الفهرس

المؤلفات

الأدعية

الصفحة الرئيسية

 

(49)

دعاؤه (عليه السلام) في دفع كيد الأعداء ورد بأسهم

ويسمى هذا الدعاء بالجوشن الصغير، والجوشن بمعنى الدرع

وكان من دعائه (عليه السلام) في دفاع كيد الأعداء ورد بأسهم:

إِلهي هَدَيْتَني فَلَهَوْتُ، وَوَعَظْتَ فَقَسَوْتُ، وَأَبْلَيْتَ الجَميلَ فَعَصَيْتُ، ثُمَّ عَرَفْتُ مَا أَصْدَرْتَ إِذْ عَرَّفْتَنيهِ، فَاسْتَغْفَرْتُ فَأقَلْتَ، فَعُدْتُ فَسَتَرْتَ، فَلَكَ إِلهي الحَمْدُ، تَقَحَّمْتُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدعاء التاسع والأربعون

الشرح

(إلهي هديتني فلهوت) أي: لعبت ولم أعمل حسب مقتضى الهداية من العمل الصالح (ووعظت فقسوت) أي: قسى قلبي فلم أعمل حسب العظة (وأبليت الجميل) أي: أعطيت العطاء الجميل (فعصيت) عوض أن أشكرك (ثمَّ عرفت ما أصدرت) أي: ما أعطيتني، أي: تنبهت إلى عطائك وإحسانك لي (إذ عرفتنيه) معرفة كاملة (فاستغفرت) لك عما سلف مني (فأقلت) أي: تبت علي وقبلت معذرتي (فعدت) أي: رجعت إلى عصيانك بعد التوبة (فسترت) ذنبي ولم تفضحني.

