف وزارة المواصلات، فإن هذا الأخير أشبه بتشريع القاعدة الكلية التي ليس من شأن الوزارة، وانما هو من شأن «شورى الفقهاء» ويجب إرجاعه إليها للمصادقة عليها.

وأمّا إذا حصل اختلاف بين الأطراف في ان هذا الأمر هل هو من أوامر الإدارة، أو من التشريع، الذي ليس من شأن الوزارة؟ فالمرجع المحكمة العليا للقضاء كما سنذكره.

والحاصل: ان السلطات الفرعية، لها حق توضيح القانون وتفسيره، وكذا حق تطبيق القانون وتنفيذه، وليس لها حق تشريع القانون وتقنينه، وإذا حصل اختلاف في ان ما تذكره السلطة الفرعية من أيّهما؟ فالمرجع القضاء.

القانون بين التشريع والتطبيق 

تقدّم ان تشريع الأحكام ليست إلاّ بيد اللّه تعالى، أما التشريع بمعنى: تطبيق الكلّيات على الجزئيات الخارجية ـ وذلك فيما إذا اُسّس له «شورى الفقهاء» أو «مجلس الاُمّة» التابع للشورى المذكور، ليكون بيده صياغة الفتاوى بالتعاون مع الخبراء الزمنيّين ـ فإنه يلزم فيه رعاية ما يلي: ـ

قلة القوانين 

أوّلاً: أن يكون القانون بقدر الضرورة ـ بل أقصى الضرورة ـ لأنّ القانون إذا كثر وازداد، فقد قيمته واحترامه، والقانون الزائد إذا فقد احترامه أوجب فقد احترام القوانين اللازمة أيضاً.

وقد ذكرنا في «الفقه» تفصيلاً حول فلسفة تكثير المستحبّات والمكروهات، وتقليل الواجب والحرام في الإسلام، وقلنا: بأنه قد يكون من أسبابه هو ما ذكرناه.

ولذا فاللازم على مجلس الاُمّة تقليل وضع القوانين إلى الحدّ الممكن، إمّا أن يضع كل يوم قانوناً، كما هو المتعارف الآن في بلاد الإسلام، فاللازم أن ينتظر: هتك حرمته وحرمة قوانينه.

وانّي منذ أربعين سنة لم أجد في البلاد التي عشت فيها حتى إنساناً واحداً يحترم القانون ـ بما للكلمة من معنى ـ وذلك لما ذكرناه الآن: من ان القوانين إذا كثرت فقدت حرمتها، إذ «كلّ كثير رخيص، وكل قليل غال»، ولما ذكرناه سابقاً: من ان البلاد، بلاد اسلامية، وشعوبها مسلمون، وهم يتوقّعون من حكوماتهم تطبيق قوانين الإسلام، بينما القوانين المطبّقة غربية وشرقية وأهوائية، ولذلك لا يحترمونها، نعم المسلمون يحترمون ما علموه من قوانين الإسلام، وما تيقّنوه موافقاً للكتاب الكريم، والسنّة المطهّرة.

عرفيّة القوانين 

ثانياً: أن لا يكون القانون مخالفاً للعرف، فيما إذا كان هناك مجال لصياغة القانون الموافق للعرف، فلو اعتاد ركّاب الدوابّ ـ قبل مجيء الوسائل الحديثة مثلاً ـ أن يمشي كلّ راكب على طرفه الأيمن، وبذلك جرت الأعراف، فإذا جاء القانون الجديد وجعل المشي على الطرف الأيسر، فليتوقّع خرق الناس له، والإستهانة به، إلاّ إذا خافوا الشرطة، ومن المعلوم: ان خوف الشرطة لا يكون إلاّ في أقلّ من عشرة في المائة، ثم ان هذه العشرة في المأة يعالجون خوفهم بالرشوة ونحوها ـ في كثير من مواردها ـ ولذلك ترى كل راكب للسيّارة في بلادنا يتعجّب من كثرة مخالفة السوّاق للمرور، وإذا قيل لهم: انّ سوّاق الغرب يتقيّدون بقوانين المرور، ازداد تعجّبهم من الفرق الكبير بين اُولئك وهؤلاء.

