الفهرس

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

القانون ورعاية اُمنيّات الناس

انّ من أهم الاُمنيات بالنسبة إلى القانون هو: أن يكون القانون بحيث يراعي عواطف الناس ويماشي مذهب ودين كل طائفة، حسب معتقده وما جرت عليه تقاليده، بشرط أن لا يكون ذلك خلاف مصلحته الشخصيّة التي يعرف تلك المصلحة الأعلم والأبصر منه، ولا خلاف مصلحة الجماعة، لأنه إذا تعارضت المصلحتان قدمت الثانية على الاُولى، وذلك من جهة قانون الأهم والمهم، أو قانون لا ضرر، أو لأن مصلحة الفرد ـ بالأخرة ـ في مصلحة الجماعة، أو لغير ذلك.

وهذه المماشاة مع المعتقدات والعواطف البشرية هو الذي راعاه دين الإسلام ـ لأنه نازل من لدن عليم خبير ـ ولذا سنّ قانون الإلزام وما أشبه ذلك: من إقرار الناس على عقائدهم وعدم اكراههم على عقائد غيرهم، ليقرّب بذلك قلوبهم إلى الإسلام وليخالطوا المسلمين، فيعرفوا فضل الإسلام وواقعيته ويرجوا ثواب الآخرة ويخافوا عقابها، فيسلموا.

وبهذه الكيفية: من (مُرُونَةُ القانون) بالإضافة إلى (أهليّة حملة القانون) الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام والصالحين من العلماء والدعاة، تمكن الإسلام من الإنتشار السريع أولاً، والبقاء ـ مع كثرة العواصف ـ ثانياً، حتى أنقذ الناس من الظلمات إلى النور وهداهم إلى الصراط المستقيم، مما لم يسبق مثله لدين أو مذهب أو طريقة ـ إطلاقاً ـ.

القانون ورعاية حريات الناس

ثم ان الإنسان كما انه يتطلّب الحريّة في كل شيء وأقرّ له الإسلام ذلك ـ باستثناء ما فيه إضرار نفسه أو إضرار الآخرين ـ من المأكل والملبس، والمسكن والمركب، واختيار الزوج والكسب، وأشياء اُخر، كذلك يتطلب الحريّة في عقيدته وشريعته، ولذا أقرّ له الإسلام ذلك، فقرّر له الإنتخابات، حيث قال سبحانه: (وأمرهم شورى)(1) وفوّض إليه اختيار مرجع التقليد، والقاضي، وإمام الجماعة، ومن إلى ذلك.

وقد أشار القرآن الحكيم إلى امضاء هذه الحريّة العقيدية والتشريعية في الإسلام حيث قال سبحانه: (لا إكراه في الدين)(2).

وقال تعالى: (كل امرء بما كسب رهين)(3).

وقال سبحانه: (لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً)(4).

وقال تعالى: (ولو شاء اللّه لجعلكم اُمّة واحدة)(5).

وكما يكون من الخطأ: اجبار الناس على توحيد أزياء ملابسهم، وتوحيد مأكلهم، ومشربهم، وخصوصيات مسكنهم، وأعمار زوجاتهم وأزواجهم، وأوقات عملهم و فراغهم، وألف شيء وشيء آخر من التصوّرات التي هي خلاف الطبيعة والفطرة البشرية.

كذلك يكون من الخطأ: اجبار الناس ليكونوا كلهم على قانون واحد، وقد فشل في هذا المجال كل من حاول من الحُكّام توحيد الناس في اللباس ونحوه فشلاً ذريعاً، كما فعله البهلوي في ايران، وأمان اللّه خان في افغان، واتاتورك في تركيا، وياسين الهاشمي في العراق.

بل انّ الكون الفسيح ليعدّ من أبهي جماله وكماله: التلوّن والتشكل بأشكال مختلفة، وألوان متميّزة، فهل من الصحيح أن يقول أحد: بأن من ان الأفضل توحيد أشكال الفواكه وطعومها وألوانها ومزاياها، وذلك بأن لا تكون فاكهة اطلاقاً إلا التفّاح، بل والتفّاح أيضاً -بما فيه من أشكال وألوان وخصوصيات ومزايا مختلفة- يكون من نوع واحد فقط؟

انّ من حكمة اللّه البالغة ورحمته الواسعة أنْ (أعطى كلّ شيء خلقه ثُمَّ هَدى)(6) فكل محتاج إلى اللّه ـ بلسان التكوين ـ أعطاه اللّه تعالى حقّه: الماء العذب والمالح، والتراب والذهب، والفاكهة المرّة والحلوة والحامضة وغيرها.

بل وحتى الأنبياء عليهم السلام فضّل بعضهم على بعض، وفي آية اُخرى: (اُنظر كيف فضّلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً)(7).

كذلك ليس من الصحيح جعل القانون للكل ـ اجباراً ـ على لون واحد، ولذا انتقد الفقهاء حكّام بلاد الحجاز في جبرهم الناس على الصلاة أوّل الوقت ـ ممّا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا خلفائه ـ وفي جبرهم الناس على الصلاة خلف إمام واحد في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مع ان الأمر لم يكن من قبل كذلك، بل كان لكل جماعة الحق في أن يصلّوا بإمام خاص لهم في نفس المسجدين في أول الوقت أو في غير أوله.

القانون التربوي الإسلامي

والقانون الإسلامي اغنى القوانين ـ الدينية والوضعية ـ في الأنحاء الثلاثة من التربية:

فالاسوة فيها: هم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام والعلماء الربانيون، الذين لا يشق لهم غبار.

والتربية الإجتماعية فيه: فموكول إلى المجتمع الملتزم الذي يعمل بالإسلام في كل صغيرة وكبيرة، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويرى نفسه مسؤولاً عن كل شيء، وهو المحيط الصالح للتربية الصالحة الكاملة، وقد شاهدت انا ذلك في العراق قبل الحرب العالمية الثانية وقد ذكرت جزءاً صغيراً منه في كتاب: بقايا حضارة الإسلام كما رأيت.

والتربية الفردية فيه: فهو موكول إلى الآباء والأقرباء، والمعلّمين الذين يرون انفسهم مسؤولين تجاه أبنائهم وتلاميذهم ويرون على أنفسهم القيام بتربيتهم وتعليمهم حسب مناهج الإسلام الذي هو أرقى من كل مناهج التربية التي شاهدها البشر في عصره الطويل.

فالقانون شرعياً كان أو وضعياً غايته ان يحفظ الفرد والمجتمع الحاضر والآتي عن الأخطار ويوجب له التقدم، ولذا يجعل لكل حافظ ثواباً ولكل هادم عقاباً.

ويلاحظ في الثواب والعقاب النسبة المعقولة حسب الواقع كما في القوانين الشرعية، أو حسب نظر المشرّع كما في القوانين الوضعية.

وهناك قسم آخر من العلماء يرجعون الأمر بالاخرة، إلى جلب اللذة ودفع الألم ويقولون: بان كل شيء يعمله الإنسان فهو إمّا للحصول على اللذة الجسدية أو الروحية أو العقلية، واما لدفع الالم عن احد الثلاثة.

وإنّما فرّقنا بين الروحية والعقلية والجسدية، لان من اللذة ما ليس عقلياً ولا جسدياً مثل وهم الرئاسة، فان الجسد لا ينتفع منه، كما انه ليس بعقلي أيضاً، ولأنّ منها ما ليس عقلياً ولا روحياً مثل الإهتمام بشؤون الجسم فحسب، فان في الناس من لا هم له إلاّ الأكل الطيّب واللباس الناعم والرياش الجميل.

ومن الناس من يريد ان يُذكَر اسمه، ويرتفع في المجتمع شأنه، ولا يهمّه ان يكون من حق أو باطل، كما لا يهمّه جسده، وإن اكل الجشب ولبس الخشن.

ومن الناس ما لا يهمه أحد الأمرين وانما يهمّه اقامة الحق وابطال الباطل.