(فلك إلهي الحمد) على كل ذلك (تقحمت) أي: ألقيت نفسي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَودِيةَ الهَلاكِ، وَحَلَلْتُ شِعابَ تَلَفٍ، تَعَرَّضْتُ فيها لِسَطَواتِكَ وَبِحُلُولِها لِعُقُوباتِكَ، وَوَسيلَتي إِلَيْكَ التَّوْحيدُ، وَذَرِيعَتِي أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِكَ شَيْئاً، وَلَمْ أتَّخِذْ مَعَكَ إِلهاً، وَقَدْ فَرَرْتُ إِلَيْكَ بِنَفْسي، وَإِلَيْكَ مَفَرُّ المُسيءِ وَمَفْزَعُ المُضَيِّعِ لِحَظِّ نَفْسِهِ المُلْتَجِئِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دفعة في (أودية الهلاك) جمع وادي: الصحارى الموجبة لهلاك السائر فيها والمراد بها محلات المعصية (وحللت) أي: دخلت ونزلت (شعاب تلف) جمع شعب وهو الصدع في الجبل، أي: الشعاب الموجبة لتلف الإنسان (تعرضت فيها) أي: في تلك الأودية والشعاب (لسطواتك) أي: لأقسام أخذك وانتقامك (وبحلولها) أي تعرضت بحلول تلك الشعاب والأودية (لعقوباتك) بي (ووسيلتي إليك) في نجاتي والعفو عني (التوحيد) فإني موحد لك (وذريعتي) أي وسيلتي في نجاتي من عذابك (أني لم أشرك بك شيئاً) أي لم أجعل لك شريكاً بل وحدتك (ولم أتخذ معك إلهاً) كما يفعل المشركون (وقد فررت إليك) يا رب (بنفسي) والمراد بالفرار: الالتجاء إليه تعالى حتى لا يعاتبه بذنبه (وإليك مفر المسيء) فإن الشخص الذي يسيء ويذنب لا ملجأ له إلا إليه تعالى (ومفزع المضيع لحظ نفسه) فإن الإنسان بعصيانه قد ضيع حظ نفسه من السعادة والرفعة (الملتجئ) أي: الذي يلتجئ ويلوذ فراراً من المكروه الذي يوشك أن يصل إليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فَكَمْ مِنْ عَدُوٍّ انْتَضى عَلَيَّ سَيْفَ عَداوَتِهِ، وَشَحَذَ لِي ظِبَةَ مُدْيَتِهِ، وَأَرْهَفَ لِي شَبا حَدِّهِ، وَدافَ لِي قَواتِلَ سُمُومِهِ، وَسَدَّدَ نَحْوِي صَوائِبَ سِهامِهِ، وَلَمْ تَنَمْ عَنِّي عَيْنُ حَراسَتِهِ، وَأضْمَرَ أَنْ يَسُومَنِي المَكْرُوهَ، وَيُجَرَّعَنِي زُعافَ مَرارَتِهِ، فَنَظَرْتَ يا إِلهي إِلى ضَعْفي عَنِ احْتِمالِ الفَوادِحِ، وَعَجْزِي عَنْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(فكم من عدو انتضى) أي: سل وأخرج من غمده (عليَّ سيف عداوته وشحذ) أي: حدّه حتى يقطع سريعاً (لي ظبة مديته) المدية: السكين العظيمة والظبة طرفها (وأرهف) أي: رقق ليقطع بسرعة، ولا يكون كليلاً (لي شبا حده) أي: طرف حدة سكينه (وداف) أي: مزج بماء ونحوه (لي قواتل سمومه) أي: سمومه القتالة (وسدد نحوي) أي: وجه إلى جانبي (صوائب سهامه) أي: سهامه الصائبة (ولم تنم عني عين حراسته) فهو يحرسني ويراقب أعمالي وأحوالي ليلاً ونهاراً (وأضمر) أي: نوى (أن يسومني المكروه) سامه أي: أورد عليه ما يكره (ويجرعني) أي: يشربني جرعة جرعة (زعاف مرارته) الزعاف السم ونحوه، والإضافة للصفة إلى الموصوف أي: مرارة زعافه (فنظرت يا إلهي إلى ضعفي عن احتمال الفوادح) جمع فادحة: بمعنى الشيء الثقيل والمصيبة وما أشبه (وعجزي عن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانْتِصارِ مِمَّنْ قَصَدَني بِمُحارَبَتِهِ، وَوَحْدَتي فِي كَثيرِ عَدَدِ مَنْ ناواني، وَأرْصَدَ لِي بِالبَلاءِ فيما لَمْ أُعْمِلْ فيهِ فِكْرِي، فَابْتَدَأتَنِي بِنَصْرِكَ، وَشَدَدْتَ أزْرِي بِقُوَّتِكَ، ثُمَّ فَلَلْتَ لِي حَدَّهُ، وَصَيَّرْتَهُ مِنْ بَعْدِ جَمْعٍ عَديدٍ وَحْدَهُ، وَأَعْلَيْتَ كَعْبِي عَلَيْهِ، وَجَعَلْتَ مَا سَدَّدَهُ مَرْدُوداً عَلَيْهِ، فَرَدَدْتَهُ لَمْ يَشْفِ غَيْظَهُ وَلَمْ يَسْكُنْ غَليلُهُ، قدْ عَضَّ عَلى شَفاهُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانتصار ممن قصدني بمحاربته) أي: لا أقدر على أن أغلب من يريد محاربتي (ووحدتي في كثير عدد من ناواني) المناواة: بمعنى المعاداة (وأرصد لي بالبلاء) أي: راقبني لأن يصب عليّ البلاء والمكروه (فيما لم أعمل فيه فكري) أي: لم أدر وجه البلاء الذي يريد أن يوجهه نحوي (فابتدأتني بنصرك) بأن نصرتني ابتداءً (وشددت أزري) أي: ظهري (بقوتك) وكفايتك (ثمَّ فللت لي حده) أي: كسرت لي سورته وشدته، والفل ضد الشحذ (وصيرته من بعد جمع عديد) أي: أنصاره المتعددة (وحده) متوحداً (وأعليت كعبي) الكعب: الرجل (عليه) وهذا كناية عن تمام الاستيلاء (وجعلت ما سدده) أي: وجهه نحوي من السهام (مردوداً عليه) بأن جرح نفسه بسهمه (فرددته) أي: ذلك الشخص، في حال كونه (لم يشف غيظه) وغضبه بأذيتي بل بقي غيظه في صدره (ولم يسكن غليله) أي: حرارة غيظه للانتقام مني (قد عض على شفاه) أي: أطراف بدنه، فإن الغضبان يعض على أنامله وما أشبه حين شدة الغضب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَأَدْبَرَ مُوَلِيّاً قَدْ أَخْلَفَتْ سَراياهُ، وَكَمْ مِنْ باغٍ بَغانِي بِمَكائِدِهِ وَنَصَبَ لِي شَرَكَ مَصائِدِهِ، وَوَكَّلَ بي تَفَقُّدَ رِعايَتِهِ، وَأَضْبَأَ إِلَيَّ إِضْباءَ السَّبُعِ لِطَرِيدَتِهِ انْتِظاراً لانْتِهازِ الفُرْصَةِ لِفَرِيسَتِهِ، وَهُوَ يُظْهِرُ لِي بَشاشَةَ المَلَقِ، وَيَنْظُرُني عَلى شِدَّةِ الحَنَقِ، فَلَمَّا رَأَيْتَ يا إلهي تَبَارَكْتَ وَتَعالَيْتَ دَغَلَ سَرِيرَتِهِ وَقُبْحَ مَا انْطَوى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وأدبر مولياً قد أخلفت سراياه) جمع سرية: وهي القطعة من الجيش أي: أخلفه عسكره الذي هيأه للانتقام مني (وكم من باغ) أي: ظالم (بغاني) أي: ظلمني (بمكائده) جمع مكيدة (ونصب لي شرك مصائده) الشرك: الحبالة التي توضع للصيد، والمصائد جمع مصيدة وهي آلة للصيد، والإضافة للبيان (ووكل بي تفقد رعايته) أي: أخذ يراقبني دائماً (وأضبأ إلي) أي: أشرف علي ينظرني ويراقبني (إضباء السبع لطريدته) هي الفريسة التي يطاردها الصياد ليأخذها، ينتظر (انتظاراً لانتهاز الفرصة) يقال: انتهز الفرصة، إذا اغتنمها (لفريسته) أي: الشيء الذي يفترسه ويصيده (وهو يظهر لي بشاشة الملق) أي: بشاشة المتملق لأن يقربني إلى نفسه، وكذا كل من يريد الخدعة يظهر الحب ويبطن البغضاء (وينظرني على شدة الحنق) أي: شدة الغيظ فنظر إلي هكذا لا كنظر المحب (فلما رأيت يا إلهي تباركت وتعاليت) أي: لك الثبات والعلو (دغل سريرته) أي: فساد ضميره وباطنه علي (وقبح ما انطوى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عَلَيْهِ، أرْكَسْتَهُ لأُمِّ رَأسِهِ فِي زُبْيَتِهِ، وَرَدَدْتَهُ في مَهْوى حُفْرَتِهِ، فَانْقَمَعَ بَعْدَ اسْتِطالَتِهِ ذَلِيلاً فِي رِبَقِ حِبالَتِهِ الَّتي كانَ يُقَدِّرُ أَنْ يَراني فيها وَقَدْ كادَ أَنْ يَحُلَّ بِي لَوْلا رَحْمَتُكَ ما حَلَّ بِساحَتِهِ، وَكَمْ مِنْ حاسِدٍ قَدْ شَرِقَ بي بِغُصَّتِهِ، وَشَجِيَ مِنِّي بِغَيْظِهِ وَسَلَقَني بِحَدِّ لِسانِهِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عليه) أي: أضمره (أركسته) أي: رددته (لأم رأسه) أي: مقلوباً على رأسه، وأم الرأس: هي الدماغ، واللام بمعنى على، أي: على أم رأسه كقوله تعالى: (يخرون للأذقان) [1] (في زبيته) أي: حفرته التي حفرها لأجل إلقائي فيها (ورددته في مهوى) أي: محل الهوي والسقوط (حفرته) التي حفرها لي (فانقمع بعد استطالته) أي: انقلع عن إيذائي بعد أن تكبر وطغى (ذليلاً في ربق حبالته) الحبالة: المصيدة المصنوعة من الحبل، والربق كعذب، جمع ربق بالكسر: حبل فيه عدة عرى تربط به البهائم (التي كان يقدر) ويتصور (أن يراني فيها) أي: في تلك الربق (وقد كاد) وقرب (أن يحل بي) البلاء الذي أراده (لولا رحمتك ما حل بساحته) [ما] موصولة، أي: البلاء حل ونزل بساحة ذلك العدو.