والجواب: انّ الإختلاف بينهما نتج من جهات عديدة:

الأول: ان الغرب ينتخب نوّابه بكامل ارادة الشعب، وذلك عبر الأحزاب الحرّة المتنافسة، بينما بلاد الإسلام بين دكتاتورية، وبين حرية مزيّفة، ومن المعلوم: ان الإنسان يحترم ارادة نفسه، لا الزيف والإلتواء.

الثاني: ان حكومات بلاد الإسلام حيث لا يحترمون قوانين الإسلام، تكون قوانينهم غير محترمة، بخلاف اُولئك الغربيّين، حيث عندهم قانون: «دع ما لقيصر لقيصر» محترماً، فيحترم الشعب قوانينهم.

الثالث: كثرة قوانين الحكومات في بلاد الإسلام، أذهب احترام القانون فيها، بخلاف قوانين حكومات الغرب، فالمحافظ على القانون هناك نفس الناس، والمحافظ على القانون هنا الشرطة المرتشية في نفسها أيضاً.

وإذا اجتمع الشرطان المذكوران: القلّة، والعرفية، في القانون الموضوع ـ عندنا ـ كان لذلك القانون ومن غير شك المزية على العرف والعادة من جهة الوضوح، والسرعة، والعموم.

أمّا الوضوح: فلأنّه يكتب بلغة يتيسّر للجميع قرائته ومعرفته، بخلاف العرف والعادة فإنّهما مبهمان عند جملة من الناس، لأنهما مستقرّان في الأذهان، والأذهان مختلفة من حيث الخصوصيات زيادة ونقيصة.

ففي العرف ـ مثلاً ـ يسلّم الصغير على الكبير، فهل ميزان الصغر والكبر هو: العلم أو السن أو المكانة الإجتماعية أو غيرها؟ ليس بمعلوم، بينما إذا قنّن وكتب يحدَّد المقصود منهما.

وأما السرعة: فلأنّ القانون يقرَّر حسب مُتطلّبات الظروف والشرائط، كما يلغى كذلك، وكلاهما لا يحتاجان إلى وقت كبير، بينما العرف يتكوّن ببطؤ ويلغى ببطؤ، إذ اللازم في كليهما معرفة الناس بالحسن والقبح، وذلك شيء يطول.

وأمّا العموم: فلأن القانون غالباً يكون ساري المفعول في كل أنحاء البلاد، وإذا عرف الناس انه قانون صادر عن من «انتخبوه، ولم يكن مخالفاً لدينهم» احترموه ولو كان فيه بعض المآخذ في نظرهم، وليس العرف والعادة كذلك، إذ ربما تتعدّد الأعراف والعادات حتّى في بلد واحد، وخاصة إذا كانوا نازحين إليه، أو كانوا من اتّجاهات مختلفة.

القانون وتدرجيّة الأشياء

ذكرنا في «الفقه» بحثاً حول تدرّجية الأشياء، وانه هل لها حكم الشروع أو حكم النفوذ؟ كما لو رمى المسلم كافراً حربياً بسهم، فأسلم الكافر بين ذلك ثم أصابه السهم، فهل الإعتبار بحال الرمي أو حال الإصابة؟ وهكذا في عكسه.

وفي مثال آخر ليس من هذا القبيل وهو: بأن أدخل في المرأة وهي زوجته بالعقد المنقطع فانتهت المدّة في حال الدخول عالماً عامداً، فهل هو زان فيما كان أوّله حلالاً وآخره حراماً؟

أو عكسه: بأن أدخل وهي ليست زوجته، ثم أجريا أو وكيلهما العقد وهما باقيان على حالهما، فكان أوله حراماً وآخره حلالاً، فهل هو زان فيما كان أوله حراماً وآخره حلالاً؟

ويأتي مثل ذلك بالنسبة إلى بحث: (عدم رجعية القانون) الذي ذكرناه في المسألة المتقدّمة، وذلك فيما لو كان الأمر تدريجياً وهو: بأن عمل في ظل عدم القانون ولكن استكماله كان بعد صدور القانون الجديد، وكذلك عكسه بأن بدأ والقانون قائم وأكمل بعد إلغاء القانون، وهكذا حال تغيّر القانون بأن كان قانون العقاب عند البدء أشد، ثم صار قبل الإكمال أخف، أو عكسه.