وفي الحديث ان عبد اللّه بن عباس قال: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار وهو يخصف نعله فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها، فقال عليه السلام: واللّه لهي أحبّ إليّ من إمرتكم إلاّ أن اُقيم حقّاً أو أدفع باطلاً..(8) وكان لا يعتني بجسده الا بالقدر الضروري.

وعليه: فالناس ـ غير المعصومين ومن حذا حذوهم ـ في الدنيا على أقسام، وقد اشار المتنبي في قصيدة له يصف فيها اقدام سيف الدولة في الحروب وهروب اعدائه منه معللاً ذلك بقوله:

ارى كلنــا يبغــي الحيــاة لنفســه

حريصاً عليهــا مستــهاماً بها صباً

فحب الجبـان النفـس اورده التقـى

وحب الشجاع النفس اورده الحربا

ويختلف الرزقـان والفعـل واحـد

إلى ان يــرى احســان هذا لذا ذنبا

ومثله ما في شعر عمرو بن عبيد حيث يقول:ـ

كلكم يطلب صَيْد كلكم يمشي رويد.

القانون ورعاية المستضعفين

يجب على الدولة وضع القوانين التطبيقية المتكفلة نفع المستضعفين وإنقاذهم من أيدي المستبدّين نفساً ومالاً وعرضاً، ويدل على ذلك الأدلة الأربعة:

فمن الكتاب قوله سبحانه: (وما لكم لا تُقاتلون في سبيل اللّه والمستضعفين)(9) فإذا وجب القتال في سبيل إنقاذهم وجَبَ مادون القتال، مثل: تكوين الجمعيات الضاغطة، ونشر المجلات والكتب التوعوية، واستخدام سائر وسائل الإعلام في سبيل ذلك، وتشكيل جمعيات حقوق الإنسان، ولجان للدفاع عن حقه في الحياة والحرية والتملك المشروع إلى غير ذلك.

وكذا قوله سبحانه: (ولتكن منكم اُمَّة يدعون إلى الخيْر ويأمُرون بالمعروف وينهون عن المنكر واُولئك هم المفلحون)(10).

ولا يبعد أن يكون المراد بقوله تعالى: منكم: (من) النشوية لا التبعيضية، لأن قوله تعالى في آخر الآية: واُولئك هم المفلحون بضميمة ان الفلاح واجب، دال على لزوم أن يكون كل فرد من المسلمين كذلك، إلى غيرها من آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومن المعلوم: ان هذين الأمرين لا يخصان المستضعفين من المسلمين، فإن الأمر والنهي ليس خاصاً بأن يكون الطرف مسلماً، إلا في مثل ما قرَّره الإسلام من قوانين الإلزام، حيث يكون هناك فيما خالف الإسلام ـ مثل شربهم الخمر، ونكاحهم المحرّمات، وأكلهم الربا، وما أشبه ذلك بشرط عدم التجاهر به ـ وأما فيما عدا ذلك، فهو مجال الأمر والنهي والدعوة والإرشاد بدون العنف، على ما ذكر في كتاب الجهاد وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي رواية ثواب الأعمال وعقابها للشيخ الصدوق قدس سره: ان يهودياً عذّب في قبره لأنه لم ينصُر مظلوماً.

والحاصل: ان الإطلاقات تشمل نهي المستكبر وكفّ يده ـ إن أمكن ـ عن المستضعف من غير فرق بين الأقسام الأربعة من كون كل من الطرفين: الظالم والمظلوم مسلمين، أو كافرين، أو مختلفين، فإذا ظلم المسلم أو الكافر مسلماً أو كافراً في نفسه أو في عرضه، أو في ماله، أو ظلمه بتقييد حرياته المشروعة، وجب الدفاع عن المظلوم.

إلى غير ذلك من آيات وروايات إرشاد الناس إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلف الفضول قبل أن يبعثه الله تعالى بالنبوّة، وفي دعاء الإمام السجّاد عليه السلام: اللّهمَّ إنّي أعتذر إليك من مظلوم ظُلم بحضرتي فلم أنصره(11).

دليل الإجماع

والإجماع منعقد أيضاً على الكبرى ـ أي إطلاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ فيشمل ما نحن فيه وهو: الدفاع عن الكافر سواء كان ظالمه كافراً أو مسلماً.

دليل العقل في رعاية المستضعفين

والعقل يدل على ذلك أيضاً، فإن خذلان المظلوم وعدم الدفاععنه قبيح عقلاً، كما ان نصرة المظلوم والدفاع عنه حسن عقلاً.

هذا بالإضافة إلى الملاك الموجود في كثير من الآيات والأحاديث مثل ما دلّ على حق الكافر الجار، قال سبحانه: (والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب)(12).

وقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: الجار الذي ليس بقريب ولا مسلم له حق واحد، وإن كان أحدهما أيضاً فله حقّان، وإن كان الثالث أيضاً فله ثلاثة حقوق.

ومثل ما دلّ على حقوق البهائم فإنه يدل بالأولوية على حقوق الإنسان، قال علي عليه السلام: إنَّكم مسؤولون عن البهائم والبقاع (13) وقد ذكرنا في كتاب النفقات وجوب نفقة الحيوان مما دلّ عليه الروايات المستفيضة، مثل انّ امرأة دخلت النار في هرّة، و مومسة دخلت الجنّة في كلب، إلى غيرها.

كما يؤيّده أيضاً قول علي عليه السلام: الناس صنفان اما اخ لك في الدّين أو نظير لك في الخلق.

وحيث كنا نحن بصدد (التقنين) قلنا: على الدولة الإسلامية ان تضع القوانين لأجل هذا الأمر، والا فهو حكم عام لكل فرد من افراد المسلمين مثل سائر موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد إلى الخير.

هذا ولو فرض ان المراد بالاخ في قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: انصر اخاك ظالماً أو مظلوماً(14) هو: الأعم، كما لا يستبعد ان يكون كذلك - وقد تقدم أيضاً اطلاق الاخ على الإنسان، والمسلم، والمؤمن- كان من شواهد ما ذكرناه.

وعلى هذا فلو رأينا غير مسلم ـ ليس محارباً ـ يموت جوعاً أو عطشاً أو لأجل عدم الدواء، أو النزف، أو مبتلى تحت وطئة ظالم أو سبع أو في حالة حرق أو غرق أو خسفٍ أو ما اشبه، وجب انقاذه والصرف عنه.

هذا مضافاً إلى ان رعاية حقوق الإنسان في غير المسلم تقريب له إلى الحق وإلى الصراط المستقيم.

القانون والاُمور الخارجية

الاُمور الخارجية ـ في قبال الاُمور الذهنية ـ على ثلاثة أقسام:

الأول: الاُمور الخارجية ذات الحجم المناسب له من التكوينيات، ممّا يلمس غالباً بالحواسّ الخمس، والتي منها المذوقات والملموسات والمرئيات والمسموعات والمشمومات، فإنها اُمور خارجية، بالإضافة إلى مثل الجن والملك والروح والعقل والنفس وما أشبه مما لا يدخل تحت الحواسّ وإن كانت خارجية.

واللّه سبحانه فوق ذلك كلّه، فإنه تعالى وإن كان حقيقة ثابتة بلا إشكال، إلا انه مع ذلك لم يدخل في أيّة دائرة من دوائر الحسّ والعقل والوهم، وانما لا يدخل في شيء من هذه الدوائر، لما ذكر في علم الكلام: من ان المخلوق محدود، وغير المحدود لا يدخل في دائرة المحدود.

الثاني: الاُمور الإنتزاعية، ممّا ليس من الأول ولا يكون باعتبار المعتبر، مثل زوجية الأربعة وفردية الثلاثة، وان المربّع يساوي مساحته مضروب أحد ضلعيه في الضلع الآخر، إلى غير ذلك من مسائل الحساب والهندسة وما أشبه ذلك.

ومثل كون المتولد من الزوجين ابناً لهما حيث انه انتزاع حقيقي، ليس كالأول، ولا كالإعتبار المحض.

