الفهرس

المؤلفات

الحوزات العلمية

الصفحة الرئيسية

 

الأخلاق 

انّ أحوج ما يحتاج إليه العالم هو( الأخلاق ) والأخلاق هو الهدف الأسمى من بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( انما بعثت لاُتمّم مكارم الأخلاق)(1) والأخلاق توجب:ـ

أولاً: التفاف الناس حول العالم، وفي المثل ـ ولا مناقشة في الأمثال ـ: ( انّ نقطة من العسل تجلب من الذباب ما لا يجلبه برميل من العلقم ).

ثانيا: اتباع الناس للعالم في الأخلاق، فتحسن اخلاقهم، والمراد بالأخلاق ليس التعارف والسلام والبشر فقط بل ما ذكره (جامع السعادات) وغيره من الكتب الأخلاقية، فالصدق والأمانة والغيرة والحياء والنشاط ولين الكلام والمراقبة وغيرها كلها من الأخلاق.

سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم 

على العالم الذي يريد العمل ويهدف خدمة الإسلام ان يطالع بدقة متناهية سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويستلهم منه صلى الله عليه وآله وسلم كيفية العمل، وكيفية التقدم، وقد قال اللّه تعالى في كتابه: ( لقد كان لكم في رسول اللّه اُسوة حسنة)(2).

فإن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حافلة بالعبر والدلالة والإشارة مثلاً: نرى انّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حالف بعض الكفار لأجل الإبقاء على الإسلام والمسلمين، وتحصيل القوة امام القوى الكافرة المتحالفة المحاربة له، ونراه صلى الله عليه وآله وسلم جعل قسطاً من المال للمؤلفة قلوبهم، ولأجل تحبيب الإسلام إلى الناس، ونراه صلى الله عليه وآله وسلم فجّر الطاقات الكامنة، وأثار كنوز العقول الدفينة، ومما اتى بجلائل الآثار.

ونراه قد أقرّ الحصار الإقتصادي على مكة بضرب قوافل تجارة المشركين، حينما ضرب المشركون الحصار الإقتصادي على المدينة، فقابلهم اصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالمثل.

ونراه عفى عن ألدّ أعدائه: ( أهل مكة) حيث عاد ذلك بأطيب الثمار على سمعة الإسلام، وسمعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.. إلى الوف الأمثلة، والتعاليم، والإرشادات..

وفي الحقيقة ان المكتبة الإسلامية بحاجة ملحة إلى تأليف تبين مواضع العبرة والدلالة في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مع مقارنتها بما ينبغي ان يُعمل مثيلاً لها في الحال الحاضر، بل في كل عصر، وكل مصر.

التوكل 

على العالم ان يكون كثير التوكل على اللّه سبحانه، في كل الاُمور صغارها وكبارها، قال اللّه تعالى: ( ومن يتوكل على اللّه فهو حسبه)(3) وفي الحديث: ( من توكل على اللّه كفاه الامور، ومن وثق باللّه اراه السرور)(4).

والتوكل كما عرفه الشرع، ان يعمل الإنسان بالأسباب الظاهرية إلى اقصى حد ممكن، ويفوض ما لا قدرة له من الأسباب الخفية، إلى اللّه سبحانه، ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذلك الاعرابي( اعقل وتوكل)(5) حيث كان ترك ابله بدون عقال، في الصحراء ..

فإن لكل شيء أسباباً ظاهرة وأسباباً خفية وقد أمرنا بالتصدي للاسباب الظاهرة، كما قال تعالى في قضية ذي القرنين: (ثمّ أتبع سبباً)(6) أما الأسباب الخفية التي لا مدخلية للانسان فيها، فان قصد انها موكولة إلى اللّه تعالى، وتوجه في باطنه إليه سبحانه، واستمد العون منه جل وعز، هيىء اللّه تلك الأسباب، لتأتي النتيجة المطلوبة، أما إذا لم يتوكل عليه تعالى، فالنتيجة إذا حصلت، كانت مبتورة عن الخير، وكثيراً ما، لا تحصل النتيجة اصلاً ..

