الفهرس

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

مع قانون الجرائم والعقوبات الإسلامي

بين الجرائم في الشريعة الإسلامية والجرائم في القوانين الوضعية السائدة في بلاد الإسلام في الحال الحاضر عموم من وجه.

فربّ شيء يعدّ في الإسلام جريمة، ولا يعدّ جريمة في القوانين الوضعية، مثل بيع الخمر وصنعها وفتح بيوت الدعارة وما أشبه ذلك.

ورب شيء يعدّ في القوانين الوضعية جريمة، ولا يعدّ في الإسلام جريمة، مثل التهريب وعدم التجنس وعدم أخذ المجوّز القانوني لفتح المحل أو بناء الدار، أو ما أشبه ذلك.

وهناك ما يراه كل منهما جريمة كالقتل والإغتصاب والسرقة وما أشبه ذلك.

والمسلم انما يجب عليه اجتناب الجرائم التي يعدّها الإسلام فقط جريمة، أما الجرائم التي تعدّها القوانين الوضعية جريمة وليست هي جريمة في نظر الإسلام، فلا يجب على المسلم اجتنابها، بل هو حرّ في ارتكابها، إلاّ إذا سبّبت تضرّره أو تضرّر الآخرين.

قانون الجرائم الوضعيّة

هذا مع الغضّ عن ان القوانين الوضعية التي وضعها الحكام في بلاد المسلمين تبعاً للغرب حالت عن تقدّم المسلمين بَلْهَ عن حفظ كيانهم وسيادتهم، فالقوانين الوضعية المستوردة هي بنفسها اليوم حرب ابادة على المسلمين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.

أليس اباحة الزنا والخمر يعني: فتح المجال أمام الأمراض والأوبئة والموت المبكر وفساد النسل وهدم العوائل وما إلى ذلك؟

وأليس تقييد الحريات الإسلامية، وعدم منحها كاملة للشعب معناه: حرمان الشعب من أن يوفّر لنفسه ضروريات الحياة، ومنعه عن أبسط حقوقه المشروعة، من زواج، ودار، وعمل يتناسب مع شؤونه؟

أما منعه من الزواج: فلأنه إذا أراد أن يختار الزوجة التي تلائمه وهي ـ مثلاً ـ تحمل جنسية غير جنسية الزوج، فالقانون يمنع من زواج جنسية بجنسية اُخرى فلا يتمكن إذن من أن يتزوّج.

وأما منعه من حصول الدار: فلأنه إذا أراد أن يعمّر أرضاً ويتّخذها داراً له، فالقانون يقف دون عمارة الأرض، خلافاً لحكم اللّه ولقول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: الأرض للّه ولمن عمَّرها(1) فلا يستطيع إذن أن يتّخذ لنفسه داراً.

وأما منعه من العمل: فلأنه إذا أراد أن يعمل بما يناسبه، فالقانون يقف أمامه حتى لا يحصل على اجازة عمل، وكثيراً ما لا يحصل على الإجازة إطلاقاً، لأنه يحمل ـ مثلاً ـ جنسية بلد إسلامي غير البلد الإسلامي الذي يعيش فيه، فلا يحصل إذن على العمل المناسب ويكون عاطلاً.

وعليه: فإن القانون وقف أمام الزواج ولا علاج له إلاّ بأن يكبت الشاب جنسه، وهو مبعث الأمراض، أو يطلق جنسه استمناءاً، وهو يضعف الأعصاب خصوصاً أعصاب العين والاُذن والمخ والحنجرة، أو يطلق جنسه تعدّياً على الآخرين اُناثاً أو ذكوراً، وهو هدم للإجتماع وفساد للأخلاق ومبعث للأمراض المختلفة.

كما ان القانون وقف أمام عمارة الأرض واتخاذ الدار أيضاً، ولا علاج له إلاّ بالإستلام للقانون، وهو مبعث الأزمات السكنية وما يتبعها من حرمان دار ملكية للأكثر، وغلاء فاحش في أسعار الاجار والرهن لمن يريدهما، أو الإحتيال على القانون عمارة، وهو مبعث تفشي الرشوة، وانعدام الثقة بين الناس والحاكمين، أو الإحتيال على القانون تحدّياً، وهو مبعث الإضطرابات والتصادم بين الناس والحكومة.

كما ان القانون وقف أمام العمل والإكتساب أيضاً، ولا علاج له إلاّ بالإستلام للقانون الحاكم، وهو مبعث تفشّي البطالة، وارتفاع نسبة الجرائم والمفاسد، وتهديد بانهيار الإقتصاد العام، وإنذار بالإستسلام للإستعمار والخضوع لهيمنته الغاشمة تخلّصاً من الحكومة والحاكمين، أو الإحتيال على القانون كسباً، وهو مبعث رواج الرشوة وما يتبعها من مفاسد، أو الإحتيال على القانون تحدياً، وهو مبعث الصدامات والثورات.

الجرائم الوقتية

نعم هناك جرائم وقتية ثانوية، ليست من الأحكام الأولية، وهي لا تكون إلاّ بتقنين شورى المرجعية، وذلك طبق الأنظمة التي مبعثها قانون الأهم والمهمّ، ولا ضرر، ولا حرج، والضرورة، وما أشبه ذلك.

وهذه يجب اتباعها على المسلم أيضاً، لأنها وضعت حسب كليات الإسلام، وهي جرائم مادامية لا مطلقة، عكس الجرائم الأولية، مستثنى منه ومستثنى، فالأصل حرمة الزنا إلاّ ما خرج ـ كالإضطرار، على ما حدث في زمان علي عليه السلام في قصة تلك المرأة ـ وهكذا الأصل حرمة الإستيلاء على مال الغير مطلقاً، إلاّ ما خرج، كعام المجاعة، إلىغير ذلك.

وفي عكسه: الأصل حرية الإنسان في كل سلوكه الذي أباحه الإسلام، إلا ما خرج مثل الإلتزام بإشارة المرور، وذلك إذا وضعت من قبل شورى الفقهاء أو أيّدت شورى الفقهاء قوانينها، إلى غير ذلك.