وهذا الإشكال انما يرد على الذين يعتمدون وضع القانون في الكليات، أما نحن حيث قلنا: بأن الكليات خاصة باللّه سبحانه، وانما التطبيقات «بأيدي شورى المرجعية» وما أشبه، فلا إشكال، لأنهم يقرّرون الصلاح في ان جعل العقاب أو ما أشبه هل يصلح على الشروع، أو على الإنتهاء؟

أو يقرّرون الصلاح فيما إذا كان القانون في الطرفين، لا في الوسط، أو في الوسط لا في الطرفين، ومثالهما بالنسبة إلى المسألة السابقة ما لو كانت حراماً فدخل بها، ثم عقدت متعة حلالاً في مدّة قليلة، ثم حرمت قبل الإخراج، أو كان في عقد ما إلى الوسط ثم حرمت ثم حلّت بعقد جديد.

ومثاله في التحليل وملك اليمين ـ بالنسبة إلى الإماء ـ وبالنسبة إلى التصرّفات في ملك الغير، آت أيضاً.

أما أمثلة المقنّنين الذين يضعون حتى الكليات، فإليك نص أحدهم، بالنسبة إلى قانون العراق، قال:

«يبدو لأول وهلة ان مبدأ عدم رجعية القانون لا يبقي مجالاً للخلافات أو تعارض الأحكام، ولكن يسبب هذا المبدأ في التطبيق الفعلي مشكلات عديدة لعل مرجعها الأساسي ان الروابط الإجتماعية لا تتم في يوم واحد، بل هي كثيراً ما تتطلّب في قيامها مرور فترة من الزمن قد تطول أو تقصر، حسب مقتضى الأحوال، كما ان آثارها قد لا تتم إلاّ بصورة تدريجية، وبعد زمان طويل.

فيثور البحث في شأن العمل أو الواقعة التي بدأ قيامها في ظل القانون القديم، ولكن لم تستكمل وجودها إلاّ بعد صدور القانون الجديد، أو التي قامت أثناء القانون القديم، ولكن آثارها كلها أو بعضها لم تتم إلاّ في ظل القانون الجديد، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة:

كانت الأحكام الشرعية المرعيّة بالنسبة للسنّة من المسلمين لا تجيز الوصية لوارث إلاّ بإجازة بقية الورثة، ولكن لائحة قانون الأحوال الشخصية أجازت في مادتها المائة، الوصية بالثلث للوارث وغيره، وتنفّذ دون اجازة الورثة.

فلو فرض ان شخصاً أوصى لأحد ورثته بربع تركته، ولكنه توفّي بعد أن تم تشريع تلك اللائحة، فهنا يرد السؤال: هل تصح الوصيّة للوارث على اعتبار ان القانون الواجب الرعاية يجيزها، وذلك على اعتبار ان وفاة الموصي حصلت والقانون الجديد نافذ، أو انها لا تصح على اعتبار ان الموصي حين أنشأ وصيّته لم يكن يملك الايصاء للوارث دون إجازة الورثة؟

كذلك كان أقصى سنّ الرشد بالنظر للمادة (986) من المجلة، خمس عشر سنة، ثم جاءت المادة (106) من القانون المدني العراقي وحدَّدت سنّ الرشد بالثامنة عشرة، فهنا يرد السؤال: ما هو حكم الأشخاص الذين اعتبروا بالغين قبل نفاذ القانون المدني، والذين قد يصبحون بالنظر لأحكام المادة (106) قاصرين؟ هل نقول بأن بلوغهم قد تحقق في ظل القانون القديم الذي كان واجب الرعاية، أم نقول: بأن القانون الجديد قد حدَّد سنّاً وهي التي يجب أن تكون مرعيّة، ويصير لذلك من كان يعد بالغاً قاصراً لعدم اتمامه الثامنة عشرة من عمره؟ وهذا يعني إعطاء أثر رجعي لحكم القانون الجديد».

الحق المكتسب والأمل المجرد

(يرى البعض لزوم التفريق بين «الحق المكتسب» و«مجرد الأمل» ويقولون بعدم جواز رجعية القانون حين يتعرّض لحق مكتسب، إذ يجب أن يطبق القانون القديم، وانما يطبق القانون الجديد إذا اقتصر عمله على تحطيم آمال مجردة ولم يتعرّض لحق مكتسب.

