الفهرس

المؤلفات

الأدعية

الصفحة الرئيسية

 

(51)

دعاؤه (عليه السلام) في التضرع والاستكانة

وكان من دعائه (عليه السلام) في التضرع والاستكانة:

إلهي أَحْمَدُكَ ـ وَأَنْتَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ ـ عَلى حُسْنِ صَنِيعِكَ إِلَيَّ، وَسُبُوغِ نَعْمائِكَ عَلَيَّ، وَجَزِيلِ عَطائِكَ عِنْدِي وَعَلى ما فَضَّلْتَني بِهِ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَأَسْبَغْتَ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَتِكَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ عِنْدِي ما يَعْجِزُ عَنْهُ شُكْرِي، وَلَوْلا إِحْسانُكَ إِلَيَّ وَسُبُوغُ نَعْمائِكَ عَلَيَّ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدعاء الحادي والخمسون

الشرح

وكان من دعائه (عليه السلام) في التضرع والاستكانة:

(إلهي أحمدك ـ وأنت للحمد أهل ـ على حسن صنيعك إلي) أي: صنعك الحسن بي من الخلق والرزق وما أشبه، والله سبحانه أهل للحمد إذ إنما يحمد الكامل المتفضل، وهو سبحانه كامل الذات والصفات متفضل على جميع المخلوقات (وسبوغ) أي: سعة (نعمائك عليّ) فإن نعمه تعالى على الإنسان واسعة سابغة (وجزيل) أي: عظيم (عطائك عندي و) أحمدك يا رب (على ما فضلتني به) الضمير عائد إلى [ما] (من رحمتك) بيان [ما] أي: على رحمتك التي فضلتني بها على غيري (وأسبغت عليّ من نعمتك) أي: أوسعت عليّ (فقد أحسنت عندي) أي: أعطيت وحسنت (ما يعجز عنه شكري) فلا أقدر على شكر نعمائك (ولولا إحسانك إلي وسبوغ نعمائك) أي: سعة نعمتك (علي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما بَلَغْتُ إِحْرازَ حَظِّي، وَلا إِصْلاحَ نَفْسِي، وَلكِنَّكَ ابْتَدَأتَنِي بِالإِحْسانِ، وَرَزَقْتَنِي فِي أُمُورِي كُلِّها الكِفايَةَ، وَصَرَفْتَ عَنِّي جَهْدَ البَلاءِ، وَمَنَعْتَ مِنِّي مَحْذُورَ القَضاءِ، إلهي فَكَمْ مِنْ بَلاءٍ جاهِدٍ قَدْ صَرَفْتَ عَنِّي، وَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ سابِغَةٍ أَقْرَرْتَ بِها عَيْنِي، وَكَمْ مِنْ صَنيعَةٍ كَرِيمَةٍ لَكَ عِنْدِي، أَنْتَ الَّذي أَجَبْتَ عِنْدَ الاضْطِرارِ دَعْوَتي وَأَقَلْتَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما بلغت إحراز حظي) بأن أنال هذه النعمة التي أنا الآن فيها (ولا) قدرت على (إصلاح نفسي) فإنه لا شيء بيد الإنسان إطلاقاً وإنما الكل نعمة من الله تعالى (ولكنك) يا رب (ابتدأتني بالإحسان) بأن أحسنت إلي أولاً (ورزقتني في أموري) أي: حوائجي (كلها) بقدر (الكفاية وصرفت عني جهد البلاء) أي: البلاء الموجب لجهد الإنسان وتعبه (ومنعت مني محذور القضاء) القضاء والقدر الذي يحذر ويخشى منه.

(إلهي فكم من بلاء جاهد) أي: موجب للمشقة (قد صرفت عني) مع إني كنت في معرض ذلك البلاء (وكم من نعمة سابغة) واسعة (أقررت بها عيني) فإن الإنسان إذا اطمأن استقرت عينه بخلاف الخائف والراغب الذي ينظر هنا وهناك ليجد ملجأ أو مطلباً فإن عينه في اضطراب (وكم من صنيعة كريمة) أي: صنع موجب لكرامتي (لك) يا رب (عندي) [كم] في هذه الجمل للتكثير (أنت الذي أجبت عند الاضطرار) أي: وقت اضطراري (دعوتي) التي دعوتك بها لكشف ضري (وأقلت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عِنْدَ العِثارِ زَلَّتي، وَأَخَذْتَ لي مِنَ الأَعْداءِ بِظُلامَتِي إلهي ما وَجَدْتُكَ بَخيلاً حِينَ سَأَلْتُكَ، وَلا مُنْقَبِضاً حِينَ أَرَدْتُكَ بَلْ وَجَدْتُكَ لِدُعائِي سامِعاً، وَلِ مَطالِبِي مُعْطِياً، وَوَجَدْتُ نُعْماكَ عَلَيَّ سابِغَةً فِي كُلِّ شَأنٍ مِنْ شَأني وَكُلِّ زَمانٍ مِنْ زَمانِي فَأَنْتَ عِنْدِي مَحْمُودٌ، وَصَنِيعُكَ لَدَيَّ مَبْرُورٌ، تَحْمَدُكَ نَفْسِي وَلِسانِي وَعَقْلِي، حَمْداً يَبْلُغُ الوَفاءَ وَحَقِيقَةَ الشُّكْرِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عند العثار) أي: السقوط (زلتي) بأن حفظتني فلم أهلك عندما وقعت في الإثم (وأخذت لي من الأعداء بظلامتي) أي: الشيء الذي ظلموني فيه، بأن رددت علي حقي. (إلهي ما وجدتك بخيلاً حين سألتك) حاجتي (ولا منقبضاً) أي: مقطب الوجه، كما يقطب الشخص وجهه عند طلب الحاجة منه (حين أردتك) لإعطاء سؤلي (بل وجدتك لدعائي سامعاً) فلا تصم عن سماع دعائي (ولمطالبي) أي: حوائجي (معطياً) حيث سألتك (ووجدت نعماك) بمعنى النعمة (عليّ سابغة) واسعة (في كل شأن من شأني) من جهة جسمي وروحي ودنياي وآخرتي ونفسي وأهلي وغير ذلك (وكل زمان من زماني فأنت) يا رب (عندي محمود) تستحق الحمد على حسنك بي (وصنيعك لدي مبرور) أي: متسع أو محسن إليه بشكري له.

