الفهرس

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

القانون ومهمة القضاء

لا إشكال في أن مهمة المحدّث نقل الحديث، ومهمة الفقيه البحث عما يستفاد من الكتاب والسنّة، وانما وقع الكلام في انه هل مهمة القاضي تطبيق القانون فقط، أو الأعم من ذلك، يعني: تطبيق القانون، والبحث عن سلامة القانون وصلاحه أيضاً؟

لا ينبغي الإشكال في ان مهمّته: تطبيق القانون فيما إذا علم بصحّة القانون أو حتّى مع الشك في صحّته، إذ بعد وضع القانون من قِبَل شورى الفقهاء المراجع لا وقع لشكّه، حاله حال سائر الناس في الرجوع إلى أهل الخبرة، فإنّ من يريد علاج مرضه يرجع إلى الطبيب، ومن يريد البناء يرجع إلى المهندس، ومن يريد السفر يرجع إلى السائق، وهكذا، فإنّه يرجع إليهم حتّى وإن شك في انجاز مهمّته وتحقيق هدفه، بعد علمه بأن كلاً من هؤلاء من أهل الخبرة في فنّه ومهنته، وإذا أخطأ أحدهم فإنه لا يلام من رجع إليهم مِن قبل العقلاء.

وعليه: فالشريعة الإسلامية في هذا المجال انما هي كسائر الشرائع الإلهية، أو البشرية، لم تنتهج غير الطريقة العقلائية، فقد قال سبحانه: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(1) وقال تعالى: (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم)(2) ـ وذلك حسب دليل الإقتضاء على ما ذكروه في الاُصول ـ.

مبادىء العدالة

واما مباديء العدالة: فقد قالوا في تعريفها: بانه كلما لم يكن هناك في مجال الترافع نصّ صريح ولا عرف، فالقاضي يأخذ بقواعد العدالة، اي: بالمثل الرفعية التي يقرّها العقل السليم ويوصي بها الإنصاف.

وأنت ترى عدم تمامية ذلك فأيّ مكان لم يكن فيه دليل شرعي عام أو خاص؟ ويكفيك مراجعة كتاب القضاء من الفقه، لترى انه لم يوجد هناك حتى مسألة واحدة لم يتعرض الكتاب الكريم أوالسنّة المطهّرة إلى حلها، ولذا فان قضاة المسلمين كانوا ولا يزالون منذ اربعة عشر قرناً يحكمون بهما عند الشيعة، وبزيادة مثل القياس والإستحسان والمصالح المرسلة عند العامة.

وعليه: فإن أراد القائلون بمباديء العدالة: الثلاثة الاخيرة من القياس والإستحسان والمصالح المرسلة، فليس ذلك الا من تغيير الإسم، وان ارادوا غيرها فما هو الشيء الذي لم يوجد في الكتاب والسنّة حلاّ له حتى احتيج في حلّه إلى مباديء العدالة؟.

نعم، هناك في الفقه قاعدة (العدل والإنصاف) والعدالة غير الإنصاف.

إذ الأول: اعطاء كل شيء حقه.

والثاني: التنصيف، وفي الروايات (انصاف الناس من نفسك)(3) اي: اجعل نصفاً لك ونصفاً لهم، لا ان الكل لك، وهو عبارة اُخرى عن (احب لغيرك ما تحب لنفسك)(4).

مثلاً: إذا اختلف اثنان في دار، فادّعاها كل منهما ولم يكن مع احدهما بينة ولا حلف ولا ما اشبه، فان الدار تنصّف بينهما، وهكذا غير الدار من الماليات، وقد وجدت ثلاث عشرة رواية في صغريات هذا القاعدة يستكشف منها كليّ القاعدة، وذلك من باب الإنتقال من الجزئي إلى الكلّي، كما ذكرناه في الفقه.

واما إذا كان الإختلاف في دار يدّعيها كل من الولد والبنت ملكاً بإرثهما عن ابيهما ولم يكن مع احدهما دليل، فالمورد من قاعدة العدل، وذلك بأن نعطي للبنت حصة وللولد حصتين، لدليل الارث القائل:

(للذكر مثل حظ الاُنثيين)(5).

وعليه: فجعل مباديء العدالة من مصادر القانون لا موقع له بالنسبة إلى بلاد الإسلام التي لها كتاب وسنة.

القانون وموارد النزاع

كل من المفتي والقاضي عليه أن يتحرّى كل الأدلة المحتملة الإنطباق على (الكلي) الذي يراد استنباطه بالنسبة إلى المفتي، وعلى (الجزئي) المتنازع فيه الذي يراد كشف الحق من تلك الكليات التي وضعها الفقيه بالنسبة إلى القاضي حتّى يحكم عليه.

مثلاً: لو ادّعى جيل عاشر على أولاد الجيل العاشر: ان الدار، أو البستان، أو الدكان، أو الحمّام، أو ما أشبه ذلك، هو ملك لجدّهم كان في يد جدّ المدعى عليه أمانة أو إجارة أو عارية أو ما أشبه، وقد تحقّق انه كذلك قبل مائتي سنة بورقة أو نحوها، فهل الحقّ مع المدعي، أو مع المدعى عليه؟

على الفقيه أن يتحرّى بين الإثبات السابق الذي يقتضي أن يكون الملك للمدّعي، وبين تقادم العهد حيث يقتضي أن يكون الحق مع المدعى عليه، لتعارف ان الأجيال لا تحتفظ بالأوراق المثبتة لانتقال الحق اليهم، ولو كان الحق مع المدعي لبطل كثير من الأملاك التي في أيدي ورثة المدعى عليهم، وبهذه الملاحظات يضع الفقيه الفتوى في ان الحق (كلّياً) مع أيّهما.

وهكذا لو كان المدعي يدّعي: ان آبائه وقفوا المنزل الذي بيد المدّعى عليه قبل مائتي سنة، وهو الآن وقف فلابدّ أن يرجع إلى ما هو عليه من الوقف، والمدعى عليه الذي في يده المنزل بعنوان الملك يقول: انه رآه في أيدي آبائه يتعاملون معه معاملة الملك، مما يدل على انه بيع بمبرّر شرعي فهو ملكهم، فإذا أراد الفقيه وضع القانون، فعليه أن يلاحظ كل هذه الجهات.

كما ان في المسألة الجزئية المتنازع عليها في المثالين على القاضي أن يلاحظ كل تلك الملاحظات المتقدمة لإعطاء الحق لهذا أو ذاك.

مثال آخر (الكيف والكم)

ومثال آخر في وضع القانون بالنسبة للفقيه، أو تطبيق أيّ من القوانين على مورد النزاع بالنسبة للقاضي هو: ما إذا ثقلت السفينة بركّابها لتهيّج البحر، ممّا اضطرّ إلى إلقاء بعض ركّاب السفينة بما يعدل مائة كيلو ـ مثلاً ـ في البحر، فإذا كان هناك نفران يساوي وزنهما معاً مائة كيلو، ونفر واحد يساوي وزنه مائة كيلو، فإنه لا إشكال في القاء الثاني لأنه اتلاف أقل.

وأما إذا تعارض الكمّ والكيف، بأن كان الثاني عبقريّاً لامعاً ينفع الإجتماع، والنفران شخصين عاديين فهل يقدّم الكم أو الكيف؟ احتمالان:

تقديم الكم ـ في الإلقاء ـ لأهمية الكيف.

وتقديم الكيف ـ في الإلقاء ـ لأن النفسين أكثر احتراماً عند اللّه من نفس واحدة، وإن كان ذلك الواحد عبقرياً لامعاً.

فعلى الفقيه أن يلاحظ الأمرين في وضعه الفتوى، كما ان على القاضي الحاضر في السفينة أن يلاحظ في التطبيق أحد الوجهين في إلقاء هذا الجانب أو ذاك الجانب.

مثال ثالث

ومثال ثالث: في المخمصة أو فيما ضلّت القافلة في الصحراء، ممّا اضطرّوا إلى أكل أمواتهم لبقاء حياتهم، كما حدث ذلك قبل مدّة على أثر سقوط طائرة في جبال بعيدة، حيث تحطّمت الطائرة بسقوطها ومات جماعة وبقي آخرون، وتوقّف بقاء حياة الباقين على أكل أمواتهم، لعدم وجود ما يأكلونه غير ذلك، ثم عثروا عليهم وبهم رمق وذلك بعد اثنين وسبعين يوماً، فإذا كان بالنسبة إلى مثل هؤلاء ميّتان: ميّت قريباً من أحدهم وميّت لا قريب له بينهم، فتنازعوا في أكل أحد الميّتين، القريب يمنع من أكل قريبه، والآخرون يريدون أكله، مع العلم بأن أكل أحدهما يحفظهم جميعاً من الموت ويكفيهم عن أكل الآخر، فالفقيه في مثل هذه الصورة ـ وضعاً للقانون ـ والقاضي تطبيقاً للجزئي، هل يقدّم حق القريب بمقتضى: (اولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه)(6) أو لا يقدّم حقّه؟ لأنّ الحق ينصرف عن مثل ذلك، أو يقول بالتفصيل بين القريب الوارث فله الحق، وبين غير الوارث فلا حق له حيث ان مثله لا يرث؟

ولنفرض مثل هذه المسألة فيما لو ماتت الحيوانات، وكان بعضها لمالك حاضر، وبعضها لا مالك لها حاضراً، أو لا مالك لها إطلاقاً وأراد المضطرّون أكل ذلك البعض الذي له مالك حاضر ـ مثلاً ـ لأنه شاة، وغيره حمار ويكره أكل لحم الحمار، فهل يقدّم حق المالك الحاضر أم لا؟ فالكلام نفس الكلام.

مثال رابع

ومثال رابع: فيما لو سرق أو زنى انسان أربع مرّات وحدّ في كل مرّة فإنه يقتل في الرابعة، فلو فرض ان غير بالغ فعل كذلك وأدّب كل مرّة، فماذا يُفعل به في الرابعة هل يؤدّب أيضاً، لأنّ قلم التكليف مرفوع عنه، أو انه يعدّ مفسداً وخاصة إذا عاد خامسة وسادسة، وخصوصاً إذا كان سبب افتضاض الفتيات واغتصابهنّ، وقتل الناس الأبرياء، وإحراق الممتلكات، والأموال العظيمة، وما أشبه ذلك، أو يسجن حتى يتوب ويكف عن مفاسده، أو حتى يصل سنّ البلوغ والتكليف حيث يكون للفقيه وكذلك القاضي ـ فتوىً وتطبيقاً ـ الحجّة في جعل العقاب عليه إن فعل المنكر بعد ذلك وعاد إليه.

إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي تكون مورداً للأدلة المختلفة ممّا تؤدّي إلى تحيّر القاضي والفقيه في الفتوى والتطبيق بين تلك الأدلة.

ولنفرض ان القاضي لم يكن مجتهداً واضطرّ إلى القضاء بدون امكان وصوله إلى المجتهد، وقد حدث له ما لم يكن مدوّناً في الكتب، أو لم يجد كتاباً مدوّناً فيه، فهل يسترشد عقله ويقضي بما أشار عليه عقله، أم لا يجوز له أن يقضي بذلك، لأن القاضي بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، وهذا الكلي في الشريعة لا يعلم مدى استثناءاته؟

مثلاً: لو سُجن قاض مع شابين ـ كما حدث مثل ذلك في سجون صدّام ـ ووجّه الضابط البعثي الأمر إلى الشابّين بأن يلوط كل واحد منهما بالآخر، وإلاّ جلدهما، أو عذبهما بما لا يطيقان، واحتمل الشابان القتل، أو نقص العضو، أو ما أشبه ذلك إذا لم يفعلا ما أمرهم، ـ كما قطع الضابط البعثي عضو الشابّين حيث لم يرضخا لأمره ـ فاستشارا القاضي المسجون معهما، فهل يفتي القاضي بالجواز، لأنه يراه أسهل الأمرين بالنسبة إليهما، أو يفتي بتحمّل القطع أو القتل أو التعذيب، لشدّة حرمة اللواط، وما ورد في حدّه من القتل بإحدى الكيفيّات الستّة؟

قال بعض ـ في مثل ذلك ـ: انه يسترشد عقله، لأنه حجة منفردة إذا لم يجد غيره من الكتاب والسنّة والإجماع.

وقال آخرون: كلاّ، بل يسترشد في مثل ذلك النص المتقدّم من كلي الحرمة.

ويأتي هذا الكلام نفسه في الفقيه إذا فرض انه كان سجيناً معهما.

كما يأتي فيما إذا كان أحد السجينين ولداً والآخر بنتاً، فأمره الضابط بالزنا معها.

وكذلك يأتي هذا الكلام فيما إذا فرض وجود الشابّين فقط بدون قاض أو فقيه معهما في السجن وهما متديّنان، وتردّد أمرهما بين الإسترشاد بالعقل، أو ما ذكر من شدّة حرمة اللواط والزنا.

تنازع القانون والقضاء

لو تنازع القانون «الفتوى» والقضاء، فأيّهما المقدّم؟ فيه خلاف بين أصحاب القوانين العالميّة ـ في العصر الحاضر ـ حيث انّهم قد افترقوا على قولين:

فمنهم من يقول: بتقدُّم الأول، لأنّ شأن القاضي: الحكم على طبق الفتوى «السلطة التشريعية» لا أن يشرّع، ولو حق له التشريع كان معناه: التداخل بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية، وذلك يوجب ذهاب حقوق الناس، كما في الحكومات الدكتاتورية.

ومنهم من يقول: بتقدّم الثاني، إذ الفتوى أعمى والقضاء بصير، ان القضاء يرى الملابسات، فإذا تقيّد بالفتوى كان معناه: عدم تمكّنه من إجراء العدالة التي من أجلها جعل القضاء، فمثلهما مثل من درس الطبّ، ومن باشر الطب، فإنّ الثاني هو الحقيق في الأخذ بقوله، وفي المثل القديم: «دع الطبيب واسأل المجرّبا».

لكن مقتضى القاعدة ـ بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية ـ انه لو كان القاضي غير مجتهد ـ وقلنا بصحّة ذلك كما نراه ـ فعليه أن يتبع الفتوى، إمّا فتوى مجتهده، أو فتوى المتنازعين، أو الراجع إليه في وقف وثلث ووصيّة وما أشبه ـ على تفصيل ذكر في الفقه ـ.

وإن كان مجتهداً، لم يحقّ له اتباع الفتوى، بل يلزم عليه اتباع نظره، لأنه كيف يترك نظره الذي استنبطه من الأدلة إلى رأي يراه غير تام؟ قال سبحانه: (لتحكم بين الناس بما أراك اللّه)(7).

لا يقال: انه إذن يكون من التداخل بين السلطتين التشريعية والقضائية؟

لأنه يقال: فليكن ذلك فما هو المحذور؟

لا يقال: يلزم عدم استقامة القضاء؟

لأنه يقال: أليس القضاة المتعدّدون، الذين يختلفون في خصوصيات نزاع واحد، يلزمهم عدم استقامة القضاء؟

والحل: ان عدم الإستقامة بهذا المقدار كائن لا محالة وغير ضارّ.

سوابق القضاء

أمّا سوابق القضاء: فهو عبارة عن ان المحكمة يجب ان تلتزم بقراراتها، وانها لا تملك الخروج عن المبدء القانوني الذي قرّرته في قضية معيّنة عندما تحدث قضية مماثلة.

وأنت ترى مدى بُعد هذا عن مبدء القانون، فانه يستشكل عليه: بانّه إذا كان الذي حكم به اولاً موجوداً في الشريعة فلا حاجة إلى سوابق القضاء، وان لم يكن موجوداً في الشريعة ـ وهو مجرد فرض بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية ـ فأيّ دليل على الإلتزام بذلك، إذا كان القاضي يرى الأصوب بعد ذلك في قضية ثانية.

القضاة

واما القضاة: فقد التقيت عن كثب بجملة منهم وتحدثت معهم، فرأيت ان سطح معلوماتهم لا يعدو الابتدائية، وان بعضهم قد شفع لهم هندامهم الجميل وهيكلهم الجسيم ـ حيث ان للهيكل قسطاً من الثمن ـ فقد جائني احدهم وكان ممن زاده اللّه بسطة في الجسم، فاحترمته احتراماً لائقاً، وبعد أن استقرّ به المجلس التفت إليّ قائلاً جئتك اسألك عن كيفية عقد النكاح؟

تعجّبت وقلت له: ان عقد النكاح لا اختلاف فيه.

قال: ومع ذلك، فكتبت له صيغة العقد وقدمت الكتاب إليه.

فقال: اني لا اعرف القرائة فقل لي لفظاً.

استغربت كثيراً، وقلت له: اذن فكيف كنت تعقد إلى الآن؟

فقال: كنت اقول للزوج هل انت راض؟ ثمّ التفت إلى الزوجة واقول لها: هل انت راضية؟ فإذا اظهرا رضاهما، اعطيت يد احدهما إلى الآخر وقلت للنساء المرافقات لهما: أن يهلهلن، وبذلك يتم العقد وينتهي كل شيء.

ولا عجب من ذلك، فانه لا توقـّع ان يكون قاضـي بغداد ـ في زمـن البعث ـ خيراً من هذا؟ ولي بهذا الصدد قصص كثيرة لا يناسب نقلها في هذا الكتاب.

ثمّ بعد ذلك كله هل يعقل للشعب ان يثق بالحكومة حتى يطيعها في أوامرها ويحترم قوانينها؟

نعم ان الديكتاتورية لا تأتي بأفضل من هؤلاء، الا إذا انهدمت قواعد العلة والمعلول، والسبب والمسبب، والمسانخة بين الامرين فيصدر الماء الحرارة، والنار التبريد.

علم القاضي بالخطأ

أما إذا علم القاضي بالخطأ، فمن العلماء مَن قال: بأنه لا يحق للقاضي أيضاً البحث والمناقشة، لأن ذلك يؤدّي إلى الفوضى في التطبيق.

ومنهم من قال: بأنه يحق للقاضي المناقشة وعدم تطبيق القانون، لأن القانون انما وضع لأجل الأهداف النبيلة واعطاء كل ذي حقّ حقّه، ومع علم القاضي بأن القانون غير تام ـ وإن وَضَعَه مثلاً شورى الفقهاء ـ فكيف يتمكّن من تطبيقه؟

مثلاً: إذا قال القانون: «البيّنة على المدّعي»(8) وجعل للبيّنة مواصفات: كالعلم بالمشهود عليه، والعدالة، والضبط، وتوافق الشاهدين في الأداء، لكن القاضي رآى ـ مثلاً ـ ان البيّنة في هذا المورد قد اشتبهت، ممّا معناه: الشك في اطلاق القانون وعدم لزوم العمل بهذه البيّنة، فهل له مع ذلك أن يأخذ بإطلاق القانون، أو عليه أن يبحث في سلامة «الإطلاق» لأنه مقتضى فلسفة القانون؟

ويلحق بهذا البحث بحث آخر يشبهه، وهو: ان المفتي لو علم ان المستفتي سوف يجعل فتواه ذريعة لباطل ـ لا انه يقصد الباطل، بل يزعم ان المورد الفلاني من مصداق الفتوى ـ ففي هذه الصورة هل يجوز له الفتوى، أو يلزم عليه أن لا يفتي؟

مثلاً: إذ علم المفتي بأن (هنداً) تدّعي انها بلا زوج، كذباً أو جهلاً، وجاء انسان يريد الزواج منها فسأل المفتي: هل المرأة ـ على نحو الكلي ـ تُصدَّق فيما إذا ادّعت انه لا زوج لها، أم لا؟

فهل يجوز للمفتي أن يقول: نعم، تُصدَّق، ممّا يعلم انه استناداً إلى فتواه سيتزوّج منها، أو يجب عليه أن لا يفتي؟

ونحوه ما لو سأله ـ على نحو الجزئي ـ بأن قال: هند تقول: لا زوج لي، فهل تصدَّق في دعواها أو لا تُصدَّق؟

قال بعضهم: نعم يفتي، لأنه لا إشكال في صحّة الفتوى، أما ان المستفتي يطبّقه غلطاً فهذا ممّا لا ربط له بالمفتي، إذ لا يزيد الجواب على كتابة المفتي هذه الفتوى في رسالته العملية المتداولة في أيدي الناس، فإنّ من يجعل الحق ذريعة إلى الباطل لا يضر بمن قال الحق، سواء فعل المتذرع فعله ذلك عمداً أم خطاءاً؟

وقال آخرون: لا يفتي، لأنه من التعاون على الإثم، خصوصاً إذا كان له أهمية: كالقتل، والزواج بذات البعل، وما أشبه ذلك.