الثالث: الاُمور الإعتبارية، مما قوامه باعتبار المعتبر ـ الذي له حق هذا الإعتبار ـ كالأوراق النقدية يعتبرها من بيده السلطة، بشرائط خاصة، وكاعتبار هذا المال لزيد، وتلك المرأة زوجة لعمرو، وهذا المنصب للوزير الفلاني.

والحق من القسم الثالث، فإنه اعتبار يعتبره المعتبر مثل: حق الملكية، والزوجية، والسلطة، والحرية، وغيرها.

إذن: فليس (الحق) عدم، كما ذكره البعض الذين ينكرون أن يكون الحق شيئاً إطلاقاً، ولا هو كما جعله واضعوا القوانين الحديثة، حيث انهم اختلفوا في تعريفه، فقال بعضهم: (ان الحق ليس إلاّ السلطة أو القدرة الأساسية المعطاة لشخص في نطاق معلوم فهو إرادة يحميها القانون).

وقال آخر: (ان الحق مصلحة يحميها القانون).

وقال ثالث: ـ جامعاً بين القولين الأولين ـ: (ان الحق إرادة ومصلحة في آن واحد).

ويرد على النافي: انه لا إشكال في كون الحق شيئاً، وهل يعقل أن يقال: ليس في الخارج إلاّ الدار وزيد، اما ان الدار لزيد فليس شيئاً؟ وكيف لا يكون شيئاً ويترتّب عليه عشرات الآثار؟

كما ويرد على الأول: ـ من المثبتين ـ انه كيف يحصره في القدرة أو السلطة، وقد اُعطي لمن لا قدرة ولا سلطة له، كالصغير والحيوان والمجنون الاطباقي وما أشبه؟

فالمجنون أو الصغير إذا سكن هو بنفسه داره، أو ركب دابته، أو أسكنه وأركبه غيره، فلا إشكال في انه يستعمل حقه مع انه لا إرادة له، إلى غير ذلك.

ويرد على الثاني: ان المصلحة ليست مرادفة للحق حتّى يعرّف أحدهما بالآخر، فمن مصلحة البقّال الذي في الشارع أن لا ينافسه غيره، فهل هذا حقّ له حتّى يتمكّن من منع منافسه؟

ثم ان المصلحة تترتّب على الحق لا انها هو بنفسه، والتعريف بالغاية خروج عن الموازين، كما إذا عرّف السرير: بأنه -مصلحة- النوم.

ويرد على الثالث: ما ورد على الأولين معاً، حيث جمع بين الإرادة والمصلحة، فيرد عليه ما ورد عليهما، وقد عرفت: ان الحق اعتبار ممن يحق له الإعتبار.

ثم ان الحق قد يكون من الإنسان على شيء، مثل الملكية، أو على شخص، مثل حق الزوج على زوجته وبالعكس، وهذا الحق قد يكون لصاحبه إسقاطه مثل القاء ملكه في الشارع ـ بشرط أن لا يكون إسرافاً ـ ومثل إسقاط الزوجة حق النفقة عن الزوج، وقد لا يكون لصاحبه إسقاطه ويسمّى بالحكم كما تقدّم، فحق النسب ـ مثلاً ـ ليس قابلاً للإسقاط.

ثم ان الإسقاط قد يكون بأسباب خاصة لا مطلقاً، مثل حق الزوجية حيث يمكن إسقاطه بالطلاق لا مطلقاً.

اثبات الحق

هذا وكما ان الحق قابل للإسقاط قابل للإثبات أيضاً، فمن حاز شيئاً صار ملكه وحقاً له، ومن تزوّج امرأة أوجد حق الزوجية بينها وبينه، فالأقسام أربعة، وذلك لأنه: إما إثبات حق، أو إسقاط حق، وكل منهما إما طرفه شيء، أو طرفه إنسان ـ والمراد بالشيء أعم من الجماد، مثل صيد الطير والسمك والغزال حيث انه من اثبات الحق على شيء.

ثم انه حيث كان التشريع من اللّه سبحانه، فالقانون أسبق من الحق ـ وإن اختلف علماء القوانين الوضعية في ان أيّهما أسبق، هل الحق أو القانون؟ ـ فإن اللّه سبحانه لمّا قرّر القانون انتزع منه الحق، يعني: لما أجاز اللّه الزواج صارت الزوجية حقاً، ولما قرّر اللّه سبحانه: مَن سَبَق إلى ما لم يسبق إليه أحد، صارت حيازة المباحات حقّاً، أو من حازها ملكها، وهكذا.

الحق الذاتي والعرضي

ثم ان (الحق) قد يكون ذاتياً، وقد يكون عرضياً، والمراد بالأول: ما ليس للإنسان مدخل في تكوينه، مثل حق الحياة، وحق الحريّة، وما أشبه، والمراد بالثاني: ما يكون للإنسان مدخل فيه، مثل حق الملك، وحق الزوجية، ونحو ذلك.

وأما الحق العَرَضي، فأركانه أربعة:

الأول: صاحب الحق، إذ لا يعقل حق بدون صاحب، فإن الحق ليس معلّقاً في فراغ.

الثاني: سبب الحق، مثل البيع أو الحيازة في سبب الملكية، والزواج في سبب حق الزوج على زوجته، وبالعكس.

الثالث: موضوع الحق ـ أي ذاته ـ مثل كون الحق ملكاً أو زوجية أو اختصاصاً كحق التحجير على المشهور، أو حق السكنى في الوقف لمن سبق إليه ـ مثلاً ـ.

الرابع: متعلق الحق، كالأرض في الملكية، والزوجة في الزوجية، وهكذا.

وعليه: فلو اشترى زيد من عمرو كتاباً، فصاحب الحق: زيد، وسبب الحق: البيع، وموضوع الحق: الملكية، ومتعلّق الحق الكتاب.

ولو تزوّج زيد هنداً، فصاحب الحق: زيد، وسبب الحق: النكاح، وموضوع الحق: الزوجية، ومتعلق الحق: هند، وهكذا.

حدود الحق

وبعد هذه الأركان الأربعة يأتي دور حدود الحق وأطرافه، فحق الملكية ـ مثلاً ـ محدود بتصرّف الإنسان فيه كيف يشاء مشروطاً بعدم الإضرار بنفسه ولا بالآخرين، وبعدم فعل الإسراف في الحق.

فمن يملك الماء ـ مثلاً ـ لا يحق له أن يشرب منه بقدر يضره، ولا أن يصبّه على الآخرين ـ غير الراضين بفعله ـ ولا أن يصبّه على الأرض مما يكون إسرافاً، ولذا قال الإمام الصادق عليه السلام: ان اللّه قد جعل لكلّ شيء حدّاً وجعل على من تعدّى حدود اللّه حدّاً(15) أي: حدّاً يوقفه عند حدّه حتّى لا يتعدّى ذلك الحدّ.

أطراف الحق

أما أطراف الحق: فمن يملك شيئاً يجب على الآخرين احترام ذلك الحق بأن لا يتعدّون عليه، فلا يحق لأحد التعدّي على ملك الآخر، إلاّ بقدر اباحة الشارع، كحق المارّة، وحق الإنسان في الإستفادة من طعام الغير في عام المجاعة، وحق فاعل الخير في التصرّف في الأرض ذهاباً إلى إنقاذ الغريق، أو إطفاء الحريق ـ إلى غير ذلك من الأمثلة ـ.

لكنا ذكرنا في الفقه: ان اللازم إعطاء الاُجرة فيما له اُجرة، والبدل فيما له بدل، وذلك جمعاً بين الحقّين، فيعطي اُجرة التصرف في سفينة الغير إذا تصرف فيها لإنقاذ الغريق، كما ويعطي ثمن الماء الذي أطفأ به الحريق إذا كان الماء لغيره، والظاهر: ان الاُجرة والثمن يخرجان من كيس المنقَذ - بالفتح- الذي تمّ إنقاذ شخصه عن الغرق، وداره عن الحرق، لا من كيس الذي قام بالإنقاذ، ولا من بيت المال، فإنّ من له الغنم عليه الغرم.

نعم إذا لم يكن لمن تمّ إنقاذه كيس، كان من بيت المال، كما إذا أطفأ حريق المسجد بماء الغير ولا وقف للمسجد، فإنه يخرج من كيس بيت المال.