مثلاً لحصول التمر اسباب ظاهرة، كالكراب، والزرع، والسقي، والحفظ، وهذه يجب على الإنسان ان يأتي بها إذ أراد التمر، وأسباب خفية، كالهواء المناسب والملابسات الموافقة، لا برد شديد، ولا حر شديد يضران بالزرع، ودون مجيء الجراد، وتسمم التمر، وما اشبه، وهذه يلزم على الإنسان ان يتوكل فيها على اللّه سبحانه.

والعالم حيث انه في سبيل تنفيذ اوامر اللّه سبحانه، يلزم ان يكون اكثر توكلاً من سائر الناس، كممثل الدولة الذي يجب عليه احترام الدولة والنظام، اكثر من سائر الناس.

الامربالمعروف والنهي عن المنكر 

يلزم على العالم ان يشمر عن ساعد الجد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك اُسوة وقولاً وعملاً.

فأول الضروريات عليه ان يتجنب هو ويجنب ذويه عن المنكرات، حتى لا يكون في البلاد الإسلامية مظهر من المظاهر المحرمة، كالإفطار العلني في شهر رمضان، وحوانيت الخمور، وموائد القمار، ومظاهر السفور والتبرج، وما إلى ذلك.

وقد يبدو هذا الأمر صعباً خصوصاً بالنسبة إلى البلاد التي اعتادت تعاطي المنكرات ولكن( من جدّ وجد) و( من زرع حصد) و( من اكثر طرق الباب اوشك ان يسمع الجواب) ويقول الشاعر:

لا تقــولـــن مضـت ايامــه ان من جد على الدرب وصل

ومهما يكن من مقاومة لأصحاب المنكرات فان مواصلة العالم المسيرة لإزالتها ـ بالأساليب اللائقة ـ اخيراً ينتج النتيجة الطيبة، إما نتيجة كلية، وإما نتيجة في الجملة.

والحد من نشاط المنكر له فائدتان: فائدة تقليل المنكر، وفائدة انه لو لم يحد من نشاطه أخذ في التكثر والإنتشار.

نقد النفس 

من الاُمور المهمة على العالم ان يرى نفسه دائماً مقصراً، أمام اللّه وأمام خدمة الإسلام والمسلمين، فإن نقد النفس ورؤية الإنسان نفسه مقصراً، من أكبر حوافز التقدّم واصلاح الأخطاء، والإستعداد للمشاورة مع الناس وتقبل آرائهم.

ولذا ورد في الدعاء: ( اللّهمَّ لا تخرجني من التقصير)(7) أي أكون بحيث أرى نفسي مقصرة دائماً.

وورد في الحديث: ( احبّ إخواني إليَّ من أهدى إليَّ عيوبي)(8).

و: ( المؤمن مرآة المؤمن)(9).

كما ورد : ( صديقك من صَدَقك لا من صدّقك). 

المحــــاسبة 

من الزم اللوازم على العالم ان يحاسب نفسه، آخر كل يوم واسبوع، ثمّ آخر كل شهر، ثمّ آخر كل ثلاثة اشهر ثمّ آخر كل ستة اشهر، ثمّ آخر كل سنة، ليرى كم عمل؟

وكم نفذ من برامجه الإصلاحية؟

وكم هدى؟

وكم منع الناس عن المنكر؟

وكم اسس؟

وكم بنى؟

وماذا قدم للمسلمين من فوائد؟

وكم تقدم الإسلام بسببه إلى الأمام؟

فإن المحاسبة من أكبر السياط تحفيزاً على التقدم.. ولو تمكن ان يكتب كل مرة تقريراً لنفسه ـ ويظن في نفسه انه يريد ان يرفع التقرير إلى الإمام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) الذي هو ممثل من قبله عليه الصلاة والسلام كان أحسن.