وربما يفصّل في الأمر: بين ما يفعل المستفتي أو طرفه الإثم عمداً، فلا يجوز، كما إذا علم المستفتي بأن هنداً حرام عليه، أو لا يعلم هو وانما تعلم هند الحرمة، حيث ان فاعل الحرام يستند إلى هذه الفتوى، وبين ما لا يكون هناك اثم عمدي، فيجوز.

وربما يفصّل بتفصيل آخر، وهو: التفصيل بين الاُمور المهمّة كالقتل حيث ان فتواه يكون مستنداً لإراقة دم محترم فلا يجوز، وبين الاُمور غير المهمّة، فيجوز.

وقد كان القصد من هذا البحث الإلماع، لا الفتوى على وفق أحد الطرفين، فإنّ ذلك مربوط بالفقه.

كيفية الفصل بين المسلمين وغيرهم في بلاد الإسلام

و فيه أمران:

الأمر الأوّل: حال غير المسلمين في بلاد الإسلام.

الأمر الثاني: حال المسلم وغير المسلم في المعاملات ونحوها.

أمّا الأوّل: فالقوانين العامة لبلاد الإسلام يجب على الكل مراعاتها كقوانين التجارة، والمرور، والصحّة، والنجدة، وما أشبه، نعم عليهم الجزية لا الزكاة والخمس ـ كما ذكرناه في الفقه ـ.

وأما القوانين الخاصّة بالمسلمين فهم لا يُلزمون بها ويعفون عنها، وانما يُلزمون بما التزموا به من الاُمور التي تحلّ لهم وإن كانت محرّمة عندنا، وكذا في مثل النكاح والطلاق والإرث والرضاع وما أشبه.

وأما في منازعاتهم فيتخيّرون بين أن يرجعوا إلى قُضاتهم أو قضاتنا، فإذا رجعوا إلى قضاتنا فهم مخيّرون بين القضاء حسب أحكامهم، أو القضاء حسب أحكامنا.

نعم لا يجوز لهم اظهار المناكير، كما قرّر في كتاب الجهاد.

وقد تقدّم: الإلماع إلى انا نرى انه لا فرق بين أقسام غير المسلمين، وذلك خلافاً للمشهور الذين يفرقون بين أهل الكتاب وغيرهم، واستدللنا لنظرنا في بعض الكتب الفقهية بالأدلة الأربعة، وقلنا: بأنه لا فرق بين أن يكون غير أهل الكتاب مثل عبّاد النار أو البقر أو غير ذلك.

وأما الثاني: ففي منازعات المسلمين وغير المسلمين، يراجعون قضاة المسلمين، فإن كان الحق لغير المسلم أعطى القاضي الحق له (ولا يجرمنَّكم شنآن قوم على ألاّ تعدِلوا، إعدلوا هو أقرب للتقوى)(9) وإن كان الحق مع المسلم أعطى الحق للمسلم.

هذا إن لم تكن المسألة خلافية بين المترافعين، وأما إن كانت المسألة خلافية بينهم، كما في الزواج حيث يرى المسلم التزوّج بأربع زوجات، والكتابي لا يرى الزواج بأكثر من واحدة مثلاً، فإذا تزوّج المسلم الكتابية من دون علمها بأنه متزوّج غيرها، ثم عرفت انه متزوّج بغيرها أيضاً، فالحكم يكون للمسلم، لأن «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه»(10).

هذا فيما إذا كان قانون الإلزام يعطي الحق لغير المسلم في المسألة الإختلافية، وأما إذا كان قانون الإلزام يعطي الحق فيها للمسلم، فالحكم فيها للمسلم واضح، لأنّ غير المسلم راض بالحكم على طبق الإلزام ـ الذي معناه: الحكم على ما يقتضيه دينه ـ.

ومنه يعلم: الكلام في باب القضاء، والشهادات، والحدود، والديات، والقصاص، وما أشبه ذلك.

القضاء والشهادات

أمّا القضاء والشهادات: فيصح بالنسبة لهم على أنفسهم، بما يعتبرونه من الشرائط ـ في القاضي والشاهد ـ من باب قانون الإلزام.

نعم لا يصح أن يكون لهم قاض علينا، أما هل يصح أن يكون لهم شاهد علينا؟ فإن أورث القاضي العلم ولو باستخراج الحق من الشواهد، عمل بعلمه ـ بشرط أن لا يكون ممّا لا مجال لعلم القاضي فيه، كالزنا، على ما سبق الإلماع إليه ـ وإن لم يورث العلم لا يمكن الحكم على طبق اُولئك الشهود.

الحدود

وأمّا الحدود: فلا تجري عليهم فيما لا حرمة له عندهم، مثل شرب الخمر، وقذف بعضهم بعضاً ـ لكن ليس لهم التجاهر بها ـ وإذا كان فيه الحدّ عندهم فقط، صحّ للقاضي أن يحدّه بما عندهم للإلزام، وأما إذا كان فيه الحدّ، عندهم وعندنا معاً، فإنه إذا تساوى الحدّان اُجري عليهم، وإذا لم يتساو صحّ للقاضي أن يأخذ بالحدّ عندهم من باب قانون الإلزام.

الديات

وأما الديات: فهي نافذة بالنسبة إلى بعضهم البعض ـ فيما يرونه من كيفية الدية وكمّيتها ـ أما إذا قتل غير مسلم مسلماً، فإنّا نأخذ منه الدية التي عندنا، إلاّ إذا كانت الدية عنده أكثر فإنه يصح الأخذ بالأكثر من باب قانون الإلزام.

وأما القصاص: فهو بالنسبة إلى بعضهم البعض ينفذ حسب آرائهم، كما ينفذ القصاص للمسلم من غير المسلم، إذا طلب المسلم القصاص.

ثم ان ما ذكرناه انما هو من باب الإلماع إلى مثل هذه القوانين، وإلاّ فالأمر بحاجة إلى تفصيل في كلّ باب باب، حتّى لعلّه يحتاج إلى مجلّدات، ومن يريد كتابة مثل هذا الكتاب فإنه بحاجة إلى ملاحظة أحوال لبنان والهند وما أشبههما، حتّى يكون ما يكتبه طبقاً لشريعة الإسلام مع ملاحظة قوانين الإلزام ونحوها، وذلك بعد أن لمسها عملياً، فيما يجري في محاكمهما وما يفعله قضاة المسلمين هناك في صورة ترافع غير المسلمين اليهم سواء كان المترافعان كلاهما غير مسلمين، أم أحدهما مسلماً؟

القانون وملكية الحقوق

هل للملكية الأدبية والفنية والصناعية والزراعية وملكية أن يملك، أثر في الشريعة الإسلامية؟

الظاهر: نعم له أثر في كل ذلك، ويدل عليه إطلاق الروايات الواردة في أنّ حقوق المسلمين لا تبطل(11) وقد وجدت ثلاث روايات بمثل هذا اللفظ بين لفظ: «حق» و«حقوق» فما عدّه العرف حقّاً يترتّب عليه الملك المذكور، فالصيّاد ـ مثلاً ـ الذي يصيد كل يوم من المباح: كالبحر أو الغابة صيداً، لو باع حقّه هذا لغيره، صحّ البيع لأنه من ملك أن يملك، فهو حقّه، وقد ألمعنا إلى ذلك في كتاب الغصب(12).

وعليه: فلو جاء انسان بزهرة أو ثمرة من بلاد بعيدة، وحصر الحق في زرعه لنفسه، ورآه العرف حقّاً له، لم يحق لغيره أن يزرع مثله ـ فيما إذا أخذها منه ـ بأن اشترى منه ـ مثلاً ـ زهرة منها وكانت تلك الزهرة بحيث إذا زرعت نبتت.

وهكذا لو اخترع شيئاً، أو ابتكر صناعة وجعل الحقّ لنفسه، فلا يحقّ لغيره أن يسرق الكيفية ويصنع مثل ذلك لنفسه.

وكذا في الحق الفني، مثل أن يبتكر فنّاً يوجب الجمال أو نحوه في صنعة أو ما أشبه، ويجعل الحق لنفسه.

وهكذا في الحق الأدبي، مثل أن يبتدع اسلوباً جديداً في القراءة ـ غير الغناء طبعاً ـ أو في الاختزال، أو في التأليف، أو ما أشبه ذلك.

لو اختلف العرف

هذا ولو اختلف العرف في انه حق أو ليس بحق ولم تكن أكثرية، فالأصل: عدم الحق، لأنه شيء جديد لا يعلم به.

وكل من الفقيه المبيّن للأحكام الكلية، والقاضي المطبق للكليات الفقهية على الموارد الجزئية، يتقيّد بالحق إذا كان، وإذا لم يكن فلا تقييد.

ولو اختلفت البلاد في رؤيته حقّاً أم لا، فلكل بلد حكمه، كما قالوا بمثل ذلك في المكيل والموزون والمعدود بالنسبة إلى الربا ونحوه.

ولو كان بين بلدين مختلفين، بأن كان في طريق متوسّط بينهما وأراد التعامل، فالأصل عدم الحق، كما ان الأصل عدم الحرمة.

القانون وتبعات الآخرين

لا يتحمّل انسان تبعة إنسان آخر، فكلّ انسان وعمله، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ، قال سبحانه: (وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى)(13).

وقال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر اُخرى)(14) إلاّ في بعض الموارد القليلة المنصوصة من الشارع، كالعاقلة، حيث انّ: «عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة»(15) وكحرمة الزوجة على الزوج فيما إذا ارضعت اُمّ الزوجة ولد بنتها، حيث تحرم الزوجة في هذه الصورة على زوجها لقاعدة: «لا ينكح أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن»(16) وإن كان كلّ من الزوجين لا يعلم بالرضاع، وكحرمة الزواج لبعض النساء من الرجل المعيّن، فالذي ارتكب الخلاف إمّا عمداً، فيكون آثماً، أو بلا عمد فلا يكون آثما.