ومن باب الإستطراد نقول: لو ان إنساناً سقط من فوق واُغمي عليه وعالجه الطبيب، كانت اُجرة الطبيب من كيس المريض لأن عمل المسلم محترم، فلا وجه لاحتمال عدم الاُجرة للطبيب حينئذ، بل حتّى وإن لم يُغم عليه ولم يرض بالتطبيب لكن كان بحيث إذا لم يعالج يموت، فإنّ اللّه سبحانه يأمر الطبيب بالمعالجة وإن لم يرض به المريض، فالعلاج وإن وجب عليه لكن لم يكن عمله ساقطاً عن الإحترام، وذلك جمعاً بين الحقّين.

ومثله: ما لو جرف السيل أمتعة زيد، فأخذها إنسان ـ حيث يحرم تركها لأنه من الإسراف ـ فإنّ لمن أخذها الاُجرة من صاحب المتاع، ولو أخذ أمتعة المسجد الذي لا وقف له، كانت الاُجرة من بيت المال.

ثمّ ان الحق قد يكون قائمـاً بشــخص واحــد، ولكن باعـتبارين، مثل قوله عليه السلام: انّ لبدنك عليك حقّاً وقد يكون قائماً بطرفين، كإنسان له دار، أو رجل له زوجة، وهذا الحق القائم بطرفين، يقابله الواجب، فحقّ الإنسان في الدار يقابله واجب هو: حفظها، قال عليّ عليه السلام: فإنّكم مسؤولون حتّى عن البقاع والبهائم(16) وكذا حقه على زوجته يقابله واجب هو: رعاية شؤون الزوجة والإنفاق عليها.

القانون والثقافة العالية

يجب وضع القوانين اللائقة للحوزات العلمية الإسلامية، وكذا للجامعات العلمية العالية، سواء في بلاد الشيعة أم بلاد السنة، مما يوفر لهما اُموراً أربعة:

1 - الإستقلال.

2 - الحريّة.

3 - الإنطلاق.

4 - الوحدة.

أما الإستقلال: فلأنه لولا الإستقلال لكان كل واحد منهما آلة بيد أصحاب النفوذ.

وأما الحرية: فلأنه لولا الحرية لم يتمكن أيّ منهما من أداء رسالته كاملة لرفع مستوى الدين والدنيا، وكبح جموح الذين يريدون الطغيان.

وأما الإنطلاق: فلأنه لولا الإنطلاق لم يمكن توسعتهما بحيث يتمكنان من أداء الرسالة الملقاة على عاتقهما.

وأما الوحدة: فلأنه لولا وحدتهما لانفصل الدين عن الدنيا، والدنيا عن الدين، وفي ذلك ضرر كبير للدين والدينا معاً، بالإضافة إلى انه يقع بينهما التصادم والتنازع مما يسيء إلى رسالة العلم في كل العلوم الدنيوية والعلوم الإسلامية.

هذا وقد كان للديانة الموسوية والعيسوية والهندوسية ـ بمختلف مشاربها واتجاهاتها ـ أكبر عبرة لمن اعتبر، فإن اليهود لشرائط تاريخية ولنزعتهم الخاصة: من حبّهم السيطرة والتفوّق، قاموا بتحريف الدين ومالوا إلى الدنيا، وذلك كان سبب مشاكلهم إلى اليوم، كما كان سبب مشاكل العالم بهم، فمنذ أربعة آلاف سنة وهم مشرَّدون ـ بالفتح ـ ومشرّدون ـ بالكسر ـ كانوا كلما دخلوا بلداً استولوا على مقدّراته مما يهيّج أهل البلد في مطاردتهم، فهم بين من يطارد أهل البلد في تجارته وسياسته واجتماعه وما إلى ذلك، وبين من يطاردهم أهل البلد بسبب تصرّفاتهم وأنانيتهم، بينما انهم لو أقاموا التوراة -غير المحرفة- لأكلوا من فوقهم ومِن تحت أرجلهم، لأن الدين يهذّب الروح، فلا يفعل الإنسان شيئاً يطرد الآخرين حتى يطرده الآخرون.

ثم جاء المسيحيون وهم في ردّ فعل للدنيا فمالوا ـ ابتداءاً ـ إلى الدين وحده (ورهبانيّة ابتدعوها)(17) وبذلك تركوا الدنيا، مما سبّب فيهم ردّ فعل مرّة ثانية، فمالوا إلى الدنيا وتوغّلوا في المادية الحاضرة، مما سبّب لهم المشاكل غير المسبوقة في العالم، وذلك لوضوح: ان الإنسان روح وجسد، فإعطاء حاجات أحدهما دون الآخر يسبّب مشاكل نقص الروح أو نقص الجسد.

وأما الهندوس ـ بمختلف أديانهم من برهمية وكنفوشيوسية وبوذية وغيرها ـ فقد مالوا أوّلاً إلى الروح مما أوقعهم فريسة سائغة للإستعمار، لأن من لا يهتمّ بالجسد يستولي عليه من يأخذ العدّة للجسد، وبذلك مالوا إلى الدنيا فأنقذوا أنفسهم عن المستعمرين، لكن ارتطموا في مشاكل الماضي إضافة إلى مشاكل المادة التي دهمتهم من جديد ودامت حتّى اليوم.

ولذا روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: أنا ذو عينين بمعني: رعاية الجانبين، فعين تنظر إلى الدنيا وعين تنظر إلى الآخرة، وكذلك كان كل أديان اللّه سبحانه وتعالى غير المحرَّفة.

وعليه: فإذا اُريد إنقاذ المسلمين عن الإنحرافين، ثم بعد ذلك إنقاذ العالم كله عن التطرّف إلى أحد الأمرين الموجب للمشاكل التي لا تحصى.

فاللازم استقلال الحوزات عن الحكومات، إذ الحكومات لا تقبل إلاّ من يمشي في ركابها، وإذا مشت الحوزات في ركاب الحكومات فسد دينها ودنياها.

والإستقلال لايمكن إلاّ في ظل الإستشارية أي: (الديمقراطية) ـ بعبارة اليوم ـ وذلك على الأسلوب الإسلامي.

والحرية والإنطلاق يأتيان في أثر الإستقلال، لأن المستقل حرّ بنفسه ويفكر في التقدّم والتقديم.

أما التوحيد بين الحوزتين فيمكن أن يجعل اُصولهما واحداً في المراحل الاُولى، ثم بعد مرحلة من الإندماج يذهب كل منهما في طريقه: الدينية الممزوجة بالدنيا، أو الدنيوية الممزوجة بالدين، حالهما حال المهندس والطبيب حيث ان أصلهما في المراحل الاُولى واحد، ثم بعد مرحلة كافية من الإندماج ينفردكل إلى اختصاصه.

لكن لا يخفى: ان اللازم في الحوزة الحفاظ على القدسيّة بالإضافة إلى الإهتمام بالإختصاص، كما كان كذلك كل أنبياء اللّه والأئمة الطاهرين عليهم السلام حيث كانوا من أنزه البشر وأقدس الناس، ولذا التفّ الناس حولهم وبقي الإلتفاف إلى هذا اليوم.

القانون مع اختلاف القوميات والجنسيات

قد عرفت فيما تقدّم: وحدة الاُمة الإسلامية، ووحدة بلاد الإسلام، والاُخوّة الإسلامية، ولذا فلا يأتي بالنسبة إلى المسلمين إشكال اختلاف البلاد وقوانينها لا في الإرث، ولا في الولادة، ولا في الزواج، ولا في الوصية، ولا في الوقف، ولا في الحدود، ولا في المنازعات، ولا في غيرها في صورة تعدّد الجنسيات والمدن والقوميّات.

مثلاً: لو فرض ان عراقياً مقيماً في مصر أوصى لسوري بأموال تعود إليه موجودة في الخليج، والمفروض: ان القوانين ـ الوضعية المستوردة ـ لهذه البلاد مختلفة، فأهل القوانين الوضعية يتسائلون: أيّ القوانين يجب أن تراعى في هذه الوصية، هل هو قانون العراق، أو قانون مصر، أو قانون سوريا، أو قانون الخليج؟

وكذلك الحال إذا كان الوارث من بلد، والمورّث من بلد آخر، والمال في بلد ثالث.

