الفهرس

المؤلفات

الأدعية

الصفحة الرئيسية

 

(30)

دعاؤه (عليه السلام) في المعونة على قضاء الدين

وكان من دعائه (عليه السلام) في المعونة على قضاء الدين:

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَهَبْ لِي العافِيَةَ مِنْ دَيْنٍ تُخْلِقُ بِهِ وَجْهِي، وَيَحارُ فِيْهِ ذِهْنِي، وَيَتَشَعَّبُ لَهُ فِكْرِي، وَيَطُولُ بِمُمارَسَتِهِ شُغْلِي، وَأَعُوذُ بِكَ يا رَبِّ مِنْ هَمِّ الدَّيْنِ وَفِكْرِهِ وَشُغْلِ الدَّيْنِ وَسَهَرِهِ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَأَعِذْنِي مِنْهُ، وَأسْتَجِيْرُ بِكَ يا رَبِّ مِنْ ذِلَّتِهِ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدعاء الثلاثون

الشرح

وكان من دعائه (عليه السلام) في المعونة على قضاء الدين:

(اللهم صلِّ على محمد وآله وهب لي العافية) أي: عدم الابتلاء (من دين تخلق به وجهي) أي: تصيره كالخلق البالي (ويحار فيه ذهني) فلا يدري كيف يقضيه (ويتشعب له فكري) أي: يتفرق هنا وهناك (ويطول بممارسته شغلي) الممارسة: العمل المستمر، فإن الإنسان المديون يشتغل شغلاً مستمراً طويلاً حتى يقضي دينه (وأعوذ بك يا رب من هم الدين) أي: حزنه وغمه (وفكره) أي: التفكير حوله (وشغل الدين) أي: العمل لأجل الخلاص من الدين (وسهره) فإن المديون لا ينام الليل تفكراً في كيفية الخلاص (فصلِّ على محمد وآله وأعذني) أي: احفظني (منه) أي: من الدين (وأستجير بك يا رب من ذلته) أي:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الحَياةِ، وَمِنْ تَبِعَتِهِ بَعْدَ الوفاةِ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وَأَجِرْني مِنْهُ بِوُسْعٍ فاضِلٍ وَكَفافٍ وَاصِلٍ، اللّهُمَّ صَلَِ عَلى مَحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاحْجُبْنِي عَنِ السِّرَف وَالازْدِيادِ، وَقَوِّمْنِي بِالَبَذْلِ وَالاِقْتِصادِ، وَعَلِّمْنِي حُسْنَ التَّقْدِيرِ، واقْبِضْنِي بِلُطْفِكَ عَنِ التَّبْذِيرِ، وَأَجْرِ مِنْ أَسْبابِ الحَلالِ أَرْزاقِي،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذلة التي تركب الإنسان المديون (في الحياة) الدنيا (ومن تبعته بعد الوفاة) فإن المديون لو كان قادراً على أداء دينه ولم يرده كان آثماً عليه العقاب.

(فصلِّ على محمد وآله وأجرني) أي: احفظني (منه بوسع فاضل) أي: بسعة في مالي زائدة على ما أحتاج (وكفاف وأصل) أي: قدر كاف يكفيني ويوصلني إلى حوائجي.

(اللهم صلِّ على محمد وآله واحجبني) أي: امنعني (عن السرف) هي الزيادة في الصرف (والازدياد) عن قدر الحاجة (وقومني) أي: قوِّم أموري (بالبذل) بأن أبذل قدر اللازم فلا أبخل و (الاقتصاد) بأن أتوسط في الإنفاق فلا أسرف (وعلمني حسن التقدير) بأن أقدر أموري تقديراً حسناً حتى أعرف كيف أحصل وكيف أنفق (واقبضني) أي: اقبض على يدي وامنعني (بلطفك عن التبذير) والإسراف (وأجر من أسباب الحلال أرزاقي) حتى لا أحتاج إلى أسباب الحرام كالربا وما أشبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَوَجِّهْ في أبْوابِ البِرِّ إنْفاقِي، وَازْو ِعَنِّي مِنَ المالِ ما يُحْدِثُ لِي مُخْيَلَةً أوْ تَأدِّياً إلى بَغْيٍ أَوْ ما أتَعَقَّبُ مِنْهُ طُغْياناً، اللّهُمَّ حَبَّبْ إليَّ الفُقَراءَ، وَأَعِنِّي عَلى صُحْبَتِهِمْ بِحُسْنِ الصَّبْرِ، وَما زَوَيْتَ عَنِّي مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيا الفانِيَةِ فَاذْخَرْهُ لِي في خَزائِنِكَ البَاقِيَةِ، وَاجْعَلْ ما خَوَّلْتَنِي مِنْ حُطامِها،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(ووجه من أبواب البر) أي: سبل الخير كإعانة الضعفاء وبناء المساجد وما أشبه (إنفاقي) حتى أنفق في هذه الأمور لا في أمور محرمة أو موارد هدراً (وازو) من [زوى] يزوي بمعنى ابتعد (عني من المال ما يحدث لي مخيلة) أي: تكبراً وعجباً، فإن الإنسان إذا زاد ماله أخذه العجب والكبر (أو تأدّياً إلى بغي وظلم) أي: بعد عني المال الذي يوجب الظلم (أو ما أتعقب منه طغياناً) أو أطغى في عقبه كما قال سبحانه: (إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى) [1].