وبعد الكلام حول الجرائم التي يعدّها الإسلام جرماً، أو التي يعدّها القانون، يأتي دور الكلام حول العقوبات:

الردع القانوني بين السلب والايجاب

لافرق في جعل الرد على خرق القانون، بين الايجاب والسلب، وان كان الغالب جعل الردع على الامور السلبية أي المحرمات مثل: الزنا، والقتل، والمقامرة، والمخامرة، وما أشبه ذلك.

نعم، في ترك الانفاق على الزوجة، ونشوز الزوجة على الزوج، وما أشبه ذلك، يكون الردع متعلقاً بترك الايجاب، لان الواجب الانفاق والاطاعة.

ثمّ إنه قد يتطابق خلاف القانون مع خلاف الاخلاق، فالفاعل مثلاً لما هو خلاف الاخلاق وخلاف القانون كالمرتكب للقتل والضرب والسرقة وما اشبه ذلك.

وقد يفترقان فيكون خلاف القانون وليس خلاف الاخلاق ـ عرفاًـ وان كان خلاف الاخلاق بمعناه الفضفاض، كما إذا خالف قواعد المرور ـ بدون حصول جرم من قتل او شبهة ـ فان عمله هذا ليس خلاف الاخلاق وان كان خلاف القانون وستحق عليه العقاب المقرر لمن خالف.

ثم انه عرف من تعريف القانون ومن بيان هدفه ـ الذي هو سعادة الفرد، حتى إن سعادة الاجتماع أيضاً راجعة الى سعادة الفرد، إذ الاجتماع عبارة عن الافراد، وإنما يقدم الاجتماع على الفرد في حال التعارض، لان المسألة من باب الاهم والمهم، حيث يدور الامر مدار تقديم فرد أو أفرادـ: ان القانون وثيق الارتباط ببقية المعارف والعلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، بل المشرع لاحظ كل ما يرتبك من تلك المعارف بالقانون، ثم وضع القانون.

ويجب أن تكون المصلحة في وضع القانون الى حد المنع عن النقيض، وإلا كان من قبيل (ما ينبغي) أي: من المستحب والمكروه في لسان الشرع، لا من قبيل الواجب والحرام الذي يعبر عنه بالقانون ـ في هذا البحث.

الإسلام وقانون التهريب

من القوانين التي تصادم الكتاب والسنّة ـ بالصراحة ـ قوانين التهريب، السارية المفعول في كافة بلاد الإسلام، بينما لا تهريب في الإسلام اطلاقاً، لا بين بلاد الإسلام، ولا بينهم وبين غيرهم.

امّا انه لا تهريب بين بلاد الإسلام: فلأن المسلمين كلهم اُمّة واحدة ـ كما عرفت ـ ولهم حريّة التجارة والكسب وما أشبه، وان ما جعله جماعة ـ بإشارة من الأجانب ـ حدوداً جغرافية بين بلاد الإسلام، لا يتمكن من تمزيق البلاد وتغيير القانون السماوي الذي قرّر الوحدة والحريّة.

وأمّا انه لا تهريب بين بلاد الإسلام وبين بلاد غير الإسلام: فلأنه ليس للتهريب عنواناً محرماً في قوانين الإسلام حتّى يمنع.

نعم هنا أمران لابدّ من رعايتهما:

الأمر الأول

يجب رعاية موضوع الضرر: وقد تقدّم انه شخصي ـ كما هو نوعي أيضاً ـ فاللازم: أن لا يعمل المسلم شيئاً يضرّ الآخرين وإن كان ضرراً طفيفاً، أو يضرّ نفسه ضرراً بالغاً، فإذا كان جلب البضاعة من البلاد غير الإسلامية يوجب ضرر المسلمين لم يجز ذلك، كما انّه إذا كان تصدير البضاعة من بلاد الإسلام إلى غير بلاد الإسلام يضرّ المسلمين لم يجز ذلك أيضاً.

أما التصدير والإستيراد من بلد إسلامي إلى بلد آخر من بلاد الإسلام، فذلك مباح، بل احياناً يدخل في استحباب الكسب، وما إلى ذلك من عناوين الإسترباح.

وكذلك الحال في شغل أهل بلد إسلامي في بلد آخر اسلامي، فكما انّه لا حدّ بين النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة في الإستيراد والتصدير، وذهاب انسان من أحدهما إلى الآخر، والإكتساب فيه، والعمل أجيراً أو استيجار غيره فيه، كذلك حال القاهرة وطهران وكابل واسلام آباد ودمشق وبيروت وعمان والرياض، وغيرها.

نعم إذا كانت هناك قوانين منحرفة موضوعة، تمنع التهريب ـ عندهم ـ وكان الإنسان الذي يزاول حريته معرضاً بسبب تلك القوانين المنحرفة لضرر كبير، لم يحق له التعرّض للتهريب، لكن لدليل لاضرر(2)، لا لأن قانون منع التهريب له حرمة، فيكون حاله حال من يسير بين بغداد والبصرة وهو يخاف ضرر سبع ونحوه، فإنه لا يجوز له السير لدليل لاضرر(3)، لا لدليل يمنع شرعاً عن السير بين البلدين.

ولا يخفى: انه لم تكن لهذه القوانين من أثر، حتّى قبل نصف قرن، مع انه كانت البلاد الإسلامية تحت حكم حكومتين: الحكومة العثمانية والحكومة الايرانية.

وإنّي أذكر جيّداً عدم وجود شيء من ذلك بين ايران والعراق، لا تهريب الناس، ولا البضائع، ولا الحيوانات كالمواشي، ولا السلاح، ولا غيرها، وانما أوّل من وضع أمثال هذه القوانين الظالمة، كان هو البهلوي الأول، وذلك بأمر ممّن أتوا به من الغربيّين، فكان عمله هذا ممّا أثار تعجّب الناس وأصبح مورداً لتسائلهم: بأنه هل من يكتسب كسباً حلالاً بجلب البضائع من بلد آخر إلى بلده، أو تصديره من بلده إلى بلد آخر ممنوع؟! ولماذا؟! كما كان مورد تسائلهم: بأنه هل من يسافر سفراً حلالاً من بلده إلى بلد آخر ممنوع؟! ولماذا؟!

