الفهرس

المؤلفات

الحوزات العلمية

الصفحة الرئيسية

 

إنتاج الحوزة

أخيراً أصبح عطاء الحوزات العلمية قليلاً وضعيفاً جداً بالنسبة للعطاء الكبير الذي كانت تقدمه للإسلام والمسلمين في الأزمنة السابقة ولو ألقيتم نظرة دقيقة وفاحصة فستصلون إلى هذه النتيجة وهي أنه لابد أن يكون في قم مائة مرجع تقليد صاحب رسالة عملية في الحد الأدنى كما كان هذا في بعض الأزمنة السابقة.

يقول المرحوم والدي (رض) ظهر في النجف الأشرف وحدها بعد وفاة آية الله السيد محمد كاظم اليزدي (رض) صاحب العروة الوثقى تسعون مجتهداً جامعاً للشرائط من ذوي الرسائل العملية، وإني أتذكر أنه ظهر بعد السيد أبو الحسن الأصفهاني (رض) في العراق خمسة وعشرين مجتهداً صاحب رسالة عملية هذا غير الخطباء والمبلّغين والكتّاب والمحققين وأمثالهم من أعلام الأمة وفحولها...

إذن يجب العمل في هذا المجال بشكل مكثف حتى نحصل على النتيجة التي نهدف إليها.

ربما يسأل سائل أنه ماذا نستطيع أن نفعل بقلتنا القليلة هذه الفاقدة لأبسط مقومات العمل التقني الحديث في مقابل الحافل بالنشاط والعمل والخطط الكبيرة الواسعة والتقنية الحديثة والأموال الطائلة في عالم اليوم؟ وببيان واقعة تاريخية يظهر جواب هذا السؤال.

لا يكلف الله نفساً إلا وسعها

هناك رواية مشهورة جاء فيها ان النار التي أُلقي فيها النبي إبراهيم (عليه السلام) كان يصل شعاع حرارتها من كل جانب إلى فرسخ واحد، ومع ذلك كان التمساح يأتي من بعيد وينفخ لإطفاء النار، وهكذا كانت الضفدعة تحمل بفيها ماءً وتحاول أن ترميه على النار، والعصفور كان يسعى بقدر طاقته والبلبل كان يحمل الماء بمنقاره ويطير في الأعالي ويرميه على النار وإن كان لا ينفع عمل التمساح ولا عمل العصفور ولا فعل الضفدعة ولا فعل البلبل ولا أثر لأي فعل من فعاله في إطفاء هذه النار اللاهبة الجبارة ولكن كان المهم هو أن يؤدي كل واحد منها واجبه ودوره تجاه إبراهيم (عليه السلام) وإنقاذه من النار ولو بمقدار وسعه وطاقته، وفي الرواية انه بسبب سعي البلبل في إطفاء النار أعطاه الله هذا الصوت الجميل، إذن كل واحد من هذه الحيوانات سعى بقدر طاقته واستطاعته(1) والله تعالى لا يكلف الناس بأكثر من طاقتهم وإمكاناتهم ولا يحاسبهم على أكثر من ذلك (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)(2)، والسعة هو ما تتسع له قدرة الإنسان وهو فوق المجهود واستفراغ القدرة يقول القائل : ليس هذا في وسعي. أي لا أقدر عليه وان قدرتي لا تتسع لذلك.

إذن، فعلى رجل الدين أن يسعى ويعمل بقدر طاقته واستطاعته حتى تتجمع هذه الطاقات المنفردة لتولد سيلاً من النشاط لتثمر الثمر اللازم وتعطي النتيجة المقصودة في المجتمع الإسلامي.

حالياً يعيش الشيعة في كل العالم تحت الضغوط والتضييقات والأصفاد المادية والنفسية من قبل الظالمين والأعداء، في العراق ولبنان وافغانستان و... وفي العراق فقط مئات الآلاف من الشيعة رجالاً ونساءً يقبعون في الزنزانات والسجون، وعلى الحوزات العلمية مسؤولية إنقاذ هؤلاء المظلومين كل بقدر طاقته يسعى في هذا السبيل على طريق التأليف ونشر الكتب وبيان مظلومية الشيعة في كل العالم وبشتى وسائل التبليغ المختلفة، وإلا فنحن جميعاً مسؤولون أمام الله وأمام هذه المظالم.

مساوئ ترك إعانة المظلوم

ينقل انه كان هناك رجل متقي جداً، ذات يوم وافته المنية فرؤي في المنام وسُئِل عن حاله في القبر وكيف عومل؟

فقال : جاءني ملكان وأخذا يضرباني بالسياط فسألتهما : إني كنت رجلاً صالحاً ومتقياً فما هو ذنبي حتى تضرباني؟

قالا : في يوم وقع مظلوم في يد ظالم وكانت عندك القدرة على نصرته وإنقاذه منه فلم تفعل!!

