| المؤلفات |
مشاكل القانون عند المسلمين |
المسلمون والقانون |
تقدم ان بين المسلمين وبين حكامهم تنافر من جهة ان الحكام لا يطبقون الإسلام، ولذا فلا احترام للقوانين عند المسلمين مهما أضفى الحكام على القوانين صفة الشرعية، كما ان هنا اموراً اُخرى سبّبت تنفير المسلمين عن حكامهم وهي عبارة عما يلي: ـ |
تأخّر البلاد |
الأوّل: ما يراه المسلمون من تأخّر بلادهم عن بلاد الغرب تأخراً هائلاً، على اختلاف الوان الحكام، وأنواع ما يطلقونه من شعارات بعثية أو شيوعية أو قوميّة أو ديمقراطيةٌ أو اسلامية، حتى ان الغرب اصبح يغزو الفضاء ويفكرّ في فتحها، وبلاد الإسلام بعد تتخبّط في أوليات الحياة، فلا تصنع حتى الابرة، ولا توفر حتى الاكل، فان لحمهم وارزهم وحنطتهم تأتي اليهم من بلاد الغرب فلماذا يا ترى كل ذلك؟ هل لان المسلمين من حيث الجسم والروح، والفكر والعقل، أقل من الغربيين، بينما المسلمون باعتراف من علماء الطبيعة والجغرافيا وغيرهم هم المتفوقون في هذا المجال؟ أو هل لأن مبادئهم مباديء غير صحيحة، بينما اثبت التاريخ ان نفس المباديء سببت لهم التقدّم المذهل يوم كانوا يطبّقون الإسلام؟ أو هل لأنهم لا ثروة لهم بينما ثبت بالأرقام ان الغرب يعيش على ثرواتهم ويستفيد منها أيّة استفادة؟. اذن فلم يبق الا ان حكامهم هم الذين سببوا تأخرهم بسنّ تلك القوانين الجائرة التي لا تنفع ديناً ولا دنياً بل تضرّ بهما أضراراً بالغة، حتى انطبق على المسلمين قوله سبحانه: (ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكاً)(1). هذا بالإضافة إلى ما يراه المسلمون من سرقة حكامهم اموالهم بمختلف العناوين وايداعها في صناديق الغرب والشرق. كما انهم لاستبدادهم وعدم التزامهم بنظام الشورى، ينصبون في الوظائف كل من يتملق ويصفق لهم، ويتركون اصحاب الكفاءات والمؤهلات، ومن الواضح: ان اصحاب الكفاءات وذوي المؤهلات هم الذين يقدمون البلاد لا المصفقين والمتملقين الذين جائوا طمعاً في المنصب والمقام، وبقصد ملأ الجيوب وتوفير أرصدتهم المالية. هذا مع العلم بأنه لا يرجع حال المسلمين إلى العافية ومنه إلى التقدّم إلاّ بتطبيق قوانين الإسلام والتي منها الشورى في الحكم، ومنح الحريّات الإسلامية والتي منها الأحزاب الحرّة والنقابات والجمعيّات وغيرها، وبالتالي تطبيق قوانين الإسلام في كل جوانب الحياة. |
التعذيب |
الثاني: شيوع التعذيب في بلاد الإسلام بسبب الحكام، فانه لا ترى بلداً اسلامياً ـ إلاّ نادراً جداً ـ لا يشيع فيه تعذيب السجناء أخذاً من حكومة صدام التي لم تأت حكومة اسوء منها في التاريخ من حيث الفساد والإفساد حتى مثل حكومة الحجّاج ـ كما سبق الإلماع إليه ـ إذ في سجونه «ألف قسم من التعذيب» حسب الإحصائيات، وقد اشرنا إلى جملة منها في كتاب (الصياغة) وغيرها، وانتهاءاً بمثل الحكومات التي تدعي الحرية والديمقراطية: وتهتف بشعارات براقة وجميلة وتنتحل اسم الإسلام، فان في سجونها التعذيب، واقلها الصفع والضرب. ومن الواضح ان امثال هذه الاُمور لا تخفى على الناس