وإذا كتب الإنسان هذه التقريرات ـ بدقة ـ لخجل، إذ يرى ضحالة عمله، وقلة جدوى ما اتى به، وذلك مما يحفزه على العمل اكثر فاكثر.

وفي الحديث الشريف:

(حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا وزنوها قبل ان توزنوا)(10).

الدعاء والصدقة والتوجّه 

في الآية الكريمة: (.. ان إبراهيم لأوّاه ..)(11) وقد فُسر: لأواه بالدعّاء.

وفي الحديث: ( ان اللّه يحب الدعّاء الملحّ)(12).

وفي الحديث: ( ان الصدقة ترد البلاء وقد ابرم ابراما)ً(13) والإمام المهدي عليه الصلاة والسلام وعجّل اللّه تعالى فرجه هو الإمام الحيّ الحاضر الذي نعمل نحن ـ معاشر أهل العلم ـ تحت لوائه المبارك وباسمه الشـريف ونتصـرف في سهـمه من الخمس ( سهم الإمام عليه السلام) وقد أمرنا بالتوجه إليه.

وحيث ان العالِم ـ خصوصاً في هذا الزمان ـ يخوض أعنف المعارك مع القوى الشريرة .. فاللازم عليه ان يكون كثير الدعاء، كثير التصدق، دائم التوجه والإستمداد من الإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف)، ولو ان انساناً عمل بهذه الاُمور الثلاثة، لرأى أغرب الأثر، واجمل التوفيق.

ولا بأس هنا بالإستطراد في حل اشكال، وهو: انه لو كان لهذه الاُمور أثر، فلماذا نرى تأخّر المسلمين، وتقدم من لا يزاولون هذه الاُمور كالشرقيين، والغربيين؟

والجواب واضح بسيط، فإن المسلمين كغير المسلمين ـ الآن ـ كلهم في مشاكل متفاقمة، اليست ثلاث حروب عالمية في اقل من قرن ـ إثنتان مضتا، والثالثة تهدد وترهص بالحروب الموضعية الضارية ـ من أعتى المشاكل التي لم يكن لها سابقة؟ اليست الأمراض المتزايدة، والتوترات المتتالية، من شر ما مُني بها بشر هذا القرن؟ اذن، فهم أيضاً في مشاكل..

أمّا تأخّر المسلمين، وهم يملكون الدعاء والصدقة والتوجه، فلأن هذه الثلاثة جزء، وقد تمسك بها المسلمون ـ أو جماعة منهم ـ اما الجزء الآخر، وهو العمل فقد تركه المسلمون، ومن المعلوم ان الفائدة لا تترتب الا على الجزئين معاً.

فقد قال سبحانه: ( قل ما يعبأ بكم ربّي لو لا دعائكم..)(14).

وقال إلى جنب ذلك: ( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة..)(15).

وقال أيضاً: ( قل اعملوا..)(16).

وقال أيضاً: ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)(17).

ثمّ .. كما يلزم على العالم الدعاء والتصدق والتوجه، كذلك يلزم عليه ان يوجّه الناس إلى هذه الاُمور بكل جد واهتمام.

الوقار 

على العالم ان يتبنى الهيبة والوقار، في المجلس، والتكلم والمشي، والمنبر، والتدريس، وغيرها، فإن الرسول والأئمة ( صلوات اللّه عليهم أجمعين) كانوا في كمال الهيبة والوقار، كما يظهر من الأحاديث، وفي الحديث: ( سرعة المشي يذهب ببهاء المؤمن)(18).

والإنسان الوقور أوقع في النفوس، وأقرب إلى قبول العامة والخاصة، وانفذ أمراً، واحسن تلقياً، ولذا قال المتكلّمون: يجب أن يكون النبي والإمام بريئاً من العيوب في الخُلق وفي الخلقة، لان تلك العيوب توجب النفرة، وذلك نقض للغرض. فعلى العالم أن يكون وقوراً وزيناً، بدون أن يكون ذلك عن كبرياء وترفع، بل عن رصانة وتواضع.