فمن الأوّل: لو زنى بالعمّة والخالة عالماً عامداً حرمت عليه بنتهما، وإن لم تكن البنت هي بنفسها فاعلة لحرام، بل هو الفاعل للحرام.

ومن الثاني: ما لو زعم انها غير متزوّجة فتزوّج بها ودخل، فإن بنتها واُمها تحرمان عليه مع انه لم يفعل حراماً بل شبهة، وذلك لأنّ الشبهة كالنكاح الصحيح في الأحكام، فيشملهما: (واُمّهات نسائكم)(17) و:(ربائبكم اللاّتي في حجوركم من نسائكم اللاّتي دخلتم بهنّ)(18).

نعم، اُم المرأة تحرم على الرجل بمجرّد العقد على بنتها، ونحن لا نقصد هنا ذكر المسائل الفقهية، وانما أردنا الإلماع إلى بعض موارد الإستثناء.

أمّا فيما عدا موارد الإستثناء المنصوصة شرعاً ـ وإن كان لكلّ أيضاً فلسفة عقلية ـ فلا يتحمّل انسان تبعة انسان آخر، حتّى وإن كان السبب البعيد هو هذا الإنسان ـ صاحب العمل مثلاً ـ الذي يُحْتمل تحمّله للتبعة، بل قال به بعض القوانين الوضعية.

مثلاً: لو عمل انسان أجيراً في حفر بئر، أو في بناء، أو في معمل، أو ما أشبه ذلك، فأصابه العطب من قبل نفسه، لأنه ـ مثلاً ـ لم يُتْقن الإحتياط في الدخول في البئر، أو الوقوف على الجسر للبناء، فسقط ومات، أو تلف عضو منه، أو قطعت يده بسبب الآلة الكهربائية التي لم يراع الإحتياط فيها، فإنّ المالك في مثلها لا يتحمّل التبعة، نعم على بيت المال إذا كان فقيراً تحمّل علاجه وما أشبه، كنفقة عائلته الفقيرة ـ بعد موته ـ.

أما بعض القوانين الوضعيّة التي تقول بالتبعية لقاعدة: «الغرم بالغنم» أو قاعدة: «الخراج بالضمان»(19) فلا وجه له.

إذ الأول: ليس عقلائياً ولا شرعياً.

والثاني: وإن روي بسند ضعيف، إلاّ انه لا ينطبق في المقام.

نعم، إذا كان المالك سبباً للضمان، كما ذكروا في سقوط الحائط الخراب على انسان فقتله، أو الميزاب كذلك، كان ضامناً، لأن المالك هو السبب، فيما إذا لم يتعمّد العامل الإقتحام فيه، بأن عَلِم الخراب أو احتمل عقلائياً ومع ذلك لم يعتن به، فإنه إن كان كذلك لم يضمن المالك، لأنّ المباشر حينئذٍ أقوى.

القانون وتحرّي الحقيقة

هل اللازم بقاء المحكمة على مثل الحكم السابق في قضية مشابهة ـ وإن ثبت عدم صحّة الحكم السابق في القضية السابقة ـ حتّى تكون السوابق القضائية حجّة على اللواحق، أو اللزام تحرّي الحقيقة في كل قضية قضية، وإن حكمت في قضية ثانية خلاف القضية الاُولى عموماً وخصوصاً على نحو المطلق، أو من وجه، أو تبايناً؟

هناك نظريّتان في القوانين العالمية حسب ما يلي:

فمن قائل بالأول، وذلك لبقاء هيبة القضاء، ودوام الثقة بالقاضي والمحكمة، وتيسّر الدراسة لمن يريد الشكوى، فإذا جاز للمحكمة أن تحكم بشكل آخر حسب نظرها الثاني في قضية مشابهة، لم يحصل استقرار في الأحكام ولا يطمئنّ الناس إلى حقوقهم، ولا يأمنون على مصائرهم.

ومن قائل بالثاني، وذلك لأن المعتبر في القضاء تحرّي الحق، وتطبيق العدل، فإذا ظهر للقاضي في قضية مشابهة: ان قضائه الأول كان على خلاف العدالة، لم يحق له أن يستمرّ في الحكم بذلك الشكل فالحق أحقّ أن يتّبع.

وقبل أن نتكلّم عمّا يستفاد من نظر الإسلام حول الرأيين المذكورين، نقول: هل للقاضي أن يبطل حكمه الأول إذا ظهر له انه قد أخطأ فيه، ويحكم بحكم ثان أم لا؟ الظاهر انه على قسمين:

الأوّل: له ذلك فيما إذا علم بخطأه علماً وجدانياً، كما إذا حكم على هند المتنازع عليها بين رجلين: بأنّها زوجة الأوّل، ثم ظهر له انها زوجة الثاني قطعاً، فإن اللازم عليه أن يبطل حكمه الأوّل ويحكم بأنها للثاني، فتنفصل من الأول وتعتدّ، ثم بعد العدّة من وطي الشبهة ترجع إلى الثاني، وإذا كان هناك تلف مال أو نحوه، تداركه من بيت المال، كما ورد من: «ان خطاء القضاة في بيت المال».

بل إذا علم المحكوم له بالخطأ، وجب عليه التدارُك، كما يأتي في رواية منقولة عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم.

الثاني: ليس له ذلك فيما إذا علم بخطأه اجتهاداً، وذلك بأن اجتهد اجتهاداً ثانياً فبان له خطأ الأوّل، فإنه لم يستبعد أن لا يحقّ له ابطال الأول، وانما يحكم طبق اجتهاده الثاني في القضايا الآتية، كما إذا حكم حسب اجتهاده بحليَّة عشر رضعات، فتزوّجت بسبب قضائه ذلك نساء، ثم اجتهد ثانياً بالحرمة، فإنه لا يستبعد بقاء حكمه السابق على حاله، نعم في المستقبل يقضي بما رآه ثانياً، وكذلك يكون حال الفتوى.

أما انه يحق له الإبطال في القضاء المخالف علميّاً: فلأن العلم لا يدع مجالاً لغيره، إذ العلم حجّة بذاته كما تقدّم، ولا دليل على حجية خطأه بعد العلم بالخطأ.

وأما انه لا يحقّ له الإبطال في القضاء المخالف اجتهاداً: فلما قاله الفصول: من ان القضية الواحدة لا تتحمّل اجتهادين، ولعلّ مراده من ذلك: ان الشارع جعل رأيه السابق حجّة، ولا دليل في اقتصار الحجية على زمان عدم تبدّل رأيه، فإن الطريقة العقلائية بقاء الحجيّة، ولم يعلم ان الشارع غيّره، بل نجد ان سيرة المراجع والقضاة عـــلى عدم ابــــطال أعمال الـــناس السابقة، فـــهو إذن من طـــريق المؤمنين، قال سبحانه: (ويتبّع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وسائت مصيراً)(20).

هذا بالنسبة إلى القضية السابقة، أما القضية اللاحقة: فاللازم أن يحكم حسب رأيه الجديد ـ سواء كان علماً، أم اجتهاداً بموازينه ـ وذلك لِلُزوم تحرّي العدالة.

وما ذكر وجهاً للبقاء على الحكم السابق في قضية لاحقة وإن ثبت عدم صحّة السابق، فإنه لا يعدو أن يكون استحساناً لا يقاوم الحق الذي وضع لأجله القضاء، قال سبحانه: (لتحكم بين الناس بما أراك اللّه)(21).

نعم، في دائرة صلاحية الحاكم، يحقّ له أن لا يلتزم بما حكم أوّلاً، لفرض انه فُوِّض إليه التطبيق من حيث الكم (الأقل والأكثر) ـ مثلاً ـ كما إذا جيء بساب، فعَزَّره بخمسة، ثم جيء بسابٍ ثانٍِ مشابه للأوّل، حقّ له أن يعزّره بسبعة أو ثلاثة ـ مثلاً ـ.

وكذلك الحال في دائرة الأيتام والوصايا والأوقاف والأثلاث وما أشبه ذلك، فإذا كان بيده أرض وقف، أعطاه الواقف صلاحية أن يؤجرها كما يشاء، حق له أن يوجر قسماً منها كل سنة بمائة، وقسماً آخر مشابهاً له بخمسين، أو مائة وخمسين، حاله حال ملكه.

هذا ولو كان الإختلاف اعتباطاً وتشهّياً، لا لمزية في الأزيد أو نقيصة في الأقلّ، فالأصل هو المستثنى منه، والإستثناء يحتاج إلى مبرّر.

ولعلّ ما ذكرناه ـ: من انّ اختلاف الرأي لا يوجب ابطال الأول ـ هو السرّ في ان مثل شيخ الطائفة والعلاّمة ـ ومن إليهما ـ قدّس اللّه أسرارهم جميعاً، كانوا يتركون الفتوى السابقة واللاحقة على حالهما وإن كان بينهما تباين، بله ما إذا كان بينهما من وجه أو مطلق.

نعم لا اشكال في ان القضايا السابقة ـ تدوينها بخصوصياتها ـ لها أهمية متزايدة في بلورة الموضوعات، وجزئياتها، وفي كيفية الإستدلال لأحكامها بالأدلة الأربعة، وفي استقرار قرائن الحال والمقال المكتنفة بها، وفي المثل: «ان تنقيح الموضوع نصف الحكم».

ومن الواضح: ان هذا غير القياس الممنوع شرعاً وعقلاً، بل هذا من أجل الوصول إلى العلّة في الحكم السابق المترتّب على الموضوع في القضية السابقة، مما يوجب التعدّي إلى القضية اللاحقة بعد المشابهة في الموضوع، وهذا ما يسمّى بـ: «مستنبط العلّة» الذي هو من قبيل منصوص العلّة.

القانون وانفتاح باب الإجتهاد والقضاء

كان باب الإجتهاد منفتحاً منذ عهد الرسالة، كما كان باب القضاء كذلك، وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أقضاكم عليّ(22).

أما الإجتهاد فهو حق طبيعي لحملة كل دين أو مبدء يريد استيعاب الحياة، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استطاع في حياته رغم كيد الأعداء توسيع رقعة الإسلام من الحجاز إلى سوريا اُكيدر والخليج البحرين واليمن.