وتشتهر بينهم حتى ولو حاولت السلطة اخفائها، فإنه: ومهما يكن عنـــد إمرءٍ من خليقة وان خالها تخفى على الناس تعلَنُ وهذا من اهم اسباب انفضاض الناس من حول الحاكم والحكومة. والغريب في الأمر: ان بعض الحكومات المدّعية للإسلام يستدل حكامها على تبرير ما في سجونهم من التعذيب بما يفترونه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويكذبون عليه ـ والعياذ باللّه ـ بأنه امر زبيراً بتعذيب فلان أو ما أشبه ذلك. انهم يريدون ان يبرّروا لوثهم بالإفتراء على أطهر انسان عرفه التاريخ، وأرأف نبي عرفته الاُمم، واحرص رسول على كرامة البشر وحقوق الإنسان قال تعالى: (حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)(2) وقال سبحانه: (وما ارسلناك إلاّ رحمة للعالمين)(3). فليعلم هؤلاء الحكام بان السقوط بانتظارهم، والخزي في استقبالهم وقد سجّلوا لانفسهم عار الدنيا ونار الآخرة، انهم سيسقطون كما سقط من كان قبلهم من اضرابهم ومن كان اكثر منهم قوة وأشد بأساً. هذا ولو طالع الإنسان بعض الكتب التي تحدّثت عـن التعـذيب فـي سجون مصر(4) ثمّ قارنها بالكتب التي كتبت عن سجون اسرائيل لرأى البون بينهما شاسعاً، وان اسرائيل مع انها عدوّة الإنسانية ربما لا تفعل مثل ما يفعله بلد يتسمى حاكمه بالإسلام. |
الجهل بالإسلام |
الثالث: جهل الحكّام ومجلس الاُمّة والقضاة بالإسلام وبأوليات الثقافة الإسلامية ـ إلاّ من عصمه اللّه سبحانه ـ فان من الواضح ان الحكام الذين جائوا إلى الحكم بواسطة الإنقلابات العسكرية، أو بالمحسوبيّه والمنسوبية، أو بالرشوة وما أشبه، ليسوا الا جهلة، وكثير منهم لا يعرفون حتى اوليّات الحكم، فعبد الكريم قاسم، وعبد الناصر، وضياء الحق، وعبد السلام، وأحمد حسن البكر وامثال هؤلاء أين درسوا؟. نعم، انهم عرفوا شيئاً من موازين الجيش ونظام العسكر، إذا فرض انه لم يكن ارتقاؤهم في الجيش أيضاً بالمحسوبيّة والمنسوبية وما أشبه. ومن المعلوم: ان الجاهل لا يصلح لخدمة مدرسة ابتدائية فكيف بادارة البلاد؟ واليك نماذج من جهل هؤلاء: اما الحكام: فاني رأيت جملة منهم وتكلمت معهم، فلم أر فيهم الا مركب الجهل الذي اضيف اليه الغرور والكبر، فمثلاً: (قاسم) ساوى بين الذكر والاُنثى في الارث، ولما قلنا له: ان اللّه يقول: (للذكر مثل حظّ الاُنثيين)(5) أجاب: ان اللّه سبحانه يقول: (يوصيكم اللّه)(6) والوصية غير لازمة، فقلنا له اذن: فلماذا إذا اوصيت انت يلزم تنفيذ وصيّتك؟ فلم يحر جواباً. |
قانون مجلس الاُمّة في البلاد الإسلامية |
واما مجلس الاُمّة: فقد نقل لي احد نواب مجلس الاُمّة في بلد اسلامي: ان الحكومة ـ ابّان استقلال ذلك البلد ـ امرت لجنة مكونة من ثلاثة كان هو أحدهم، وفوّضت اليهم وضع قانون الأحوال الشخصية، قال: فذهب احدنا وفوض رأيه إلى الآخر فصرنا حينئذ نفرين، فتابعنا مهمّتنا إلى ان وصلنا إلى تعيين أقصى مدة (للحمل). فقال صديقي النائب الذي فوض النائب الثالث صوته إليه: ان اقصى مدة للحمل هو عبارة عن عشر سنوات. فقلت له: كيف يعقل بقاء الولد في بطن اُمّه عشر سنوات، مع انه لو كان حديداً لذاب في هذه المدّة من حرارة الرحم؟ ثمّ ما هو دليلك على ذلك؟ قال: ان جدّتي من اُمّي نقلت لي: إن إمرأة من جيرانها، مات زوجها وكانت صالحة فولدت بعد مضيّ عشر سنوات من موت زوجها، قال هذا النائب المتحدث اليّ: فحاولت بشتى الأساليب والسبل، وبذكر بعض القوانين والنُظُم، وعرض بعض الأدلة العلمية والطبية على اقناعه بضعف هذا القول ووهن الدليل عليه، فقنع لكن نزل إلى تعيين مدة سنتين، وكلما حاولت اقناعه بالنزول إلى تعيين مدة معقولة وهي سنة واحدة لم يقبل، وحيث كان له صوتان، في قبال صوت واحد ـ وهو صوتي ـ شرّع المجلس قانون اقصى الحمل في سنتين. وهكذا يصل الامر إلى الحضيض عندما لا يريدون العمل بقوانين الإسلام، فيتبعون الغرب، أو الأهواء، أو اقوال الجدّة المرحومة! أو ما أشبه ذلك. |
الفوضى يعم القانون |
الفوضى التي أصابت البلاد الإسلامية في الحكومة القاجارية الايرانية، والهندية المغولية، وسائر البلاد الإسلامية الرابضة تحت الإدارة العثمانية في كل جوانب الحياة، قد أصابت القانون أيضاً، فصار للمسلمين قانونان: قانون الشريعة، الذي هو الأصل. وقانون القبائل والعشائر في جملة من مرافق الحياة. وانما تولّدت قوانين العشائر بين المسلمين أيضاً، لأن الحكومات المذكورة لم تتمكّن من ادارة البلاد والعباد ممّا اضطرّ الناس إلى أن تستبدل بها قوانين العشائر في جملة من مرافق الحياة، كالمنازعات، والزواج، والطلاق، والإرث، والحدود، والديات، والقصاص، والمعاملات وغيرها. ومن الواضح: ان الأهواء والجهل كان لهما القسط الأوفر في القوانين المذكورة، بالإضافة إلى انّ كل عشيرة كانت ترى القوانين غير ما تراها العشيرة الاُخرى، فحدث في بلاد الإسلام ما يسمّى بحكومة الملوك والطوائف، أو كما قال الشاعر: فتفرَّقوا شيعاً فكلّ قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر ثم جاء الغرب المستعمر وغزا بلاد الإسلام، على اختلاف أشكاله: من بريطاني وفرنسي وإيطالي وهولندي وبرتغالي وغيرها، وجاء إلى بلاد الإسلام بقوانينه أيضاً، فصارت القوانين في بلاد الإسلام على ثلاثة أقسام: 1 - (الشرعية). 2 - (العشائرية). 3 - (الحكومية). وبعد أن ارتحل الغرب ـ في الظاهر ـ واستتر بستار الحكومات العسكرية التي كانت تجتاح البلاد الإسلامية بين آونة واُخرى عبر العملاء جاء دور هؤلاء (خدمة المستعمرين) في وضع القوانين المسبوكة من الجهل والأهواء تارة، ومن قوانين المستعمرين اُخرى، حتى قال «سوكارتو»: أنا مسلم شيوعي ديمقراطي، وقال «صدام»: أنا مسلم بعثي ديمقراطي. وبذلك وقع بلاد الإسلام في أشدّ الإضطراب من حيث القوانين، في كل أبعاد الحياة القانونية. |
القوانين العشائرية والمدنية المستوردة |
وقد كان لكل من قانونَي العشائر والمدنية المستوردة ثلاث علامات: |
الجهل |