مع الأعداء 

لا بد وأن يكون لكل بارز في مجتمعه، عالماً كان أو تاجراً، أو كاتباً، أو غيرهم، اعداء وحساد، وهؤلاء يبدئون عدوا ضئيلاً، ثمّ لا يزالون يتجمعون ويتكاثرون وكثيراً ما يكونون لأنفسهم فئة وجبهة، وفي كثير من الاحيان، يقفون لوضع السدود في وجه الإنسان البارز، حتى يمنعوه عن العمل بل وربما يمنعونه عن البقاء في المنطقة.

فعلى العالم ان يكون دقيقاً في هذه الناحية، ويعمل بكل قواه وامكاناته من حدة عدائهم وتوترهم، والتقليل من اعدادهم، بكل ما اُوتي من اسلوب ولباقة.

فترى ان الإسلام خصص ثُمن الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وفي الآية الكريمة: (ادفع بالّتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم، وما يلقّاها الاّ الذين صبروا، وما يلقّاها إلاّ ذو حظّ عظيم)(19).

وفي دعاء الإمام السجّاد: ( سدّدني لأن اُعارضَ مَن غَشَّني بالنُصح، واَجْزيَ مَن هَجَرَني بالبرّ، واُثيبَ مَن حَرَمني بالبذل، واُكافِيَ مَن قَطَعني بالِصلَةِ واُخَالف من اغتابني إلى حُسنِ الذكر، وأن اَشْكُرَ الحسنة، واُغضي عن السيّئة)(20).

ويروى عن المسيح عليه السلام : ( احبوا اعدائكم) وحبك للعدو يسبب حب العدو لك، لان القلب مرآة القلب وذلك بنحو( المقتضي) طبعاً.

اكتساب ثقة الناس 

كل إنسان يعيش بثقة الناس به، مثلاً التاجر الذي تُسلب ثقة الناس منه تؤول تجارته إلى الإضمحلال، لان الناس لا يتعاملون معه، والحاكم الذي تزول ثقة الناس عنه، يُنحّى عن منصبه إما بعدم انتخابه( إذا كانت بلاد حرية) أو ازاحته بالقوة إذا كانت بلاد ديكتاتورية والإمام الذي تزول ثقة الناس عنه، ينتهي إلى ان يصلي فرادى، وهكذا في سائر الشؤون الإجتماعية.

والعالم من احوج الناس إلى الثقة به، والا لانفض الناس من حوله، ولم يتمكن من الهداية والإرشاد، ولذا يجب عليه ان يتحفظ باكبر كمية من ثقة الناس. كيفاً وكماً، فيجلب إلى نفسه اكبر عدد ممكن من الناس، ويعمل لتزايد ثقتهم به، فإنه كلما كان الاعوان اكثر، وكانت ثقتهم ازيد، كان تمكن العالم من خدمة الإسلام اكثر..

وزيادة ثقة الناس، تتطلب جهداً كبيراً من الإنسان، وعملاً دائباً متواصلاً نلمع إلى بعض بنوده الأساسية:

1 - الإخلاص للّه تعالى، فإن من احبه اللّه سبحانه، أحبه الناس ـ كما في مضمون بعض الأحاديث ـ(21).

2 - استواء الظاهر والباطن، وهذا من أشكل الاُمور.

3 - قطع الطمع عن الناس.

4 - الدؤب في العمل، فان الناس يلتفون حول العاملين المجاهدين.

5 - الأخلاق الحسنة بما فيها الشجاعة والشهامة والسخاء وحفظ اللسان.

6 - عدم التبجح، ولو بالكتابة والإشارة.

7 - القصد في جميع الامور.