وهذا الدين الذي شمل هذه الرقعة الواسعة من الأرض في هذه المدة القليلة جدّاً، والذي يريد اللّه له شمول الأرض كلها، لابدّ وأن يكون لحملته حقّ الإجتهاد بمعنى: استفادة الجزئيات عن الكلّيات.

مثل: (أوفوا بالعقود)(23).

و: (أحلّ اللّه البيع)(24).

و: (تجارة عن تراض)(25).

و: (إذا تداينتم بدَيْن)(26).

و: (انّ النفس بالنفس)(27).

و: (فاقطعوا أيديهما)(28).

و: (خذ من أموالهم صدقة)(29).

و: (أنّ للّه خمسه)(30).

إلى كثير من أمثال ذلك، بالإضافة إلى الأحاديث التي سمعوها عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو ما عرفوه من سيرته الطاهرة.

نعم، بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالنسبة إلى العامة ـ وبعد غيبة الإمام المهدي عليه السلام بالنسبة إلى الشيعة ـ حدثت خمسة اُمور ترتبط بالإجتهاد.

الأول: (الرجال) لتنقيح السند بما يتبعه من الدراية.

الثاني: (الاُصول) لمعرفة القواعد لكلية المرتبطة بالإستنباط، مثل ان الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، وان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضدّ أم لا، ومسألة العام والخاص، والمطلق والمقيّد، وغيرها.

الثالث: الترتيب بين الأدلة، مثل ان الأدلة الإجتهادية مقدّمة رتبة على الاُصول العملية مثل البرائة: فإنها حيث لا دليل يوجب التحريم أو الوجوب، والإحتياط: فإنه في باب العلم الإجمالي، والتخيير: فإنه عند تعارض الدليلين، وما أشبه ذلك ممّا ذكر في المجلّد الثاني من الاُصول ـ حسب الاُسلوب الحديث ـ.

الرابع: تكثير الفروع ـ كما ورد الأمر بذلك عن الإمام الرضا عليه السلام - لكثرة الإبتلاء وتوسّع الاُمور، وذلك من القواعد الكلية الموجودة في الكتاب والسنّة، فيتفرّع منها الفروع الحادثة.

الخامس: تبويب الفقه لسهولة الإستخراج، بينما كانت الأحكام قبل التبويب متداخلة، كما لا يخفى ذلك على من راجع الاُصول الأربعمأة.

المسلمون والإجتهاد

وقد انقسم المسلمون بعد طول انفتاح باب الإجتهاد إلى قسمين: ـ

1 - الشيعة، وهم الذين لم يغلقوا الباب إلى اليوم، بل طوّروا الإجتهاد حسب متطلّبات الزمان، بمعنى: انهم تمكّنوا من تطبيق خصوصيات وجزئيات كل عصر ومصر على كلّيات الشريعة.

وحتى ان حكّامهم كالبويهيّين والصفويّين ومن إليهم لم يخطر ببالهم يوماً غلق باب الإجتهاد واحتكار الفتاوى لصالحهم، ولو خطر لهم هذا الفكر لم يكن علماءهم يسمحون لهم به أبداً، ولعلّ ذلك يرجع إلى اُمور:

منها: استقلالية علماء الشيعة الإقتصادية، فانهم يعيشون ويوسعون دائرة التبليغ والهداية، بسبب الحقوق الشرعية النابعة من الاُمّة، وحيث كان العالم الشيعي مرتبطاً بالاُمة مباشرة، فإنه وإن كان من أطراف الدولة، إلاّ انه كان يستغلّها لأجل الإستفادة منها في توسيع دائرة الهداية والإصلاح، لا من جهة الإحتياج إليها، ولهذا كان يقول كلمته الحاسمة، فلم تجرأ دُوَلُهُم أن تحتكر فتاواهم لصلاحها، ومن المعروف: ان الكرامة الإقتصادية توجب الكرامة السياسية والإجتماعية.

2 - السنّة، وهم الذين أغلقوا باب الإجتهاد في القرون الاُولى من ظهور الإسلام، بل بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بفترة وجيزة، فقد منع حكامهم من نقل أحاديث رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى زمن عمر بن عبد العزيز، ثمّ بعد أن مات عمر بن عبد العزيز رجع المنع كما كان إلى مدّة طويلة.

هذا بالنسبة إلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فكيف بالنسبة إلى الإجتهاد؟ كما انه مُنع من تفسير القرآن منذ زمن معاوية، وقد ثبت كلا الأمرين في متواتر التاريخ، فهل يمكن بعد ذلك أن يعيش الإجتهاد في مثل هذا الجوّ القاتم؟

وأمّا علماءهم: فبين من دخل البلاط وأفتى بما يروق السلطان وإن أراد الزواج بزوجة أبيه، ونقض العهد، وما أشبه ذلك من المحرّمات القطعيّة، وبين من اضطهد وطورد وسجن وسمّ وما أشبه، ولهذا أصاب المذهب السنّي الجمود التامّ، حتّى جاء بعض الحكّام وحصره في آراء أربعة من علمائهم.

مقارنة مع الفقه القضاء الروماني

كما أصاب مثل ذلك الجمود الفقه الروماني من قبل أيضاً، فقد كان للرومان فقهاء يستنبطون أحكامهم من الأدلة التي كانوا يعترفون بها، وأشهر فقهاء عهدهم العلمي والتحرّري كايس وبابنيان وبابنيانس والبانس وبولس وهؤلاء أيضاً أصاب بعضهم غضب السلطان لعدم الرضوخ لما يريده وللبقاء على حرّيته ولقوله بما تقتضيه أدلّتهم وإن لم يكن فيه رعاية جانب السلطان، وبعد ذلك أخذ فقههم بالجمود، وأخذ التقليد محلّ الإستنباط والإجتهاد، حتّى صدر قانون إمبراطوري يلزم فقهائهم بحصر فتاواهم في إطار هؤلاء الفقهاء الخمسة الذين ذكرنا أسمائهم، ومع اختلافهم ألزمهم التقيُّد بالأكثرية منهم، وإذا تساوت الآراء صارت الأفضلية لرأي بابنيانس، كما وقد عيّن الرومان علماء بلاط، فكان لا يحقّ لغيرهم الفتوى، وإذا أفتى غيرهم اضطهدتهم الحكومة.

ومثل ذلك تماماً حدث ابّان الحكم العثماني، حيث كان الذي يسمّونه بالخليفة يعيّن لكل بلدٍ مفتياً، وقاضياً، وكان لهما فقط، الحق في الفتوى والقضاء، وبذلك زاد الفقه وهناً على وهن، كما وتنزّل القضاء إلى أضعف ما يتصوّر من الحكم بالحق، فقد كانا يباعان ويُشتران كسائر وظائف الدولة، وكان آخر ما يلاحظ فيهما العلم والنزاهة، لأن المهم فيهما كان هو: الفتوى والقضاء حسب رأي الوالي، والوالي كان - عادة - هو الآخر من أجهل خلق اللّه سبحانه، وأكثرهم تكالباً على الحطام، وإقبالاً على الشهوات، ممّا أسفر عن هذه المأساة، التي شملت العالم الإسلامي، والتي بقي يعاني منها المسلمون منذ قرن.

ثم لما دخل شيء من الحرية بعض البلاد الإسلامية، وذلك بسبب سقوط العثمانيّين، دهم الاُمة الإسلامية بلاء آخر، فقد تبضّعت بلادهم تحت نظر حكّام لا يهمّم الإسلام اُصولاً أو فروعاً، مما ساعدت الظروف الجديدة إلى ظهور بعض المقنّنين منهم وذلك في بعض البلاد وإقدامهم على فتح باب الإجتهاد، لكن لا باب اجتهاد الفقه الإسلامي، بل الفقه الغربي والشرقي محضاً، وأعطوا الإسلام حصة الأحوال الشخصية فقط، من مثل النكاح والطلاق والحضانة وما أشبه.

لكن بعض الحكام لم يتحمّل حتّى وجود هذا المقدار من الأحكام الإسلامية، ولذلك فور وصوله إلى الحكم ألغى هذا القانون أيضاً، وأبدله بقانون الغرب مستمدّاً من فقهاء السلطة.

هذا والمعتدل من العامة في مجال التقنين هو: السنهوري الذي اقتبس الفقه وأصلحه ـ حسب نظره ـ من شيء من الإسلام، وشيء من قوانين الغرب والشرق، وانما جاء ببعض القوانين الإسلامية ـ لا لأنه من الإسلام ـ بل لأن أساتذته الفرنسيّين مدحوا بعض قوانين الإسلام.

فقد قال لَمْبير: ان ما يشير إليه الفقيه الفرنسي جني من وجوب استنباط الأحكام القانونية بطريق البحث العلمي الحرّ، هو ما سار عليه أبو حنيفة فعلاً في استنباط الأحكام الشرعية(31).

حوار مع تلميذي السنهوري

وقد التقيت تلميذين من أعاظم تلاميذ السنهوري ـ وأنا في الكويت وذلك قبل زهاء عشرين سنة ـ وكانا من أعضاء جماعة تقنينية وكانا رفيعي الثقافة جدّاً ـ طبعاً ثقافة غربية ـ.

فقلت لهما: لماذا ترك السنهوري قوانين الإسلام في تأليفه وأخذ بقوانين الغرب، علماً بأن الإسلام أفضل وأغنى وهو مصدر لبعض التشريعات القانونية الغربية؟ ثم أليس معنى ذلك هو: أن يترك الإنسان الاُستاذ الأعلم ويأخذ من التلميذ الأقل علماً؟

قالا: ليس للإسلام في كل مكان حكم.

قلت: فكيف حكم الإسلام مصركم وسائر البلاد العريضة الطويلة زهاء ألف وثلاثمائة سنة؟

قالا: لم يكن في تلك الأيام مثل ما هو اليوم من الوسائل الحديثة الموجبة لتغيّر الفروع الفقهيّة.

قلت: الوسائل الحديثة ماذا غيّرت: الاُصول أو الفروع ؟

قالا: غيّرت الفروع.