وهذا الحكم جار في السلاح أيضاً، إلاّ إذا كان هناك محذور خارجي أو عنوان ثانوي.

وانّي أذكر كيف كانت العشائر العراقية، وكثير من أهل المدن مسلّحين بالبندقية والمسدّس وما أشبه، حتى جاء عبد الكريم قاسم، وجمعها من بينهم، وذلك مقدّمة لنشر سيطرة الغرب على بلاد الإسلام أكثر فأكثر، وصار كما أراد الذين أتوا به، وعند ما أتمّ قاسم خدمته وانتهى مفعوله ذهبوا به، وأعطوا الدور لغيره ممّن كان أكثر تطبيقاً لقوانينهم ومبادئهم وأهدافهم.

الأمر الثاني

يجب رعاية ما يشخصه شورى الفقهاء من منع الإستيراد والتصدير: وهذا عام للكل، بخلاف الأول الذي كان خاصاً بالضرر الشخصي، فإنه إذا لم يصدّر الشورى أمراً بالمنع، كان يحقّ لكل انسان أن يفعل ما يشاء من ممارسته الحرية الإسلامية إلاّ ما إذا شَخَّص الضرر، بينما إذا أصدر الشورى المنع لم يجز بالعنوان الثانوي وإن لم يشخّص هو الضرر.

علماً بأنّ مثل هذين الأمرين ليس هو إلاّ أمراً ثانويّاً، لا قانوناً أوّلياً، فمادام الضرر، أو المنع كان ممنوعاً، فإذا ارتفع الضرر أو رفع الشورى المنع، عاد الممنوع مباحاً، كما هو الحال في كل القوانين الثانوية.

المخدّرات المفسدة

أما المخدّرات المفسدة: فحالها حال الخمر في كون التحريم أولياً، والقوانين العالمية التي تقول بأنه لا يحق لمجلس الاُمم المتّحدة التدخّل في الشؤون الداخلية لكل بلدٍ بلد، هي التي أوجبت هذا الفساد العالمي، حيث تصنع بعض الدول المخدّرات على مرأى من العالم ومسمع منه، ومن الطبيعي أن ينتشر بعد ذلك بسبب الذين يريدون الفساد والإفساد، أو الأرباح الطائلة، أو ما أشبه ذلك.

طريق الحل

والحلّ بحاجة إلى العمل في ثلاثة أبعاد: -

1 - البُعد الدولي.

2 - البُعد الحكومي.

3 - البُعد الشعبي.

أما الأول وهو البُعد الدولي: فلما تقدّم من انه إذا لم يكن هناك قانون دولي يوقف منتجي المخدّرات عند حدّهم، لكان من الواضح: أن تنتشر المخدّرات بصورة أو باُخرى، والعقوبات المفروضة في هذا المجال ونحوها لا تقلع الجذور، لأنّ مثل ذلك مثل من يترك الماء المتعفّن المولّد للبق والجراثيم والأمراض باقياً، ويهتم هو بقتل بقّة بقة، والقضاء على جرثومة جرثومة، وعلاج مريض مريض.

وأمّا الثاني وهو البُعد الحكومي: فلأن الحكومة لها النصيب الأوفر في حلّ المشكلة، وذلك بالوقاية أوّلاً، وقاية دعائيّة واسعة مشيرة إلى مفاسده وأخطاره، وبفرض العقوبات ثانياً، عقوبات مناسبة وبعيدة عن الإفراط والتفريط الموجودين اليوم في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية ـ من الإعدام إلى السجن بضعة أيّام ـ وبملأ فراغ الشباب ثالثاً، فإن استعمال المخدّرات من أسبابه الرئيسة الفراغ، قال الشاعر: -

انّ الفراغ والشباب والجِدة مفسدة في المرء أيّ مفسدة

لا شك انّ كلّ الثلاثة نعمة، إذا استفاد منها الإنسان استفادة صحيحة، بأن يصرف الإنسان ـ مثلاً ـ فراغه في اصلاح نفسه ونفع الآخرين، ويستعمل شبابه في بناء الحياة وعمل الصالحات، ويستعمل جدَته في اعانة الناس وانشاء المؤسّسات الخيرية وما أشبه.

لكن نفس هذه الثلاثة إذا تركت وشأنها صارت مفسدة، قال سبحانه: (ألم تر إلى الّذين بدَّلوا نعمة اللّه كفراً)(4) فالعنب ـ مثلاً ـ نعمة لكن إذا أصبح خمراً انقلب نقمة، وهكذا، وغير ذلك ممّا يقع على عاتق الحكومة في الإصلاح.

وأما الثالث: وهو البُعد الشعبي ويرتبط بالاُمّة: فإن التربية الصحيحة الايمانية، وتشغيل الشباب، وتزويجه، من أهمّ أسباب انخفاض المنكرات بل انعدامها، وإلاّ كان مثله مثل ما قاله الشعر المشهور:

ألقاه في البحر مكتوفاً وقال له ايّــاك ايّـاك أن تبتــلّ بالمــاء

العقوبات

فالعقوبات التي وضعها الشارع هي اللازم تطبيقها، أما العقوبات التي وضعها القانون، فإنها وإن وضعها لما يعدّه الإسلام جرماً لا يجوز تنفيذها.

مثلاً: انّ الشارع قد قرَّر في القتل مقداراً معيّناً من الدية، فالواجب على القاتل ـ خطاءاً شبه عمد، أو صلحاً في العمد ـ أن يعطي ذلك المقدار المعيّن لذوي المقتول، فإذا قرّر القانون أكثر من ذلك، أو أقل منه، أو شيئاً آخر مع الدية، أو بدون الدية، فلا يلزم اتباعه.

مثلاً: ان الشارع قد قرّر الدية ألف مثقال ذهباً (مثقالاً شرعيّاً) فإذا قرّر القانون (خمسمائة) فالواجب على القاتل تجاوز القانون وإعطاء الألف، وإذا أعطى خمسمائة فلورثة المقتول التقاص.