8 - مراقبة انعكاسات عمله، فان لعمل الإنسان انعكاساً في المجتمع حسناً أو سيئاً، فقسم من الناس يلاحظ الهدف ويمشي بدون ملاحظة انعكاس مشيه هل يستحسنه الناس أم لا؟ وهذا الإنسان خليق بأن لا يصل إلى الهدف، وقسم آخر يخطو خطوة خطوة. ملاحظاً في كل خطوة انعكاس عمله، فان رأى انعكاساً حسناً زاد في السير، وان رأى انعكاساً سيئاً اصلح عمله حتى لا يستمر سوءاً على سوء، واخيراً ينفض الناس من حوله، ولا يصل إلى الهدف ..

وليس معنى هذا ان يأتي الإنسان بالباطل، أو يترك الصحيح، بل معناه ان يأتي بالصحيح باسلوب ذكي وبحكمة، لئلا ينفضوا من حوله، انظر إلى هذه الآية الكريمة: ( انّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)(22) انه كلام لا يستفز الطرف، مع انه صدق وحق، ولو قال: ( انكم على باطل ايها الكفرة الفجرة) لكان صدقاً أيضاً، وحقاً، لكنه ربما أوجب استفزازاً.

السمو بالروح 

ينبغي للعالم ان يرفع مستويات المسلمين، بايجاد روح العزة وروح الرجاء فيهم، لا العزة الكبريائية، ولا الرجاء المكذوب، بل العزة التي ذكرها اللّه سبحانه بقوله: ( للّه العزّة ولرسوله وللمؤمنين)(23) والرجاء المقترن بالعمل.

فإن روح العزة الكبريائية، تكبر واستعلاء، وأخلق بالإنسان المتكبر ان يتأخر ويسقط، والرجاء الفارغ تمني وباطل، وقد قال اللّه سبحانه: ( ليس بأمانيّكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءاً يُجز به)(24) فالأماني لا توجب التقدم، وانما رفعة النفس المقترنة بالعمل اللائق هي التي توجب التقدم.

وانما ينبغي للعالم ذلك، لان المسلمين قد انهزموا امام بريق الغرب والشرق واختطفت زخارف المدنية قلوبهم والبابهم فحسوا بالذل وباليأس.

ومن المعلوم ان الإنسان الذي يحسّ بانه ذليل، والإنسان الذي ييأس عن التقدم لا يمكن لهما ان يتقدما ولو مقدار انملة، فإن أول كل تقدم: عزة النفس والرجاء المتزايد.

الشجاعة 

ان من أهم ما يجب ان يعوّد العالم نفسه هو الشجاعة بحكمة، فإن الشجاعة مفتاح التقدم في كل زمان أو مكان.

ولو نظرت إلى تاريخ الأديان، والمباديء، والمذاهب، والحكومات لرأيت انها ابتدأت بالشجاعة وانتهت ـ بالنسبة إلى ما انتهت واضمحلت ـ بالجبن، لكن اللازم إقتران الشجاعة بالحكمة، والا كان تهوراً.

وكثيراً يكون الإنسان بطبعه جباناً، لكنه إذا خطط وفكر، ونظر في اسوء الإحتمالات ولقن نفسه الشجاعة، وتبني الإقدام، انقلب شجاعاً.

والعالم يحتاج إلى الشجاعة في التكلم، والشجاعة في مناهضة الباطل، والشجاعة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشجاعة في التأسيس، والشجاعة في خوض المهمات، وفي الحديث: ( ان اللّه يحب المؤمن الشجاع).

الحــــزم 

ومن اهم ما يحتاج إليه العالم الحزم في الاُمور، فإن الحزم بمعنى ملاحظة جوانب الامر، ثمّ الإقدام عليه أو تركه، من اسباب النجاح، وعدم الفشل.

والحزم بعد ان يكون حالة نفسية للإنسان يحتاج إلى العلم الوسيع، والإستشارة الدائمة، والإعتبار بالاُمور، والتفكير الطويل، حتى يهتدي الإنسان إلى مواضع الخطأ والسداد في الاُمور، فيترك ما ينبغي ان يتركه، ويعمل ما ينبغي ان يعمله.