الأول: الجهل بطبيعة الحياة عند المسلمين، ولذا فقد القانون احترامه، حيث انّ طبيعة البلاد شيء، والقانون شيء آخر، فبينما يرى القانون الإسلامي ـ مثلاً ـ حرمة الرشوة والربا والجمرك والبغاء والضرائب، ويرى جواز تعدّد الزوجة واستحباب كثرة النسل ـ مثلاً ـ سنّ قانون الغرب حلّية الخمسة وحرمة الأخيرين. ومن المعلوم: ان المسلمين لا يعتبرون غير الإسلام قانوناً، ولذا تفشّى بينهم مخالفة القانون علناً وسرّاً، مهما أمكنهم، وحيث سقط عندهم احترام القانون بالنسبة إلى هذه الاُمور سقط بالنسبة إلى كلّ الاُمور، حتّى بالنسبة إلى مثل قانون المرور، والصحّة، والنجدة، والصناعة، والتجارة، والزراعة، وما أشبه ذلك، بحيث اني لم أجد منذ أربعين سنة حتـى مسلماً واحداً يرى احتراماً لهذه القوانين. هذا بالنسبة إلى القوانين المستوردة، وأمّا بالنسبة إلى قوانين العشائر فالجهل فيها أوضح حيث كانت وراء قوانين الغرب جملة من المثقّفين ـ هناك ـ بينما قوانين العشائر - عادة - لم يكن وراءها إلاّ حفنة من العادات ومجموعة من النزعات الفردية الداعية للأنانية والإستئثار، وحبّ الظهور والإستعلاء. |
الظلم |
الثاني: الظلم، فإنّ الجهل يقود إلى الظلم إفراطاً أو تفريطاً، فالجاهل بمقرّرات المرور من حيث مقدار سرعة الحركة وبطؤها ـ مثلاً ـ إمّا أن يسرع أكثر من المقرّر: فيؤدّي إلى اضطراب فكر الركاب وعطب السيارة، وإما أن يبطىء أكثر من المقرّر: فيؤدّي إلى إتلاف وقت الركّاب وعدم وصولهم إلى مقصدهم في الوقت الموعود. ومن الواضح: انّ كليهما ظلم، إذ الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، سواء بالنسبة إلى المرور أم بالنسبة إلى سائر مرافق الحياة، وفي المثل: «الجاهل إمّا مفرط أو مفرّط». ولذلك صار المجتمع بين ظالم ومظلوم، وأصبح صورة اُخرى عن «شبهة الآكل والمأكول» الفلسفية، التي قال فيها الحكيم السبزواري: «وشبهة الآكل والمأكول يعرفها أعاظم الفحول» كما يعرف شبهة الظالم والمظلوم من جهة القوانين أعاظم أهل الدين. وهذه العلامة الثانية توجد في كلا القانونين: العشائري والمستورد، فالشارع ـ مثلاً ـ قرّر للزنا ـ من غير احصان ـ مائة جلدة، بينما في العشائر قرّروا له قانون القتل، فكانوا يقتلون كل واحد منهما، وربما قرّروا ما هو أسوء منه حيث انهم كانوا يكتفون بقتلهم البنت المغلوبة على أمرها، وتركهم الرجل يسرح ويمرح وكأنه لم يفعل شيئاً. وفي القانون المستورد: قرّروا له انه إن كان برضاهما فلا شيء عليهما، وإن كان من دون رضى المرأة، فالعقاب ثلاثة أشهر من السجن، أو خمسين ديناراً لكيس الدولة، يغرمه الزاني المكرِه ـ بالكسر ـ. وفي ايران (الشاه) كان القانون يقرّر ان الزواج بدون البلوغ القانوني، باطل ويغرم كل من الزوج والزوجة وكل من كان في طريق زواجهما حتى من باعهم الحلويات، إذا كان يعلم بأنه لأجل الزواج. أما الزنا فكان جائزاً في قانونه لأنه يقع بالرضى منهما، وإذا رضيا فلا دخل للحكومة في أمرهما، كما لا يحق لأحد التعرّض لهما، ولذا إذا اتّفق وقوع عقد بدون شروط (الشاه) كان الأطراف يضطرّون إلى اعلان انه كان زناً عن رضا، حتى لا يقعوا في طاولة القانون. وذات يوم جائني حاكم ـ وأنا في العراق ـ وهو يشتكي قائلاً: ماذا أصنع؟ ان القانون يبطل الزواج دون البلوغ القانوني للمرأة، وقد وصلتني شكوى من أب الزوجة تقول: ـ ان العقد وقع بدون بلوغهما ـ وذلك كان بعد أن حصل بين الأب والزوج خلاف ـ مع العلم بأنه كان قد حصل للزوجين ثلاثة أولاد لأنّه كان يمضي على العقد خمس سنوات. ثمّ عقّب الحاكم ذلك بقوله: فلست أدري هل أصغي لنداء الضمير ـ حسب تعبيره ـ فامضي العقد، أو لما يقوله القانون فاُبطل العقد؟ (وكان ذلك في زمان عبد الكريم قاسم). وهذه العلامة موجودة في كلا القانونين: العشائري في كثير من بلاد الإسلام ـ والغربي المستورد في كافة بلاد الإسلام. |
اللّف والدوران |
الثالث: اللّف والدوران في قوانين الغرب بما لم يسبق له مثيل حتّى في القرون الوسطى المظلمة، وقد رأيتُ أنا بعض حريّات الإسلام في العراق قبل الحرب العالمية الثانية، فقد كان كل شيء يسير بيسر وسهولة من حيث الكيف والصورة، وبقدر ما يتطلبه طبيعة الأعمال والحركات من حيث الزمان والمال، فإذا أراد الإنسان ـ مثلاً ـ أن يبني داراً، أو يسافر إلى الحج، أو أراد الترافع في منازعة له في ارث، أو شركة، أو مال، أو تجاذب بين زوجين، كان الوقت اللازم لحلّ كل من هذه الاُمور هو المقدار الذي يتطلّبه طبيعة ذلك العمل. مثلاً: إذا أراد أن يبني داراً أخذ من الوقت بمقدار ما يقوم به البناء من تهيئة المصالح ثم الشروع في البناء من غد أو بعد غد. وإذا أراد السفر إلى الحج أخذ من الوقت بمقدار تهيئة الزاد والراحلة، فإذا استأجر السيّارة ـ مثلاً ـ صباحاً، سافر إلى الحج عصراً. وهكذا سافر ـ كما شاهدته أنا بنفسي ـ كثير من الأقرباء والأصدقاء، حتّى ان الأخ الشهيد السيد حسن رحمه اللّه(7) خرج صباحاً للدراسة وجاء ظهراً وقال: إنّي عازم على الحج إن شاء اللّه، ثم سافر غداً، وكأنّه يريد أن يسافر إلى النجف الأشرف. وإذا أراد الترافع في منازعة له مهما كان نوعها، أخذ من الوقت في فصلها بمقدار الحضور عند القاضي، وتهيئة الشهود، وما أشبه، حيث كان يتم الفصل بينهم غالباً في أول مجلس ينعقد لذلك، وفي الدقائق الاُولى منه. وهكذا كان ـ كما رأيت ـ العلماء يقضون بين الناس، فقد كان في كربلاء المقدّسة عالم(8) له رسالة عملية، ويدرّس الخارج ليلاً في الصحن المطهّر قرب باب الزينبيّة، ويصلّي جماعة قرب باب القبلة، فإنه كان يجلس لفصل الخصومات وتسهيل الاُمورالشرعية للناس، من نكاح وطلاق وإجارة وبيع ووقف وغيرها من كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في كل يوم، مدّة ساعتين، ولا يتقاضى شيئاً من أحد حتّى اُجرة الكتابة والكاتب. ولكن في نفس كربلاء المقدّسة وبعد وصول القوانين الغربية إليها رأيتُ كيف صار كل شيء صعباً وملتوياً يستلزم استهلاك أموال وأوقات وطاقات ـ كما هو المشاهد اليوم في العراق وفي غير العراق ممّا لا حاجة إلى ذكره، حتى اني قد رأيتُ بنفسي نزاعاً وقع بين شخصين على بستان، فتداول النزاع بين الحكّام وفي المحاكم ثلاث عشرة سنة، بينما لو كان يراجع به علماء الإسلام لكان حلّه يتمّ فيما لا يتجاوز