أو الزوج من بلد، والزوجة من بلد، والمهر في بلد ثالث، مع فرض حدوث ولادة لهما، في بلد رابع، أو كانا هما من بلد واحد، لكن ولد لهما في بلد ثان، حيث قانونهما يختلف مع قانون البلد الذي ولد فيه المولود، مما يعطى جنسية بلد الولادة للمولود.

وهكذا لو وقف واقف من أهل بلد أرضاً في بلد ثان وهو في بلد ثالث، أو تعدّىشخص على شخص ثان لهما بلدان وكان التعدّي في بلد ثالث، والثلاثة مختلفة القوانين، أو تزوّج مصري بفتاة مولودة في العراق من أب سوري واُم إيرانية، فهل جنسية الزوجة تابعة لجنسية الزوج أو أبيها أو اُمّها؟

وكذا في المنازعات، فإذا تنازع باكستاني مع هندي على أرض في تايوان، فهل القاضي يراعي قانون باكستان أو الهند أو تايوان؟

وهكذا لو قتل مغربي تونسياً في ليبيا ووارثه في السودان، فهل المعيار قانون المغرب أو تونس أو ليبيا أو السودان؟

لكن كل هذه الاُمور عندنا ـ نحن المسلمين ـ لا دخل لها في القضية، وإن عدّتها القوانين الوضعية من المشكلات، وانما يتدخّل في أمثال هذه القضايا أمران:

الأول: الإختلاف في الدين كاليهودية والنصرانية، أو في المذهب كالحنفي والمالكي، أو في الإجتهاد كمقلد هذا المرجع أو ذاك المرجع.

الثاني: ان هناك في الإسلام قوانين ثانوية، وضعت من قبل شورى المرجعيّة لعلاج كل أمر طاريء كقانون الأهم والمهم وقانون لا ضرر.

أما القوانين المرتبطة بالنظام، كنظام المرور، فقد عرفت سابقاً: انه ليس شيء منها في قبال القاعدتين، وانما يجعل الشورى ذلك النظام تفادياً عن الضرر، وذلك بحسب تشخيص أهل الخبرة لخصوصيات القانون الثانوي، وإن كان كُلّيه ـ أي: لزوم وضع نظام للمرور ـ واضح لكل عاقل.

وحيث ذكرنا علاج كل من الأمرين في بعض المسائل السابقة فلا حاجة إلى تكراره، كما وقد ألمعنا سابقاً إلى انه لو اصطدم قانون الدين أو المذهب أو التقليد بقوانين البلاد، سواء البلاد التي تعتقد بالقانون، حيث مبدأهم يقول: (دع ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه) أم التي لا تعتقد بالقانون، وانما فرض عليها بسبب الحكام، كالقوانين الوضعية في بلاد الإسلام، فاللازم الأخذ بقانون الدين والمذهب والتقليد، وماعدا ذلك يؤخذ به من باب الإضطرار ـ والضرورات تقدَّر بقدرها ـ.

مثلاً: ان الإسلام يرى: انه يصح عقد البنت عند بلوغها الشرعي وهو: في السنّ العاشرة بإضافة أن تكون رشيدة، قال سبحانه: (فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم)(18) ومن المعلوم: انه إذا كان الرشد شرطاً في دفع المال إليهم الذي هو مهم، كان شرطاً في جواز النكاح الذي هو أهم أيضاً.

فإذا البنت زوّجت نفسها وهي في سنّ الرابعة عشرة ـ مثلاً ـ بإجازة الأب، أو فرض: انه لا أب لها، وكان القانون يرى ان البلوغ في سنّ الثامن عشرة فأبطل الحاكم النكاح فإنه لا يجوز للزوج أن يتزوّج باُختها الاّ بعد طلاقها وذلك لأنه ما لم يطلقها تكون زوجته، فيكون لهما حكم الزوجين واقعاً، فلا يكون مباشرتها زنا، وتكون واجبة النفقة عليه، إلى غير ذلك من الأحكام، وذلك لأنه لا قيمة لإبطال الحاكم غير الشرعي النكاح من جهة الشرع.

الحقوق في القانون: الوضعي والإسلامي

الحكومات القومية ـ في بلاد الإسلام ـ ابتداءاً من الحكومة العثمانية قبل قرن تقريباً تبعوا الغرب في تقسيم الحقوق إلى: حقوق سياسية كحق الترشيح والإنتخاب والدخول في الوظائف الكبيرة، وحقوق غير سياسية.

والثانية قسموها إلى: حقوق عامة كحق الحرية، وحقوق خاصة.

وقسّموا الثانية إلى: حقوق طرفها الإنسان كحق الاُسرة، وإلى غيرها كالحقوق المالية.

وقسموا المالية إلى: حقوق عينية كحق الإنسان على ملكه من دابة وأرض ونحوهما، وحقوق شخصية كحقّه في العقد، وحقوق أدبية كحقّه في التأليف.

ثم انهم جعلوا بعض هذه الحقوق كالحقوق السياسية وكحق اشتراء الملك وما أشبه خاصّاً بالمواطنين، وبعضها أعم من المواطن.

كل ذلك لتفريق شمل المسلمين، وإلغاء الاُخوّة الإسلامية بينهم، وتحطيم الإشتراك في الحقوق والواجبات، وأوّل من ذاق وبال ذلك كانوا هم العثمانيون أنفسهم، كما انه ذاق وبال ذلك بعدها الحكومات القومية والوطنية التي أعقبتها، فإنها سقطت الواحدة تلو الاُخرى بالإنقلابات العسكرية وغير العسكرية، إلى ما أشبه.

ومن المعلوم: ان التفرقة أساس الفشل، كما ان الوحدة أساس النجاح، قال سبحانه: (واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرّقوا)(19).

وقال تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)(20).

ثم ان المقصود في المقام هو: البحث عن أقسام الحقوق، وبيان انها عامة لكل مسلم ومسلمة، وذلك بحسب الموازين التي ذكرها الإسلام في مباحث الإشتراك في التكليف، إلاّ ما خرج بالدليل، فالحقوق العامة عبارةعن حق الحريّة ـ في نطاقها المعقول ـ وحق المساواة كذلك، وحق الإنسان في الحياة، وحقه في الإجتماع، وفي إبداء الرأي، وحق تكوين الاُسرة، وما يتبعها، والحقوق المالية وغيرها.

ثم ان الحقوق المالية تنقسم إلى ما يلي:

إلى الحقوق العينية، وهي التي تمنح صاحبها السلطة الشرعية على التصرّف فيها بالنقل والإنتقال، والنفع والإنتفاع، وتوريثها ورثته بعد موته، ومنع الآخرين من معارضته إذا قام فيها بالحدود التي قرّرتها له الشريعة، إلا إذا حصل في الشخص شيء يمنعه عن التصرف، كالسفه أو الفلس أو ما اشبه، أو تجاوز الحد بان سبّب تصرفه ضرر الآخرين. أو كان تصرفه ممنوعاً شرعاً كتصرفه في ماله تصرفاً محرّماً، فان الحاكم الشرعي يمنعه من ذلك.

وإلى الحقوق الشخصية ـ اصطلاحاً ـ وهي التي تكون بين نفرين بعقد ونحوه.

وإلى الحقوق الادبية ـ وتسمّى احياناً بالملكية الفنيّة أو الملكية الأدبية ـ مثل حق الإختراع، وحق التأليف، وحق الكشف، كما إذا اكتشف دواءاً نافعاً مركباً من اجزاء، أو ما اشبه ذلك مما يسمّيه العرف حقاً، لانه داخل في الرواية القائلة: بان حقوق المسلمين لا تبطل(21) ونحوها من الروايات الاُخرى، وقد ذكرنا بعض الكلام في ذلك في فقه الحقوق(22).

