الفهرس

المؤلفات

الحوزات العلمية

الصفحة الرئيسية

 

الاقتراب من جذور الإجتماع 

للإجتماع جذور واُصول، سائر افراد الإجتماع كالأغصان الصغيرة، والأوراق بالنسبة إلى تلك الجذور والاُصول، فإذا راعى الإنسان الذي يريد ادارة الإجتماع، تلك الجذور والاُصول تمكن ان يسير الاُمور كما يرام.

أما إذا لم يلاحظ تلك الجذور، وأخذ الإجتماع على ظاهره فإنه سرعان ما يسقط ويُزاح عن الوجود الإجتماعي إلى زوايا الخمول والنسيان، مثلا: هناك افراد تحفّ بهم جماعات، إما لكونهم رؤساء عشائر، وإما لكونهم اصحاب بيوت عريقة، وإما لأنهم ذووا مكانة اجتماعية لإنهم اُدباء أو شعراء، أو بلغاء، أو أخصائيّين في شتّى العلوم أو عارفين بموارد الاُمور ومصادرها ( أهل الخبرة)، أو لغير ذلك.

فعلى العالم إذا اراد خدمة الإسلام، واخذ البلد بجميع جوانبه، كي يتمكن من اقامة شعائر الدين، ويكافح المنكرات، ان يقترب من هؤلاء ويجاملهم، ويتحبب إليهم بالمال، والهدايا والزيارات، وتبادل الولاء، والا بقى العالم وحوله جماعة من العجزة الذين لا ينتفع بهم في دين أو دنيا، وفي زيارة الجامعة ( وساسة العباد)(1) والمفروض انهم عليهم السلام اُسوة كما في القرآن الحكيم: ( لقد كان لكم في رسول اللّه اُسوة حسنة)(2).

والملاحظ لأحوال المراجع الكبار، والعلماء الوكلاء الذين اوتوا حظ ادارة بلادهم، وتقديم الدين وأهله في منطقتهم يشاهد هذه الظاهرة ( ظاهرة الإقتراب من جذور الإجتماع ) بادية عليهم، فهم مرتبطون بالجذور ارتباطهم بالفروع.

نعم.. ينبغي ان لا يميل العالم اليهم كل الميل، فيترك الفروع فارغة، فإن الماء إذا اروى الجذور دون الأغصان والأوراق جفّت ولم تأت بالثمر.

المؤسسات

على العالم ان يهتم لبناء المؤسسات بمختلف اشكالها، كالمؤسسات الدينية من قبيل المساجد والمدارس، والمؤسسات الصحية كالمستوصفات، والمؤسسات الإجتماعية كدور العجزة، والمؤسسات المالية كالبنوك، إلى غيرها.

فإن لتأسيس المؤسسات فوائد جمة مثل التفاف الناس حول الدين، وقضاء حوائج الناس التي هي من أهم الامور الإسلامية، وحكومة تعاليم الإسلام على المجتمع، فان المجتمع منقاد إلى من يقوم بحاجته.

بالإضافة إلى انه كلما توسعت المؤسسات الإسلامية، تقلصت المؤسسات غير الإسلامية، سواء كانت مؤسسات ضد الإسلام، كمؤسسات التبشير، أو موسسات حيادية.

تزويج العزاب 

العزوبة داء فردية، كما انها داء اجتماعية، وليس اعتباطاً ما ورد: ( من تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه، فليتق اللّه في الثلث الآخر)(3).

فعلى العالم ان يهتم لتزويج العزاب، بالتشويق، وتسهيل المشاكل، وتذليل الصعاب.

فانه بذلك يوجب محبوبيّة لنفسه، وقد خدم الإسلام بتنفيذ احد بنوده المهمة، بالإضافة إلى وقاية المجتمع عن الإنزلاق، والتحفظ على صحة الشبان والشابات عن التدهور، فان الزواج من وسائل مكافحة الأمراض، وقاية وعلاجاً، كما قرر في الطب.

ولو كوّن العالم فئة تساعده على هذه المهمة، اختصاصها تسهيل أمر الزواج، والتشويق إليه، وجمع المال لاجل اقراض المحتاجين، ومساعدة الفقراء الذين لا يتمكنون من الزواج، كان سبباً لنجاح المهمة اكثر فأكثر..

والذي اظن ان عالم البلد لو تبنى هذه المسؤولية لتمكن من تخفيف العزوبة خمسين في المائة على الاقل، وهذا قدر كبير جداً، وخدمة جلية للإسلام والمسلمين.