وإذا قرّر القانون ألف وخمسمائة، فالواجب على القاتل إعطاء ألف فقط، فإذا أخذ منه الورثة الخمسمائة الزائدة، كان للقاتل التقاص بمقدار خمسمائة، اللّهمّ إلاّ إذا كان الزائد أو الناقص بالتصالح ـ عن رضى ـ من الطرفين.

هذا بالنسبة إلى زيادة الدية ونقيصتها، أما بالنسبة إلى ابدال الدية، وذلك كما إذا قرّر القانون بدل الدية، خدمة القاتل لأولياء المقتول ثلاث سنوات، فإنه لم يجب ذلك على القاتل.

وأما بالنسبة إلى تقرير القانون شيئاً آخر مع الدية التي قرّرها الإسلام، وذلك كما إذا قرَّر القانون مع الدية سجن القاتل، فلا يلزم على القاتل قبول السجن، وهكذا في سائر العقوبات المخالفة للشرع زيادة أو نقيصة، أو بدلاً، أو معاً.

وكذلك يكون الحكم بالنسبة إلى تبديل من عليه الدية بغيره، فإن الشارع ـ مثلاً ـ قد قرّر دية الخطأ على العاقلة، فإذا قرّر القانون كون الدية على نفس القاتل الذي وقع منه القتل، لم يلزم عليه إعطاء الدية، إلى غير ذلك من الأمثلة.

طريق إثبات الجريمة

ثم انّ بعد الأمرين السابقين: (الجرائم والعقوبات) يأتي دور الأمر الثالث وهو: طريق إثبات الجريمة، فإذا جعل القانون طريق الإثبات غير ما جعله الشارع، لم يلزم على المتّهم قبول العقوبة، حتّى وإن كانت الجريمة التي اتُّهم بها تعدّ في الإسلام جريمة.

مثلاً: ان الشارع قد جعل طريق إثبات الزنا أحد أمرين: (الشهود الأربعة، أو الإقرارات الأربعة) فإذا أثبت القانون الزنا على المتّهم عن طريق علم القاضي، أو القرائن، كالفحص الطبّي أو ما أشبه، لا يجب على المتّهم قبول ذلك وجاز له الهرب حتى وإن فرض انه يطبق عليه الحدّ الشرعي، بأن يضرب مائة جلدة ـ مثلاً ـ.

منفِّذ العقوبة

ثم يأتي دور الأمر الرابع وهو: ما يجب من شروط في منفِّذ العقوبة، فإنه يلزم أن يكون مجتهداً عادلاً ومرجعاً للاُمة، لأن المراجع هم وحدهم في زمان الغيبة الخلفاء الشرعيون للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: اللّهمّ ارحم خلفائي...(5) ولأنهم هم وحدهم المنصوبون من قبل أوصياء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للحكومة، وذلك للحديث الشريف: فإنّي جعلته عليكم حاكماً (6) فلا يحق لغيره التنفيذ، وإن فرض تمامية الأركان الثلاثة المتقدّمة.

توفر شروط تنفيذ العقوبة

بقي هنا شيء آخر قد أشرنا إليه في بعض المسائل السابقة، وهو: انه إذا لم تكن شروط تنفيذ عقاب الجريمة ـ على ما ذكرناه ـ متوفّرة، فإنه يجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، اخبار السلطة غير الشرعية للحيلولة دون الجريمة وانتشارها، وإن تمّ ذلك بعقاب غير مشروع، فيما إذا كان هناك مسألة الأهمّ والمهمّ، وما أشبه.

مثلاً: يجب الوقوف أمام من يريد القتل، أو الإغتصاب، أو السرقة، أو الاحراق، أو ما أشبه ذلك، كما يجب تعريض من يرتكب هذه الامور إلى العقاب حتى وان كان الوقوف والتعريض بسبب سلطة غير شرعية وقوانين غير شرعية، بأن كانت السلطة ـ مثلاً ـ تعاقب القاتل بسجن مدّته خمس سنوات، أو تعاقب الذي يغتصب الفتيات، بحرمانه من حق الانتخاب، إلى غير ذلك، فان الواجب اخبار السلطة والشهادة أمامها حتى لا يتفشى المنكر، وحتى لا تتعرّض اموال الناس واعراضهم ودمائهم للخطر.

وكذلك يجب اخبار السلطة والشهادة على من يريد قتل انسان بريء وان لم يرتكب القتل بعد، وذلك فيما إذا علم بأنه إذا لم يخبر عليه قتل المجرم ذلك الانسان البريء، فانه يجب اخبار السلطة عليه حتى وان كانت السلطة تعاقبه بعقاب غير شرعي، بان تسجنه مدة سنة واحدة ـ مثلاً ـ وذلك لدوران الامر بين الاهم والمهم، حيث ان القتل اهم في نظر الشارع ـ حسب ما يستفاد من الادلة ـ من سلب حرية مريد الاجرام، سنة فرضاً.

بل يتعدّى الامر بالنسبة إلى فاعل المنكرات الشرعية أيضاً، فالمفطر ـ مثلاً ـ في شهر رمضان علناً لو لم يخبر الانسان السلطة عليه لتصده عن منكره، تفشّى الافطار العلني الذي هو محرّم، وإذا اخبر السلطة عليه سجنت المفطر ـ مثلاً ـ بقايا ايام شهر رمضان وهو ليس عقاباً شرعياً، أو إذا اخبر السلطة بالمطعم المفتوح المنتهك لحرمة شهر الصيام صادرت السلطة اثاث مطعمه وهو أيضاً ليس عقاباً شرعياً، فانه مع ذلك يجب اخبار السلطة للصد عن المنكرات الشرعية. مع رعاية قانون الاهم والمهم وقانون لا ضرر.