(تحمدك) يا رب (نفسي ولساني وعقلي) النفس بمعنى القلب والعقل بمقتضى الأدلة الدالة عليه تعالى، في قبال ما لو حمدت النفس ولم يحمد العقل (حمداً يبلغ الوفاء) بنعمتك (و) يبلغ (حقيقة الشكر)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حَمْداً يَكُونُ مَبْلَغَ رِضاكَ عَنِّي، فَنَجِّنِي مِنْ سُخْطِكَ، يا كَهْفي حِيْنَ تُعِْيِينِي المَذاهِبُ، وَيا مُقيلِي عَثْرَتي، فَلَوْلا سَتْرُكَ عَوْرَتِي لَكُنْتُ مِنَ المَفْضُوحِينَ وَيا مُؤَيِّدي بِالنَّصْرِ، فَلَولا نَصْرُكَ إِيّايَ لَكُنْتُ مِنَ المَغْلُوبِينَ، وَيا مَنْ وَضَعَتْ لَهُ المُلُوكُ نيرَ المَذَلَّةِ عَلى أَعْناقِها، فَهُمْ مِنْ سَطَواتِهِ خائِفُونَ، وَيا أَهْلَ التَّقْوى، وَيا مَنْ لَهُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الواجب على الإنسان (حمداً يكون مبلغ رضاك) أي: يصل إلى أن ترضى (عني) لكونه حمداً يليق بك (فنجني من سخطك) وغضبك يا رب (يا كهفي) أي: ملجئي (حين تعييني المذاهب) جمع مذهب بمعنى الطرق، أي: أعجز عن الوصول إلى حاجتي بواسطة سائر الطرق، والأصل فيه أن الإنسان يلتجئ إلى الكهف الذي هو فسحة في الجبل، إذا لم يتمكن من السير، ليبقى هناك مخفياً عن المؤذيات (ويا مقيلي عثرتي) أقال عثرته أي: غفر خطأه (فلولا سترك عورتي) أي: المستور من أعمالي السيئة (لكنت من المفضوحين) المفضوح هو الذي كشفت قبائحه للناس (ويا مؤيدي بالنصر) بأن نصرتني على الأعداء والمشاكل (فلولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين) أي: الذين غلبهم العدو أو غلبتهم مشاكل الحياة فانهاروا أمامها (ويا من وضعت له الملوك نير المذلة) النير: الخشبة التي توضع على عنق الثور وقت الحرث، فإن الملوك أذلاء لقدره تعالى رضوا أم أبوا، (على أعناقها) تأنيث الضمير باعتبار الجماعة (فهم من سطواته) أي: الدفعات من أخذه وعقابه (خائفون) وجلون (ويا أهل التقوى) أي: الذي هو أهل لأن يتقى منه ويخشى من عقابه (ويا من له

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأَسْماءُ الحُسْنى، أسْأَلُكَ أَنْ تَعْفُو عَنِّي، وَتَغْفِرَ لِي، فَلَسْتُ بَرِيئاً فَأعْتَذِرَ، وَلا بِذي قُوَّةٍ فَأنْتَصِرَ، وَلا مَفَرَّ لِي فَأَفِرَّ وَأَسْتَقيلُكَ عَثَراتي، وَأَتَنَصَّلُ إِلَيْكَ مِنْ ذُنُوبِي الَّتي قَدْ أَوْبَقَتْنِي وَأَحاطَتْ بِي فَأَهْلَكَتْنِي، مِنْها فَرَرْتُ إِلَيْكَ رَبِّ تائِباً فَتُبْ عَلَيَّ، مُتَعَوِّذاً فَأعِذْنِي مُسْتَجِيراً فَلا تَخْذُلْنِي، سائِلاً فَلا تَحْرِمْنِي مُعْتَصِماً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأسماء الحسنى) فلا اسم سيئ له، كالبخيل والجبان ونحوه:

(أسألك أن تعفو عني) ذنبي (وتغفر لي) خطيئتي (فلست بريئاً فأعتذر) بأني بريء (ولا بذي قوة فأنتصر) بقوتي عليك عندما تريد أن تؤاخذني بذنوبي (ولا مفر لي) أي: محل للفرار (فأفر) من عقابك (وأستقيلك عثراتي) أي: أطلب منك أن تقيل ذنوبي، بالعفو عنها (وأتنصل) أي: أتبرأ (إليك من ذنوبي) ومعنى التبري من الذنوب الاعتراف بقبحها والاستغفار منها (التي قد أوبقتني) أي: أهلكتني (وأحاطت بي فأهلكتني) إحاطة الذنوب بالإنسان كناية عن كثرتها كما قال تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) [1] (منها) أي: من تلك الذنوب (فررت إليك) يا (رب تائباً فتب عليّ) أي: أرجع إلي بقبول توبتي وغفراني وفي حال كوني (متعوذاً) تعوذ: بمعنى التجأ (فأعذني) أي: أجرني، و (مستجيراً) أي: طالباً إجارتك وحفظك (فلا تخذلني) بأن تتركني وذنوبي حتى يصل إلي عقابك، و (سائلاً) رحمتك (فلا تحرمني) فضلك، و (معتصماً) أي: طالباً العصمة والحفظ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فَلا تُسْلِمْني، داعِياً فَلا تَرُدَّني خائِباً، دَعَوْتُكَ يا رَبِّ مِسْكيناً مُسْتَكيناً، مُشْفِقاً، خائِفاً، وَجَلاً، فَقِيراً، مُضْطَرّاً إِلَيْكَ أَشْكُو إِلَيْكَ يا إلهي ضَعْفَ نَفْسي عَنِ المُسارَعَةِ فِيما وَعَدْتَهُ أَوْلِياءَكَ، وَالمُجانَبَةِ عَمّا حَذَّرْتَهُ أَعْداءَكَ، وَكَثْرَةَ هُمُومي وَوَسْوَسَةَ نَفْسِي، إِلهي لَمْ تَفْضَحْنِي بِسَرِيرَتِي، وَلَمْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منك (فلا تسلمني) إلى عدوي الذي هو الشيطان والنفس الأمارة، و (داعياً) لك (فلا تردني خائباً) خاسراً بدون قضاء حاجتي (دعوتك يا رب) في حال كوني (مسكيناً) فقيراً شديد الفقر (مستكيناً) متضرعاً (مشفقاً) خائفاً أشد الخوف (خائفاً وجلاً) لعل الوجل أخف من الخائف الذي هو أخف من المشفق أو بالعكس (فقيراً مضطراً إليك) في جميع أموري.