والحق المكتسب «مصلحة مالية» تدخل في ذمة شخص، ويمكن الدفاع عنها بدعوى أو بدفع).

أمّا مجرّد الأمل أو الأمل المجرّد فهو «اُمنيّة عند الشخص قد تتحقق وقد لا تتحقّق» ومثال ذلك: لو أوصى شخص لآخر بثلث ماله ثم صدر قانون لا يجيز الوصية بأكثر من ربع المال، فهذا القانون الجديد لا ينفذ على الوصية السابقة مادام الموصي قد توفي قبل صدور القانون الجديد و صار من حق الموصى له أن يتمتّع بالموصى به وهو ثلث مال المتوفّى.

أما لو ان صدور القانون الجديد حدث بعد الوصية بالثلث ولكن نفذ قبل وفاة الموصي ففي هذه الحالة ليس للموصى له أن يأخذ أكثر من ربع تركة الموصي على الرغم من وقوع الوصيّة في ظل القانون القديم الذي يجيز الوصية بثلث ما يملك الإنسان، وذلك لأن ما كان يملكه الموصى له هو مجرد أمل إذ كان باستطاعة الموصي الرجوع عن وصيته وتحديدها بالربع، أو حتى بدون الربع، أو إبطالها من حيث الأساس، لأن الوصية في حياة الموصي عقد غير ملزم، ويملك الموصي الرجوع عنها إلى حين الوفاة.

ومثال آخر: لو تغيّر سعر الفائدة القانونية واُنقص من (7%) إلى (5%) فليس لشركة انشأت للاقراض مثلاً أن تستمرّ بالأقراض بالسعر القديم على رغم أنها انشأت في ظل القانون القديم الذي يجيز الاقراض بفائدة مقدارها (7%) لأنّ ذلك لم يكن حقاً مكتسباً من حقوقها وانما هو مجرد أمل بالاقراض بهذا السعر.

أما العقود التي تمّت بالسعر القديم واستلمت فائدتها، فليس للمدين المطالبة باسترجاع الزائد، لأن ما تم وقبض صار حقاً مكتسباً للشركة المقرضة.

نستخلص من هذا كله: ان القانون ـ على العموم ـ ليس له أثر رجعي بالنسبة للحقوق المكتسبة، ولهذا يقال: «ان القانون يطبق على الحوادث الآتية».

وحيث قد عرفت رأي الإسلام بالنسبة إلى هذه الاُمور، فلا حاجة إلى تفصيل الكلام في ذلك.

استثناءات من أصالة عدم رجعية القانون

تقدم أصالة عدم رجعية القانون التطبيقي ـ أما الكليات الشرعية فلا تتغيّر إطلاقاً إلاّ بتغيّر الموضوع مثل الإضطرار والضرورة وما أشبه ـ لكن يستثنى من عدم الرجعية موارد، بعضها واقعاً وبعضها صورة:

الأول: وجود النص الصريح من المشرّع على الرجعية، كلاً أو في الجملة، وذلك لما يراه من المصلحة الداخلة تحت قانون الأهم والمهم، أو قانون لا ضرر، أو ما أشبه ذلك ـ إذ المصلحة بما هي مصلحة لا تكون مسوّغاً للقانون، إلاّ إذا انطبق عليها عنوان شرعي من الكتاب والسنّة.

كما إذا وضع المشرّع لمخالف المرور غرامة دينار، ثم خالف جماعة فرأى ان سمعة الإسلام تكون في خطر لو أخذ المال منهم، فشرّع قانوناً جديداً بإلغاء الغرامة من المخالفين الجدد ومن المخالفين السابقين، أو انه وقعت حرب بين الدولة الإسلامية وبين أعدائها، فأراد المشرّع استمالة الناس من باب «الأهم والمهمّ» فأسقط الغرامة السابقة.

ومثله: ما إذا أسقط نصف الغرامة السابقة حيث القانون رجعي في الجملة لا في كل التشريع السابق.