(وكم من حاسد قد شرق بي بغصته) يقال: شرق بالماء إذا عقد في حلقه فلم ينزل وسبب للشارب موتاً أو ألماً، وكأن الحسد كالماء يبقى في حلق الحاسد فيسبب له الألم والانهيار (وشجي) الشجى: الألم من المصيبة وأصله من الشجو: وهو ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه (منّي بغيظه) وغضبه (وسلقني) أي: أذاني (بحد لسانه)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَوَحَرَني بِقَرْفِ عُيُوبِهِ، وَجَعَلَ عِرْضي غَرَضاً لِمَراميهِ، وَقَلَّدَني خِلالاً لَمْ تَزَلْ فيهِ، وَوَحَرَني بِكَيْدِهِ، وَقَصَدَني بِمَكيدَتِهِ، فَنادَيْتُكَ يَا إلهي مُسْتَغيثاً بِكَ، واثِقاً بِسُرْعَةِ إِجابَتِكَ، عالِماً أَنَّهُ لا يُضْطَهَدُ مَنْ أوى إلى ظِلِّ كَنَفِكَ، وَلا يَفْزَعُ مَنْ لَجَأَ إلى مَعْقِلِ انْتِصارِكَ، فَحَصَّنْتَني مِنْ بَأْسِهِ بِقُدْرَتِكَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: بطرف لسانه الذي هو كحد السيف (ووحرني) أي: أغاظني (بقرف عيوبه) أي: عيوبه التي اكتسبها بأن نسبها إلي مع أنها كانت له (وجعل عرضي) العرض: ما يحترمه الإنسان من ذاته وأهله وما أشبه (غرضاً لمراميه) أي: لرميه بالسوء والكلام البذيء والمرامي جمع مرمى، بمعنى الرمي (وقلدني) أي: نسب إلي وجعلها كالقلادة لي (خلالاً) أي: صفات جمع خلة (لم تزل فيه) أي: معائب هي له نسبها إلي (ووحرني بكيده) أي: أغاظني وأذاني بكيده ومكره الذي يكيدني به (وقصدني بمكيدته) هي بمعنى الكيد، وهما بمعنى التدبير الخفي لأذى شخص غافل.