(اللهم حبب إليّ صحبة الفقراء) حتى أُحب أن أصاحبهم (وأعني على صحبتهم بحسن الصبر) بأن تتفضل عليَّ بصبر حسن أتمكن به من تحمل الأذى والحزن الموجود في كثير من الفقراء (وما زويت عني) أي: بعدت (من متاع الدنيا الفانية) أي: أسبابها وزينتها التي يتمتع ويتلذذ الإنسان بها (فاذخره لي في خزائنك الباقية) تعطيها لي في الآخرة (واجعل ما خولتني) أي: أعطيتني (من حطامها) أي: من متاعها سمي حطاماً: تشبيهاً بعود الزرع الذي يتحطم ويتكسر لدى الجفاف مما لا قيمة له

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَعَجَّلْتَ لِي مِنْ مَتاعِها بُلْغَةً إلى جِوارِكَ وَوُصْلَةً إلى قُرْبِكَ وَذَرِيعَةً إلى جَنَّتِكَ، إنَّكَ ذُو الفَضْلِ العَظِيْمُ وأَنْتَ الجَوادُ الكَرِيْمُ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وعجلت لي من متاعها بلغة إلى جوارك) أي: وفقني لأن أصرفها حتى تسبب لي بلوغ جوارك في الآخرة، والمراد جوار رحمته وفضله في الجنة (ووصلة) أي، آلة للإيصال (إلى قربك) قرب الشرف بأن أصرفها في الخير حتى أنال بذلك رضاك (وذريعة) أي: وسيلة (إلى جنتك) فإن المال المصروف في الوجوه المشروعة يوجب الجنة (إنك ذو الفضل العظيم وأنت الجواد الكريم) الذي تتفضل وتجود بما طلب منك، فأعطني طلبتي بتوفيقي لما ذكرت في الدعاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(31)

دعاؤه (عليه السلام) في ذكر التوبة وطلبها

وكان من دعائه (عليه السلام) في ذكر التوبة وطلبها:

اللّهُمَّ يَا مَنْ لا يَصِفُهُ نَعْتُ الواصِفِينَ، وَيا مَنْ لا يُجاوِزُهُ رَجَاءُ الرّاجِيْنَ، وَيا مَنْ لا يَضِيعُ لَدَيْهِ أَجْرُ المُحْسِنِيْنَ، وَيا مَنْ هُوَ مُنْتَهى خَوْفِ العابِدِيْنَ، وَيا مَنْ هُوَ غَايَةُ خَشْيَةِ المُتَّقِينَ، هذا مَقامُ مَنْ تَداوَلَتْهُ أَيْدِي الذُّنُوبِ، وَقَادَتْهُ أَزِمَّةُ الخَطَايا،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدعاء الحادي والثلاثون

الشرح

وكان من دعائه (عليه السلام) في ذكر التوبة وطلبها:

(اللهم يا من لا يصفه نعت الواصفين) أي: لا يحيط بوصفه ما يذكره الواصفون من الصفات له تعالى، إذ كنه صفته سبحانه مجهول للناس فلا يقدرون على وصفه كما هو حقه (ويا من لا يجاوزه رجاء الراجين) إذ لا مرجو فوقه سبحانه حتى يمكن لراج أن يرجو من فوقه تعالى (ويا من لا يضيع لديه أجر المحسنين) فمن أحسن كان له أجر لديه تعالى لا يضيع (ويا من هو منتهى خوف العابدين) أنه لا شيء أعظم منه سبحانه يخشى منه (ويا من هو غاية خشية المتقين) فالمتقي إنما يخشى من الله سبحانه (هذا مقام من تداولته) أي: تناقلته وتناوبته (أيدي الذنوب) فهو من ذنب إلى ذنب، وهذا اعتراف موجب للغفران فإن المذنب إذا ضخم الذنب كان أقرب إلى المغفرة (وقادته أزمة الخطايا) جمع زمام كأن الخطيئة دابة لها زمام والمذنب راكب عليها، فيقاد إلى حيث الغضب والنار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ، فَقَصَّرَ عَمَّا أَمَرْتَ بِهِ تَفْريِطاً، وَتَعَاطى مَا نَهَيْتَ عَنْهُ تَغْريراً، كَالجاهِلِ بِقُدْرَتِكَ عَلَيْهِ، أَوْ كَالمُنْكِرِ فَضْلَ إِحْسانِكَ إلَيْه حَتّى إذا انْفَتَحَ لَهُ بَصَرُ الهُدى، وَتَقَشَّعَتْ عَنْهُ سَحائِبُ العَمى، أَحْصى ما ظَلَمَ بِهِ نَفْسَهُ، وَفَكَّرَ فِيما خالَفَ بِهِ رَبَّهُ، فَرَأى كَبِيْرَ عِصْيانِهِ كَبيِراً، وَجَلِيْلَ مُخالَفَتِهِ جَلِيْلاً،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(واستحوذ) أي: تسلط (عليه الشيطان) فوجهه إلى حيث أراد (فقصر عما أردت به) بأن لم يأت بالأوامر (تفريطاً) في العصيان (وتعاطى) أي: ارتكب (ما نهيت عنه تغريراً) أي: أنه مغرور مخدوع في الارتكاب، لجهله بعاقبة المعصية السيئة (كالجاهل بقدرتك عليه) فإن عمله عمل الجهال، إذ لو كان عالماً لما فعل (أو كالمنكر فضل إحسانك إليه) إذ المعترف بالإحسان لا يخالف المحسن (حتى إذا انفتح له بصر الهدى) أي: البصر الذي يهتدي به إلى طريق الحق والرشاد (وتقشعت) أي: زالت (عنه سحائب العمى) كأن للعمى سحائب إذا زالت رأى الإنسان ما كان السحاب حائلاً بينه من الحق وبين الإنسان (أحصى ما ظلم به نفسه) أي: عدد ذنوبه التي كانت تلك الذنوب ظلماً لنفسه (وفكر فيما خالف به ربه) من المعاصي (فرأى كبير عصيانه كبيراً) كما هو عليه لا أنه يراه صغيراً كما كان سابقاً كذلك إذ يرى العصيان الكبير صغيراً (وجليل مخالفته جليلاً) أي: رأى مخالفته العظيمة عظيمة كما هي عليه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فَأَقْبَلَ نَحْوَكَ مُؤَمِّلاً لَِكَِ مُسْتَحْيِياً مِنْكَ، وَوَجَّهَ رَغْبَتَهُ إِلَيْكَ ثِقَةً بِكَ، فَأمَّكَ بِطَمَعِهِ يَقِيناً، وَقَصَدَكَ بِخَوْفِهِ إِخْلاصاً، قَدْ خَلا طَمَعُهُ مِنْ كُلِّ مَطْمُوعٍ فِيهِ غَيْرِكَ، وَأفْرَخَ رَوْعُهُ مِنْ كُلِّ مَحَذُورٍ مِنْهُ سِواكَ، فَمَثَلَ بَيْنَ يَدَيْكَ مُتَضَرِّعاً، وَغَمَّضَ بَصَرَهُ إِلى الأَرْضِ مُتَخَشِّعاً، وَطَأطَأَ رَأسَهُ لِعِزَّتِكَ مَتَذَلِّلاً،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(فأقبل نحوك مؤملاً لك) أي: له أمل في أن تعفو عنه (مستحيياً منك) حيث قد خالفك فيما سبق (ووجه رغبته إليك) بأن رغب في رضاك وعفوك (ثقة بك) وأنك لا تخيبه (فأمك) أي: قصدك (بطمعه) فيك (يقيناً) أي: قصداً يقيناً لا يشوبه إحجام وشك (وقصدك بخوفه إخلاصاً) أي: عن إخلاص وحقيقة (قد خلا طمعه من كل مطموع فيه غيرك) فهو لا يطمع في غيرك وإنما يطمع فيما لديك، ومن المعلوم أن التوجه الكامل أقرب إلى القبول لأنه اعتراف بوحدة المعظم له المطموع فيه (وأفرخ) أي: ذهب (روعه) أي: خوفه (من كل محذور منه سواك) فخوفه منك وحدك، كما أن رجاءه فيك فقط (فمثل) أي: صيَّر نفسه شخصاً ممثلاً (بين يديك) أي: أمامك (متضرعاً) أي: في حال كونه ضارعاً مستكيناً (وغمض بصره) أي: ألقى عينه (إلى الأرض متخشعاً) وفي هذا اعتراف بالذلة وعظمة الرب تعالى (وطأطأ رأسه) أي: اخفضها (لعزتك متذللاً)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَأَبَثَّكَ مِنْ سِرِّهِ ما أنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ خُضُوعاً، وَعَدَّدَ مِنْ ذُنُوبِهِ ما أَنْتَ أَحْصى لَها خُشُوعاً، وَاسْتَغاثَ بِكَ مِنْ عَظِيمِ ما وَقَعَ بِهِ في عِلْمِكَ وَقَبِيحِ مَا فَضَحَهُ في حُكْمِكَ: مِنْ ذُنُوبٍ أَدْبَرَتْ لَذّاتُها فَذَهَبَتْ وَأَقَامَتْ تَبِعاتُها فَلَزِمَتْ، لا يُنْكِرُ يا إلهي عَدْلَكَ إِنْ عاقَبْتَهُ، وَلا يَسْتَعْظِمُ عَفْوَكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ وَرَحِمْتَهُ، لأَنَّكَ الرَّبُّ الكَرِيمُ الَّذِي لا يَتَعاظَمُهُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التذلل: إظهار الذلة والعجز (وأبثك) أي: كشف لك (من سره ما أنت أعلم به منه خضوعاً) والمراد بسره ما يعلم من معاصيه وضعفه وعجزه (وعدد من ذنوبه ما أنت أحصى لها) أي: أحسن إحصاءً لتلك الذنوب من نفس المذنب (خشوعاً) وخضوعاً لك (واستغاث بك من عظيم ما وقع به) أي: الذنب العظيم الذي وقع بسببه في الهلكة (في علمك) أي: في حال كونه مشمولاً لعلمك (وقبيح ما فضحه) أي: قبيح الذنب الذي فضحه، وكان ذلك (في حكمك) إذ حكمت بشيء وهو عمل خلاف ذلك (من ذنوب أدبرت لذاتها) [من] بيان [ما] وإذا عمل الإنسان بالذنب للذته تدبر اللذة بعد قليل (فذهبت) ومضت (وأقامت) عليه (تبعاتها) تبعة الذنب عقابه (فلزمت) عليه وثبتت على عنقه (لا ينكر يا إلهي عدلك إن عاقبته) فعقابك له عدل في مقابل عصيانه (ولا يستعظم عفوك) أي: لا يعده عظيماً (إن عفوت عنه ورحمته) بعدم إلزامه بسيئاته (لأنك الرب الكريم الذي لا يتعاظمه) أي: لا يعظم عليه (غفران الذنب العظيم) وحيث إنك عظيم لا موقع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غُفْرانُ الذَّنْبِ العَظِيمِ، اللّهُمَّ فَها أَنَا ذَا قَدْ جِئْتُكَ مُطيِعاً لأَمْرِكَ فِيما أَمَرْتَ بِهِ مِنَ الدُّعاءِ، مُتَنَجِّزاً وَعْدَكَ فِيما وَعَدْتَ بِهِ مِنَ الإجابَةِ، إِذْ تَقُولُ: ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ، اللّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَالقَنِي بِمَغْفِرَتِكَ كَما لَقِيتُكَ بِإقْرارِي، وَارْفَعْنِي عَنْ مَصارِعِ الذُّنُوبِ كَما وَضَعْتُ لَكَ نَفْسِي، وَاسْتُرنِي بِسِتْرِكَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن يعظم الإنسان عفوك مهما كان الذنب عظيماً فإن ذلك مثل أن يعظم الإنسان رطل ماء من مياه البحر.

