الفهرس

المؤلفات

الحوزات العلمية

الصفحة الرئيسية

 

سلمان وبساطة العيش

روي بأن سلمان المحمدي (رض) عندما وُليّ على المدائن(1) دخلها ولم يعرفه أحد من أهل المدينة بسبب بساطته في معيشته وملبسه وتهذيبه لنفسه ولأنه كان منفرداً عندما دخل المدينة لم يجلب معه أي خادم أو أعوان(2) وعندما عرفه الناس بأنه سلمان تعجبوا كثيراً بأنه كيف يكون الوالي على المدائن زاهداً وبسيطاً في معيشته وحياته ولا يعتني بالدنيا قيد أنملة ولم يتغير سلمان في فترة ولايته على المدائن عمّا كان عليه قبل ذلك فكان يلبس الخشن ويذهب في حاجاته ماشياً غير راكب ويشتري وسائل بيته وما يحتاج إليه بنفسه ويأكل شيئاً قليلاً وبسيطاً. وذات يوم كان في السوق رآه أحد الناس فلم يعرفه وكان هذا الرجل قد اشترى ما يحتاج إليه وامتلأ زنبيله فقال لسلمان أحمل عني هذا الزنبيل إلى بيتي! فجاء سلمان بكل حلم وتواضع وحمله وذهب مع الرجل إلى بيته، وفي أثناء الطريق عرفه رجل فسلّم عليه وقال يا أمير المدائن إلى أين تذهب بهذا الزنبيل المملوء؟ فأدرك الرجل الأول إلى أنه استخدم سلمان والي المدائن وحاكمها فتأثر كثيراً وخجل من عمله هذا فقال لسلمان معتذراً : يا أمير اجعلني في حل، فإني لم أعرفك، ولكن سلمان مع ذلك أوصل زنبيل هذا الرجل إلى بيته.

نعم لما كان أهل المدائن قد رأوا حكومة الساسانيين وحكامهم ولمسوا منهم حبهم للدنيا وتكالبهم عليها واقتنائهم للخدم والعبيد والوصائف ورأوا رياشهم وترفهم وعندما رأوا طريقة معيشة سلمان وبساطتها يوماً فيوماً يعتقدون بالإسلام ونظامه أكثر فأكثر ويترسخ ذلك فيهم.

من الإمام إلى تلميذه

ولا عجب في ذلك فإن سلمان فرع من مدرسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي لم تكن الدنيا بأجمعها وبكل زخرفتها وزبرجها تساوي عنده أكثر من جناح بعوضة وأمثالها.

وما كان أهون عند علي بن أبي طالب (عليه السلام) من الدنيا وما فيها فالمال والحكم والسلطة والفرش واللباس والقصور والأكل والشرب كلها عند علي (عليه السلام) لا شيء ولم يكن يستعمل شيئاً منها إلاّ بمقدار الحاجة الضرورية، ولعل أعمق مثال للدنيا في منظار أمير المؤمنين (عليه السلام) ما جاء عنه (والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم)(3).

عراق خنزير في يد مجذوم.

الخنزير لا يرغب فيه فكيف بعروقه.

والمجذوم لا يرغب في ما بيده ولو كانت الدنيا برمتها، لأن الدنيا برمتها لا تسوي عدوى الجذام الأكيد.

فكيف بِعْرِقٍ من خنزير وفي يد مجذوم؟!

من يرغب في مثل ذلك؟!

الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعتبر الدنيا أهون من ذلك وجاء في رواية أخرى انه دخل أحد الأصحاب على الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام حكومته وخلافته على أكثر من خمسين دولة على خارطة اليوم فرآه جالساً على حصيرة صغيرة نظيفة ولم يكن في البيت شيء آخر، فقال متعجباً : يا أمير المؤمنين هذا بيت المال في يدك لماذا تترك بيتك خالياً من الأثاث؟

فقال (عليه السلام): لا يجمع العاقل الحطام في بيت لا يبقى فيه إلى الأبد (يعني الدنيا) والبيت الذي أجمع له الأثاث الحسن والجيد هو البيت الذي سأنتقل إليه (يعني الآخرة).

 

1 ـ المدائن (سلمان باك حالياً) وتقع جنوب بغداد على مسافة (30) كم.

2 ـ على خلاف الولاة والحكام الآخرين الذين إذا نصّبوا حكاماً أو ولاة على مدينة ما يتوجهون إليها بكامل وسائل التجليل والبخبخة والأبهة ومعهم الأعوان والخدم.

3 ـ نهج البلاغة (شرح محمد عبده): ج 1 ص 197.