(أشكو إليك يا إلهي ضعف نفسي عن المسارعة في) الثواب من (ما وعدته أولياءك) فإن نفسي بطيئة لا تسارع إلى الطاعة التي هي سبب الثواب والرضوان (والمجانبة عما حذرته أعداءك) فإنها لا تسارع في الاجتناب عن العقاب الذي خوفت به أعداءك (و) أشكو إليك يا رب (كثرة همومي) وأحزاني (ووسوسة نفسي) في الأمور فلا اطمئنان لها.

(إلهي لم تفضحني بسريرتي) أي: بما علمته من قبح باطني (ولم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تُهْلِكْني بِجَرِيرَتِي أَدْعُوكَ فَتُجِيبُنِي وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئاً حِينَ تَدْعُونِي وَأَسْأَلُكَ كُلَّما شِئْتُ مِنْ حَوائِجِي، وَحَيْثُ ما كُنْتُ وَضَعْتُ عِنْدَكَ سِرّي، فَلا أَدْعُو سِواكَ، وَلا أَرْجُو غَيْرَكَ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ تَسْمَعُ مَنْ شَكا إِلَيْكَ، وَتَلْقى مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ، وَتُخَلِّصُ مَنِ اعْتَصَمَ بِكَ، وَتُفَرِّجُ عَمَّنْ لاذَ بِكَ، إِلهي فَلا تَحْرِمْنِي خَيْرَ الآخِرَةِ وَالأُولى لِقِلَّةِ شُكْرِي،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تهلكني بجريرتي) أي: بجرمي (أدعوك) يا إلهي (فتجيبني وإن كنت بطيئاً حين تدعوني) إلى طاعتك وعبادتك (وأسألك كلما شئت من حوائجي) أي: من أجل حاجاتي (وحيث ما كنت وضعت عندك سري) فإن الإنسان يبوح بسره لديه سبحانه (فلا أدعو سواك) في حوائجي (ولا أرجو غيرك) لإعطاء سؤلي.

(لبيك لبيك) حيث إنه سبحانه طلب من الناس أن يدعوه، يجيب الدعاء قائلاً لبيك، أي: إجابة بعد إجابة، وقد تقدم معناه في بعض الأدعية السابقة (تسمع) يا رب (من شكا إليك) بأن قدم إليه شكايته وظلامته (وتلقى من توكل عليك) تلاقيه بالإجابة وقضاء حوائجه (وتخلص) من المكاره (من اعتصم بك) أي: لاذ والتجأ (وتفرج) الكربة (عمن لاذ بك) اللوذ الالتجاء.

(إلهي فلا تحرمني خير الآخرة والأولى) أي: الدنيا (لقلة شكري)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَاغْفِرْ لِي ما تَعْلَمُ مِنْ ذُنُوبِي، إنْ تُعَذِّبْ فَأَنا الظّالِمُ المُفَرِّطُ المُضَيِّعُ الآثِمُ المُقَصِّرُ المُضَجِّعُ المُغْفِلُ حَظَّ نَفْسي، وَإنْ تَغْفِرْ فَأَنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمينَ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لك (واغفر لي ما تعلم من ذنوبي) أي: كل ذنوبي، لأنه تعالى يعلم كل الذنوب (إن تعذب فـ) عذابك عدل لأني (أنا الظالم المفرط) أي: المقصر في أمرك (المضيع) لحقك (الآثم) أي العاصي (المقصر المضجع) يقال: ضجع إذا قصر وتهاون في الأمر (المغفل حظ نفسي) فأني قد تركت غفلة ما فيه حظ نفسي من ثوابك المترتب على طاعتي لك (وإن تغفر فأنت أرحم الراحمين) ويكون الغفران بفضلك ورحمتك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(52)

دعاؤه (عليه السلام) في الإلحاح على الله تعالى

وكان من دعائه (عليه السلام) في الإلحاح على الله تعالى:

يا اللهُ الَّذي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، وَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْكَ يا إلهي ما أَنْتَ خَلَقْتَهُ؟ وَكَيْفَ لا تُحْصي ما أَنْتَ صَنَعْتَهُ؟ أَوْ كَيْفَ يَغيبُ عَنْكَ ما أَنْتَ تُدَبِّرُهُ؟ أَوْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْرُبَ مِنْكَ مَنْ لا حَياةَ لَهُ إِلاّ بِرِزْقِكَ؟ أَوْ كَيْفَ يَنْجُو مِنْكَ مَنْ لا مَذْهَبَ لَهُ فِيِ غَيْرِ مُلْكِكَ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدعاء الثاني والخمسون

الشرح

وكان من دعائه (عليه السلام) في الإلحاح على الله تعالى:

(يا الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) فكل شيء باطلاعه وعلمه سبحانه (وكيف يخفى عليك يا إلهي ما أنت خلقته؟) استفهام إنكار أي: لا يمكن أن يختفي المخلوق عن الخالق (وكيف لا تحصي) ولا تعد عدد (ما أنت صنعته) وأبدعته (أو كيف يغيب عنك) فلا تعلم به (ما أنت تدبره) وتدير شؤونه من المخلوقات (أو كيف يستطيع أن يهرب منك) ويفر من قدرتك (من لا حياة له) ولا بقاء (إلا برزقك) فإن الهارب يجب أن يستغني عن من هرب منه حتى يتمكن من الهرب (أو كيف ينجو منك) ومن عقابك (من لا مذهب له) أي: لا طريق له (في غير ملكك) فإن الطرق كلها لله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سُبْحانَكَ أَخْشى خَلْقِكَ لَكَ أَعْلَمُهُمْ بِكَ، وَأَخْضَعُهُمْ لَكَ أَعْمَلُهُمْ بِطاعَتِكَ، وَأَهْوَنُهُمْ عَلَيْكَ مَنْ أَنْتَ تَرْزُقُهُ، وَهُوَ يَعْبُدُ غَيْرَكَ، سُبْحانَكَ لا يُنْقِصُ سُلْطانَكَ مَنْ أَشْرَكَ بِكَ، وَكَذَّبَ رُسُلَكَ وَلَيْسَ يَسْتَطِيعُ مَنْ كَرِهَ قَضاءَكَ أَنْ يَرُدَّ أَمْرَكَ، وَلا يَمْتَنِعُ مِنْكَ مَنْ كَذَّبَ بِقُدْرَتِكَ، وَلا يَفُوتُكَ مَنْ عَبَدَ غَيْرَكَ، وَلا يُعَمَّرَ فِي الدُّنْيا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(سبحانك) أي: أنت منزه من كل عيب ونقص (أخشى خلقك لك) أي: أكثرهم خشية وخوفاً منك (أعلمهم بك) لأن الإنسان كلما عرف عظمة شخص كان أكثر خوفاً منه (وأخضعهم لك) أي: أكثرهم خضوعاً وخشوعاً (أعملهم بطاعتك) أي: أكثرهم عملاً بطاعتك لأن كثرة الطاعة تلازم كثرة الخشوع (وأهونهم عليك من أنت ترزقه وهو يعبد غيرك) فإن المشرك والملحد أكثر الناس هواناً وذلة لديه تعالى.

(سبحانك) أنزهك تنزيهاً (لا ينقص سلطانك من أشرك بك) لأنه لا سلطان لأحد سواه حتى يكون المشرك قد خرج من سلطانه تعالى إلى سلطان غيره بسبب شركه فيوجب نقصاً في سلطان الله (وكذب رسلك) عطف على (أشرك) (وليس يستطيع من كره قضاءك) وحكمك بالصحة والمرض والحياة والموت وما أشبه (أن يرد أمرك) ويبدل ما قضيت وحكمت (ولا يمتنع منك) بأن يحفظ نفسه عن عقابك (من كذب بقدرتك) وقال إنك لا تقدر على الأشياء (ولا يفوتك) أي: لا يهرب من بأسك (من عبد غيرك) من المشركين ومن إليهم (ولا يعمر في الدنيا) بأن يبقى خالداً لا يموت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مَنْ كَرِهَ لِقاءَكَ، سُبْحانَكَ ما أَعْظَمَ شَأْنَكَ، وَأَقْهَرَ سُلْطانَكَ وَأَشَدَّ قُوَّتَكَ، وَأَنْفَذَ أَمْرَكَ، سُبْحانَكَ قَضَيْتَ عَلى جَمِيعِ خَلْقِكَ المَوتَ: مَنْ وَحَّدَكَ وَمَنْ كَفَرَ بِكَ، وَكُلٌّ ذائِقُ المَوْتِ، وَكُلٌّ صائِرٌ إِلَيْكَ، فَتَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ لا إِلهَ إِلاّ أََنْتَ وَحْدَكَ لا شَرِيْكَ لَكَ، آمَنْتُ بِكَ، وَصَدَّقْتُ رُسُلَكَ، وَقَبِلْتُ كِتابَكَ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(من كره لقاءك) أي: الموت فإنك تميت البشر جميعاً ولا يبقى إلا وجهك الكريم.

(سبحانك) أنزهك تنزيهاً (ما أعظم شأنك) هذا فعل تعجب من عظمته تعالى (وأقهر سلطانك) فإنه يقهر ويخضع كل شيء (وأشد قوتك) فإن قوته أشد من كل قوة (وأنفذ أمرك) فإن أمره نافذ بلا تخلف بخلاف أوامر الناس فإنها كثيراً ما لا تنفذ.

(سبحانك قضيت على جميع خلقك الموت) فكلهم يموتون، سواء (من وحدك ومن كفر بك) أشرك أو ألْحَد (وكل ذائق الموت) كأن للموت طعماً يذوقه كل إنسان، قال تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) [2] (وكل صائر إليك) أي: إلى حسابك وجزائك (فتباركت) أي: دمت وثبت أنت (وتعاليت لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك) هذا تأكيد لقوله (وحدك) ليكون مقابلة لاعتقاد المشركين بأن له شريكاً (آمنت بك) يا رب (وصدقت رسلك) بأنهم رسل من عندك وأن كل ما يقولون صدق وحق (وقبلت كتابك) القرآن الحكيم، أو المراد جنس الكتب السماوية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَكَفَرْتُ بِكُلِّ مَعْبُودٍ غَيْرِكَ، وَبَرِئْتُ مِمَّنْ عَبَدَ سِواكَ، اللّهُمَّ إِنِّي أُصْبِحُ وَأُمْسِي مُسْتَقِلاًّ لِعَمَلِي، مُعْتَرِفاً بِذَنْبِي، مُقِرّاً بِخَطاياي، أَنا بِإسْرافِي عَلى نَفْسِي ذَليلٌ، عَمَلِي أَهْلَكَنِي، وَهَوايَ أَرْداني، وَشَهَواتي حَرَمَتْني، فَأسْأَلُكَ يا مَوْلاي سُؤالَ مَنْ نَفْسُهُ لاهِيَةٌ لِطُولِ أَمَلِهِ، وَبَدَنُهُ غافِلٌ لِسُكُونِ عُرُوقِهِ وَقَلْبُهُ مَفْتُونٌ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وكفرت) وأنكرت (بكل معبود غيرك) فلا معبود سواك (وبرئت ممن عبد سواك) أي: الذين يعبدون غيرك.