ففي الحديث: ( المؤمن كيّس)(25).

ويقول الشاعر:

وأحزم الناس من لم يرتكب عملاً

حتـى يفـكـــر مـا تجنــي عواقبـه

وعلى هذا ينبغي للعالم ان يفكر دائماً في الاُمور التي يمكن ان يتقدم بسببها الإسلام، والمسلمون، ويستشير، ويخطط، ويطالع ما يزيده معرفة، وعبرة، ثمّ يقدم، ويعمل..

فإننا نرى في التاريخ السابق والمعاصر اُناساً تقدموا ووصلوا إلى اهداف بعيدة ـ كان يظن الوصول اليها مستحيلاً ـ ببركة الحزم، بينما نرى اُناساً آخرين فشلوا حين حرموا هذه الصفة الرفيعة.

النشـــاط 

ينبغي للعالم ان يكون ذا نشاط دائم، في مختلف شعب الحياة، فلا يهدء ليل نهار، في التعليم، والتزكية، والتربية، والبناء، والعمل، كما ينبغي له تنشيط الناس بصورة مستمرة، حتى يكون شـعباً واعـياً عارفاً بالمسؤولية، لا يفتأ يصلـح ويعمل ويبني ويكدح، وفي ادعية شهر رمضان المبارك طلب النشاط من اللّه سبحانه، وفي دعاء مكارم الأخلاق للإمام السجاد عليه السلام : ( واجعل ... أَقْوى قوّتِك في إذا نصبت)(26) ..

والنشاط الدائم هو الذي يتمكن ان يتقدم بالمسلمين إلى الأمام، والا فإن النشاط الذي يزاوله الكفار في مختلف الميادين، شيء مهولٌ جداً، لايصل اليهم المسلمون، إذا بقي هؤلاء على كسلهم، واُولئك على نشاطهم، فكيف يمكن ان يتقدموا عليهم ويستردوا سعادتهم الغابرة؟!

الغضب والضجر 

شيئان يذهبان ببهاء العالم، والعالم غالباً معرض لهما ـ لسبب كثرة التفاف الناس حوله بمختلف أقسامهم ـ هما:

1 - الغضب.

2 - والضجر.

وكلاهما معرض لهما العالم فإن بعض الاُناس الذين يلتفون حول العالم، كثيراً ما يسببون له استفزازاً، بالحافهم والحاحهم، وجهلهم وخشونتهم، وسوء ادبهم، وكثرة تكلمهم، والعالم مهما كان، فهو بَشَر يستفّزه الأمر السيّء، فيضجر ويظهر الضجر، ويغضب ويظهر الغضب، وكلا الأمرين يوجبان انفضاض الناس من حوله.

فإنه ربما يلح فقير في الطلب، أو يسيء الأدب فيضجر العالم ويتفوه بكلمة نابية، فستكون تلك الكلمة سبب انكماش الآخرين من حوله، خصوصاً والناس يتوقعون من العالم ان يتحلى بأجمل الأخلاق، وان يكون اُسوة لهم، في المجاملة والمداراة، وان الناس يرون العالم خليفة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم والائمة الطاهرين عليهم السلام المعروفين بأرقى الصفات وأجمل الملكات.

فعلى العالم أن يصمم على عدم الضجر والغضب مهما كلف الامر، وكثيراً ما يعتاد الإنسان الصفة إذا مارسها، مدة مديدة، وبذلك يسهل عليه الإحتمال ولا يصعب عليه تحمل الخشونه من الناس وغلظتهم، فلا ينفض الناس من حوله، ولا يكون ذلك سبباً لبعده عن الهدف المنشود له.