ثمّ انه إذا لم يمكن الصد عن الجريمة بالطرق الطبيعية فهل يجوز في الاخبار على المجرم القول بما هو خلاف الواقع لصدّ المجرم وقلعه عن جريمته؟

فمثلاً: إذا لم تضع السلطة غير الشرعية عقاباً لمن يتعرض بالفتيات، وكان هناك من يتعرّض لهن، ولم ينقلع بالنصيحة والموعظة، فهل يجوز اخبار السلطة بانه يريد الإغتصاب حتى تصدّه عن جريمته فيما إذا كانت السلطة قد وضعت العقاب على الإغتصاب دون التحرش بهن؟

الأصل هنا عدم الجواز إلاّ إذا تحقق موضوع الاهم والمهم.

إلى غير ذلك من الامثلة الكثيرة التي ابتلي المسلمون بها، منذ اخذ الحكام الجائرين بزمام بلاد الإسلام وتطبيق القوانين المستوردة فيها.

عدم إنزال العقوبة الشرعية في غير المجرم

قانون العقوبات الشرعية كالقصاص والحدود لا يجوز تطبيقه في حق يغر المجرم وذلك لانّ العقاب وضع في الدنيا والاخرة على المجرم نفسه لإجرامه، وقد قال سبحانه: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)(7).

أما في الامور الاضطرارية فذلك استثناء، لقانون الاهم والمهم مثل: قتل المتترس به من محقون الدم، لكن اللزم تداركه مهما أمكن باعطاء الدية من بيت المال.

الأهم والمهم في شمولية العقوبة 

ان في الاُمور الطبيعية، قد يسري العقاب إلى غير المجرم بان يسري إلى أولاده ـ مثلاً ـ كما قال سبحانه:(وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا اللّه وليقولوا قولاً سديداً)(8) وفي الحديث القدسي: اني آخذ الأبناء بجرم الآباء(9).

ان قلت: فلماذا قال سبحانه: (لو تزيلوا لعذبنا)(10) (وقد ورد في تفسيره: ان العذاب لم ينزل على قوم نوح إلا بعد عقم النساء عن الولادة ـ لانه لم يكن للأولاد ذنب ـ؟

قلت: انزال العذاب اختياري للفاعل من دون أن يكون هناك أمر طبيعي،أما في الامور الطبيعية ـ كما في الآية والرواية السابقة ـ فالمنهاج الكلي للحياة هو الذي يسبب شمول العذاب لغير المجرم من الأولاد ونحوهم، إذ الأمر دائر بين ثلاثة اُمور:

1- وضع النهج الكلي للطبيعة، فيشمل من لا ذنب له.

2 - عدم وضع النهج إطلاقا، فيوجب انفلات المجرم.

3 - جعل الاستثناء في الطبيعة، فيوجب عدم استقامة الحكم.

ومن المعلوم ان الأول أولى من الأخيرين.

مثلاً: هل يجعل اللّه الشمس محرقة تكويناً؟ أو لا يجعلها كذلك؟ أو يجعلها تحرق من يستحق فقط؟

فإن كان الأول، لزم أن يحرق من يستحق ومن لا يستحق وان كان الثاني: لزم عدم الإستفادة من الشمس في تصعيد البخار وتكوين السحاب وارواء الأراضي للزرع والضرع.

وان كان الثالث: لزم عدم اطراد القانون، فلا يعلم أين تحرق الشمس وأين لا تحرق.

ولا يخفى ان ضرر كلا الأمرين: عدم الإحراق والاستثناء، أكثر من ضرر الأوّل وهو الإحراق، فيدخل تحت قانون الأهم والمهم تكويناً، فإن هذا القانون كما يجري تشريعاً يجري كذلك تكويناً، وفي الحديث: شكاية المـرأة إلى سليمان عليه السلام من الريح(11).

وكيف كان: فأخذ الابناء بجرم الآباء ـ في دار الدنيا ـ داخل في قانون الأهم والمهم التكويني.

ولذا من ربّى حيّة واستفرخها فتكاثرت، فانه لابد وأن تلدغ الفراخ أولاده، كما ان من يخرق السفينة فلا بد وان يعم الغرق أهل السفينة كلهم.

نعم هذا في التكوين كما عرفت، لا في التشريع.

و ربما يكون في التشريع أيضاً إذا كان هناك مقابل أو أمر أهم، كما في قضاء الولد الأكبر صلوات أبيه في قبال الحبوة ـ على ما ذكره الفقهاء ـ.

وكما في تحمل العاقلة عمل الصبي وخطأ الكبير، في قبال المقابلة بالمثل في الكبير، والولاية على الصغير، فانه من التكافل الاجتماعي الذي قال به العقلاء أيـــضاً، ولذا قال صلى الله عليه وآلــــه وسلم: اُمرت أن آخذها من أغنيائكم واردها في فقرائكم(12).

وكما في العقاب يكون في الثواب أيضاً تكويناً وتشريعاً.

ففي الأوّل: السمعة الحسنة تورث الابناء والأقرباء سمعة حسنة أيضاً.

وفي الثاني: يرث الأولاد والأقرباء والأزواج آبائهم وأقربائهم وازواجهم، أيضاً للمقابلة، وللأمر الأهم تكويناً وتشريعاً كما في العقاب ـ على ما تقدم ـ.

الأمر الثاني (اهداف شمول العقوبة لغيرالمجرم )

ربما يستشكل بانه كيف يضع الشارع قانون العقاب التشريعي بحيث يتعدى إلى غير المجرم؟ أليس ذلك منافياً لقوله سبحانه: (لاتزر)(13) وقوله تعالى: (وان ليس للإنسان إلا ما سعى)(14).

والجواب: انه لامر أهم، فإذا زنت بنت إنسان ـ والعياذ باللّه ـ مما يوجب اجراء الحد عليها تخدش سمعة كل العائلة مع انهم ليسوا مجرمين إطلاقا، لكن ذلك لأن خرق العفة الإجتماعية أوجب عقاباً لابدّ له من هذه الملازمة، ورتق العفة العمومية اهم مما يلازمه من خدش سمعة الأقرباء.

هذا بالاضافة إلى ان في فعل هذه الملازمات الرَّدع العمومي والوقاية المستقبلية، فإن عقاب بنت زيد له من التخويف على الإجتماع ما يوجب مواظبة الأقرباء لذويهم حتى لا ينزلقوا، مما ليس له ذلك الأثر لو لم يكن هذا التخويف الإجتماعي.