(اللهم إني أُصبح وأمسي مستقلاً لعملي) أي: أرى عملي لك قليلاً ودون ما أنت أهله (معترفاً بذنبي) وإثمي (مقراً بخطاياي) جمع خطيئة بمعنى الذنب، وإن أتى بها الآتي عمداً (أنا بـ) سبب (إسرافي على نفسي) وعصياني (ذليل) عندك (عملي) القبيح (أهلكني) أي: أوجب عقابي (وهواي) أي: ميولي النفسية نحو الباطل (أرداني) أي: أهلكني (وشهواتي حرمتني) عن درك الثواب.

(فأسألك يا مولاي سؤال من نفسه لاهية) تلهو وتغفل (لطول أمله) فإن الإنسان إذا طال أمله في الدنيا تغافل عن الآخرة والعمل لأجلها (وبدنه غافل) لا يضطرب (لسكون عروقه) فإن الشخص إذا علم سوء منقلبه اضطربت عروقه وانتبه بدنه واستعد للعمل، أما إذا لم يكن كذلك سكنت عروقه وكان بدنه هادئاً، كالغافل المطمئن (وقلبه مفتون) أي: غافل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بِكَثْرَةِ النِّعَمِ عَلَيْهِ، وَفِكْرُهُ قَليلٌ لِما هُوَ صائِرٌ إِلَيْهِ سُؤالَ مَنْ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الأَمَلُ وَفَتَنَهُ الهَوى، وَاسْتَمْكَنَتْ مِنْهُ الدُّنْيا، وَأَظَلَّهُ الأَجَلُ، سُؤالَ مَنِ اسْتَكْثَرَ ذُنُوبَهُ، وَاعْتَرَفَ بِخَطِيئَتِهِ سُؤالَ مَنْ لا رَبَّ لَهُ غَيْرُكَ، وَلا وَلِيَّ لَهُ دُوْنَكَ، وَلا مُنْقِذَ لَهُ مِنْكَ، وَلا مَلجَأَ لَهُ مِنْكَ إِلاّ إِلَيْكَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قد صرفته الدنيا عن الآخرة، لاشتغاله بها (بـ) سبب (كثرة النعم عليه) فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى (وفكره قليل) أي: لا يفكر إلا قليلاً (لما هو صائر إليه) من أحوال الآخرة والحساب وشدائدها.

(سؤال من قد غلب عليه الأمل) [سؤال] مفعول أسألك (وفتنه) أي: صرفه (الهوى) أي: الميل إلى الشهوات (واستمكنت) أي: تمكنت (منه الدنيا) بأن تمكنت من صرفه إلى نفسها (وأظله الأجل) بأن اقترب أجله حتى كأنه على رأسه.

(سؤال من استكثر ذنوبه) أي: كثرت (واعترف بخطيئته) أي: بإثمه وذنبه.

(سؤال من لا رب له غيرك) حتى يسأله فيقضي له حاجته (ولا ولي) وناصر (له دونك) حتى يتولى شؤونه (ولا منقذ) ومنجي (له منك) أي: من عقابك وعذابك (ولا ملجأ له منك إلا إليك) فإن الإنسان يلجأ من عذاب الله إلى فضله ورحمته، فهو فرار منه إليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إِلهي أسْأَلُكَ بِحَقِّكَ الواجِبِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِكَ، وَباسْمِكَ العَظِيمِ الَّذي أَمَرْتَ رَسُولَكَ أَنْ يُسَبِّحَكَ بِهِ، وَبِجَلالِ وَجْهِكَ الكَرِيمِ الَّذي لا يَبْلى وَلا يَتَغَيَّرُ، وَلا يَحُولُ وَلا يَفْنى، أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تُغْنِينِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِعِبادَتِكَ، وَأَنْ تُسَلِّيَ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيا بِمَخافَتِكَ، وَأَنْ تُثْنِيَنِي بِالكَثيرِ مِنْ كَرامَتِكَ بِرَحْمَتِكَ، فَإِلَيْكَ أَفِرُّ، وَمِنْكَ أَخافُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(إلهي أسألك بحقك الواجب على جميع خلقك) فإن حق الله ثابت على جميع الناس (وباسمك العظيم الذي أمرت رسولك أن يسبحك به) في قولك: (فسبح باسم ربك العظيم) [3] والمعنى: اذكر هذا الاسم في مقام تنزيهك له تعالى (وبجلال وجهك) أي: بارتفاع ذاتك (الكريم الذي لا يبلى) بمعنى لا يخلق مقابل الجديد (ولا يتغير) من صفة إلى صفة (ولا يحول) من حال إلى حال (ولا يفنى) أي: ينعدم (أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تغنيني عن كل شيء بعبادتك) بأن يكون غناي بعبادتك حتى لا أشتغل بغيرها، في مقابل الذين يرون الغنى بالمال فيشتغلون بجمعه أو نحو ذلك (وأن تسلي نفسي عن الدنيا بمخافتك) بأن أترك الدنيا خوفاً منك، فكأن الخوف بدل من الدنيا (وأن تثنيني) أي: تعطفني وتأخذني إليك حين موتي في حال كوني متلبساً (بالكثير من كرامتك) لي (برحمتك) وفضلك لا باستحقاق مني (فإليك) يا رب (أفر) من ذنوبي وتبعاتها (ومنك أخاف) أي: من عقابك ونكالك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَبِكَ أَسْتَغِيْثُ وَإِيّاكَ أَرْجُو، وَلَكَ أَدْعُو، وَإِلَيْكَ ألْجَأُ، وَبِكَ أَثِقُ، وَإِيّاكَ أَسْتَعِينُ، وَبِكَ أُومِنُ، وَعَلَيْكَ أَتَوَكَّلُ، وَعَلى جُودِكَ وَكَرَمِكَ أَتَّكِلُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وبك) يا رب (أستغيث) أطلب الإغاثة والحفظ من المكاره (وإياك أرجو) وآمل (ولك أدعو) لا أدعو سواك (وإليك ألجأ) وألوذ عند طلب الشدائد (وبك أثق) بأن تتفضل عليّ بطلباتي (وإياك أستعين) أي: الإعانة منك (وبك أؤمن) لا بسواك (وعليك أتوكل) بأن أكل أموري إليك (وعلى جودك وكرمك أتكل) واعتمد يا رب، فلا تخيب ما رجوتك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(53)