ثمّ انه لا يشترط في ملكية الإنسان لماله ان يكون في حيازته، بل هو ماله وان كان في حيازة شخص آخر، بإجارة أو رهن أو ما اشبه ذلك، بل وان كان في حيازة الغاصب، أو كان لا يعلم به أين هو.

وامّا ما كان له في ذمة شخص آخر، فلا يكون له على نحو الجزئية، بل انما يكون له على نحو الكلية، وذلك في مثل المعاملات ونحوها، فإذا باع ـ مثلاً ـ كتاباً نسيئة بدينار فكان الدينار في ذمة المشتري، لم يكن الذي على المشتري ديناراً خاصاً، بل ايّ دينار اختاره المشتري.

وعليه: فإذا لم يكن انصراف، ولا شرط، اختار المشتري ـ وهو المدين ـ اعطاء الدينار من ايّ قسم شاء من أقسام النقد الرائج في ذلك البلد، فإذا كان الدينار في ذلك البلد ـ مثلاً ـ له أقسام: ربعي ونصفي وواحدي، وخمسي وعشري وما اشبه ذلك، فله ان يعطي ايها شاء وليس للمطالب ان يطالب غيره، وكذا بالنسبة إلى القديم والجديد وما اشبه ذلك.

وانما له ان يختار ايها شاء، لان الكلّي ينطبق على كلٍ من ذلك، وكذلك حال سائر المثليات ـ إذا كان على نحو الكلية بالشرطين المذكورين ـ.

الشخصية

بقي الكلام عن (الشخصية) التي تقدم البحث حولها، فإنّ بين الشخصية والإنسان عموماً مطلقاً، إذ كل انسان شخصيّة، وليست كل شخصية انساناً، وذلك لا مكان وجود الشخصية الحقوقية من دون تحقق شخصية حقيقية.

نعم الشخصية يلزم ان تنتهي إلى الإنسان، إذ غير الإنسان من الحيوان والجماد والنبات لا شخصية لها، وان صح الوقف عليها، أو الوصية لها، أو ما اشبه ذلك.

ثمّ ان للحيوان حقوقاً على الإنسان، كما نصّت بذلك الاحاديث، ومنها يظهر جلياً: ان قول بعض اصحاب القوانين الوضعية:

ان الرفق بالحيوان سببه تأذّي الأنفس البشرية السوية من القسوة، وكذلك الإنفاق على الحيوان مظهر من مظاهر رفعة الشعور الإنساني غير ظاهر الوجه، بل يظهر من الشرع ويؤيده العقل أيضاً: ان على الحيوانات فيما بينها حقوقاً ـ بقدر شعورها ـ ولذا ورد في القرآن الحكيم: (وإذا الوحوش حشرت)(23).

وورد في الأحاديث: انها تحشر يوم القيامة ليوصل إليها حقوقها، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: يقتص للجمّاء من القرناء(24).

حقوق ثانوية

بقي هنا كلامان:

الأول: انه كيف يجمع بين حق القصاص للحيوانات فيما بينها، وبين تسليط اللّه حيواناً على حيوان، كالسبع على الحيوانات الصغار، والهرة على الفأرة، والصقر على العصفور، وما اشبه ذلك من الامثلة الكثيرة؟

الثاني: انه كيف يجمع بين عدم جواز ايذاء الحيوان وبين ذبح البهائم، بل ابادة امثال البعوض والنمل وما اشبه؟

والجواب عن الأوّل: القصاص في التعدّي، والتسليط في الحاجات، نعم لا شك في تأذي الحيوان المسلّط عليه لكن اللّه سبحانه يعوضه، كما يعوّض الإنسان المتأذي بالمرض ونحوه.

وعن الثاني: ان الذبح والابادة انما تصح إذا كانت لمنفعة الإنسان ونحوه، اما الايذاء الاعتباطي فهو غير صحيح.

لا يقال: لماذا جعل اللّه الدُّنيا هكذا مع قدرته سبحانه وتعالى على ان يخلق دنيا بلا الم؟

لأنه يقال: ان ذلك هو نوع من الخلق، واللّه تعالى يخلق كل انواع الخلق، فان مقتضى كرم الكريم ان يعطي كل ما يتطلّب منه الوجود نعمة الوجود ـ كما فصّل ذلك في الحكمة ـ فهو مثل خلقه سبحانه النافع والضار، والظلمات والنور، إلى غير ذلك من الامثلة.

اضافة إلى ان اللّه تعالى جعل الدنيا دار اختبار فحفّها بالآلام كوسيلة من وسائل الإختيار، بينما جعل الجنة دار جزاء وثواب فاستخلصها من ذلك.

ثم ان الشخص قد يشمله بعض القوانين الإسلامية لا كلّها، مثل الجنين في بطن الاُم حيث يترك له الارث وما اشبه ذلك، لكن بشرط ولادته حياً، ثمّ من حين الولادة حياً يشمله ما يشمل غيره من القوانين الإسلامية الاُخرى، فالبيع والشراء ـ مثلاً ـ لا يصح من ولي الجنين له، بينما إذا وُلد حياً شمله كل ذلك.

كما وتنتهي الشخصية بالموت، وان بقي لها بعد الموت بعض الآثار لا كل الآثار، وذلك مثل المحرمية في الزوجين، فانها تبقى بعد الموت، وان جاز للزوج ان يتزوج باربع زوجات أخر، حتى يكون محرماً لنساء خمس احداهن الميتة ـ مثلاً ـ وكذلك بقي حقه في الكفن وسائر التجهيزات.

الخلاف على قانون مدّة الحمل

ثمّ ان في مدّة الحمل خلافاً بين الفقهاء، لكن الظاهر ان اكثرها سنة، كما ان اقلّها ستة اشهر، قال سبحانه: (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً)(25).

وقال تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يُتِمَّ الراضاعة)(26).

لكن هذا الأقل والأكثر يكون بالنسبة إلى الولادة الطبيعية، اما الولادة قبل ستة اشهر بواسطة التربية في الانبوب -مثلاً- وكذلك الولادة بعد مضي سنة بواسطة بعض الأدوية وما اشبه ذلك، فلا يضر ما ذكرناه.

والقاصر لصغر او جنون او نحوه يتصرف في اُموره وليه الخاص كالأب والجد، أو العام كالفقيه أو الموكل عنه، وذلك على ما قرّر في الفقه.

وثبوت كل من الولادة والوفاة حسب الموازين المتّبعة في ثبوت سائر الاُمور، واما الغائب والمفقود الذي لا يعلم وفاته فبالنسبة إلى امواله ونحوها: يستصحب بقائه إلى المدة المعقولة، واما بالنسبة إلى زوجته: فإذا كانت في عسر وحرج، كان لها الحق في مراجعة الحاكم الشرعي ليطلقها حسب الموازين الشرعية، فإذا طلقها امرها بالعدّة، وبعد العدّة ـ للوفاة احتياطاً ـ يكون امرها بيدها.

وحيث ان هذه المسائل بحثت مفصلاً في الفقه، المعنا اليها هنا بمناسبة الحقوق الماعاً.

أقسام الشخصية في القانون

ان الشخصية قد تكون حقيقية، وقد تكون حقوقية، كالشركات ونحوها، مما سنذكر بعض الاُمور المرتبطة بها.

ثمّ ان كلاً من قسمي هاتين الشخصيتين قد يجتمعان في واحد، فالشخصية الحقيقية يمكن ان تكون ثنائية أو ثلاثية أو رباعية ـ مثلاً ـ سواء كان احدها اصيلا ام لا، كما إذا كان زيد وكيلاً عن عمرو، او وليّاً عن طفل، فيجري صيغة البيع والإشتراء: احدهما عن نفسه، والآخر عن موكله أو المولّى عليه، فيكون بنفسه موجباً قابلاً.

وكذلك في النكاح: كما إذا اخذ الرجل الوكالة عن المرأة، فانه يجري العقد عنها ايجاباً ويقبل عن نفسه قبولاً، وهكذا في سائر العقود كالرهن والاجارة وغيرهما.

وقد يكون وكيلاً عن البائع وعن المشتري معاً، أو ولياً عليهما، أو وكيلاً عن احدهما وولياً على الآخر.