(اللهم فها) الفاء للتفريع، و[ها] للتنبيه (أنا ذا قد جئتك مطيعاً لأمرك فيما أمرت به من الدعاء) في القرآن الحكيم كما يأتي في الآية الكريمة (متنجزاً وعدك) أي: طالباً لأن تفي بوعدك (فيما وعدت به من الإجابة) لمن دعاك (إذ تقول: ادعوني أستجب لكم) [2] فإني قد دعوتك فاستجب لي وقد قيل: إن الأمر كان مقدراً فما فائدة الدعاء؟ والجواب: إن المقدر أن يدعو زيد فيعطى الشيء الفلاني كما أن المقدر أن يكتسب زيد فيربح الربح الكذائي.

(اللهم فصلِّ على محمد وآله والقني بمغفرتك) بأن تغفر لي (كما لقيتك بإقراري) بالذنوب (وارفعني عن مصارع الذنوب) أي: محلات صرعة الإنسان ووقوعه بواسطة الذنوب (كما وضعت) وتذللت (لك نفسي) خضوعاً واعترافاً لك (واسترني بسترك) فلا تفضح ما اطلعت عليه من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كَما تَأنَّيْتَنِي عَنِ الانْتِقامِ مِنِّي، اللّهُمَّ وَثَبِّتْ في طاعَتِكَ نِيَّتِي، وَأحْكِمْ في عِبادَتِكَ بَصِيرَتِي، وَوَفِّقْنِي مِنَ الأَعْمالِ لِما تَغْسِلُ بِهِ دَنَسَ الخَطايا عَنِّي، وَتَوَفَّنِي عَلى مِلَّتِكَ وَمِلَّةِ نَبِيِّكَ: مَحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إذا تَوَفَّيْتَنِي، اللّهُمَّ إِنّي أَتُوبُ إِلَيْكَ في مَقامِي هَذا مِنْ كَبائِرِ ذُنُوبِي وَصَغائِرِها، وَبَواطِنِ سَيِّئاتِي وَظَواهِرِها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذنوب (كما تأنيتني) أي: أبطأت (عن الانتقام مني) فلم تعاجلني بالعقوبة.

(اللهم وثبت في طاعتك نيتي) حتى أنوي طاعتك طول عمري (واحكم في عبادتك بصيرتي) حتى أكون بصيراً بفوائد العبادة محكم البصيرة (ووفقني من الأعمال) الصالحة (لما تغسل به دنس الخطايا عني) دنس الخطايا قذارتها والمراد أنواعها وتبعاتها (وتوفني على ملتك) أي: طريقتك التي قررتها للناس، والمراد بها الإسلام (وملة نبيك محمد عليه السلام) هذا للتأكيد. نحو أطيعوا الله والرسول، وإلا فملته (صلى الله عليه وآله) نفس ملة الله تعالى (إذا توفيتني) حتى تكون وفاتي على الإسلام والهدى.