الساعة الواحدة، ويعلم اللّه كم صرف الطرفان من المال لأجل ربح النزاع. هذا وقد اُبلغت ذات مرّة بشكاية كان قد تقدّم بها عليّ أحد القضاة الحكوميين، وكانت صورة الدعوى: بأنه لماذا يفصل في القضايا بين الناس ولم يتركهم وشأنهم حتى يراجعوا قضاة الدولة، مما أدّى ذلك إلى فراغ خزينة الدولة ـ بالنسبة إلى ما كان يدره القضاء من المال إلى الخزينة ـ وفراغ الوقت بالنسبة إلى الحاكم، علماً بأنّي كنتُ أقضي يوميّاً بين ما يقارب من عشرة أشخاص وذلك في مدّة لا تتجاوز الساعة الواحدة، وبدون كلفة مالية وما أشبه. ولا يخفى: ان هذه العلامة خاصة بالقوانين المستوردة، ولا أثر منها في القانون العشائري، فانهم أيضاً يفصلون القضايا بينهم ببساطة وسهولة. ثم انه لم تكن الشكاية من قبل الحكام عليّ فقط، فلقد اشتكى أحد الحكّام أيضاً على أحد علماء النجف الأشرف، وادّعى: بأنه أفسد عليه قضيّته حيث ان نفرين من أتباع ذلك العالم كان بينهما نزاعاً تداولته المحاكم فيما بينها ثلاث سنوات وضيّعت عليهما كثيراً من الوقت والطاقات وقد صرفا مضافاً إلى ذلك أموالاً كثيرة، فرآهما ذلك العالم ونصحهما وحذّرهما من الآخرة وعذابها، فتنازلا إلى أن يحكم هو بينهما، فلمّا حكم بينهما رضيا بحكمه، وسحبا النزاع من المحكمة، وذلك في ظرف ساعتين فقط، ممّا أدّى إلى اثارة حفيظة الحاكم والشكاية على العالم. وعلى أيّ حال: فقد صار القانون الغربي المستورد كابوساً على بلاد الإسلام، ووبالاً عظيماً على المسلمين ممّا يجب التخلّص منه، كما يلزم التخلّص من القانون العشائري أيضاً. أمّا التخلّص من الثاني: فلا يحتاج في مثل العراق إلاّ إلى الجهود المخلصة من العلماء العاملين، لأنه انحراف موضعي. بينما التخلّص من الأول فإنه يحتاج إلى وعي متزايد في الاُمّة وتخلّص من ذيول الإستعمار الذي يحتاج إلى جهود كبيرة وجهاد طويل، طبعاً بلا عنف ولا خرق ـ. |
مشاكل القانون في الاُمّة الإسلامية |
لا إشكال في ان بعض المشاكل التي تعاني منها الاُمّة الإسلامية في الحال الحاضر وفي كل بلاد الإسلام ناش عن نفس المسلمين، وعن حكّامهم بالذات، وحكامهم أيضاً منهم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «كما تكونوا يولّى عليكم»(9). وبعض المشاكل ناش عن عدم (وحدة الاُمّة) وعن عدم (الاُخوّة). أما بعض المشاكل الاُخر، فناش عن عدم توفـّر (الحريّة الإسلامية) أو عدم تطبيق بعض القوانين الاُخر للإسلام. وحيث إنّ جماعة من المسلمين ـ حكّاماً أو شعباً ـ لا يريدون تطبيق الإسلام، يرفعون صوتهم: بأن المشكلة عالمية، ونحن جزء من العالم ولذا شملتنا المشكلة. والجواب: انا نتساءل منهم ونقول لهم: ان المشكلة التي تعاني منها الاُمة الإسلامية هل حدثت من مخلوقات اللّه التكوينية، كالشمس والقمر، والماء والشجر، والهواء والأرض، والسباع والهوام، والجبال والبحار، وما أشبه، أو حدثت من عدم أخذ الناس بأحكام اللّه سبحانه؟ طبعاً لا يمكنهم أن يقولوا بأن المشكلة حدثت من الأول، إذ لم يتغيّر في الكون شيء حتّى يؤدّي تغييره إلى المشكلة، ولو فرض من الزلازل والفيضانات وما أشبه، فهي بالأخرة ترجع إلى الإنسان العاصي لأحكام اللّه سبحانه ـ كما ثبت في محلّه ـ. إذن: فالمشكلة في المسلمين أنفسهم ونابعة منهم، وليست كلّها مرتبطة بما يدّعى: من المشكلة العالمية، كمشكلة السلاح وما أشبه إلاّ الشيء القليل. وعليه: فإذا أردنا رفع أكثر المشاكل، فليس علينا إلاّ أن نرجع إلى أحكام اللّه سبحانه، وللمثال نذكر مشكلتين: (مشكلة السكن والبطالة) و(مشكلة الفساد الجنسي) فإنهما مشكلتان يشكو منهما كل بلاد الإسلام، وذكرنا هاتين المشكلتين من باب انّهما يرجعان إلى الحكّام وإلى الاُمّة معاً: |
مشكلة السكن والبطالة |
أمّا مشكلة السكن والبطالة، فقد تولّدت من عدم (حريّة الأرض) ففي الحديث: (الأرض للّه ولمن عمّرها)(10) ومن عدم (حريّة العمل والكسب والتجارة) فقد ورد: (الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم)(11). فإذا اُبيحت الأرض لمن يريد البناء والعمران، واُتيحت الفرصة لمن أراد العمل والكسب، توفـّر للناس المال والأرض، فيبني كل انسان داره في أرض اللّه الواسعة وبالأموال التي حصل عليها من أيّ كسب وتجارة شاء ـ حتّى من حيازة المباحات ـ فلا يبقى بعد ذلك انسان بدون سكن ولا بدون عمل. لا يقال: فماذا تفعلون بما يحتاجه الناس من الماء والكهرباء والمواصلات والتلفون وما أشبه ذلك؟ لأنه يقال: إذا كانت للدولة امكانيات كافية، فهي التي تتكفّل بذلك، وإذا كان هناك متبرّع فبها ونعمت، ولا يستهان بالمتبرّعين، فقد صنع أحد الرجال الأخيار خمسين مشروعاً خيريّاً مثل المساجد والحمامات ومخازن الماء وما أشبه في خمسين قرية ايرانية. وأسّس أحد أصدقائنا الخطباء أربعين مشروعاً اجتماعياً بين مسجد ومدرسة ومكتبة وحسينية في مختلف القرى والمدن الايرانية. وبنى السيد البروجردي قدس سره أربعمائة مسجداً في طهران وحدها. كما أسّس مؤسّس معهد التعاليم الإسلاميّة ثلاثمائة مدرسة وسبعين مسجداً في مختلف البلاد الايرانية. ومن أراد الإحصاء، رأى ان أغلب المشاريع العامة في ايران من تأسيس الناس المحسنين، فليس هناك رجل دين إلاّ وقد بنى مؤسّسة أو مؤسّسات، ممّا لو جمعناها لفاقت عشرات الآلاف من المؤسّسات بل أكثر. وهكذا في العراق فقد أسّسنا في كربلاء المقدّسة وضواحيها وبعض البلدان الاُخر العراقية ـ بمعونة المحسنين ـ أكثر من ثلاثمأة مؤسّسة، بين مستوصف، ومدرسة، ومسجد، وحسينية، ومكتبة وغيرها. وأما إذا لم تكن للدولة امكانات كافية، ولم يوجد متبرّع يتبرّع، فالتجّار هم الذين يتكفّلون بهذه الاُمور للإسترباح، فيقومون بتأسيس مشاريع الكهرباء والماء وغيرهما، ويأخذون الاُجور من الناس. وقد كان مشروع ماء النجف الأشرف مشروعاً أهلياً لأحد التجّار، وكذلك كان مشروع كهربائها، كما ان مشروع ماء وكهرباء كربلاء المقدسة كان أهلياً أيضاً. ومن الواضح: انه إذا طبّق ذلك لم يبق أحد بعدها يشكو مشكلة عدم السكن أو عدم توفّر الخدمات، أو عدم العمل، ولا ترتفع الايجارات، ولا يحتاج الكاسب إلى دفع «سرقفلية» لا