لذلك يجب العمل في سبيل إنقاذ المسلمين والشيعة في كل العالم، فعلى هذا نحن بحاجة إلى أن نؤسس الحوزة بما لا يقل عن ستمائة مدرسة وهكذا إلى مائة مجلة إسلامية تصل إلى كل أنحاء العالم وبشتى اللغات، فالوهابيّون قد لا يتجاوز أتباعهم الخمسة آلاف فرداً لهم مجلة باسم (المجلة) تصدر في خمس عواصم لأكبر دول العالم وتنشر على صعيد كل العالم وقد رصدوا لتأسيس هذه المجلة نصف مليارد دولار وهكذا باقي المجلات والجرائد الأخرى التي تنتمي إلى الوهابية بشكل أو بآخر وغيرها من المؤسسات التابعة لباقي المذاهب الباطلة الأخرى، فيجب أن يكون لمدينة قم المقدسة التي هي مركز التشيع في العالم الإسلامي فعلاً (بعد أن كبت صدام وحزب البعث الأنشطة الدينية التي كانت تتمتع بها الحوزات العلمية في النجف وكربلاء) شهرياً مائة مجلة وصحيفة تصدر إلى كل العالم وبلغات مختلفة.. فإن الإسلام وعلوم أهل البيت (عليهم السلام) إنما انتشرت وأثارت في بقاع العالم بالقلم والبيان والتبليغ والوعظ والإرشاد والتوجيه المستمر، فمن صفات الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه كان (طبيب دوّار بطبه قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه يضع من ذلك حيث الحاجة إليه : من قلوب عمي، وآذان صم، وألسنة بكم متتبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة)(3).

وهذا أيضاً يتجلى كثيراً في أحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : (رسل الله سبحانه تراجمة الحق والسفراء بين الخالق والخلق)(4).

وفي كلام آخر له (عليه السلام) قال : (ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا)(5).

وهكذا يجب العمل في مدينة قم لتأسيس المكتبات الضخمة والكبيرة لتضم أكبر عدد من الكتب في شتى المجالات، لأننا في هذا المجال ضعفاء جداً، ولتقريب ذلك إلى الأذهان نقل أن في ألمانيا الغربية مكتبة تحتوي على إثني عشر مليون نسخة كتاب، بينما أكبر مكتباتنا اليوم قد لا تتجاوز عدد الكتب فيها على نصف هذا العدد.

أو أن في لبنان ذات الثلاثة ملايين نسمة فيها ألف ومائتين مطبعة بينما في دولة أخرى التي عدد نفوسها عشرين ضعف نفوس لبنان ليس فيها من المطابع إلا القليل القليل.

رجال القدوة الحسنة

إذن، المسألة الأخيرة التي يجب الإشارة إليها هي كيفية الحوزة حيث يجب أن تتهذب النفوس حتى يكون طلاب العلوم الدينية أسوة ونماذج لعصرهم لأن فضيلة الإنسان إنما هي في طهارة النفس وتزكيتها، والإسلام الذي وصل إلينا إنما كان من أثر الفضائل النفسانية للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) لأن أي قائد إسلامي يجب أن يتحلى بأكبر ما يمكن من الخلق الرفيع والمعاملة العطوفة المحببة مع الناس لكي يجلبهم إلى نور الإسلام، أو يبقيهم في الإسلام فإن أفضل وأسهل وأسرع وأعمق العوامل لزرع المحبة في القلوب هي الأخلاق الفاضلة والمعاملة الإنسانية العطوفة مع الناس، هكذا كان يتعامل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع مجتمعه وأصحابه، وهكذا أيضاً سار على نهجه الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وأصحابهم البررة أمثال سلمان وأبو ذر وهكذا العلماء الصالحين. ومن الشواهد على ذلك : عندما اشتد أذى المشركين للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحد إذ قُتل عمه الحمزة (عليه السلام) ومُثِلَ بجسده الشريف، وقطع كبده، وأصابع يده، ورجليه، وجدع أنفه، وصملوا أذنيه.. وفعل به ما فعل، وقتل العشرات من المسلمين فتقدم بعض الصحابة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واقترح عليه أن يدعو عليهم ليعذبهم الله بعذاب من عنده كما كان يعذب المشركين الأولين بدعوة أنبيائهم عليهم، لكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسياسة العفو العظيمة امتنع من ذلك فقال : (إني لم أبعث لعّاناً.. ولكن بعثت داعياً ورحمة).

 

1 ـ هذه المذكرات شاهد على الحقيقة التي نريد إثباتها وهذا المثال من باب بيان المعقول بالمحسوس.

2 ـ البقرة: 286.

3 ـ نهج البلاغة لمحمد عبده: ج 1 ص 22.

4 ـ غرر الحكم.

5 ـ نهج البلاغة لمحمد عبده: ج 3 ص 266.