(اللهم إني أتوب إليك في مقامي هذا) أي: في الحال الحاضر الذي أتكلم فيه (من كبائر ذنوبي وصغائرها) وللعلماء في ميزان الكبيرة والصغيرة أقوال ومن الواضح أن مثل القتل والزنا والشرك من الكبائر كما أن بعض الذنوب كالظهار والايلاء من الصغائر والتفصيل موكول إلى محله (وبواطن سيئاتي) أي: المعاصي التي لم أظهرها (وظواهرها) التي أظهرتها للناس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَسَوالِفِ زَلاّتِي وَحَوادِثِها، تَوْبَةَ مَنْ لا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَةٍ وَلا يُضْمِرُ أَنْ يَعُودَ فِي خَطِيئَةٍ، وََقَدْ قُلْتَ يا إِلهي في مُحْكَمِ كِتابِكَ، أنَّكَ تَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِكَ، وَتَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ، وَتُحِبُّ التَّوّابِينَ، فَاقْبَلْ تَوْبَتِي كَما وَعَدْتَ، وَاعْفُ عَنْ سَيِّئاتِي كَما ضَمِنْتَ، وَأوجِبْ لِي مَحَبَّتَكَ كَما شَرَطْتَ، وَلَكَ يا رَبِّ شَرْطِيَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وسوالف زلاتي) جمع سالفة، والزلة المعصية، أي: ما تقدم من معاصي (وحوادثها) التي أحدثتها جديداً (توبة من لا يحدث نفسه بمعصية) بأن يعزم على ترك العصيان (ولا يضمر) أي: لا ينوي (أن يعود في خطيئة) أي: في ذنب (وقد قلت يا إلهي في محكم كتابك) أي: كتابك المحكم الذي لا يجد الباطل والنقص والفسخ إليه سبيلاً (إنك تقبل التوبة عن عبادك وتعفو عن السيئات) قال سبحانه: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات) [3] (وتحب التوابين) قال سبحانه: (وإن الله يحب التوابين) [4] (فاقبل توبتي كما وعدت) يا إلهي (واعف عن سيئاتي كما ضمنت) في الآية السابقة، فوعد الكريم ضمانة (وأوجب لي محبتك) بأن تحبني (كما شرطت) حيث قلت ويحب المتطهرين، والشرط ما يلتزمه الإنسان وخصوصاً إذا كان في ضمن عقد أو نحوه (ولك يا ربِّ شرطي) أي: أشترط وألتزم إن عفوت عني، أو ألتزم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَلاّ أَعُودَ في مَكْرُوهِكَ، وَضَمانِي أَنْ لا أرْجِعَ في مَذْمُومِكَ، وَعَهْدِي أَنْ أَهْجُرَ جَمِيعَ مَعَاصِيكَ، اللّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِما عَمِلْتُ فَاغْفِرْ لي مَا عَلِمْتَ وَاصْرِفْنِي بِقُدْرَتِكَ إلى ما أَحْبَبْتَ، اللّهُمَّ وَعَلَيَّ تَبِعاتٌ قَدْ حَفِظْتُهُنَّ، وَتَبِعاتٌ قَدْ نَسِيتُهُنَّ، وَكُلُّهُنَّ بِعَيْنِكَ الَّتِي لا تَنامُ، وَعِلْمِكَ الَّذِي لا يَنْسى، فَعَوِّضْ مِنْها أَهْلَها، وَاحْطُط عَنِّي وِزْرَها وَخَفِّفْ عَنِّي ثِقْلَها،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مطلقاً (ألاّ أعود في مكروهك) أي: في عمل أنت تكرهه (وضماني) أي: أضمن (ألاّ أرجع في مذمومك) أي: في عمل تذمه (وعهدي) أي: أتعهد (أن أهجر) وأفارق (جميع معاصيك) جمع معصية وهي المخالفة.

(اللهم إنك أعلم بما عملت) من السيئات (فاغفر لي ما علمت) من سيئاتي (واصرفني بقدرتك إلى ما أحببت) من أنواع الطاعة.

(اللهم وعليّ تبعات) هي الآثام التابعة للمعاصي (قد حفظتهن) أنا وأعلم بها (وتبعات قد نسيتهن) ولا أذكرهن (وكلهن بعينك التي لا تنام) أي: أنت تعلم بها (وعلمك الذي لا ينسى) نسبة النسيان إلى العلم من باب المجاز (فعوض منها أهلها) الذين لهم هذه التبعات علينا كالذين يغتابهم الإنسان أو يؤذيهم أو ما أشبه (واحطط عني وزرها) أي: ذنبها (وخفف عني ثقلها) فإن للذنب ثقلاً معنوياً على الإنسان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَاعْصِمْني مِنْ أَنْ أُقارِفَ مِثْلَهَا، اللّهُمَّ وَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِي بِالتَّوْبَةِ إِلاّ بِعِصْمَتِكَ، وَلا اسْتِمسْاكَ بي عَنِ الخَطايا إلاّ عَنْ قُوَّتِكَ، فَقَوِّنِي بِقُوَّةٍ كافِيَةٍ، وَتَوَلَّنِي بِعِصْمَةٍ مانِعَةٍ، اللّهُمَّ أَيُّما عَبْدٍ تابَ إِلَيْكَ وَهُوَ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ فاسِخٌ لِتَوْبَتِهِ، وَعائِدٌ في ذَنْبِهِ وَخَطِيْئَتِهِ، فَإنِّي أَعوُذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ كَذلِكَ فَاجْعَلْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأنه مأخوذ به، والثقل إنما هو على النفس، والمراد بالتخفيف إذهاب الثقل تماماً لا تقليله (واعصمني) أي: احفظني (من أن أقارف) وأرتكب (مثلها) من الذنوب.

(اللهم وإنه لا وفاء لي بالتوبة) أي: لا أتمكن أن أفي (إلا بعصمتك) بأن تحفظني أنت (ولا استمساك بي عن الخطايا) أي لا أتمكن أن أتحفظ نفسي عن الذنوب (إلا عن قوتك) بأن تقويني حتى لا أعصي (فقوني بقوة كافية) تكفيني في قبال إغراء النفس والشيطان (وتولني بعصمة مانعة) أي: أعطني العصمة التي تمنعني عن اقتراف الآثام.