دعاؤه (عليه السلام) في التذلل لله عز وجل

وكان من دعائه (عليه السلام) في التذلل لله عز وجل:

رَبِّ أفْحَمَتْنِي ذُنُوبِي، وَانْقَطَعَتْ مَقالَتِي، فَلا حُجَّةَ لِي فَأَنا الأَسِيرُ بِبَلِيَّتِي، المُرْتَهَنُ بِعَمَلِي، المُتَرَدِّدُ فِي خَطيئَتِي المُتَحَيِّرُ عَنْ قَصْدِي المُنْقَطَعُ بِي، قَدْ أَوْقَفْتُ نَفْسي مَوْقِفَ الأَذِلاّءِ المُذْنِبِينَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدعاء الثالث والخمسون

الشرح

وكان من دعائه (عليه السلام) في التذلل لله عز وجل:

يا (رب أفحمتني) أي: منعتني عن المقال (ذنوبي) فإن المذنب يخجل أن يتكلم (وانقطعت مقالتي) أي: كلامي فلا أتكلم معك خجلاً مما سلف مني (فلا حجة لي) فيما ارتكبت من الآثام (فأنا الأسير ببليتي) أي: بمصيبتي والمراد بها الذنوب التي يقترفها الإنسان (المرتهن بعملي) أي: أن نفسي رهن على ذنوبي فكما لا يخلص الرهن كذلك لا تخلص النفس المذنبة (المتردد في خطيئتي) أي: الجائي والذاهب، وهو كناية عن كثرة الذنوب (المتحير عن قصدي) فلا أعرف الطريق السوي، أو لا أعرف كيفية الوصول إلى المقصد، بعدما أقترف من الآثام (المنقطع بي) أي: انقطع بي الطريق إلى رضاك فصرت لا أبلغه كما أن المنقطع من المسافرين لا يصل إلى بلده ومحل وطنه (قد أوقفت نفسي موقف الأذلاء) جمع ذليل (المذنبين) فإن موقف المذنب موقف الذليل الذي لا يعرف ماذا يصنع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مَوْقِفَ الأَشْقِياء المُتَجَرِّئينَ عَلَيْكَ، المُسْتَخِفِّينَ بِوَعْدِكَ سُبْحانَكَ أَيَّ جُرْأَةٍ اجْتَرَأتُ عَلَيْكَ، وَأَيَّ تَغْرِيرٍ غَرَّرْتُ بِنَفْسي؟!، مَوْلايَ ارْحَمْ كَبْوَتِي لِحُرِّ وَجْهِي وَزَلَّةَ قَدَمِي وَعُدْ بِحِلْمِكَ عَلى جَهْلِي، وَبِإحْسانِكَ عَلى إِساءَتِي، فَأَنا المُقِرُّ بِذَنْبِي المُعْتَرِفُ بِخَطيئَتي، وَهذِهِ يَدي وَناصِيَتِي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(موقف الأشقياء) جمع شقي مقابل السعيد (المتجرّئين عليك) أي الذين تجرءوا في عصيانك (المستخفين بوعدك) الذين عدوا وعدك خفيفاً لا قيمة له، ولذا لم يعملوا بمقتضاه.

(سبحانك) أنزهك تنزيهاً (أي جرأة اجترأت) بها (عليك) في عدم سماعي لأمرك (وأي تغرير غررت بنفسي) يقال: غرر بنفسه تغريراً، إذا عرضها للهلكة.

(مولاي) أي: سيدي (ارحم كبوتي) أي: سقوطي في العقاب (لحر وجهي) حر الوجه ما بدا منه، فإن الساقط إذا سقط على وجهه كان سقوطه أكثر إيلاماً (و) ارحم (زلة قدمي) أي: عثرتها الموجبة لسقوطي (وعد) من عاد بمعنى رجع (بحلمك على جهلي) فإذا جهلت أنا في ارتكاب مخالفتك فتحلم أنت عني (بإحسانك على إساءتي) فإذا أسأت أنا فاحسن أنت (فأنا المقر بذنبي المعترف بخطيئتي) والمعترف يرفق عليه ويُعفا عنه (وهذه يدي) فإن شئت شددتها كما تشد أيدي المذنبين (وناصيتي) فإن شئت أخذت بها إلى العقاب كما يجر المجرم من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَسْتَكينُ بِالقَوَدِ مِنْ نَفْسِي ارْحَمْ شَيْبَتِي، وَنَفادَ أَيّامِي وَاقْتِرابَ أَجَلِي وَضَعْفِي وَمَسْكَنَتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي، مَوْلايَ وَارْحَمْنِي إِذا انْقَطَعَ مِنَ الدُّنْيا أثَرِي، وَامَّحى مِنَ المَخْلُوقِينَ ذِكْرِي، وَكُنْتُ مِنَ المَنْسِييِّنَ كَمَنْ قَدْ نُسِيَ، مَوْلايَ وَارْحَمْنِي عِنْدَ تَغَيُّرِ صُورَتي وَحالي إِذا بَلِيَ جِسْمي، وَتَفَرَّقَتْ أَعْضائِي وَتَقَطَّعَتْ أَوْصالِي يا غَفْلَتِي عَمّا يُرادُ بِي

ـــــــــ

ناصيته، وهي مقدم الرأس (أستكين) أي: أخضع (بالقود من نفسي) أي: بأن تقتص مني في مقابل ذنبي (إرحم) يا رب (شيبتي) وكبري (ونفاد أيامي) أي: تمامها باقترابي إلى الموت فإن الشيخ الكبير أولى بالعفو (واقتراب أجلي) أي موتي (وضعفي ومسكنتي) أي: فقري (وقلة حيلتي) الحيلة: علاج الأمر للوصول إليه.