هذان في الإسقاط كلاً أو بعضاً، أمّا في الإثبات: بأن قرّر للمخالفين السابقين دينارين، بعد أن كان القانون ديناراً، أو قال: على كل بالغ عاقل غني أن يقرض الدولة ديناراً واحداً عن كل سنة من عشر سنوات ماضية حيث احتاجت الدولة إلى المال لأجل دفع الأعداء، وصدّ عدوانهم، فإن الأصل وإن كان العدم إلا ان لشورى الفقهاء المنتخبين من قبل أكثرية الاُمة إذا شخصوا بأكثرية الآراء، ذلك، من باب الأهم والمهم والضرورات تقدّر بقدرها وكذلك في الفرع اللاحق.

الثاني: ما كان تفسيراً للقانون السابق، وهذا في الحقيقة ليس برجعي ـ في مقابل الأمر الأول ـ لأنه إن كان جديداً كان من الأمر الأول وإن لم يكن جديداً، كان من القانون السابق لا انه بأثر رجعي سواء كان تفسيراً مفهومياً أم تفسيراً مصداقياً.

الثالث: لو كشف المشرّع عدم كفاية القانون السابق، في تحقيق المراد منه، وذلك كما إذا كان قد شرّع سابقاً عقوبة ثلاثة أشهر من السجن لكل من يبيع المخدّرات، ثم لما عوقب المتخلّفون بثلاثة أشهر من السجن، واطلق سراح جملة منهم بعد تمام مدتهم، رأى ان تلك المدّة غير كافية في تأديبهم حيث عادوا إلى مزاولة عملهم، وكان جماعة منهم بعدُ في السجن لم تنته مدة محكوميّتهم، فرأى لزوم مضاعفة مدة السجن من ثلاثة أشهر إلى ستّة أشهر، فصارت المضاعفة هذه أثراً رجعياً بالنسبة إلى المتخلفين السابقين الذين هم بعدُ في السجن.

أما بالنسبة إلى المتخلفين في المستقبل فليس ذلك من القانون الرجعي بالنسبة إليهم كما لا يخفى.

ولا يخفى: انا ذكرنا في (كتاب:الدولة الإسلامية)(72) وغيره: ان التعزير لا يخص الجلد، بل يشمل كل ما يراه الحاكم صلاحاً في الردع، مع ملاحظة سائر الجوانب، وذلك لما ورد من تأديب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام بغير الجلد.

لا يقال: الأثر الرجعي ينافي قوله سبحانه: (وما كنّا معذبين حتّى نبعث رسولاً)(73).

وقوله تعالى: (وإذا أردنا أن نُهلِك قرية أمرنا ففسقوا فيها)(74).

وقوله سبحانه: (حتّى يبعث في امّها رسولاً)(75) إلى غير ذلك، من أدلة قبح العقاب بلا بيان.

لأنه يقال: ربما يلتزم بالإنصراف، وعلى فرض عدم الإلتزام به فإنها مشمولة لدليل «الأهم والمهم» و«لا ضرر»، فتأمّل.

ثم انه لو كان الفعل مباحاً، ثم أصبح محرّماً، فإنه لا يعاقب على فعله المباح سابقاً، لما ذكرناه من الأصل في الأثر الرجعي.

أما العكس: بأن كان الفعل محرّماً ثم أصبح مباحاً، فهل يعاقب بالنظر إلى السابق أو لا يعاقب نظراً إلى الحال، فلو كان ـ مثلاً ـ إبّان الإضطراب فمنعت الدولة عن التجول ليلاً وقرّرت غرامة دينار لمن تجوّل، ثم انتهى الإضطراب فقررت اباحة التجوّل، فهل تأخذ الدولة من المتخلفين السابقين الغرامة باعتبار حالة المخالفة أو لا تأخذ منهم شيئاً باعتبار الحال؟

مقتضى القاعدة: هو الحق في أخذ الغرامة منهم، لأنّ تغيّر القانون ليس مسقطاً لما وقع، فإنه إذا حصل السبب حصل المسبّب.

ومنه يعرف حال ما إذا خفـّـف العقاب في الحال الثاني، وقد ارتكب المخالفة سابقاً في حال شدّة العقاب.