وفي الثلاثي: كما إذا كان هو المحيل والمحال والمحال عليه، وكيلاً في الكل أو ولياً في الكل، أو بالإختلاف فيها، أو في احد الثلاثة اصيلاً وفي الآخرين ولياً أو وكيلاً، أو تجتمع فيه الاصالة والولاية والوكالة كما وقد تتصور الوصاية أيضاً في بعض الاطراف.

وفي الرباعي ونحوه: كما إذا كانت هناك شركة متكونة ـ مثلاـ من جماعة اصيليين، فكان من احدهم المحل، ومن الآخر رأس المال، ومن الثالث العمل، ومن الرابع الوسائل والمكائن، أو من احدهم الأرض، ومن الآخر البذر، ومن الثالث العمل، ومن الرابع العوامل، ومن الخامس الماء، فيكون في الكل ولياً أو وكيلاً أو بالإختلاف أو كان هو احدهم اصالة وعن الآخرين ولياً أو وكيلاً أو بالإختلاف، وقد ذكرنا في الفقه صحة مثل هذه الشركة، لإطلاق ادلة: (أوفوا بالعقود)(27) ونحوها.

القانون والشخصية الحقوقية

الشخصية الحقوقية، لها اسامي عديدة مثل الشخص الافتراضي، أو القانوني، أو الحكمي، أو الادبي، أو القضائي، أو المعنوي، ولا يخفى وجه التسمية بكل واحد منها وذلك لمناسبة في الاسم.

فإن جماعة قد يشتركون لغاية مادية كالربح، أو لغاية معنوية كنشر الأفكار الخيّرة وخدمة الناس في بُعد من ابعاد الحياة، وهذه الشركة يكون لها شخصية حكمية، ويصح التعامل معها كما يصح التعامل مع الشخص الحقيقي، لإطلاق الأدلة كما ذكرناه في الفقه بعد وجود الاعتبار العقلائي.

وعليه: فالأقسام التي ذكرناها في الشخص الحقيقي يأتي في الاشخاص الحكمية أيضاً، كما يأتي في المختلط من الحقيقي والحكمي.

ثمّ ان الشخصية الحكمية قد تكون للمؤسسين، وقد تكون للمؤسسة، وقد تكون لهما معاً.

فالأول: أن يكون هناك مؤسسون يشتركون في مؤسستهم.

والثاني: أن يكون هناك مؤسسة يديرها فرد واحد ـ مثلاً ـ كصندوق خيري للقرض، أو ما اشبه، ولهذا الصندوق شخصية حكمية، والمدير لها زيد ـ مثلاً ـ أو المدير لها جماعة مشتركون.

وقد ذكرنا في الفقه شبه ذلك، فان الواقف قد يوقف الجسم، وقد يوقف الروح، وكذلك في الثلث والوصية والشرط والنذر والعهد واليمين وما اشبه ذلك.

فإن زيداً ـ مثلاً ـ قد يوقف دكاناً، فانه وقف للجسم، وقد يوقف روح الدكان ويجعل الإختيار بيد المتولي، فله ان يبقيه دكاناً أو حماماً أو مدرسة أو بستاناً، فالموقوف هو الروح العام وانما الهيكل بإختيار المتولي، وقد ذكرنا هناك ان النص القائل: الوقوف على حسب ما يقفها أهلها(28) يشمل هذا القسم أيضاً.

كما ان المتولي قد يكون شخصاً مثل زيد، ثمّ ولده الأكبر، ثمّ حفيده الأكبر، وهكذا، وقد يكون كلياً مثل عالم البلد، أو شيخ المحلة، أو من اشبه، ولا يخفى ان الفرق بين الروح والجسم هو الفرق بين الجزئي والكلي.

ثمّ انه بعدما ذكرنا: من الإعتبار العقلائي للشخصية الحكمية، وشمول الأدلة الشرعية لها، لا يهمنا النظريات الحديثة التي ذكروها حول تحديد ماهية الشخصية الحكمية: من انها هل هي شخصية افتراضية، أو ملكية مشتركة، أو شخصية حقيقية؟

وان كان بعض المذكورات لا يخلو عن ايراد ـ وتفصيله موكول إلى كتب القوانين المفصّلة ـ.

وكيف كان: فقد تبيّن مما تقدم: ان المؤسسات والنوادي والجمعيات والاحزاب والمنظمات والصناديق الخيرية، أو الانتفاعية، والشركات والهيئات، وما إلى ذلك، كلها من قبيل الشخصيات الحقوقية.

ثمّ ان الشخصية الحقوقية والحقيقية قد تجتمعان في شخص واحد كالوزير، فإذا اشترى الوزير شيئاً بإعتبار شخصيته الحقوقية، ثمّ جاء وزير آخر مكانه، كان المسؤول عنه هذا الوزير الجديد، واما إذا اشترى شيئاً باعتبار شخصيته الحقيقية، فالمسؤول عنه هو نفسه، كان في الوزارة ام لا.

وإذا كان له شخصيتان حقوقيتان كوزير يكون عضواً في شركة، وشخصيتان حقيقيتان اصالة ووكالة، فالمعيار قصده في معاملاته، ولا يعرف إلاّ مِنْ قبله، لان العقود تتبع القصود، الا إذا كان واضحاً انه اراد هذا أو ذاك.

مثلاً: لو طلق زوجته، أو اشترى خبزاً لأكله، فان من الواضح: انه اشترى وطلّق بالشخصية الحقيقية لنفسه لا لغيره، بينما لو اشترى صفقة حكومية، أو وقّع معاهدة دولية وما اشبه ذلك من الأعمال الحكومية، فان من الظاهر: انه اشترى وامضى بالشخصية الحقوقية لا الحقيقية.

وإذا لم يعلم في مورد انه تعامل بالشخصية الحقيقية أوالحقوقية، كان الأصل انه بالحقيقية، لانّ الحقوقيّة بحاجة إلى عناية زائدة، كما انه لو لم يعلم انه لنفسه أو لموكله أو ما اشبه، كان الاصل انه لنفسه أيضاً.

واما إذا لم يعلم هل انه اوقعه لموكله، أو لشخصيته الحقوقية، ولم يكن له ظهور في احدهما؟ فلا اصل في أيٍّ منهما.

كما انه لا أصل إذا لم يعلم هل انه اوقعه لزيد موكله، أو لعمرو موكله، أو لشركة أو وزارة هو عضو فيهما، وحينئذ فاللازم: اجراء قاعدة العدل، أو القرعة، كل في موردها.

مثلاً: إذا كان له زوجة ولموكله زوجة، وكان اسم كل منهما فاطمة، فقال: فاطمة طالق، ولم يعلم انه قصد ايّتهما؟ فالقرعة إذا لم يمكن الاستفسار منه بان مات ـ مثلاً ـ او نسي، أو يقال بعدم جريان القرعة في الفروج فيقال له: طلق مرّة ثانية، أو يطلقها الحاكم لانه هو ولّي الغائب والممتنع والقاصر ومن اليهم.

واما إذا كان موكله من العامة، وطلق الوكيل الذي هو شيعي بلا شهود، فلم نعلم هل انه طلق زوجته بلا شهود حتى يكون باطلاً لانه شيعي، أو طلق زوجة موكلّه من باب الإلزام حتى يكون صحيحاً؟ فانه لم يبعد حمله على ما يصحّحه لاصالة الصحة في عمل المسلم.

وكذلك الحال لو نكح اخت زوجته بما لم نعلم هل انه نكحها لنفسه حيث البطلان، أو لموكله حيث الصحة؟ حمل على الصحيح لما تقدم، وإلى غير ذلك من الامثلة الكثيرة التي هي من موارد القرعة في المجهول، الاّ إذا لزم الإحتياط.

هذا ولو كان المورد المشكوك من الاموال، فالمرجع قاعدة العدل لما ذكرناه في الفقه.