حفظ الأقرباء

صحيح ان العالم لا يمكن ان يؤثر على كل اقرباءه، ويهديهم سبيل الرشاد فإنا نرى ابن نوح عليه السلام : وعم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( ابا لهب)، ولكن للحفظ والرعاية اهمية كبيرة.

فإن اولاد العالم واهله واقرباءه لو كانوا صالحين كان تأثيركلام العالم اكثر، وان كانوا بالعكس من ذلك كان تأثير كلامه اقل، فإن الناس ـ خصوصاً المغرض منهم ـ يقولون: لو كان ما قاله العالم صدقاً فلماذا لا ينصح ولده؟ ولا يزجر قريبه؟ ولا ينهي أهله؟

وكثيراً ما يكون العمل الذي يأتي به القريب جائزاً لكنه خلاف الأليق بالعالم، فاللازم على العالم ان يردعه بالتي هي أحسن.

هداية المنحرفين

على العالم ان يهتم لهداية الفئات المنحرفة عن الإسلام، فانه كثيراً ما يكون في البلد أو في نواحيه فئات خارجة عن الإسلام، أو منحرفة عن الإسلام المستقيم.

والغالب أن العالم يظهر اليأس عن الجدوى في التكلم مع هؤلاء لهدايتهم، لكن الأمر بالعكس فإن البشر ـ غالباً ـ ليس معانداً، وغير المعاند إذا عرف الحق اتبعه، وحتى المعاند إذا عرف الحق خشع له وان لم يدخل في سلك المستقيمين.

وقد أرانا التاريخ، كثيراً من العلماء الذين جاهدوا لأجل هداية الضالّين فنجحوا نجاحاً باهراً و( من لجّ وَلَج)َ و( من اكثر طرق الباب يوشك ان يسمع الجواب).

فعلى العالم ان يشمّر عن ساعد الجد لهداية الفئات المنحرفة سواء كانوا غير مسلمين أو مسلمين منحرفين.

 (1) بحار الأنوار : ج 16 ص 210 ـ بحار الأنوار : ج 68 ص 382 ح 17 .

(2) سورة الأحزاب ، الآية : 21 .

(3) سورة الطلاق ، الآية : 3 .

(4) بحار الأنوار : ج 68 ص 151 ح51 ـ بحار الأنوار : ج 75 ، ص 79 ح 56 .

(5) بحار الأنوار : ج 100 ص 5 ح 18 .

(6) سورة الكهف ، الآية : 89 .

(7) الكافي : ج 2 ص 73 ح 4 ـ الكافي : ج 2 ص 579 ح 7 .

(8) بحار الأنوار : ج 75 ص 247 ح 108

(9) بحار الأنوار : ج 71 ص 268 ح 7 و ج 74 ص 271 ح 1 .

(10) بحار الأنوار : ج 67 ص 73 ح 26 ب 45 .

(11) سورة التوبة ، الآية : 114 .

(12) راجع الدعوات للراوندي ص 20 ح 15 . وعدة الداعي ص 143 .

(13) راجع الكافي : ج 4 ص 5 ب ان الصدقة تدفع البلاء.

(14) سورة الفرقان ، الآية : 77 .

(15) سورة الأنفال ، الآية : 60 .

(16) سورة التوبة ، الآية : 105 .

(17) سورة الزلزلة ، الآية : 7 - 8 .

(18) بحار الأنوار : ج 66 ص 49 ح 6 ـ بحار الأنوار : ج 73 ص 302 ح 5 .

(19) سورة فصلت ، الآية : 34 ـ 35 .

(20) الصحيفة السجادية : دعاء مكارم الأخلاق.

(21) بحار الأنوار : ج 75 ص 79 ح 63 .

(22) سورة سبأ ، الآية : 24 .

(23) سورة المنافقون ، الآية : 8 .

(24) سورة النساء ، الآية : 23 .

(25) بحار الأنوار : ج 64 ص 307 ح 40 ب 14 .

(26) الصحيفة السجادية ـ دعائه (ع) في مكارم الأخلاق.