القانون والتغيرات الطارئة

قد يكون قانون ثمّ يلغى، وقد لا يكون قانون ثمّ يوضع، وقد يكون قانون اشد ثمّ يخفّف، وقد يكون قانون خفيف ثمّ يشدّد، وقد يكون القانون السابق عاماً ثمّ يخصص، وقد يكون بالعكس، وقد يكون بين القانون السابق والقانون اللاحق عموم من وجه.

هذا بالنسبة إلى القانون بذاته، من غير فرق بين ان يكون المقنن الأوّل هو المقنن الثاني، أو يكون غيره، كأن تبدّل شورى المرجعية فوضع الفقهاء اللاحقون خلاف ما وضعه الفقهاء السابقون، وهكذا حال كل من له حق تشريع القوانين التطبيقية، ممن تقدم الكلام حوله.

أما إذا تغيّر رأي المرجع، أو مات ـ مثلاً ـ وقلّد مرجعاً آخر رأيه اشدّ أو اخف أو غير ذلك مما قد تقدم ـ في التأطيرية ـ فهنا حدث تغيٌّر في الحكم وقد تقدم: ان الواقعة الواحدة لا تتحمل اجتهادين.

فرع ـ فعل المكلف على رأي فقيهين

لكن هنا فرعٌ لابد من التنبيه عليه وهو: انه لو كان رأي الفقيه السابق المنع بالنسبة إلى حكم، وفعله المقلد من جهة جهله برأي فقيهه، أو من جهة عدم المبالات، ثمّ جاء الفقيه الثاني، أو تغيّر رأي فقيهه الأوّل في المنع فاجاز، فهل يكفي الرأي الثاني في البقاء أو يلزم التجديد؟ لا يبعد البقاء لانّ المجتهد الحالي، والرأي الثاني يرى ذلك، فلا وجه لاختصاصه بالوقائع الحديثة.

مثلاً: لو كان يرى نجاسة عرق الجنب من الحرام، واجنب في ذلك الحال، أو بطلان نكاح عشر رضعات، ونكح في ذلك الوقت، أو عدم الملكية بسبب المعاطاة، وباع بها، ثمّ تبدل الرأي إلى الطهارة، والصحة، والملكية، فانه مكلف الآن بذلك، ولا دليل على ان الرأي السابق اوجب الوضع، وكذلك اذا رآه سابقاً غير ضامن والآن ضامناً، إلى غير ذلك، والتفصيل يحتاج إلى بحث فقهي ليس هنا محل الكلام فيه.

تغير الحالة 

بقي شيء ثالث: غير الفرعين المتقدمين: ـ تغير القانون التأطيري، وتغير الحكم بسبب تغير الرأي ـ وهو: تغيّر حالة الشخص، بأن كان صغيراً ـ مثلاً ـ فكبر، أو مجنوناً فأفاق، أو بالعكس، وهكذا بالنسبة إلى الصاحي والسكران، واليقظان والنائم، والمغمى عليه والمفيق، فكيف يكون القانون بالنسبة اليهم؟

نقول: اما الأوّل: وهو الصغير، فلو ارتكب جرماً ثمّ كبر، وكان للجرم في الصغر التأديب، وفي الكبر الحدّ كالزنا، فلا اشكال في انه ليس عليه الحدّ، لانه لم يرتكب الجريمة حال الكبر، وهل عليه التأديب لانه استحق ذلك، أو لا يستحق التأديب أيضاً، لأن التأديب للصغير وهذا كبير؟ احتمالان.

واما الثاني: وهو بأن كان مجنوناً فأفاق، فإنه لا حدّ عليه ولا تأديب إذا كان غارقاً في الجنون، والا كان عليه التأديب، وإذا عقل قبل جريان التأديب عليه، فكالسابق.

واما الثالث: وهو بأن كان عاقلاً فجنّ، فمقتضى القاعدة شمول دليل الرفع له، خصوصاً إذا جن جنوناً غارقاً بحيث لا يشعر بالتأديب في الإنقلاع.

واما الرابع: وهو بأن كان صاحياً فسكر: فانه يكون كالعاقل إذا جنّ.

واما الخامس: وهو عكسه، فلا حدّ، لان السكران لا يشعر إذا كان غارقاً فلا حدّ عليه ولا تأديب، الا إذا كان غير غارق،. فكالصبي إذا كبر.