(اللهم أيما عبد تاب إليك وهو في علم الغيب عندك فاسخ لتوبته) أي: مبطل لها بعدم الاستمرار فيها (وعائد في ذنبه وخطيئته) أي: الجنس من الذنب الذي سبق بعض أفراده وإلا فالعود في شخص الذنب غير معقول (فإني أعوذ بك أن أكون كذلك) ممّن يفسخ توبته (فاجعل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تَوْبَتِي هذِهِ تَوْبَةً لا أحْتاجُ بَعْدَها إلى تَوْبَةٍ، تَوْبَةً مُوجِبَةً لِمَحْوِ ما سَلَفَ، وَالسَّلامَةِ فِيما بَقِي، الّلهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ جَهْلِي، وَاسْتَوْهِبُكَ سُوءَ فِعْلِي، فَاضْمُمْنِي إلى كَنَفِ رَحْمَتِكَ تَطَوُّلاً، وَاسْتُرْنِي بِسِتْرِ عافِيَتِكَ تَفَضُّلاً، اللّهُمَّ وَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ ما خَالَفَ إِرَادَتَكَ، أَوْ زَالَ عَنْ مَحَبَّتِكَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توبتي هذه) التي أتوب بها إليك في هذا الحال (توبة لا أحتاج بعدها إلى توبة) لعدم فسخها طيلة عمري (توبة موجبة لمحو ما سلف) ومضى من الآثام (والسلامة فيما بقي) بأن أسلم عن الخطايا فإن التوبة لو كانت قوية من الأعماق لم يرتكب الإنسان الذنب بعدها.

(اللهم إني أعتذر إليك من جهلي) الذي سبب وقوعي في العصيان فإنه لولا جهل الإنسان بوخامة المعصية وعاقبتها السيئة لم يكن يذنب أبداً (وأستوهبك) أي: أطلب منك أن تهب لي (سوء فعلي) حتى لا يكون عندك مثبوتاً فأعاقب عليه (فاضممني إلى كنف رحمتك) الكنف الجانب أي: اجعلني في جانب الرحمة مقابل جانب العذاب (تطولاً) أي: تفضلاً منك لا باستحقاق مني (واسترني بستر عافيتك تفضلاً) فلا تفضحني على ذنوبي بفضلك وإحسانك.

(اللهم وإني أتوب إليك من كل ما خالف إرادتك) أي: أمرك من السيئات التي ارتكبتها (أو زال عن محبتك) أي: عن حبك فإن المعاصي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مِنْ خَطَرَاتِ قَلْبِي وَلَحَظاتِ عَيْنِي، وَحِكاياتِ لِسَانِي، تَوْبَةً تَسْلَمُ بِهَا كُلُّ جَارِحَةٍ عَلى حِيَالِهَا مِنْ تَبِعَاتِكَ، وَتَأمَنُ مِمَّا يَخَافُ المُعْتَدُونَ مِنْ ألِيمِ سَطَواتِكَ، اللّهُمَّ فَارْحَمْ وَحْدَتِي بَيْنَ يَدَيْكَ وَوَجِيبَ قَلْبِي مِنْ خَشْيَتِكَ وَاضْطِرابَ أَرْكَاني مِنْ هَيْبَتِكَ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توجب زوال الإنسان عن حب الله تعالى (من خطرات قلبي) فإن القلب إذا سنح له خاطر سيئ ومرَّ به فكر باطل كان ذلك خلاف إرادته سبحانه وإن لم يصل إلى حد الحرمة (ولحظات عيني) اللحظة النظر بالمعنى (وحكايات لساني) أي أقواله وكلماته (توبة تسلم بها كل جارحة على حيالها) أي: على انفرادها، بأن توجب تلك التوبة أن لا أعصي بعدها بأي عضو من أعضائي (من تبعاتك) أي: العقاب الذي يتبع العصيان (وتأمن) كل جارحة (مما يخاف المعتدون) الذي عصى واعتدى (من أليم سطواتك) جمع سطوة بمعنى الأخذ والقبض بشدة، والإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف أي: سطوتك الأليمة.

(اللهم فارحم وحدتي بين يديك) فإن الإنسان المتفرد أقرب إلى الترحم لأنه لا شوكة له بخلاف الذي معه أشخاص آخرون يوجبون شوكته وعزه (ووجيب قلبي من خشيتك) أي: خفقانه فإن الخائف يخفق قلبه خفقاناً شديداً (واضطراب أركاني من هيبتك) أي: ارتعاد مفاصلي وأعضائي من خوفك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فَقَدْ أَقامَتْنِي يا رَبِّ ذُنُوبِي مَقامَ الخِزْي بِفِنائِكَ، فَإِنْ سَكَتُّ لَمْ يَنْطِقْ عَنِّي أَحَدٌ، وَإِنْ شَفَعْتُ فَلَسْتُ بِأَهْلِ الشَّفاعَةِ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَشَفِّعْ في خَطَايَايَ كَرَمَكَ، وَعُدْ عَلى سَيِّئاتِي بِعَفْوِكَ، وَلا تَجْزِنِيِ جَزائِي مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَابْسُطْ عَلَيَّ طَوْلكَ، وَجَلِّلْنِي بِسِتْرِكَ، وَافْعَلْ بِي فِعْلَ عَزِيزٍ تَضَرَّعَ إِلَيْهِ عَبْدٌ ذَلِيْلٌ فَرَحِمهُ، أَوْ غَنِيٍّ تَعَرَّضَ لَهُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(فقد أقامتني ـ يا رب ـ ذنوبي مقام الخزي) والذلة (بفنائك) فناء الدار: ساحتها الخارجية (فإن سكت) عن الاعتذار وطلب التوبة (لم ينطق عني أحد) غيري في طلب التوبة (وإن شفعت) أي: طلبت الشفاعة (فلست بأهل الشفاعة) بأن يشفع لي أحد.