قلت: فالاُصول موجودة في الإسلام، ويمكن استنباط الفروع منها، خصوصاً عندكم العامة، الذين تقولون بالقياس والإستحسان والمصالح المرسلة؟

قالا: ليس في الإسلام مثل هذه الكثرة من الاُصول، التي تكفي لاستنباط كلّ الفروع.

قلت: هل تستطيعان أن تأتيا لي بفرع ليس له أصل إسلامي يمكن إرجاع ذلك الفرع إليه ـ وأنتما من أبرز علماء مصر في تقنين القوانين والإطلاع على الفروع المبتلى بها ـ ؟

قالا: نعم، مثلاً: قانون كيفية التصرّف في الأرض وقانون التأمين وقانون المعاملات الجديدة وقانون البنوك وقانون الجمرك والقوانين التي تنظّم الربا بقدر معتدل وقانون الإنتخابات وقانون حدود حقّ المرأة وقانون الضرائب وقانون الحدود الجغرافية؟

قلت: أوّلاً: لنفرض أن لا قانون في الإسلام حول هذه الاُمور التي ذكرتما، لكن أنتم في غنى عن مثل هذه القوانين التي تصرّح بهذه الاُمور، وغير محتاجين إليها، إذ يمكنكم الإستفادة من قوانين (المصالح المرسلة والقياس والإستحسان) وما أشبه ذلك.

وثانياً: كل هذه الاُمور لها قوانين مذكورة في نص الكتاب والسنّة، وقد عمل بتلك القوانين المسلمون طيلة عمر الإسلام، وانما ذكرتم أنتم بعض فروعاتها الحديثة ـ فرضاً ـ.

لكن فرض كون هذه الفروع لم تكن وحدثت،هل يكون مبرراً لأن يترك الإنسان قوانين اللّه تعالى، ويستجدي من الشرق والغرب، أو من الأغراض والأهواء، قوانين أقلُّ ما يقالُ فيها: انها لم تجرّب بعد حتّى يرى هل انها تصلح للحياة أم لا، بينما قوانين الإسلام قد جربت منذ ألف وثلاثمائة سنة؟

قالا: فما هي القوانين التي ذكرها الكتاب والسنّة على نحو الكلّية ممّا تُفيد هذه الفروع الّتي ذكرناها؟ قلت: هي على ما يلي:

الأول: قانون الأرض للّه ولمن عمــــرها فقـــد قاله الــــرسول صلى الله عليه وآله وسلم(32) وقال سبحانه وتعالى من قبل: (الذي جعل لكم الأرض)(33).

الثاني والثالث: قانون (أوفوا بالعقود)(34).

الرابع: وجود عشرات القوانين التي تنظم مختلف معاملات البنوك، لأن البنك ـ كما تعلمان ـ مركب من عدّة معاملات: كالبيع والشراء والرهن والإجارة والحوالة والكفالة وما أشبه، وكلها مذكورة في الفقه الإسلامي بتفصيل، ولها آيات وروايات كثيرة، ومجرّد اجتماع تلك القوانين في مكان واحد لا يوجب أن يقال لا قانون لذلك المجتمع.

الخامس: ان الجمرك ـ كما تعلمان ـ محرّم في الشريعة الإسلاميّة، وقد جائت في تشديد حرمته روايات عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، وهي موجودة في أحاديثكم، فأصل الجمرك محرّم، وله قانون الحرمة، كما ان الخمر محرّم، ولها قانون الحرمة.

قالا: ذلك يوجب الفوضى في الإقتصاد.

قلت: كلاّ، حيث ان اللازم هو العمل بقانون لا ضرر في مثل دخول البضائع أو خروج البضائع، وبين قانون لا ضرر وقانون الجمرك عموم من وجه ـ وشرحت لهما معنى ذلك ـ فلماذا تركتما قانون لا ضرر، وقد قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم(35) وأخذتما بقوانين الغرب في الجمرك، مع انّ قانون لا ضرر هو القانون الصحيح في المقام، وقانون الجمرك غير صحيح بدليل كذا ـ وذكرت لهما الدليل ـ؟

السادس: ان الربا محرّم في الشريعة الإسلامية بنصّ القرآن الحكيم، وتنظيم الحرام هل يعني انه يصبح حلالاً؟

قالا: انه عصب الإقتصاد العالمي اليوم؟

قلت: أولاً: انه ليس عصب الإقتصاد العالمي، بل ان كثيراً من علماء الغرب، أخذوا اليوم يَشْكون من وجود الربا في اقتصادهم، ويدعون إلى الغائه، ويقولون: انه يوجب الإمتياز الطَبَقي، ويوسّع الفاصلة بين الأغنياء والفقراء وأخيراً ينتهي إلى الحروب، ألا سمعتما ذلك؟

قالا: نعم، سمعنا.

وثانياً: إذا كان الربا ـ فرضاً ـ عصب الإقتصاد العالمي، فهل يعني ذلك أن يكون عصب اقتصادنا أيضاً، وقد عشنا ألف وثلاثمائة سنة بلا هذا العصب! مما معناه: ان الإقتصاد لا يحتاج إليه، وانما يحتاج إليه الإقتصاد المنحرف.

وثالثاً: بالنقض، فإذا كان الربا ـ فرضاً ـ عصب اقتصاد الغرب، فعصب اقتصاد الغرب أيضاً، دور البغاء والخمور والرأسمالية المنحرفة، فهل تقولان أنتما بفتح المجال أمام كل ذلك في بلادنا، بحجّة انها عصب الإقتصاد العالمي؟

قالا: فماذا نفعل بأموال الناس؟

قلت: اجعلا مكان الربا قانون المضاربة، وذلك تحت إشراف لجان نزيهة يطمئنّ إليهم المعطي والمعطى له، وعند ذلك سوف يثبت لديكما كيف يكون إقبال الناس على التعامل مع البنوك وايداع أموالهم عندها عظيماً وكبيراً.

السابع: قانون (وأمرهم شورى بينهم)(36) ـ كما في الآية الكريمة ـ ألستما تقولان أنتما بالشورى وقد قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعمل به في زمان حياته، وهناك تواريخ وتفاسير وروايات تدلّ على ذلك؟ فأيّ حاجة بعد ذلك إلى قانون الإنتخابات الذي قنّنه الغرب؟

الثامن: قانون حدود المرأة وحقوقها مبيّن في عشرات الآيات والروايات، فإذا أردتم بحدودها وحقوقها، تلك التي أرادها اللّه لها فهي موجودة، وإذا أردتم سَحْبها إلى المواخير كما يفعله الغرب، وجعلها وسيلة مبتذلة للدعاية عن البضائع وما أشبه ذلك، فقد منع الإسلام عن جميعها، لأنها بنظر الواقع تعدّ من أكبر ما يزري بالمرأة ويهين كرامتها وشخصيّتها، وقد انتبه لذلك حتّى علماء الغرب وعقلائهم.

ثم إذا فرض: انه لا قانون في بعض شؤونها الخاصة، لكن ألا يكفي التمسّك بإطلاق النصوص من جهة اشتراكها في التكليف مع الرجال في كلّ شأن باستثناء بعض حقوقها المقرّرة في الإسلام، أو أحكامها الممنوعة في الشريعة؟

التاسع: قانون الضرائب في الإسلام ـ كما تعلمان ـ يقرّر: انه لا ضريبة في الإسلام إلاّ الأربع المذكورة في الكتاب والسنّة، والتي هي عبارة عن: الخمس والزكاة والجزية والخراج.

قالا: انّ هذه الضرائب قليلة ولا تكفي لمتطلّبات اليوم؟

قلت: أوّلاً: انها كافية بالنسبة إليكما، لأنّكما توجبان أخذ الزكاة من التجارة والعقار ونحوهما.

وثانياً: لنفرض عدم الكفاية حتّى من زكاة التجارة ونحوها، فقلّلوا الموظّفين، وألغوا قوانين التقاعد، وما إلى ذلك من أثقال وأغلال مبتدعة، تكفي الزكاة مع الضرائب الإسلامية الاُخر في سدّ حاجات الدولة والاُمّة.

قالا باستغراب: وهل نُلْغي التقاعد؟

قلت: نعم، انه شيء ثقيل على الإقتصاد، وبلا مبرّر، وذلك لأنّ كثيراً من المتقاعدين لهم موارد من أملاكهم، وأولادهم ـ وهم واجبو النفقة على أولادهم ـ كما انّ كثيراً منهم صالح للعمل، فلماذا لا يعمل ويلقي كلّه على عاتق الناس، إذ حقوقهم تخرج بالتالي من كيس الناس ومن أموالهم.

قالا: فكيف بمن ليس له وارد، ولا أولاد ينفقون عليهم، ولا صلاحية لهم للعمل؟

قلت: انهم كسائر الفقراء يأخذون من بيت المال، ونسبتهم أقل من العُشْر في كلّ المتقاعدين الحاليين.

ثم ذكرت لهما كلاماً طويلاً حول هذا الشأن، وحول كثرة الموظّفين، الذين هم عالة على الاُمّة والدولة على حدّ سواء.

العاشر: قانون (انّ هذه اُمّتكم اُمّة واحدة)(37) ـ كما تعلمان ـ ينفي الحدود الجغرافية في الإسلام، وحتّى إذا فرضنا إنّ في الإسلام دولاً، فحالهم حال السابق حيث لا حدود جغرافية بين الدولة الفاطمية والدولة العباسية، ولا بين الدولة العثمانية والدولة الايرانية.

وأخيراً، وعداني بمراجعة قوانين الإسلام حسب المذكور في الكتب، وتعديل ما يمكنهما من التعديل فيما دوّناه، بعد إبداء التعجّب الكثير ممّا سمعاه من الأجوبة التي أجبتها على كلامهما، حيث كان يدور في ذهنهما ـ كما يدور في ذهن الكثيرـ ان الإسلام ليس هو إلاّ طقوس عباديّة لا شأن له بالحياة، وانه من مصاديق دع ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه أو بتعبير آخر: أنتم أعلم باُمور دنْياكم ـ كما جاء في كتبهم (أي العامة) نقلاً عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقد أثبتُّ زيف هذا التعبير لهما، وذلك في حوار طويل.