واما السادس: وهو اليقظان إذا ارتكب ثمّ نام، فانه لا حدّ عليه في النوم وذلك يتصور في الأمراض النومية كما يقال في أفريقيا حيث تلدغهم البعوضة الخاصة.

واما السابع: وهو النائم إذا ارتكب حال النوم: فلا حدّ ولا تأديب عليه، لا في تلك الحال ولا بعد اليقظة، لدليل رفع القلم عن النائم(76).

واما الثامن: وهو المغمى عليه والمفيق، فإن حاله حال النائم واليقظان، وفي المغمى عليه دليل خاص من قوله عليه السلام: (ما غلب اللّه عليه فهو أولى بالعذر)(77).

وفي بعض ما ذكرناه تفاصيل وأدلة خاصة كالمجنون بعد ارتكاب الجريمة، وكالسكران غير انه موضعه «الفقه».

هذا بالنسبة إلى الحدود والتعزيرات وأما بالنسبة إلى الضمان فهو على ما يأتي الكلام فيه.

مسألة الضمان 

ثمّ هناك مسألة الضمان في مثل الضِّــئـْر إذا انقلبت على الطفل فمات، أو كسر في نومه إناء الغير ـ مثلاً ـ وكذا في حال الصغر والجنون والنوم والإغماء فإن الضمان عليهم موجود.

وكذلك الضمان موجود في حال الإضطرار والضرر والإكراه وما لا يعلمون، كما إذا توهم ان هذا الماء ملكه فأراقه، ولا تأديب ولا حدّ عليهم لرفع الشارع ذلك عنهم، ولذا رفع الحدّ علي عليه السلام عن المرأة التي زنت مضطرّة إلى شرب الماء، ولو زنى بامرأة مضطرَّة، فلا إشكال في ضمانه للمهر، كما أنّه لو زنى بها مكرَهاً فلا إشكال في الضمان أيضاً، لكن الظاهر: انه على المكره ـ بالكسر ـ لدليل رفع الإكراه الشامل لكل شيء إلاّ ما خرج، وهذا ليس ممّا خرج.

وانما نقول: بأنه على المكره ـ بالكسر ـ لدليل ان السبب أقوى من المباشر على ما ذكر تفصيله في الفقه.

وحيث كان القصد في هذه القوانين الإلماع لا الإستيعاب، نكتفي منها بهذا القدر.

ثم انهم ذكروا في الفقه: بأنه لو باع فضولياً ثم ملك فهل يحتاج إلى تجديد العقد أم لا؟

الظاهر: عدم الإحتياج إذا لم يردّه المالك، أما مع ردّه فقد بطل ولذا احتاج إلى التجديد.

ومثله يأتي فيما لو باع الولي بدون المصلحة ثم كبر الطفل، أو أفاق المجنون ـ مثلاً ـ فهل يصح إذا رضي به، أو لا يصح حتى إذا رضي به حيث ان البيع بدون المصلحة باطل، وكذا حال ما إذا تزوّجت البكر بدون إجازة أبيها ثم مات الأب، أو زوّجها الأب بدون إجازتها ثم صارت مجنونة وقلنا: بأن ولاية الأب أيضاً ثابت على المجنون.

ثم انه كلما شك في ثبوت الحدّ ونحوه، فالأصل العدم، للإستصحاب، ودليل درء الحدود بالشبهات، ويأتي مثل ذلك في الضمانات ونحوها، إلاّ في مثل العلم الإجمالي ـ كما تقدّم الكلام فيه.

وكلما شك في سقوط الحدّ بعد ثبوته كان مقتضى الإستصحاب البقاء، إلاّ إذا دخل تحت الشبهة الدارئة للحدّ فرضاً.

 

تتمة

(1) سورة السجدة ، الآية : 14.

(2) الكافي : ج 7 ، ص 454 ، ب 260 ، ح 1 .

(3) سورة النجم ، الآية : 3 - 4 .

(4) سورة القلم ، الآية :42 .

(5) سورة الفجر، الآية : 22 .

(6) سورة طه ، الآية : 5 .

(7) سورة القيامة ، الآية : 23 .

(8) راجع مستدرك الوسائل : ج 17 ، ص 58 ، ب 11 ، ح 3 ، وفيه: «ان اللّه أدّب نبيّه حتّى إذا أقامه على ما أراد قال له: وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين».