(فناديتك يا إلهي مستغيثاً بك) أي: أطلب منك الغوث والحفظ (واثقاً بسرعة إجابتك) لي في إنقاذي منه (عالماً أنه لا يضطهد) أي: لا يظلم (من آوى) أي: اتخذ المأوى والمحل (إلى ظل كنفك) أي: إحاطتك وطرف رحمتك (ولا يفزع) أي: لا يخاف (من لجأ) واستغاث ولاذ (إلى معقل) أي: محل الحرز والحفظ (انتصارك) أي: نصرتك له (فحصنتني) أي: حفظتني (من بأسه) وأذاه (بقدرتك) عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَكَمْ مِنْ سَحائِبِ مَكْرُوهٍ جَلَّيْتَها عَنِّي، وَسَحائِبِ نِعَمٍ أَمْطَرْتَها عَلَيَّ، وَجَداوِلِ رَحْمَةٍ نَشَرْتَها، وَعافِيَةٍ ألْبَسْتَها وَأَعْيُنِ أَحْداثٍ طَمَسْتَها، وَغَواشِيَ كُرُباتٍ كَشَفْتَها، وَكَمْ مِنْ ظَنٍّ حَسَنٍ حَقَّقْتَ، وَعَدَمٍ جَبَرْتَ وَصَرْعَةٍ أَنْعَشْتَ وَمَسْكَنَةٍ حَوَّلْتَ، كُلُّ ذلِكَ إِنْعاماً وَتَطَوُّلاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وكم من سحائب مكروه) جمع سحاب كأن المكروه يظلل الإنسان ويشتمل عليه كما يظل السحاب (جليتها) أي: أذهبتها وكشفتها (عني) فلم يصل المكروه إلي (وسحائب نعم) النعم التي كالسحاب في اشتمالها على الإنسان مظللة له (أمطرتها علي) فصرت ذا نعمة بواسطتها (وجداول رحمة نشرتها) جداول جمع (جدول) وهو النهر، ونشرتها أي: أجريتها (وعافية) من البلايا (ألبستها) إياي فإن العافية تشمل الإنسان كما يشمل اللباس (وأعين أحداث) أي: الأمور المحدثة التي توجب الشدة والبلاء، وأعين جمع عين وهي منبع الماء (طمستها) أي: أذهبتها ومحوتها حتى لم تجر تلك العين وتسبب أذيتي (وغواشي كربات) أي: الكربة والهم التي تغشى وتشمل الإنسان (كشفتها) أي: رفعتها فلم تغشني تلك الكربة.