(اللهم صلّ على محمد وآله وشفع في خطاياي كرمك) أي: اجعل كرمك وسيلة وشفيعاً لمحو خطاياي (وعد على سيئاتي بعفوك) فإن العفو يتوجه إلى الإنسان المعفو عنه، وهذا هو العود، وكأنه كان العفو مقبلاً ثم أدبر لما رأى السيئة فيطلب الداعي إقباله ثانياً (ولا تجزني جزائي) أي: لا تعطني جزاء سيئاتي (من عقوبتك وابسط علي طولك) أي: إحسانك وإنعامك (وجللني بسترك) أي ألبسني بسترك حتى لا أفتضح أمام الناس (وافعل بي فعل عزيز تضرع إليه عبد ذليل فرحمه) فإن العزيز إذا رأى ذلة المتضرع يعطف عليه ويرحمه (أو غني تعرض له)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عَبْدٌ فَقِيْرٌ فَنَعَشَهُ، اللّهُمَّ لا خَفِيرَ لِي مِنْكَ فَلْيَخْفُرْنِي عِزُّكَ، وَلا شَفِيعَ لِي إِلَيْكَ فَلْيَشْفَعْ لِي فَضْلُكَ، وَقَدْ أَوْجَلَتْنِي خَطَايَايَ فَلْيُؤْمِنِّي عَفْوُكَ، فَمَا كُلُّ مَا نَطَقْتُ بِهِ عَنْ جَهْلٍ مِنِّي بِسُوءِ أَثَرِي، وَلا نِسيَانٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ ذَمِيمِ فِعْلِي، وَلكِنْ لِتَسْمَعَ سَماؤُكَ وَمَنْ فِيهَا وَأَرْضُكَ وَمَنْ عَلَيْهَا مَا أَظْهَرْتُ لَكَ مِنَ النَّدَمِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طالباً معروفه (عبد فقير فنعشه) بإعطائه لوازمه.

(اللهم لا خفير لي منك) أي: لا مجير يجيرني من عذابك (فليخفرني عزك) أي: تجيرني أنت بعزك، وإسناد الخفارة إلى العز مجاز من الإسناد إلى السبب (ولا شفيع لي إليك فليشفع لي فضلك) فإني أجعل فضلك شفيعاً، والنفي إضافي، والمراد به: الشفعاء العاديون، فلا ينافي ذلك الاستشفاع بمحمد (صلى الله عليه وآله) أو أن الشفيع أولاً وبالذات الفضل إذ شفاعتهم منوطة برضاه سبحانه (وقد أوجلتني) أي: أخافتني (خطاياي) وآثامي (فليؤمني عفوك) حتى لا أخاف (فما كل ما نطقت به) من الطلبات التي طلبتها منك (عن جهل مني بسوء أثري) فإن الذنب يبقى للإنسان (ولا نسيان لما سبق من ذميم فعلي) أي: فعلي المذموم فإن العصيان مذموم (لكن لتسمع سماؤك ومن فيها) فإن للكون أذاناً سميعة وألسنة ناطقة (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) (وأرضك ومن عليها) ممن يسمع كلامي (ما أظهرت لك من الندم) على خطاياي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَلَجَأتُ إِلَيْكَ فِيهِ مِنَ التَّوْبَةِ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَرْحَمُنِي لِسُوءِ مَوْقِفِي، أَوْ تُدْرِكُهُ الرِّقَّةُ عَلَيَّ لِسُوءِ حالِي فَيَنالَنِي مِنْهُ بِدَعْوَةٍ هِيَ أَسْمَعُ لَدَيْكَ مِنْ دُعائِي، أَوْ شَفَاعَةٍ أَوْكَدُ عِنْدَكَ مِنْ شَفَاعَتِي تَكُونُ بِها نَجاتِي مِنْ غَضَبِكَ وَفَوْزَتِي بِرِضاكَ، اللّهُمَّ إِنْ يَكُنِ النَّدَمُ تَوْبَةً إِلَيْكَ فَأَنَا أَنْدَمُ النَّادِمِينَ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(ولجأت إليك فيه) الضمير عائد إلى [ما] (من التوبة) أي: ليسمع كل شيء التوبة التي لجأت فيها إليك وحيث إن علم الإنسان بسوء أثره يقتضي أن يسكت لا أن يتكلم، كأن التكلم خلاف القاعدة ويحتاج إلى مبرر. ولذا ذكره ثم بلفظة [لكن] استثناءً (فلعل بعضهم) أي: السماء والأرض ومن فيهما (برحمتك) التي وهبتها لهم (يرحمني) بأن يدعو لي فتستجيب وتعفو عني (لسوء موقفي) حيث يرى أن موقفي عندك موقفاً سيئاً مثل موقف سائر المجرمين أمام عدل القضاء (أو تدركه الرقة) والرحمة (عليّ لسوء حالي) حيث أذنبت إلى ربي (فينالني منه بدعوة) إليك للعفو عني (هي أسمع لديك من دعائي) والمراد بكونه أسمع: أنه أقرب إلى الإجابة (أو الشفاعة) بأن يشفع لي (أوكد عندك من شفاعتي) الشفاعة: التوصل إلى المطلب بسبب وقد يكون السبب خارجياً وقد يكون من نفس الإنسان كالتوبة والإنابة (تكون بها) أي: بشفاعة ذلك الشيء لي (نجاتي من غضبك وفوزتي) أي: فوزي وظفري (برضاك) بعد أن كنت غاضباً عليّ بسبب عصياني.