ثمّ ان مقتضى الحرية الإسلامية: ان الشخصيات الحقوقية كالحقيقية لا تحتاج إلى اجازة من الدولة، نعم لشورى الفقهاء ونحوه المنع في مورد من الموارد، وذلك من باب قانون ثانوي مثل: لا ضرر، أو الاهم والمهم، أو ما اشبه.

نعم الشخصية الحقوقية التي هي من فروع الدولة بحاجة إلى تقرير الدولة لها، حالها حال ايجارات الدولة وبيوعها وما اشبه ذلك مما يختص بها، فالأوقاف ـ مثلاً ـ إذا كانت تابعة للدولة وكذا ادارة السجون ونحوها، للدولة ان تمنحها شخصية حقوقية.

اما الطوائف الدينية والشركات والاوقاف الشخصية، ذُرّيّاً أو خيرياً، وكذا الأحزاب، والشركات، والجمعيات، وما إلى ذلك مما تقدم، فلا حاجة في تقمّصها الشخصية الحقوقية إلى اجازة الدولة.

وكذلك حال كل مجموعة من الاشخاص والمؤسّسات التي تسعى لان تتقمص الشخصية الحقوقية.

وكما ان حدود الشخصية الحقوقية في مؤسسات الدولة تكون تابعة لقرار الدولة سعةً وضيقاً وشرطاً، كذلك تكون حدود الشخصية الحقوقية في المؤسسات الاهلية تابعة لقرار اولئك الاشخاص القائمين بالمؤسسة.

قيود الحقوق القانونية

تقدم ان الحق قد يتعلق بالعين وقد يتعلق بالذمة، وقد يتعلق بهما معاً، كالقرض في قبال الرهن حيث يتعلق حق القرض بذمة المقرض وبعين ماله المرهون.

ثمّ ان اقسام التعلق بأيّ نحو من الأنحاء الثلاثة لا ينحصر في المصاديق المتعارفة فقط، بل ربما تحدث مصاديق جديدة اُخرى أيضاً، وذلك لاطلاق الادلة الشامل لكل المصاديق قديماً أو جديداً، مثل حق الملكية، وحق الاستنفاع، وحق الارتفاق، ومثل حق المسيل، وحق المجرى، وحق المرور، وحق الامتياز، وما إلى ذلك.

والمهم في كل هذه الحقوق ان يكون عقلائياً، ولم يمنع عنه الشارع منعاً خاصاً او عاماً، بان لا يكون مخالفاً للكتاب والسنة، أو مخالفاً لمقتضى العقد.

وقد تقدم: ان لشورى الفقهاء المنع ـ موقتاً ـ لعنوان ثانوي، فيكون المنع موقتاً بقدر الموضوع الذي هو العنوان الثانوي، ومحدّداً بحدوده.

وبذلك يظهر: ان الملكية ونحوها من الحقوق مقيدة بثلاثة انحاء من القيود:ـ

الأوّل: القيود القانونية (اي: الشرعية) الاولية، فلا حق لصاحب العنب والتمر ـ مثلاً ـ ان يصنعهما خمراً، ولا لصاحب الخشب ـ مثلاً ـ ان يصنعه صنماً وهكذا.

الثاني: القيود الثانوية مما يجعلها شورى الفقهاء ومن اليهم، لظروف خاصة، وهي محدودة بحدود الضرر، أو الاضطرار، أو ما اشبه، مثل ما لو اُضطر إلى فتح شارع لابدَّ من فتحه مع إعطاء مالك الأرض ثمنها الكامل وتعويض ما يتضرره، ومثله المنع عن بيع اللبن في اوقات الوباء ـ مثلاً ـ أو المنع عن زراعة بعض المزروعات كالحشيش، وما إلى ذلك.

الثالث: القيود الاتفاقية مما يقرّرها اصحاب الشخصيات الحقيقية أو الحقوقية فيما بينهم، وذلك كما إذا باعه الأرض على قيد أن لا يُعلي بنائه على كذا ذراعاً، أو أن لا يبني فيها كذا بناية، أو ما اشبه ذلك، بشرط ان لا يكون القيد أو الشرط خلاف الكتاب والسنة، ولا خلاف مقتضى العقد.

قوانين الملفات الشخصية

قوانين الملفّات والإضبارات ـ بكثرتها ـ هي التي أوجدها الجهلُ بطبيعة الإنسان من ناحية، و حبّ الاستعلاء من ناحية ثانية، وهي عبارة عن جعل الملف لكثير من القضايا حتى التافهة منها، كما هي العادة في قوانين اليوم، أخذاً من قوانين الغرب التي تسمّى بالمتحضّرة، وانتهاءاً بقوانين كثير من بلاد الإسلام ـ التابعة للغرب ـ التي تسمّى بالمتخلّفة، وإذا اُريد عدم التعريض في التسمية سميّت: (بالنامية) ولكنها في الحقيقة آخذة في طريق الهبوط والسقوط، لا الرقي والتقدّم، وذلك لعدم تطبيقها قوانين الإسلام.

فلكل انسان ملف خاص يُصرف عليه المال والوقت الكثير، مع انه لا مبرر له ولا وجه له إلاَّ ملءُ غرور الحكام، والجهل بمقتضى حرية الإنسان وكرامته، ولا فائدة في ذلك الا صرف المال والعمر والطاقات فيما يضرّ أضراراً كثيرة، فمن الولادة ملف وإلى الموت ملف، وما هي الفائدة؟ ويوم لم تكن هذه الملفّات ما كان هو الضرر؟ وأيّة ضرورة لها؟

انها ليست فحسب تهدر الاوقات والاموال والطاقات، فيما لو جمعناها لعدّت بمليارات من الساعات والدنانير ـ في كل دولة دولة ـ بل تقف دون نمو الإنسان، وحتى ان الغرب المتقدم ـ صناعياً ـ لو لم يكن عندها هذه الملفّات، لكان تقدمها اكثر فاكثر، ولذا فان كل القوانين الموضوعة بهذا الشأن يجب ان تُلغى، وتطلق حريات الإنسان ـ كما قرّرها اللّه سبحانه ـ وتصرف الاوقات والاموال والطاقات التي تهدر في هذا الشأن في مجال البناء والتقدم.

واللّه سبحانه المسؤول ان يوفق البشرية لاتخاذ سبل السلام، والانضواء تحت لواء الإسلام الذي ينتهي بهم إلى السلام في الدنيا ودار السلام في الآخرة، وهو الموفق والمستعان.

 

(1) سورة الشورى ، الآية : 38 .

(2) سورة البقرة ، الآية : 256 .

(3) سورة الطور ، الآية : 21 .

(4) سورة المائدة ، الآية : 84 .

(5) سورة النحل ، الآية : 93 .

(6) سورة طه ، الآية 50 .

(7) سورة الإسراء ، الآية : 21 .

(8) نهج البلاغة ، الخطبة : 33 .

(9) سورة النساء ، الآية : 75 .

(10) سورة آل عمران ، الآية : 104 .

(11) الصحيفة السجادية ، دعاؤه (ع) في الإعتذار ، 147 .

(12) سورة النساء ، الآية : 36 .

(13) بحار الأنوار : ج 32 ، ص 41 ، ب 1 ، ح 26 .

(14) نهج الفصاحة ، ص 111 ، حديث 561 .

(15) وسائل الشيعة : ج 19 ، ص 101 ، ب 69 ، ح 1 .

(16) نهج البلاغة ، الخطبة : 167 .

(17) سورة الحديد ، الآية : 27 .

(18) سورة النساء ، الآية : 6 .

(19) سورة آل عمران ، الآية : 103 .

(20) سورة الأنفال ، الآية : 46 .

(21) وسائل الشيعة : ج 14 ، ص 210 ، ب 6 ، ح 9 .

(22) موسوعة الفقه : كتاب الحقوق .

(23) سورة التكوير ، الآية : 5 .

(24) بحار الأنوار : ج 64 ، ص 4 ، ب 1 ، بيان.

(25) سورة الأحقاف ، الآية : 15 .

(26) سورة البقرة ، الآية : 233 .

(27) سورة المائدة ، الآية : 1 .

(28) وسائل الشيعة : ج 11 ، ص 295 ، ب 2 ، ح 2 .