(وكم) يا رب (من ظن حسن) ظننت بك حسناً في قضاء حاجتي وما أشبه (حققت) أي: فعلت ذلك الشيء المظنون (وعدم) أي: فقر وفاقه (جبرت) فأبدلته غنى (وصرعة) أي: سقطة (أنعشت) بأن أخذت يدي حتى قمت من تلك الصرعة (ومسكنة) أي: فقر (حولت) عني إلى غناي (كل ذلك) الذي فعلت بي من الإحسان (إنعاماً وتطولاً)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مِنْكَ، وَفي جَميعِهِ اِنْهِماكاً مِنِّي عَلى مَعاصيكَ، لَمْ تَمْنَعْكَ إِساءَتي عَنْ إِتْمامِ إِحْسانِكَ، وَلا حَجَرَني ذلِكَ مِنِ ارْتِكابِ مَساخِطِكَ، لا تُسْأَلُ عَمَّا تَفْعَلُ، وَلَقَدْ سُئِلْتَ فَأَعْطَيْتَ، وَلَمْ تُسْأَلْ فَابْتَدَأتَ، وَاسْتُميحَ فَضْلُكَ فَما أَكْدَيْتَ، أَبَيْتَ يا مَوْلايَ إِلاَّ إِحْساناً وَامْتِناناً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: تفضلاً (منك) علي بلا استحقاق مني (في جميعه) أي: جميع ذلك الذي فعلت بي من الإحسان كنت أقابل إحسانك باقتراف الآثام (انهماكاً) واشتغالاً (مني على معاصيك) فلم أكن أنقلع عن العصيان شكراً لما تفعل بي من الإحسان (لم تمنعك) يا رب (إساءتي) وعصياني لك (عن إتمام إحسانك) إلي (ولا حجرني) أي: لم يمنعني (ذلك) الإحسان (من ارتكاب مساخطك) جمع مسخط، بمعنى الشيء الذي يوجب سخطك وغضبك.

(لا تسأل) يا رب (عما تفعل) لأنك الرب الذي ليس فوقه أحد يسأله عن أعماله وكل أعمالك على وجه الصواب والحكمة، فلا موقع للسؤال عن علة ما عملت (ولقد سئلت) يا رب مختلف أنواع فضلك وإحسانك (فأعطيت) وتفضلت بما سألوا (ولم تسأل) عن بعض الحوائج (فابتدأت) كما أن الطفل لا يسأل حوائجه من الله تعالى لكنه سبحانه يعطيه ما يحتاج من العافية والرزق وما أشبه (واستميح فضلك) أي: استعطي، من الاستماحة بمعنى الاستعطاء والطلب (فما أكديت) أي: أرددت السائل (أبيت يا مولاي إلا إحساناً) بالناس (وامتناناً) أي: جعل المنة عليهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَتَطَوُّلاً وَإنْعاماً، وَأَبَيْتُ إِلاّ تَقَحُّماً لِحُرُماتِكَ، وَتَعَدِّياً لِحُدُودِكَ وَغَفْلَةً عَنْ وَعِيدِكَ، فَلَكَ الحَمْدُ إلهي مِنْ مُقْتَدِرٍ لا يُغْلَبُ وَذي أَناةٍ لا َتْعَجَلُ، هَذا مَقامُ مَنِ اعْتَرَفَ بِسُبُوغِ النِّعَمِ وَقابَلَها بِالتَّقْصيرِ، وَشَهِدَ عَلى نَفْسِهِ بِالتَّضْيِيعِ، اللّهُمَّ فَإنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِالمُحَمَّدِيَّةِ الرَّفيعَةِ، وَالعَلَوِيَّةِ البَيْضاءِ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِهِما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالعطاء (وتطولاً) أي: تفضلاً (وإنعاماً) أي: إعطاء للنعم (وأبيت) أنا (إلا تقحماً لحرماتك) أي: دخولاً فيها (وتعدياً لحدودك) حدوده سبحانه: أحكامه (وغفلة عن وعيدك) أي: جعلت نفسي كالغافل عما أوعدت من العقاب والنكال لمن عصاك.