(اللهم إن يكن الندم توبة إليك فأنا أندم النادمين) أي: فأنا أكثر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَإِنْ يَكُنِ التَّرْكُ لِمَعْصِيَتِكَ إِنابَةً فَأَنَا أَوَّلُ المُنِيبِينَ، وَإنْ يَكُنِ الاسْتِغْفارُ حِطَّةً لِلذُّنُوبِ فَإِنِّي لَكَ مِنَ المُسْتَغْفِريِنَ، اللّهُمَّ فَكَما أَمَرْتَ بَالتَّوْبَةِ، وَضَمِنْتَ القَبُولَ وَحَثَثْتَ عَلَى الدُّعاءِ، وَوَعَدْتَ الإجابَةَ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاقْبَلْ تَوْبَتِي، وَلا تَرْجِعْنِي مَرْجِعَ الخَيْبَةِ مِنْ رَحْمَتِكَ، إنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ عَلَى المُذْنِبِينَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من جميع النادمين ندماً عما أذنبت (وإن يكن الترك لمعصيتك إنابة) الإنابة: بمعنى الترك والرجوع، فإن التائب يرجع إلى الله سبحانه بعد أن ابتعد عنه بالعصيان (فأنا أول المنيبين) أولهم رتبةً لا زماناً، كما لا يخفى (وإن يكن الاستغفار) بمعنى طلب الغفران (حطةً للذنوب) أي: موجباً لحط الذنوب عن عاتق الإنسان (فإني لك من المستغفرين) فاعف عني وتجاوز عني.

(اللهم فكما أمرت بالتوبة وضمنت القبول) حيث قلت: (توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون) [5] وقلت: (وإني لغفار لمن تاب) [6] (وحثثت) الحث: التريض (على الدعاء ووعدت الإجابة) حيث قلت: (ادعوني استجب لكم) [7].

(فصلِّ على محمد وآله واقبل توبتي) بالعفو عني (ولا ترجعني مرجع الخيبة) أي: مثل رجوع الإنسان الذي خاب ولم يحصل على مراده (من رحمتك) وفضلك (إنك أنت التواب على المذنبين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَالرَّحِيمُ لِلْخاطِئِينَ المُنِيبِينَ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، كَما هَدَيْتَنا بِهِ، وَصَلَّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلٍهِ كَما اسْتَنْقَذْتَنا بِه، وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِه، صلاةً تَشْفَعُ لَنا يَوْمَ القِيامَةِ وَيَوْمَ الفاقَةِ إلَيْكَ؛ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَهُوَ عَلَيْكَ يَسِيرٌ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والرحيم للخاطئين) لعل الفرق: أن التواب من يستر الذنب والرحيم من يعطي الفضل، وتواب مبالغة في تائب، وتاب بمعنى رجع، وهو من العبد رجوعه إلى الله بعد ابتعاده عنه بالذنوب، ومن الله رجوعه إلى العبد بالغفران بعد إعراضه عنه لما ارتكب من الإثم (المنيبين) من أناب بمعنى تاب.

(اللهم صلِّ على محمد وآله كما هديتنا به) أي: مثل أن تفضلت علينا بالهداية تفضل على محمد (صلى الله عليه وآله) بالصلاة.

(وصل على محمد وآله كما استنقذتنا) أي أنقذتنا وخلصتنا من الشرك والشقاء (به) أي: بالرسول (صلى الله عليه وآله).

(وصل على محمد وآله صلاة تشفع) تلك الصلاة (لنا يوم القيامة ويوم الفاقة) أي: الاحتياج (إليك) فإن الإنسان إذا أهدى إلى الكريم هدية استحق عليه حقاً وهكذا لو صلى الإنسان على الرسول استحق أن تكون تلك الصلاة شفيعة له ومخلصة إياه عن العقاب (إنك) يا رب (على كل شيء قدير وهو) أي: ما طلبنا منك (عليك يسير) فإنه سبحانه لا يصعب عليه شيء مهما كان عظيماً ثقيلاً في نظرنا.

[1] ـ سورة العلق، آية: 6، 7.

[2]  ـ إشارة إلى سورة غافر، آية: 60.

[3]  ـ سورة الشورى، آية: 25.

[4]  ـ سورة البقرة، آية: 222.

[5]  ـ سورة النور، آية: 31.

[6]  ـ سورة طه، آية: 82.

[7]  ـ سورة غافر، آية: 60.