نعم، انّ الحكّام والمحامون عندنا - عادة -، حيث يذهبون إلى الغرب والشرق ويدرسون القانون هناك، أو يدرسون في جامعاتنا وكلّياتنا، لكن الكتب الدراسية فيها كتب مترجمة عن كتب الغرب أو الشرق، والأساتذة فيها غالباً من تلامذة الشرق أو الغرب لم يكن لهم نظرة واقعية حول قوانين الإسلام، أو لهم نظرة سيّئة بالنسبة إليها.

وحيث ان مرافق الدولة ـ منذ دخول الغرب والشرق في بلادنا ـ حُكْرٌ على اُولئك، فقد انسحب الإسلام عن واقع المسلمين بالمرّة، وصار الأمر بين: جمود فقهي من جرّاء تركه عصر التخلّف الذي سدّ فيه باب الإجتهاد، كما في العالم السنّي، وبين: قوانين غربية وشرقية، أو مختلطة ـ لم يزد الأمر إلاّ إعضالاً ـ كما في كلّ من العالم السنّي والعالم الشيعي، وذلك ملموس عند كل من راجع قوانين ايران الشاه، ونحوها، فإنه يراها قوانين شرقية وغربية بحتة، أو خليط غريب ممّا يصدق عليه: نسى المشيتين.

هل يشترط القانون اجتهاد القاضي؟

اختلفوا في انه هل يمكن أن يكون القاضي غير مجتهد أم لا؟

فالَّذين يقولون: باشتراط الإجتهاد ـ كما هو المشهور ـ لم يكن بين الفقيه والقاضي تفاوت، إلاّ انّ القاضي يلاحظ فيه جهة العمل، والفقيه يلاحظ فيه جهة العلم، فكل فقيه قاض، وكل قاض فقيه.

أمّا من لم يشترط الإجتهاد في القاضي، فبينهما عموم مطلق، إذ كل فقيه قاض، ولا عكس.

ونحن ممّن يرى جواز قضاء المقلّد طبق فتوى مجتهده أو مجتهد المترافعين، وذلك لما ذكرناه في محلّه من شمول الأدلة له.

والمسلمون لما تركوا العمل بالإسلام في قوانينهم ـ فإنهم وإن بقي الفقهاء يستنبطون الأحكام كما كانوا، لكن حيث لم يكن لهم سلطة كما في السابق ـ، أخَذَ مكان قوانين الإسلام قوانين الغرب.

والغرب أخذ أكثر قوانينه من قوانين الرومان القديم، حيث انّ آراء فقهائهم أدرجت في مؤلّفاتهم، إلى أن جاء عهد (جستنيان) فجمعت تلك المؤلّفات، ورُتّبت حسب المواضيع المختلفة، وصارت مصدراً مهمّاً للقانون، وقد اشتهرت هذه المجموعة بـ: الموسوعة وهي إحدى المجاميع الخمس التي جمعت في عهد هذا الامبراطور المتقدّم ذكره.

نعم أدخل الغربيّون اصلاحات في تلك القوانين، كما أدخل حكّام المسلمين بعض الإصلاحات في قوانين الغرب حسب أذواقهم واختلاف مشاربهم.

ولذا تجد انّ قانوناً واحداً ـ مثل قانون الملكية ـ يتلوّن في كلّ بلد حسب لونه الخاصّ، ومثل قانون الملكية في التلوّن بقيّة القوانين، فترى الأعياد متلوّنة، والعُطَل الرسمية متلوّنة، والتاريخ متلوّناً، والنقود متلوّنة، والرؤساء متلوّنون، وهكذا في كثير من مرافق الحياة.

كما انّ البلد إذا خرج من حكومة إلى حكومة اُخرى، تغيّرت قوانينه حسب الحكومة الجديدة، فالعراق ـ مثلاً ـ لما كان تحت هيمنة الدولة العثمانية، كان يعمل بالإسلام العثماني.

ثمّ لمّا تطوّرت الدولة العثمانية ـ إلى دولة قانونية ـ أخذ العراق يعمل بالتطوّر الجديد، فصار يطبّق مجلّة الأحكام العدلية التي هي خليط عجيب من قوانين الغرب، وطبائع العثمانيين، وبعض قوانين الإسلام.

ولما سقطت الدولة العثمانية صار العراق عالة على القوانين المصرية، لأنه الذي يقتضيه القومية العربية، ومصر هي البلد الاُم عندهم.

وبعد ذلك أخذت القوانين لون الشيوعية في زمان قاسم، والقومية في زمان عارف، والبعثية في زمان البكر.

ثم ان كل حكومة أعطت نفسها حق التشريع، بحجّة انه يساعد على توطيد الأمن، وبسط نفوذ الحكومة، وتمهيد الطريق إلى الديمقراطية ـ وهم أبعد الناس عن الديمقراطية ـ.

أو تمهيد الطريق إلى الإشتراكية حيث انه بعد الحربين العالميّتين أخذت جملة من بلاد الإسلام تنحو نحو الإشتراكية.

أو تمهيد الطريق إلى القوميّة، حيث انّ كثيراً من بلاد الإسلام توجه نحو الغرب في احياء القوميّات متذرّعاً بأنّ ما فعله الغرب يلزم الإقتداء به لأنه طريق التقدّم المزعوم.

هذا مضافاً إلى خلط القانون بما يثبت الدكتاتورية للحكومة، وقد أدّى هذا الخلط العجيب إلى غرائب يصعب للأجيال القادمة تصديقها وقبول وقوع أمثالها في بلاد الإسلام.

مثلاً: عبد الكريم قاسم شرّع قانوناً يقول: بأن سبّه يوجب سجن عشر سنوات، أمّا سبّ اللّه والرسول صلى الله عليه وآله وسلم فغرامته ربع دينار ـ يعني: مبلغاً يساوي قوّة شراء خمسة وعشرين قرصاً من الخبز ـ حيث كان الخبز في ذلك الوقت كلّ قرص (بعشرة أفلس).

كما انه أراد مصاردة عمارة (الدامرجي) وأراضيه المكتنفة بها، وكان الدامرجي يطالب لكل متر ديناراً ـ ولعلّه كانت قيمته العادلة في ذلك اليوم ـ ولكن لما عجزت خزانة الدولة من إعطاء الثمن، شرّع قاسم قانوناً يقول: انّ كل أرض احتاجتها الدولة فلكلّ متر قيمة عشرة أفلس يعني: قيمة قرص خبز واحد.

وهكذا هدرت الكرامات تحت طائلة هذه القوانين المتلوّنة، فلم تبق قيمة لأيّة كرامة عرضية أو مالية أو نفسية، فالأعراض تهتك تحت اسم القانون، والنفوس تزهق تحت اسم القانون، والأموال تنهب تحت اسم القانون، والعقائد والمقدّسات تهان تحت اسم القانون، وإلى آخره.

وقد رأينا نحن كل ذلك، في أيّام الملكيّين، ثم الشيوعيّين، ثم القوميّين، ثمّ البعثيّين، ممّا لو جمعناه لكان كتاباً ضخماً، ولكن ليس على من يريد معرفة شيء من ذلك، إلاّ أن يراجع الجرائد والمجلاّت العراقية التي صدرت في العهود الأربعة السابقة الذكر.

قانون الترافع

من فروع مسألة القانون التي تتطلب الإشارة اليها ـ وان كان محلها كتاب القضاء ـ لكثرة الإبتلاء بها في العصر الأخير: هي مسألة ترافع المسلمين وغير المسلمين بمختلف ابوابه إلى قضائنا، كما يتفق ذلك في مثل بلاد الهند ولبنان، أو الغرب وما اشبه، فان القاضي العادل الذي يريد القضاء حسب الموازين الإسلامية كيف يحكم بينهم؟

في المسألة صورخمس، يضاف اليها ما لو اُجبرنا إلى التّقاضي إلى القانون، أو إلى المخالف، أو إلى غير العادل.

الكتابيان

الصورة الاُولى: أن يكون المتقاضيان كتابيين وفيها فروع أربعة:ـ

الفرع الأول: المتوافقان في القانون سواء كانا من دين واحد ام دينين، من مذهب واحد ام مذهبين، وهنا يصح لنا الحكم على طبق رأيهم أو طبق رأينا.

اما طبق رأيهم: فلقاعدة الإلزام وقول علي عليه السلام: لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم...(38).

واما طبق رأينا فلأنه حكم اللّه الأوّلي حسب رأينا وقد ذكر الوجه في المسألة في كتاب القضاء مفصّلاً.

الفرع الثاني: المتخالفان في القانون، وهو اما لأجل اختلاف الدين كاليهودي والمسيحي، أو اختلاف المذهب كاقسام المسيحي، أو اختلاف الإجتهاد كاختلاف عالميهم مع انهما من مذهب واحد.

وهنا يخيّر بين الحكم على طبق مذهبنا لانه هو الصحيح عندنا، وبين الحكم على طبق احد مذهبيهما لانه عمل بقاعدة الإلزام بالنسبة إلى من نحكم له طبق مذهبه، فان اطلاق دليل الإلزام بالنسبة إلى المتقاضي على طبق مذهبه يشمل ما إذا كان على طبق مذهب الآخر أو لم يكن على طبق مذهبه.

لكن لعل الأقرب هنا هو: عدم التخيير بين راينا ورأي احدهما، بل اللازم الحكم طبق رأينا لأنه هو المشروع، فلا يشمل المقام قاعدة الإلزام لعدم الأولوية، الا أن يقال: انه لو حكم على أحدهما أخذ بقاعدة الإلزام في الجملة، بخلاف ما إذا لم يأخذ بأحدهما حيث ترك قاعدة الإلزام كلية.

الفرع الثالث: الفاقدان للقانون، وهنا نحكم على طبق مذهبنا.

الفرع الرابع: الفاقد احدهما للقانون دون الاخر، وهنا نحكم على طبق مذهبنا، أو مذهب من له القانون، لكن لعل الأقرب هنا أيضاً ما ذكرناه في الثاني.

غير الكتابيين

الصورة الثانية: غير الكتابيين، كالهند وسيّين، أو هدوسي وبوذي، أو بهائيّين، أو بهائي وعابد وثن، إلى غير ذلك.

وفيهما الصور الأربع، فان اتفقا في القانون حكمنا تخييراً بين مذهبنا ومذهبهما، وان لم يتفقا فكما تقدم في فروع الصورة الاُولى، إذ قانون الإلزام، وقانون التخيير بالنسبة إلى القاضي، يأتي في الكتابي وغير الكتابي.