(فلك الحمد إلهي من مقتدر لا يغلب) أي: لا يتمكن أحد من الغلبة عليه، و (من) للبيان (وذي أناة) أي: صاحب حلم (لا تعجل) بالعقوبة لمن عصاك (هذا مقام من اعترف بسبوغ النعم) أي: أني قائم في محل المعترف بأنك أوسعت في نعمك عليّ (وقابلها بالتقصير) أي: قابلت نعمك بأن قصرت في أداء شكرها (وشهد على نفسه بالتضييع) أي: بأنه ضيع ما وجب عليه ولم يقم به،

(اللهم فإني أتقرب إليك بالمحمدية الرفيعة) أي: الملة المحمدية التي هي أرفع من كل ملة، والمراد: دين الإسلام (والعلوية البيضاء) أي: الطريقة العلوية المنسوبة إلى علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي التشيع، التي هي بيضاء، لا لوث فيها (وأتوجه إليك بهما) أي: جاعلاً النبيّ والوصي شفيعان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنْ تُعيذَني مِنْ شَرِّ كَذا وَكَذا، فَإنَّ ذلِكَ لا يَضيقُ عَلَيْكَ فِي وُجْدِكَ، وَلا يَتَكَاَّدُكَ في قُدْرَتِكَ، وأنْتَ على كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ فَهَبْ لِي يا إلهي مِنْ رَحْمَتِكَ وَدَوامِ تَوْفيقِكَ ما أَتَّخِذُهُ سُلَّماً أعْرُجُ بِهِ إلى رِضْوانِكَ وَآمَنُ بِهِ مِنْ عِقابِكَ، يا أرْحَمَ الرّاحِمينَ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لي عند توجهي إليك (أن تعيذني) وتحفظني (من شر كذا وكذا) أي: الشيء الذي أخاف شره والداعي يذكر المخوف منه مكان (كذا وكذا) وتكرار اللفظة باعتبار تعدد الحاجات (فإن ذلك) الذي طلبت منك من أن تعيذني (لا يضيق عليك في وجدك) أي: فيما تجده وتقدر عليه (ولا يتكأدك) أي: لا يثقلك (في قدرتك) فإن قدرتك عظيمة لا يثقل عليها شيء (وأنت على كل شيء قدير) تقدر على إتيانه وقضائه.

(فهب لي يا إلهي من رحمتك ودوام توفيقك) أي: توفيقك الدائم (ما أتخذه سلماً أعرج به) أي: أصعد بسبب تلك الرحمة وذلك التوفيق (إلى رضوانك) أي: رضاك بأن أعمل الصالحات حتى ترضى عني (وآمن به من عقابك) فلا تعاقبني (يا أرحم الراحمين) أي: أرحم من كل راحم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(50)

دعاؤه (عليه السلام) في الرهبة

وكان من دعائه (عليه السلام) في الرهبة:

اللّهُمَّ إِنَّكَ خَلَقْتَنِي سَوِيّاً، وَرَبَّيْتَني صَغِيراً، وَرَزَقْتَني مَكْفِيّاً اللّهُمَّ إِنِّي وَجَدْتُ فِيما أَنْزَلْتَ مِنْ كِتابِكَ، وَبَشَّرْتَ بِهِ عِبادَكَ أَنْ قُلْتَ: يَا عِبادِيَ الَّذينَ أسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله، إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، وَقَدْ تَقَدَّمَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدعاء الخمسون

الشرح

(اللهم إنك خلقتني سوياً) أي: مستوي الخلقة (وربيتني صغيراً) أي: في حال كوني صغيراً (ورزقتني) في حال كوني (مكفياً) كفيتني ولم أحتج إلى رزق من سواك.

(اللهم إني وجدت فيما أنزلت من كتابك) القرآن الحكيم (وبشرت به عبادك) ببشرى حسنة (أن قلت ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) الإسراف على النفس، إنما هو بفعل المعاصي الموجبة لهلاكها، والقنوط اليأس عن الغفران والرضوان (إن الله يغفر الذنوب جميعاً) [2] مع التوبة، وبلا توبة فيما عدا الشرك وما يشبهه قال سبحانه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [3] (وقد تقدم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مِنِّي مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَما أَنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فَيا سَوْأتا مِمَّا أَحْصاهُ عَلَيَّ كِتابُكَ، فَلَوْلا المَواقِفُ الَّتِي أُؤمِّلُ مِنْ عَفْوِكَ الَّذي شَمَلَ كُلَّ شَيْءٍ لأَلْقَيْتُ بِيَدي، وَلَوْ أَنَّ أَحَداً اسْتَطاعَ الهَرَبَ مِنْ رَبِّهِ لَكُنْتُ أَنا أَحَقَّ بِالهَرَبِ مِنْكَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مني) يا رب (ما قد علمت) من أنواع الإساءة والعصيان (وما أنت أعلم به مني) فإن الإنسان لا يعرف كم أذنب ولا كيف بالدقة والتفصيل بخلافه سبحانه.