اشكال آخر( العقوبة بين السر والعلانية )

وبهذا يجاب عن اشكال آخر وهو: انه لو زنت بنت زيد فلماذا يشهر بها بمعاقبتها أمام الملأ مما يوجب خدش سمعة العائلة، بينما يمكن عقابها في مكان مستور مما يحفظ ماء وجه العائلة ولو بقدر، أو حفظ ماء وجه العائلة إطلاقا وذلك باغراقها في الماء، أو سقيها السم، أو ما أشبه ذلك مما يظهر انها ماتت حتف انفها، لا انه عقوبة لزناها حتى يستلزم خدش سمعة العائلة.

والحاصل: ان اراقة ماء وجه العائلة لأصل العقوبة أولاً، وللعلنية في العقوبة ثانياً، انما هما لأمر أهم. فان اصل ترك العقاب يسبب تفشي الإجرام، واخفاء العقاب يسبب تفشي اللامبالات عند الإجتماع.

إذن: فالقانون الشرعي وضع حسب موازين العقل وحسب ما يفعله العقلاء، سواء في التكوين ـ كما ذكرنا في احراق الشمس لمن يستحق ولمن لا يستحق، وكذا امثاله من الزلزلة والسيل والصاعقة وما أشبه ـ ام في التشريع بجعل العقاب الذي يطال غير المجرم.

من مسوّغات القانون

يصح جعل القانون للأهمية ولذات الجرم ولو لم يكن الفاعل مجرماً مع الارادة، أو بدون الإرادة، مع العلم بالقانون، أو بدون العلم به، مع العلم بالعاقبة السيئة خصوصية أو بغير خصوصية وانما بالجامع، أو بدون العلم بالعاقبة السيئة، كل ذلك عقلي وعقلائي، وفي الشريعة امثال لها.

اما مثال الاهمية: فالخمس والزكاة فانهما مجعولان لاهمية المال لإدارة الشؤون العامة ونحوها، وتركها جرم يعاقب عليه.

واما مثال ذات الجرم: فهو كمن قتل انساناً في نومه، فالقانون جعل عليه الدية وان لم يكن مجرماً ولا له إرادة، وكون الدية على العاقلة لقانون آخر تقدمت الإشارة إليه.

وكضمان الطبيب إذا لم يأخذ البراءة، وكتحريم الرضاع للمحرمات الرضاعية وإن شرب الطفل اللبن بدون اختيارها، وكلزوم المهر على الواطي للأجنبية في حال منامهما، إلى غيرها من الأمثلة.

ولا فرق في الفاعل المريد بين كونه يعلم بالحرمة ام لا، كمن وطىء زوجة الغير وهو يقطع بانها زوجته فانها تحرم عليه ابداً، وكمن لاط بغلام وهو يقطع بجوازه، فانه محرم عليه أخته واُمه وبنته.

أو إذا علم بالحرمة فانه لا فرق بين كونه يعلم بالقانون أي: كون الموطوئة في حال الزوجية تحرم عليه ابداً، أو ان لوطيه عقاب كذا، أم لا.

أو إذا علم بالعقاب فانه لا فرق بين كونه يعلم بقدره كمائة جلدة أم لا وانما يعلم ان عليه عقاباً في الجملة.

القانون لكل الأحوال

ثمّ انه قد يكون القانون لكل الأحوال: السابق واللاحق والمقارن، وقد يكون لاحدهاً.

مثلاً: الربيبة محرمة على زوج الاُم سواء كانت سابقاً على الزواج بالاُم، ام لاحقاً من زوج آخر، ام مقارناً، كما إذا وُطئت الزوجة شبهة فأولدت بنتاً فانها محرمة على الزوج.

والسابق: كما إذا لاط بالغلام قبل الزواج بالاُخت، أما إذا لاط به بعد الزواج بالاُخت لم تحرم.

والمقارن: كما إذا جامع زوجة الغير، فانها تحرم عليه ابداً، أما إذا زنى بها قبل الزواج أو بعد خروجها عن العدة لا تحرم عليه بالزنا بها، لأن الحرام لا يحرم الحلال.

واللاحق: كما إذا أراد ان يتزوج بنتاً لها اُم، لا زوج لها، فان البنت لا تحرم قبل الزواج بالاُم.

إلى غير ذلك من الأمثلة في مختلف المجالات وان كان في بعض الأمثلة التي ذكرناها مناقشة.

ثمّ انه لا اشكال في وجود قانون التحريم للأخت وسائر المحرمات من النسب، فإذا اسلم أحد الزوجين وكان الآخر اخاً أو اختاً أو ما أشبه فاللازم المفارقة.

كما انه لا اشكال في عدم وجود قانون التحريم للاُخت وسائر المحرمات من التبنّي، فإذا تزوج الكافر اُخت من تبنّاه وجعله ابناً له ثمّ أسلم، فلا يلزم المفارقة وليس عليه شيء.

 إستثناء 

وفي بعض الموارد إشكال، كما إذا تزوج الكافر اخته من الرضاعة قبل الإسلام، أو اُخت الملوط به قبل الإسلام، فهل الإسلام يجبّ ما كان قبله(15) يشمل مثل هذا، فيبقى معها، ام لا فيلزم مفارقتها؟

احتمالان، وإن كان الأقرب إلى النظر عدم التحريم لقاعدة الجب في غير المتيقن، اما المتيقّن مثل ما كان من النسب فلا يشمله قانون الجب(16).

بين قانون العقوبات وقوانين القضاء

قانون العقوبات المقرّرة في الإسلام يشتمل على امرين:ـ

الأوّل: الطريق.

الثاني: الهدف.

فالطريق: عبارة عن الإجراءات الواجب اتخاذها لكشف الجريمة فيما إذا كانت الجريمة غير منكشفة، والقبض على المجرم، والتحقيق معه، ومحاكمته، كل ذلك بالطرق الإسلامية الواقعية والبسيطة، لا المعقدة بتلك التعقيدات التي فرضتها قوانين اليوم.

والهدف: عبارة عن الحكم بالبرائة أو الإدانة بما ينزل العقاب عليه.