(مولاي وارحمني إذا انقطع من الدنيا أثري) بأن مت وذهبت تحت التراب (وامّحى) أصله انمحى من باب الانفعال، أي: اندثر وذهب (من) بين (المخلوقين ذكري) فلا يذكرونني (وكنت) عندهم (من المنسيين كمن قد نسي) من الأموات قبلي.

(مولاي وارحمني عند تغير صورتي) في القبر (وحالي إذا بلي) وخلق (جسمي وتفرقت أعضائي) فإن الميت يتغير جسمه وتنقطع وتتفرق أعضاؤه (وتقطعت أوصالي) أي: الرباطات التي تربط بعض الجسم ببعض وهذا من الإمام على سبيل التواضع والاقتضاء الموجود في كل جسم وإلا فجسد الأئمة (عليهم السلام) لا يبلى (يا غفلتي عما يراد بي) أي: أيتها الغفلة احضري فهذا وقتك، نحو يا للعجب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مَوْلايَ وَارْحَمْني في حَشْرِي وَ نَشْرِي، وَاجْعَلْ في ذلِكَ اليَوْمِ مَعَ أَوْلِيائِكَ مَوْقِفي وَفي أحِبّائِكَ مَصْدَرِي، وَفي جِوارِكَ مَسْكَني يا رَبَّ العالَمينَ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(مولاي وارحمني في حشري ونشري) الحشر هو الجمع، والنشر الرجوع إلى الحياة بعد الموت (واجعل في ذلك اليوم) وهو يوم القيامة (مع أوليائك موقفي) بأن أقف في صفهم (وفي أحبائك مصدري) بأن أصدر وأخرج من المحشر مع الصالحين إلى الجنة، لا مع الطالحين إلى النار (و) اجعل (في جوارك) أي: جوار رحمتك وهو الجنة (مسكني يا رب العالمين) ولا تجعل في النار مسكني كما تسكن أعداءك فيها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(54)

دعاؤه (عليه السلام) في استكشاف الهموم

وكان من دعائه (عليه السلام) في استكشاف الهموم:

يا فارِجَ الهَمِّ، وَكاشِفَ الغَمِّ، يا رَحْمنَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمَهُما، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَافْرُجْ هَمِّي، وَاكْشِفْ غَمِّي، يا واحِدُ يا أَحَدُ يا صَمَدُ يا مَنْ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدْ اعْصِمْنِي وَطَهِّرْنِي، وَاذْهَبْ بِبَلِيَّتِي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدعاء الرابع والخمسون

الشرح

(يا فارج الهم) الذي يفرجه ويزيله (وكاشف الغم) الذي يكشفه ويزيحه (يا رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما) هذا للتأكيد أي: أنت رحمان يرحم في الدنيا والآخرة (صلّ على محمد وآل محمد وافرج همي واكشف غمي) ربما فرّق بين الهم والغم، بأن الأول للحزن الذي يأتي في المستقبل والثاني لما هو الآن محيط بالإنسان، وربما قيل بترادفهما، وهناك فروق أخر ذكروها في فروق اللغات (يا واحد يا أحد) الواحد يعني ليس بإثنين، والأحد يعني لا ثاني له، وقيل بالترادف (يا صمد) هو السيد الشريف الذي يقصد (يا من لم يلد) أحداً (ولم يولد) من أحد حتى يكون له والد (ولم يكن له كفواً أحد) أي: زوجة، خلافاً للكفار الذين يعتقدون بكل ذلك (اعصمني) أي: احفظني عن المكاره (وطهّرني) من الذنوب (واذهب ببليتي) أي: ابتلائي، والمراد جميع أنواعها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَاقْرَأ آيَةَ الكُرْسي وَالمُعَوِّذَتَيْنِ وَقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ وَقُلْ: الَّلهُمَّ إِنِّي أسْأَلُكَ سُؤالَ مَنِ اشْتَدَّتْ فاقَتُهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَكَثُرَتْ ذُنُوبُهُ، سُؤالَ مَنْ لا يَجِدُ لِفاقَتِهِ مُغيثاً، وَلا لِضَعْفِهِ مُقَوِّياً وَلا لِذَنْبِهِ غافِراً غَيْرَكَ، يا ذا الجَلالِ وَالإِكْرامِ أَسْأَلُكَ عَمَلاً تُحِبُّ بِهِ مَنْ عَمِلَ بِهِ، وَيَقِيناً تَنْفَعُ بِهِ مَنِ اسْتَيْقَنَ بِهِ حَقَّ اليَقينِ فِي نَفاذِ أمْرِكَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(واقرأ آية الكرسي والمعوذتين) قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس (وقل هو الله أحد، وقل):

(اللهم إني أسألك سؤال من اشتدت فاقته) أي: فقره ومسكنته (وضعفت قوته) فلا قوة كافية له في رفع المكارة (وكثرت ذنوبه) ومن المعلوم أن إعطاء مثل هذا السائل أولى.