(فيا سوأتا) السوءة كل عمل قبيح يوجب إساءة الإنسان وحزنه و (يا) حرف نداء مناداه (القوم) المحذوف، أي: يا قوم أنعى إليكم سوءتي، وألف (سوأتا) عوض ياء المتكلم المحذوف، أو المراد: يا سوءتي احضري فهذا وقتك، نحو يا للعجب (ما أحصاه عليَّ كتابك) المراد: الكتاب الذي يكتبه الملكان، ومما أحصاه، ما كتبه، من أنواع الآثام (فلولا المواقف التي أؤمل من عفوك) أي: محلات عفوك عن المذنبين كأيام شهر رمضان وليالي الجمعات، وسائر الأوقات المباركات، وعند الدعاء، ومواقف العفو في القيامة، وما أشبه (الذي شمل) ذلك العفو (كل شيء لألقيت بيدي) يقال: ألقى بيده، إذا استسلم ومدّ يده نحو المحذور ضارعاً، والمراد: يأست عن نجاتي، كما ييأس الملقي يده إلى خصمه بعد يأسه عن قدرة إنقاذ نفسه (ولو أن أحداً استطاع الهرب) والفرار (من ربه) وخالقه (لكنت أنا أحق بالهرب منك) لكثرة آثامي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَأَنْتَ لا تَخْفَى عَلَيْكَ خافِيَةٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ إِلا أَتَيْتَ بِها، وَكَفى بِكَ جازِياً، وَكَفى بِكَ حَسيباً، اللّهُمَّ إِنَّكَ طالِبِي إِنْ أَنا هَرَبْتُ، وَمُدْرِكِي إِنْ أَنا فَرَرْتُ، فَها أَنا ذا بَيْنَ يَدَيْكَ خاضِعٌ ذَلِيْلٌ راغِمٌ إِنْ تُعَذِّبْنِي فَإِنِّي لِذَلِكَ أَهْلٌ، وَهُو يا رَبِّ مِنْكَ عَدْلٌ، وَإِنْ تَعْفُ عَنِّي فَقَديماً شَمَلَني عَفْوُكَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وذنوبي (وأنت لا تخفى عليك خافية في الأرض ولا في السماء) إنما جيء بالخافية مؤنثاً، لأنها صفة لـ[عين] محذوفة، أو لـ[صفة] محذوفة، أي: عين مخفية، أو صفة مخفية (إلا أتيت بها) أي: جئت بتلك الخافية للمحاسبة، أو المراد إتيانها في علمك واطلاعك (وكفى بك) يا رب (جازياً) أي: تجزي على كل عمل (وكفى بك حسيباً) أي: محاسباً لأعمال عبادك، فلا تحتاج في الجزاء والحساب إلى معاونة أحد أو شيء تستعين به من الآلات والأدوات.

(اللهم إنك طالبي) أي: تطلبني (إن أنا هربت) وفررت، بأن بنيت محلاً محكماً في جبل وما أشبه، فراراً عن الموت ولقائك (ومدركي) أي: تدركني وتصل إليّ، والمراد وصول إرادته وقضائه تعالى (إن أنا فررت) منك، والفرار كالهرب في الكيفية (فها أنا ذا بين يديك) أي: في مقابلك (خاضع ذليل راغم) أي: لاصق بالرغام ـ وهو التراب ـ تذللاً (إن تعذبني فإني لذلك) العذاب (أهل) لسوء فعلي (وهو) أي: تعذيبي (يا رب منك عدل) لاستحقاقي العقاب (وإن تعف عني فقديماً) أي: من القدم (شملني عفوك) حيث أذنبت كثيراً فعفوت عني ولم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَأَلْبَسْتَنِي عافِيَتَكَ، فَأَسْأَلُكَ الَّلهُمَّ بِالمَخْزُونِ مِنْ أَسْمائِكَ وَبِما وارَتْهُ الحُجُبُ مِنْ بَهائِكَ، إِلاَّ رَحِمْتَ هذِهِ النَّفْسَ الجَزُوعَةَ وَهذِهِ الِرّمَّةَ الهلُوعَةَ الَّتي لا تَسْتَطيِعُ حَرَّ شَمْسِكَ، فَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ حَرَّ نارِكَ؟ وَالَّتي لا تَسْتَطِيعُ صَوْتَ رَعْدِكَ، فَكَيْفَ تَسْتَطيعُ صَوْتَ غَضَبِكَ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تؤاخذني (وألبستني عافيتك) عن العذاب.