ولا يخفى: ان النسبة بين قانون العقوبات بطريقه وهدفه، وبين سائر قوانين القضاء في المنازعات ونحوها مثل تحقيق حكم الارث والورثة، والوقف والوصية والثلث والايتام واحكام الغائب والقاصر، وما أشبه ذلك، عموماً من وجه.

مثلاً: طريقية العلم والبينة واليمين والإستصحاب والشهرة ـ كما في الوقف والنسب ونحوهما ـ يأتي في كلا الأمرين إلاّ ما خرج، فإن ما اشتهر بأنه وقف، أو انه قريب فلان، أو انها زوجة فلان ـ فيما لم يمكن التحقيق أكثر من الشهرة ـ أو انه قاض، أو ما أشبه ذلك، يأتي في باب القضاء، ويأتي في باب العقوبات أيضاً إلاّ ما خرج، كما ذكرنا من عدم كفاية العلم في الزنا واللواط.

ثم ان الاُسلوب الفقهي في الإسلام، وكيفية ترتيب كتاب القضاء والشهادات، والحدود والقصاص والديات، من أفضل الأساليب التي عرفها العالم إلى اليوم، تبويباً، وبساطةً، وواقعية، فإن عدالة الشهود ـ مثلاً ـ تجعل الواقع أقرب، من الإعتماد على أيّ شاهد كان وإن لم يكن عادلاً، كما تراه القوانين الحاضرة ـ ونظرة إلى قوانين اليوم المدوّنة، والكتب الفقهية، تجعل الإنسان يذعن بما ذكرناه.

نعم، لا إشكال في ضرورة ضمّ المسائل الحديثة إلى الفقه كل في بابه، كما فعله بعض فقهائنا في العصر الحاضر، وقد ذكرنا في كتاب القضاء (17) صحّة الإستيناف والتمييز، وقد فعلهما رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم.

مستثنيات قانون العقوبات

استثنى الشارع من قانون العقوبات مطلقاً ـ في غير الضمانات فانها لا استثناء فيها ـ بل في الحدود والقصاص والتعزيرات، الشبهة، فقد ورد: ادرأوا الحدود بالشبهات(18) وهي تشمل نصاً أو ملاكاً: شبهة الفاعل، والشاهد، والقاضي، والمجتهد، فيما إذا كان القاضي يطبق رأي المجتهد سواء مجتهد القاضي نفسه ـ فيما إذا لم يكن مجتهداً ـ أم مجتهد المترافعين فيما إذا قلنا بالتزامه بتطبيق رأي مجتهدهما على مقلديهم.

مثلاً إذا كان رأي القاضي حرمة عشر رضعات، لكن كان رأي مجتهدهما الحلية، فانه لا يفرّق بينهما إذا راجعاه.

( شبهات قانونية) شبهة الفاعل

والمراد بشبهة الفاعل: الشبهة في أصل الحرمة لا في خصوصية الحرمة، أو أصل الحد، أو خصوصية الحد.

مثلاً: قد لا يعلم ان الوطي في الحيض حرام فيطأ، وقد يعلم انه حرام في الجملة، لكن يشك في ان الحرمة تشمل الوطي مع شبقهما أو لا تشمل.

وكذلك في باب العلم الإجمالي بان علم انه يحرم عليه إحداهما للرضاع أو للنسب، لكن لا يعلم ان المحرم ايتهما فيتزوج بهما أو باحداهما.

أو يعلم ان في شرب الخمر الحرمة، لكن لا يعلم ان فيه الحد، أو يعلم ان فيه الحد، لكن لا يعلم هل الحد مائة جلدة أو تغريب شهر؟ إلى غير ذلك من الأمثلة.

نعم في باب الشبهة في الأقل، والعلم الإجمالي فيما إذا فعل الأكثر أو أحدهما كالمثالين السابقين كلام.

شبهة الشاهد

والمراد بشبهة الشاهد: شبهة أحدهما أو كليهما، أو واحد من الأربعة كما في الزنا ـ مثلاً ـ نعم إذا اكتفى الشارع بالشاهد الواحد في بعض الشيء، وكان الشاهد الثاني مشتبهاً ينفذ الحكم بمقدار الشاهد الواحد كما في باب الوصية، لكن ذلك خارج عن محل البحث، ومثله الشاهدان في المال إذا حلف المدعي حيث يكفي الشاهد الواحد منضماً إلى الحلف.

وعلى أي حال: فإذا شك الشاهد في انه شرب الخمر أو الماء، أو انّ المجرم زيد أو عمرو، أو انه وطي زوجته أو الأجنبية، أو ما أشبه ذلك لم يحق له الشهادة إلاّ بما علم.

وجامعه: ان لا يشهد في الشك بين المتباينين، ويشهد بالأخص إذا شك بين الأعم والأخص، كما يشهد بالجامع إذا شك بين طرفي العموم من وجه، ولا يكفي في رفع الشبهة الظن فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم وهو يشير إلى الشمس: على مثل هذه فاشهد أو دع.

وإذا شهد ان احدهما قتل زيداً عمداً، لا يُقتصّ من أي منهما، وانما تنصّف الدية بينهما لقاعدة العدل.

شبهة القاضي

وشبهة القاضي: تشمل الشبهة الموضوعية.

كما إذا لم يعلم هل انه زنى اضطراراً أو اختياراً ولم يتمكن من الإستظهار؟ أو هل انه شرب الماء في شهر رمضان نسياناً أو عمداً؟ إلى غير ذلك من أمثلة الشبهة الموضوعية.

وتشمله الشبهات الحكمية أيضاً: كما إذا لم يتمكن من استظهار ان ما يُحرِّم الاُخت هل هو اللواط بين بالغين أو حتى بين صغيرين؟

أو ان المحرِّم في الرضاع هل هو عشر رضعات أو خمسة عشر رضعة، وكان الرضاع عشراً؟

أو ان المعاطاة توجب الملك أو الإباحة؟ أو ان مرور الزمان الطويل يجعل الدعوى باطلة ام لا؟ وذلك كما إذا ادّعى الحفيد العاشر لزيد: ان الدار له، بينما كانت في يد الحفيد العاشر من المتصرفين مع علمنا بانها كانت قبل مائتي سنة لزيد، إلى غير ذلك من الأمثلة.