(سؤال من لا يجد لفاقته مغيثاً) يغيثه بدفع فقره وإعطائه ما يريد (ولا لضعفه مقوياً) يوجب ذهاب الضعف عنه (ولا لذنبه غافراً غيرك) يا رب (يا ذا الجلال والإكرام) يا من يجل عن الذمائم ويكرم (أسألك عملاً) بأن توفقني لعمل (تحب به من عمل به) أي: تحب بسبب ذلك العمل (و) أسألك (يقيناً) في صدري (تنفع به من استيقن به) أي: تيقن بذلك اليقين (حق اليقين في نفاذ أمرك) بأن يكون ذلك اليقين يقيناً قوياً مرتبطاً بأن أعلم أن أمرك نافذ لا يمكن لشيء أن يحول بين أمرك وبين الشيء الذي تريده أنت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الَّلهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَاقْبِضْ عَلى الصِّدْقِ نَفْسِي وَاقْطَعْ مِنَ الدُّنْيا حاجَتِي، وَاجْعَلْ فِيما عِنْدَكَ رَغْبَتِي شَوْقاً إلى لِقائِكَ، وَهَبْ لِي صِدْقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ كِتابٍ قَدْ خَلا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كِتَابٍ قَدْ خَلا، أَسْأَلُكَ خَوْفَ العابِدينَ لَكَ، وَعِبادَةَ الخَاشِعِيْنَ لَكَ، وَيَقِينَ المُتَوكِّلِينَ عَلَيْكَ، وَتَوَكُّلَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْكَ، الَّلهُمَّ اِجْعَلْ رَغْبَتِي فِي مَسْأَلَتِي مِثْلَ رَغْبَةِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(اللهم صلِّ على محمد وآل محمد واقبض على الصدق نفسي) بأن أكون مصدقاً بالمبدأ والمعاد وقت الموت (واقطع من الدنيا حاجتي) حتى لا أحتاج إليها فأعصي بسببها (واجعل فيما عندك رغبتي) حتى أرغب في الثواب وفي رضوانك (شوقاً إلى لقائك) بأن أشتاق إلى لقاء ثوابك وجزائك شوقاً (وهب لي صدق التوكل عليك) بأن أكون صادقاً في التوكل عليك لا أن أظهر التوكل وأبطن عدم الاتكال (أسألك من خير كتاب قد خلا) أي: خير مكتوب قد سبق في علمك والمعنى أن تقدر لي الخير الذي قدرته للناس (وأعوذ بك من شر كتاب قد خلا) بأن تصرف عني الشر الذي سبق في علمك أن يصيب الناس (أسألك خوف العابدين لك) بأن أخافك مثل خوفهم (وعبادة الخاشعين) أي: الخاضعين (لك) بأن أعبدك مثلهم (ويقين المتوكلين عليك) بأن أكون متيقناً كيقينهم (وتوكل المؤمنين عليك) بأن أتوكل عليك كما يتوكل المؤمنون.

(اللهم اجعل رغبتي في مسألتي) أي: سؤالي منك (مثل رغبة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَوْلِيائِكَ في مَسائِلِهِمْ، وَرَهْبَتي مِثْلَ رَهْبَةِ أَوْلِيائِكَ، وَاسْتَعْمِلْني فِي مَرْضاتِكَ عَمَلاً لا أَتْرُكُ مَعَهُ شَيْئَاً مِنْ دِينِكَ مَخَافَةَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، الَّلهُمَّ هذِهِ حَاجَتِي فَأَعْظِمْ فِيها رَغْبَتِي، وَأَظْهِرْ فِيها عُذْرِي، وَلَقِّني فيها حُجَّتِي، وَعافِ فِيها جَسَدِي الَّلهُمَّ مَنْ أَصْبَحَ لَهُ ثِقَةٌ أَوْ رَجاءٌ غَيْرُكَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوليائك في مسائلهم) فإن أولياء الله يسألونه بكل رغبة واشتياق، فلتكن رغبتي مثل رغبتهم (ورهبتي) أي: خوفي منك (مثل رهبة أوليائك) أي: أحبائك (واستعملني في مرضاتك) أي: في رضاك (عملاً لا أترك معه) أي: مع ذلك العمل (شيئاً من دينك مخافة أحد من خلقك) بأن أكون قوياً في دينك أبتغي رضاك وإن سخط الناس.

(اللهم هذه) التي ذكرتها من توفيقي للعمل برضاك ولا أخاف الناس فيك (حاجتي فأعظم فيها رغبتي) حتى ألتزم بها (وأظهر فيها عذري) لعل المراد أظهر للناس عذري في عدم الاهتمام بشأنهم عند إطاعة أوامرك، فإن ذلك مما يخفف وطأهم عليّ إذ يغتفر الناس لمن يخالفهم وفقاً لمذهبه مما لا يغتفرون مثله لمن يخالفهم عناداً وعبثاً، وقيل في معنى الجملة وجوه أُخر (ولقني فيها) أي: في حاجتي (حجتي) بأن آتي بالحجة في مورد طلب الحاجة (وعاف فيها جسدي) بأن تكون تلك الحاجة سبباً لمرض الجسد إذ ربّ حاجة تكون سبباً لمرض الإنسان.

(اللهم من أصبح له ثقة أو رجاء غيرك) بأن وثق بسواك أو رجا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فَقَدْ أَصْبَحْتُ وَأَنْتَ ثِقَتِي وَرَجائِي فِي الأُمُورِ كُلِّها، فَاقْضِ لِي بِخَيْرِها عَاقِبَةً، وَنَجِّنِي مِنْ مُضِلاَّتِ الفِتَنِ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدنا مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله المُصْطَفى وَعَلى آلِهِ الطَّاهِرِينَ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غيرك (فقد أصبحت و) الحال أنك (أنت ثقتي ورجائي في الأمور كلها) فلا أرجو أمراً إلا منك ولا أثق في حاجة إلا بك (فاقض لي بخيرها عاقبة) أي: أوصل إلي من حوائجي ما هي أحسن عاقبة مما عداها (ونجني من مضلات الفتن) أي: الامتحانات التي توجب ضلال الإنسان وسقوطه فيها (برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد رسول الله المصطفى) أي: الذي اصطفاه واختاره لرسالته (وعلى آله الطاهرين).

هذا آخر الصحيفة السجادية عليه وعلى آبائه الكرام وأبنائه الطاهرين آلاف التحية والسلام، وقد وقع الفراغ من شرحها على يد مؤلفه المحتاج إلى رحمة ربه محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي، في كربلاء المقدسة، ليلة الخامس والعشرين من شهر شوال المكرم سنة ألف وثلثمائة وخمسة وثمانين من الهجرة وأسأل الله سبحانه القبول والتوفيق لما يحب ويرضى، (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

كربلاء المقدسة

ليلة 25 شوال / 1385هـ. ق

 

[1]  ـ سورة البقرة، آية: 81.

[2] ـ سورة الأنبياء، آية: 35.

[3]  ـ سورة الواقعة، آية: 74.