(9) مستدرك الوسائل : ج 17 ، ص 366 ، ب 2 ، ح 4 .

(10) راجع بحار الأنوار : ج 32 ، ص 18 ، ب 1 ، ح 7 .

(11) سورة الزمر ، الآية : 65 .

(12) راجع بحار الأنوار : ج 25 ، ص 333 ، ب 10 ، ح 10 .

(13) راجع الكافي : ج 2 ، ص 594 ، ب 469 ، ح 14 .

(14) مستدرك الوسائل : ج 17 ، ص 366 ، ب 2 ، ح 4 .

(15) سورة النجم ، الآية : 3 .

(16) بحار الأنوار : ج 2 ، ص 272 ، ب 33 ، ح 7 .

(17) سورة النجم ، الآية : 4 .

(18) من لا يحضره الفقيه ج 4 ، ص 231 ، ب 171 ، ح 3.

(19) نهج الفصاحة ص 449 ، ح 2114.

(20) سورة التوبة، الآية: 38.

(21) سورة التوبة، الآية: 49.

(22) سورة التوبة، الآية: 50.

(23) سورة التوبة، الآية: 53.

(24) سورة التوبة، الآية: 56.

(25) سورة التوبة، الآية: 58.

(26) سورة التوبة، الآية: 61.

(27) سورة التوبة، الآية: 64.

(28) سورة التوبة، الآية: 67.

(29) سورة التوبة، الآية: 73.

(30) سورة التوبة، الآية: 74.

(31) سورة التوبة، الآية: 75.

(32) سورة التوبة، الآية: 79.

(33) سورة التوبة، الآية: 81.

(34) سورة التوبة، الآية: 86.

(35) سورة التوبة، الآية: 90.

(36) سورة التوبة، الآية: 94.

(37) سورة التوبة، الآية: 97.

(38) سورة التوبة، الآية: 101.

(39) سورة التوبة، الآية: 102.

(40) سورة التوبة، الآية: 106.

(41) سورة التوبة، الآية: 107.

(42) سورة التوبة، الآية: 117.

(43) سورة التوبة، الآية: 118.

(44) سورة التوبة، الآية: 122.

(45) سورة التوبة، الآية: 124.

(46) سورة التوبة، الآية: 127.

(47) سورة المنافقون ، الآية : 1 ـ 8 .

(48) سورة النور ، الآيات : 11 - 25 .

(49) سورة النساء ، الآيات : 60 - 63 .

(50) و (51) و (52) و(53) و (54) سورة التوبة ، الآية : 107 .

(55) و (56) سورة التوبة ، الآية : 108 .

(57) سورة التوبة ، الآية : 109 .

(58) سورة الصف ، الآية : 7 .

(59) سورة التوبة ، الآية : 110 .

(60) سورة التوبة ، الآية : 108 .

(61) بحار الأنوار : ج 32 ، ص 329 ، ب 8 ، ح 319 .

(62) سورة النحل ، الآية : 43 : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) .

(63) سورة قريش، الآية: 4.

(64) مستدرك الوسائل : ج 13 ، ص 308 ، ب 13 ، ح 4 .

(65) سورة البقرة ، الآية : 22 .

(66) بحار الأنوار : ج 35 ، ص 391 ، ب 19 ، ح 14.

(67) راجع نهج البلاغة ، الكتاب : 53 .

(68) راجع وسائل الشيعة : ج 17 ، ص 485 ، ب 4 ، ح 5.

(69) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ، ص 52 ، ب 17 ، ح 12 .

(70) تهذيب الأحكام: ج 9 ، ص 274 ، ب 29، ح 12.

(71) بحار الأنوار: ج 2 ، ص 272 ، ب 33، ح 7.

(72) موسوعة الفقه : ج: 101 - 102 كتاب الدولة الإسلامية .

(73) سورة الإسراء ، الآية : 15 .

(74) سورة الإسراء ، الآية : 16 .

(75) سورة القصص ، الآية : 59 .

(76) راجع الخصال : ج 1 ، ص 94 ، ح 40 .

(77) الكافي : ج 3 ، ص 408 ، ب 231 ، ح 7 .