(فأسألك اللهم بالمخزون) أي: المحفوظ (من أسمائك) وهو الاسم الأعظم الذي لا يطلع عليه أحد، الذي إذا دعي به سبحانه أجاب (وبما وارته) أي: أخفته (الحجب) تشبيهاً بالحجاب الذي يجعله الملك على بابه لئلا يبذل للأعين فتسقط هيبته (من بهائك) أي: رفعتك، فإن ذاته وصفاته تعالى مخفية للناس (إلا رحمت هذه النفس الجزوعة) أي: الكثيرة الجزع والفزع عند وصول المكروه إليها (وهذه الرمة) أي: العظام المندرسة البالية (الهلوعة) أي: الكثيرة الهلع وهو بمعنى الفزع، قالوا وتفسير الهلع في قوله سبحانه: (إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً) [4] (التي لا تستطيع حر شمسك) وتتأذى به (فكيف تستطيع حر نارك) في جهنم؟ (والتي لا تستطيع صوت رعدك) لأنه يخاف من الصوت إذا اشتد (فكيف تستطيع) استماع (صوت غضبك) فإن جهنم تزفر، والملائكة الغلاظ الشداد يصيحون إلى غير ذلك من الأصوات المهولة التي تنشأ من غضبه سبحانه على الكافرين والعصاة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فارْحَمْنِي الَّلهُمَّ فَإِنِّي امْرُؤٌ حَقيرٌ، وَخَطَري يَسِيرُ، وَلَيْسَ عَذابِي مِمّا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَلَو أَنَّ عَذابِي مِمّا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ لَسَأَلْتُكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ ذِلكَ لكَ، وَلكِنْ سُلْطانُكَ اللّهُمَّ أَعْظَمُ، وَمُلْكُكَ أَدْوَمُ مِنْ أَنْ تَزِيْدَ فِيْهِ طاعَةُ المُطِيعِينَ أَوْ تُنْقِصُ مِنْهُ مَعْصِيَةُ المُذْنِبِينَ فارْحَمْنِي يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ، وَتَجاوَزْ عَنِّي يا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرامِ، وَتُبْ عَلَيَّ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(فارحمني اللهم فإني امرؤ حقير) لا أهمية لي حتى تنتقم مني (وخطري) أي: أمري (يسير) فلا عظمة لي ولا أهمية (وليس عذابي مما يزيد في ملكك مثقال ذرة) أي: بقدر ثقل ذرة، وهي الهباءة التي ترى في نور الشمس إذا دخل المحل المظلم من كوة أو شبهها (ولو أن عذابي مما يزيد في ملكك) أي: لو فرض أنه كان كذلك (لسألتك) يا رب (الصبر عليه) بأن تعطيني الصبر حتى أصبر على عذابك، فيزيد في ملكك ويرجع النفع إليك (وأحببت أن يكون ذلك) التزيد في الملك (لك) وإن كان بضرري فكنت أقدم نفعك على نفعي (ولكن سلطانك اللهم أعظم) من أن يزيد فيه شيء (وملكك أدوم) أي أكثر دواماً (من أن تزيد فيه طاعة المطيعين أو تنقص منه معصية المذنبين) حتى تريد إكماله بالطاعة، أو عدم المعصية، أو العقاب على الذنب، وإذا كنت لا تحتاج يا رب إلى تعذيبي فاعف عني (فارحمني يا أرحم الراحمين وتجاوز عني) بالعفو والصفح (يا ذا الجلال والإكرام) تقدم معنى اللفظين فيما سبق (وتب عليّ)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إِنَّكَ أَنْتَ التَّوابُ الرَّحيمُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: ارجع إلي بإحسانك، فإن التوبة بمعنى الرجوع (إنك أنت التواب) أي: الكثير الرجوع إلى عبادك المذنبين (الرحيم) بخلقك.

[1] ـ سورة الإسراء، آية: 107.

[2]  ـ إشارة إلى سورة الزمر، آية: 53.

[3]  ـ سورة النساء، آية: 48.

[4]  ـ سورة المعارج، آية: 19 ـ 21.