والمراد من الأمثلة التي ذكرناها: هو مجرّد المثال، والا فبعض الأمثلة المذكورة غير مرتبطة بالعقوبات إلا في تعزير المخالف.

ولا فرق في درء الحدود بالشبهة كلاً أو بعضاً، مثلاً: قد لا يقوم الدليل على شربه الخمر فانه لا يحدّ، وقد يقوم الدليل على فعله محرماً لكن لا يعلم هل هو الزنا أو شرب الخمر؟ فانه لا يحد أكثر من ثمانين، ولو شك في انه هل زنى وهو محصن أو غير محصن حيث لا أصل موضوعي في المقام، فانه لا يرجم.

هذا في الكم، وكذلك الحال في الكيف، فان الحد قد يضرب بشدة وقد يضرب بخفة، فإذا شك بينهما ضرب بخفة.

والظاهر من الشبهة: انها اعم من العلم بالشبهة، ومن الشبهة في الشبهة.

فروع

 دوران الحكم بين فتوى فقيهين

ثمّ ان في المقام موارد متعددة يشك في انها هل هي من الشبهة ام لا ـ أو يفرض انه يشك كذلك ـ ؟

مثلاً: لو يعلم انه يستحق قطع اليد لكن يشك في انه هل هو من الأصابع لانه سرق، أو من المرفق لأنه قطع يد محقون الدم؟ فهل هو من المتباينين حتى لا يقطع إطلاقا، أو من الأعم والأخص حتى يقطع من الأصابع؟

أو شك في انه هل هو من العامة حتى يقطع للسرقة من الزند، أو من الخاصة حتى تقطع من الأصابع؟

ومثله أيضاً: ما إذا كانا يقلدان من يجعل العقد بالفارسية كلا عقد فيكون زنا، أو يجعل رضى الوالد لازماً حتى يكون الزواج بالبكر من دون رضاه زنا، أو ما أشبه، فإذا فعلا ذلك بدون اعتناء بالحكم وكان هناك فقيه جامع للشرائط حيّ يرى كفاية العقد بالفارسية وكفاية رضاها، فهل يجري القاضي الحد عليهما للزنا بإعتبار مرجع تقليدهما، أم لا بإعتبار ان المسألة خلافية؟

وكذلك الحال فيما إذا تزوّجا وهما يعلمان بانهما قد رضعا معاً عشر رضعات مع انهما يقلدان من يقول بتحريم ذلك، إلى غيرها من الأمثلة الكثيرة.

دوران الحكم بين محرمين 

ومثله أيضاً: ما لو قالت له لو لم تُقبّلني أو تزني معي ـ وهي متزوجة أو غير متزوجة ـ قتلت نفسي، أو العكس بأن كانت تعلم بقتله نفسه إذا لم تمكّنه من نفسها منه، فهل ذلك جائز في المثالين حتى لا يكون حد، أو غير جائز حتى يكون الحد؟ ـ والمفروض عدم مبالاتهما بحكم الشرع ـ وانما الحد وعدم الحد على واقع الفتاوى.

حيث قال بعض المعاصرين بالجواز، لانه من الدوران بين محرّمين: قتل يمكن من الحيلولة دونه. وقبلة أو زنى، فيكون من قبيل التصرّف في الغصب لانقاذ الغريق، إذ الغصب وترك الإنقاذ كلاهما محرّم في نفسه.

وقال بعض بالعدم، للفرق بين الأمرين.

وهكذا الحال في الأمثلة المضروبة لذلك ما إذا رجمناه بعض الرّجم بزعم انه عن احصان، فتبين قبل موته انه بدون احصان، فهل يحد مائة جلدة ام لا؟

أو حددناه بعض المائة بزعم عدم الاحصان، فتبين في الأثناء انه عن احصان، فهل يرجم أم لا؟

ومسائل الشبهة كثيرة جداً، وكلما تحقق الموضوع تحقق رفع العقاب ذاتاً أو كماً أو كيفاً.

ولا يبعد ان الشبهة تشمل احتمالها كما ذكروا في الضرر حيث يشمل احتماله.

عدم شمولية القاعدة

ثمّ انا قد اشرنا فيما سبق: بان رفع العقاب بسبب الشبهة لا يشمل الضمانات والديات، فإذا سرق وشك الحاكم في انه هل كان جامعاً لشرائط القطع أم لا؟ لم يقطع، لكنه يضمن المال، وكذلك في القتل المشكوك بين العمد وغيره فانه يضمن الدية، إلى غير ذلك.

 

(1) الكافي : ج 5 ، ص 284 ، ب 169 ، ح 2 .

(2) وسائل الشيعة : ج 17 ، ص 376 ، ب 1 ، ح 10 .

(3) وسائل الشيعة : ج 12 ، ص 364 ، ب 17 ، ح 5 .

(4) سورة ابراهيم: الآية 28.

(5) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ، ص 279 ، ب 176 ، ح 95 .

(6) الكافي : ج 1 ، ص 121 ، ب 21 ، ح 10 .

(7) سورة الانعام ، الآية : 164.

(8) سورة النساء ، الآية : 9.

(9) راجع الكافي : ج 5 ، ص 555 ، ب 380 ، الحديث 1. وفيه : اني مجازي الأبناء بسعي الأباء.

(10) سورة الفتح ، الآية : 25.

(11) بحار الأنوار : ج 14 ، ص 73 ، ب 5 ، ح 14.

(12) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 11 ، ب 18 ، ح 2.

(13) سورة الأنعام ، الآية : 164.

(14) سورة النجم ، الآية : 39.

(15) بحار الأنوار : ج 6 ، ص 22 ، ب 20 ، ح 24.

(16) تفصيل الكلام في كتاب القواعد الفقهية قاعدة جب الإسلام.

(17) موسوعة الفقه : كتاب القضاء .

(18) مستدرك الوسائل : ج 18 ، ص 26 ، ب 21 ، ح 3.