يطيقها، لأنه تكثر الدكاكين في كل حيّ ومدينة جديدة. ثم انه بعد هذا العرض الموجز لحل مشكلة السكن والبطالة يُعرف بجزم: ان الحكومة ـ هي وحدها ـ مبعث مشكلة السكن والبطالة، وإلاّ فإن الحلّ بسيط وضعه الإسلام قبل أربعة عشر قرناً ـ وهو سلسلة من الحرّيات ـ وإذا اُطلقت هذه الحريات فليس على الحكومة إلا (التخطيط السليم) لبناء الدور والمنشئات والمرافق ونحوها، والإشراف الكامل حتى لا يجحف التجّار في الاُجور ونحوها، ورعاية الأمن، ونحو ذلك. هذا وقد قال لي وجوه تجّار بعض البلاد المقدّسة: انّ الحكومة لو أذنت لنا، لجعلنا من تلك البلدة المقدّسة مدينة مثالية، في كلّ شيء، في الماء والكهرباء والتلفون وسائر الخدمات وفي انشاء محطّات للإذاعة والتلفزة، ومطارات محلية ودولية، وغير ذلك، وللدولة الحق في الإشراف علينا حتى لا نجحف بحق الناس. |
مشكلة الفساد الجنسي |
وأمّا مشكلة الفساد الجنسي، فللحكومة اليد الطولى في اثارتها، وذلك لأنّ هذه المشكلة لا تكون إلاّ من جهة عدم الزواج، وعدم الزواج ناتج بسبب الحكومة من جانب، والاُمّة من جانب آخر، وذلك على خلاف موازين الإسلام والعقل. أما الحكومة: فلانحراف قوانينها، فالجندي المكلّف ـ مثلاً ـ تقف الحكومة ببرامجها العسكرية الظالمة أمام زواجه، وتمنعه من الزواج المبكر، والطالب والطالبة تقف الحكومة بمناهجها المنحرفة أمام زواجهما، وهكذا. وأمّا الاُمّة: فالمهر المغالى فيه، والرغبة الملحة في تهيئة الوسائل الحديثة الغالية، والحصول على بيت مستقل، ووسيلة نقل راقية، ووظيفة ادارية عالية، وشهادة دراسية عليا، وغير ذلك مما سبّب بطوء حركة الزواج، وبالتالي أدّى ذلك إلى عدم الزواج، بحيث لم يبق أمام الشاب والشابة إلاّ الإنحراف الخلقي ـ وهذا ما يشتكي منه المجتمع ـ أو كبت الجنس، وهذا ما يوجب أمراضاً واعراضاً ـ مذكورة في الطب قديمه وحديثه ـ. واني لأذكر جيّداً وذلك قبل الهجمة المادية الغربية والقوانين الكابتة إلى العراق أي: قبل الحرب العالمية الثانية ـ: كيف ان الزواج كان اسلاميّاً بمعنى الكلمة ومن دون المشكلتين المذكورتين اطلاقاً، حتى كان من لا يتزوّج من البنين والبنات ـ في سنّ مبكر ـ مورد تعجّب الناس واحياناً ازدرائهم.
|
(1) سورة طه ، الآية : 124 . (2) سورة التوبة ، الآية : 128 . (3) سورة الأنبياء ، الآية : 107 . (4) مثل كتاب «الإخوان في سجون ناصر» وكتاب «أقسمت أن أقول». (5) و (6) سورة النساء ، الآية : 11 . (7) آية اللّه الشهيد السيد حسن الشيرازي قدس سرّه ولد في النجف الأشرف سنة 1354 هـ واستشهد في بيروت 16 / ج 2 /1400هـ، وللإطلاع عن جوانب من حياته التربوية والإجتماعية والدينية والسياسية راجع كتاب: «آية اللّه السيد حسن الشيرازي فكرة وجهاد» وكتاب: «حضارة في رجل» و... الناشر (8) وهو الإمام السيد عبد الحسين الحجّة قدس سرّه. (9) نهج الفصاحة : ص 462 ، ح 2182 . (10) الكافي : ج 5 ، ص 284 ، ب 169 ، ح 2 . (11) غوالي اللئالي : ج 1 ، ص 222 ، ح 99 ، وفيه : «الناس مسلّطون على أموالهم». |