نعم قول علي عليه السلام لا يأتي في غير الكتابي، إلا ان يقال بفهم الملاك منه، وحكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وضع الحجر الأســود بين المـشركين، عبارة اُخرى عن حكمه صلى الله عليه وآله وسلم بما كان يراه، وهو مطابق للعقل والفطرة أيضاً.

كتابي وغير كتابي

الصورة الثالثة: كتابي وغير كتابي، ويأتي فيه الفروع الأربعة، مع احتمال ان يكون الحكم على طبق الكتابي ـ في صورة الإختلاف بينهما ووجود القانون لكل منهما ـ وذلك لان للكتابي إحتراماً ليس لغيره، قال سبحانه: (إنّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور)(39) لكن هذا لايعدو أن يكون استحساناً وان كان ربما يفهم من الآية ونحوها الملاك.

المسلمان

الصورة الرابعة: المسلمان وفيها فروع:ـ

الفرع الأوّل: المتوافقان في القانون، سواء كانا من مذهب واحد، أم مذهبين، وهنا يحكم بقانونهما، ولايهم أن يكون قانونهما مخالفاً لنظر القاضي، لان قانونهما حجة في نظرهما، وقد قال للصادق عليه السلام: إذا جائني من يقول برأي فلان، أفتيته حسب رأيه.. فقرره عليه السلام إلى غير ذلك.

الفرع الثاني: المتخالفان في القانون كحنبلي ومالكي، ولا شك في صحة الحكم على قانوننا لما تقدم، وهل يصح الحكم على طبق قانون احدهما من باب الإلزام، فيتخيّر القاضي بين قانون هذا أو ذاك، او لا يتخيّر بين قانونهما، لأنه لا اطلاق لدليل الإلزام إلى هذا الحد، فاللازم حينئذ الحكم على طبق قانوننا فقط؟ احتمالان، وتقدم: ان الأقرب الحكم على طبق قانوننا.

الفرع الثالث والرابع: الفاقدان للقانون معاً كفطحيّين فرضاً، أو كان القانون لأحدهما فقط كفطحي وعامِيّ، والحكم فيهما كما تقدم.

مسلم وغير مسلم

الصورة الخامسة: مسلم وغير مسلم، فالقاضي يحكم بحكم المسلم اطلاقاً، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه(40) الا إذا كان قانون الكافر اقرب إلى قانون القاضي.

مثلاً: لو كان القاضي شيعياً، والمترافعان مسلم كيساني وكافر معاهد، وكان ترافعهما في زواج الفاعل باخت المفعول، وكان الكيساني الزوج والكافرة الزوجة، فقال المسلم: بالحلية لأنها مذهبه، وقالت الكافرة: بالحرمة لانها مذهبها، والقول بالحرمة مطابق لمذهب الشيعة.

فإذا حكم القاضي هنا بالحرمة وافق الواقع والكافرة معاً، وإذا حكم بالحلية وافق الكيساني فقط غير ان لزوم الحكم بالواقع ـ خارجاً منه قانون الإلزام ـ يعطي الحكم بالحرمة لأنه واقع والزام بالنسبة إلى الكافرة.

بينما إذا حكم بالحلية كان مخالفاً للواقع وللا لزام في الكافرة وان وافق الالزام في الكيساني، الا ان الحكم بما يوافق دليلين اولى من الحكم بما يوافق دليلاً واحداً.

لو اُجبرنا على التقاضي

الصورة السادسة: لو أجبرنا على التّقاضي إلى القانون، أو إلى المخالف، أو إلى غير العادل، فاللازم العمل حسب موازين القاضي العادل، لان كل ذلك غير حجة بالنسبة الينا، فان لم يمكن فاللازم التخلص بالوجه الممكن والا لزم العمل حسب قانون الإضطرار والإكراه.

مثلاً: لو اعطى القانون الحق للزوج في الزوجية، والعادل يفتي بانه ليست زوجته فاللازم هنا طلاقها ـ طلاقاً ظاهرياً ـ وإذا اضطر إلى امساكها عنده لان القانون لا يسمح له بالطلاق كما في الغرب، فاللازم الإجتناب عن مباشرتها، وان كان مضطراً إلى ذلك أيضاً اكتفى بالقدر الضروري الذي يدفع عنه الضرر.

وكذا لو طلق الفاسق زوجته، فهي باقية على الزوجية: فلا يحل له الزواج بأختها، أو بالخامسة ويجب عليه نفقتها ـ إذا لم تكن ناشزة ـ ولا يحل له الزواج ببنتها ـ الربيبة ـ فيما إذا لم يدخل بالاُم وان كان لو صح الطلاق لحل له تلك، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة في مختلف ابواب المعاملات والنكاح والطلاق والأرث والديات وغيرها.

المترافعين المختلفين اجتهاداً أو تقليداً أو مذهباً

بقي أمران لا بأس بالإلماع اليهما استطراداً في اطراد:

الأول: في المترافعين المختلفين اجتهاداً أو تقليداً، يقضي القاضي حسب اجتهاده كما قرّر ذلك في القضاء.

الثاني: إذا ترافع زوجان وكانت الزوجة مخالفة تعتقد أن اللواط بأخيها لا يحرمها على زوجها، وكان الزوج مؤالفاً يعتقد بالتحريم، وبعد الزواج تبين لهما ذلك، فتقاضيا في ان زواجهما باطل أو صحيح؟

فالأمر دائر بين شيئين: قانون الإلزام فيجوز لهما البقاء لإعتقادها الصحة، وقانون الحرمة حيث الزوج يعتقد بالحرمة فلا تحل له.

لا يقال: ما دام هو يعتقد بالحرمة لا يحل له البقاء فإنه كما إذا تزوج الأخ اُخته وهما مجوسيان فاسلم وبقيت هي على كفرها حيث لا يحل له البقاء وان رأت هي الحلية، فلا يشمله قانون الإلزام.

لأنه يقال: فرق بين المسألتين، إذ مسألة المجوسية مقطوع بالحرمة فيها، فانه لا يجوز البقاء على المحارم، بل هو من ضروري الفقه ـ بَلْه الدين ـ اما مسألة مفعول الأخ فليست كذلك، حيث من المحتمل قريباً ان تكون المسألة من قبيل مسألة الزواج بالمطلّقة من العامة بدون الشرائط فانه يحلّ للشيعي الزواج بها من باب قانون الإلزام حيث انها تعتقد الحلية، والظاهر: انه لا فرق بين ما نحن فيه وهذه المسألة، بعد إن لم تكن المسألة فيما نحن فيه من الضروريات حتى الفقهية ـ بله الدينية ـ

والحاصل: ان قانون الإلزام حاكم الا ما قطع بخروجه منه وبقائه تحت القانون الاوّلي، وما نحن فيه وشبهه ليس من المقطوع بخروجه.

ومثله: ما لو أرضعت الجدة وليدة بنتها، وكانت بنتها زوجة لشيعي وهي مخالفة، فهل تحرم الزوجة على زوجها من باب لا ينكح اب المرتضع في اولاد صاحب اللبن أو لا تحرم لأنها من قبيل المطلّقة العامية حيث ترى هي البقاء في الزوجية ـ فرضاً ـ فقانون الإلزام يشمل الزوج فلا تحرم عليه؟

 

(1) سورة النحل ، الآية : 43 .

(2) سورة التوبة ، الآية : 122 .

(3) بحار الأنوار : ج 2 ، ص 15 ، ب 8 ، ح 30 .

(4) بحار الأنوار : ج 77 ، ص 205 ، ب 8 ، ح 1 .

(5) سورة النساء ، الآية : 11 .

(6) سورة الأنفال ، الآية : 75 .

(7) سورة النساء ، الآية : 105 .

(8) مستدرك الوسائل : ج 14 ، ص 40 ، ب 18 ، ح 7 .

(9) سورة المائدة، الآية: 8.

(10) من لا يحضره الفقيه: ج4، ص231، ب171، ح3.

(11) وسائل الشيعة : ج 14 ، ص 210 ، ب 6 ، ح 9 .

(12) موسوعة الفقه : كتاب الغصب .

(13) سورة النجم ، الآية : 39 .

(14) سورة الأنعام ، الآية : 164 .

(15) وسائل الشيعة : ج 19 ، ص 65 ، ب34 ، ح 2 .

(16) راجع وسائل الشيعة : ج 14 ، ص 307 ، ب 16 ، ح 2 .

(17) و (18) سورة النساء ، الآية : 23 .

(19) مستدرك الوسائل : ج 13 ، ص 302 ، ب 7 ، ح 3 .

(20) سورة النساء ، الآية : 115.

(21) سورة النساء ، الآية : 105 .

(22) بحار الأنوار : ج 40 ، ص 87 ، ب 91 ، ح 114 .

(23) سورة المائدة ، الآية : 1 .

(24) سورة البقرة ، الآية : 275 .

(25) سورة النساء ، الآية : 29 .

(26) سورة البقرة ، الآية : 282 .

(27) سورة المائدة ، الآية : 45 .

(28) سورة المائدة ، الآية : 38 .

(29) سورة التوبة ، الآية : 103 .

(30) سورة الأنفال ، الآية : 41 .

(31) مبادىء اُصول القانون لعبد الرحمان البزاز ص 169 - نقلاً عن كتاب السنهوري ص 119.

(32) الكافي : ج 5 ، ص 284 ، ب 169 ، ح 2 .

(33) سورة غافر ، الآية : 64 .

(34) سورة المائدة ، الآية : 1 .

(35) الكافي : ج 5 ، ص 299 ، ب 181 ، ح 6. ومن لا يحضره الفقيه : ج 4 ، ص 231 ، ب 171 ، ح 2 - ووسائل الشيعة : ج 12 ، ص 364 ، ب 17 ، ح 5 .

(36) سورة الشورى ، الآية : 38 .

(37) سورة المؤمنون ، الآية : 52 .

(38) تفسير العياشي : ج 1 ، ص 15 ، ح 3 .

(39) سورة المائدة ، الآية : 44 .

(40) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ، ص 231 ، ب 171 ، ح 3 .