التوجه الى المراكز الحساسة في المجتمع 

في الإجتماع مراكز حساسة يتمكن الإنسان بواسطتها من الخدمة اكثر فاكثر، والعالم حيث انه يريد عمران الدنيا، وتوجيه الناس إلى الآخرة يحتاج إلى هذه المراكز احتياجاً شديداً.

فمن الضروري التوجه إلى هذه النقطة، والإهتمام بإملاء المراكز الحساسة من الرجال الصالحين، الذين يخدمون الدنيا والدين ..

فمثلاً: مدير المدرسة له مركز حساس يتمكن أن يخدم بسبب هذا المركز خدمة جليلة.

فإن أهمل هذا المركز حتى يشغله انتهازي أو ملحد، أو منحرف أو نفعي، لم تكن تلك الخدمة المنشودة من هذا المركز، بل أحياناً كان الهدم والتحريف، بخلاف ما إذا كان العالم متوجهاً فإنه يهتم لإملاء هذا المنصب بانسان كفؤ يخدم البلاد والعباد.

وهكذا بالنسبة إلى سائر وظائف الدولة، أو المكانات الإجتماعية، كرئيس عشيرة ـ فيما إذا دار بين ان يرئسها الاصلح، أو الصالح، أو يرئسها الصالح أو الطالح ـ.

الاهتمام بالمستوى الإسلامي 

هناك مستويات حيادية، أو معادية للإسلام، في كل بلد وقطر، من غير فرق بين المستويات الثقافية، أو الصحية، أو الإجتماعية، وما اليها.

مثــلاً: تـكون فـي البـلد مدارس حكومــية، أو مسيحية، وكذلك مستوصفات خيرية حيادية أو تبشيرية، وهكذا..

واللازم على العالم ان يهتم لترفيع المستويات الإسلامية عن سائر المستويات، فإذا بنى مدرسة اهتم لان تكون بأجمل طراز، واحسن اُسلوب، وخير تدريس، وكذلك إذا انشأ مستوصفاً أو غيره.

وهذا العمل وان أخذ جهداً لكنه يعود بفائدة مزدوجة إلى الإسلام والمسلمين، فائدة تخريج الطلاب ـ مثلاً ـ على أحسن ما يرام، وكونهم مثلاً في الثقافة والنظام، وفائدة رفعة الإسلام، وقدرته على مالا يقدر عليه ما عداه.

وهذا مما يوجب ان ينظر الناس إلى الإسلام بنظر الاكبار والاعظام، مما يسبب التفافهم حول الإسلام اكثر فأكثر، ويوجب ذلك خير دنياهم، وسعادة آخرتهم.

توسعة العلاقات الاجتماعية 

من اللازم أن يقوم العالِم بتوسعة العلاقات مع مختلف طبقات المجتمع: الجامعيين والتجار والكسبة والعلماء والخطباء ومدراء الشركات والعشائر والأحزاب والمثقفين كالأطباء والمهندسين والهيئات واصحاب الصحف والجرائد والمجلات والراديو والتلفزيون ودور النشر وغيرهم وكذلك: أعضاء مجلس الاُمّة، والقضاة، والمحامون، ومجلس الاعيان ( الجماعات الضاغطة).

كما ينبغي مد الجسور مع سائر العلماء والعاملين في الدول الاُخرى بحيث يترابط مختلف الوكلاء والعلماء في كافة دول العالم.

وعلى الوكيل ان يوظف كل هذه الصداقات والعلاقات لرفع ظلم أو إحقاق حق أو الضغط لتطبيق قانون اسلامي أو رفع المنكر أو إعطاء الحاجات أو نشر تعاليم الشريعة الغراء.

وعليه ان يتجنّب استغلال هذه العلاقات ـ خاصة إذا كانت مع السياسيين ـ في سبيل تحقيق رغبات أو حاجات شخصية فإن ذلك يوجب تلويث سمعة الإنسان والتقليل من قيمته وتقليص تأثيره في ما سيطالب به من قضايا دينية هذا إذا لم يؤد ـ لا سمح اللّه ـ إلى ان ينحشر في ركاب الظالمين بالتدريج ومن حيث لا يشعر.

حل المشاكل 

على العالم ان يتبنى حل مشاكل الناس وينصب من نفسه قائماً بمهامهم، فإن العالم إنما جعل للدين والدنيا، والناس يلتفون حول الحلاّل للمشاكل، بما لا يلتفون حول سواه.

ولذا ورد في متواتر الأحاديث التحريض والحث على قضاء حوائج الناس.

والعالم بما اوتي من قوة ومنعة ونفوذ كلمة ـ ببركة الدين ـ يجب عليه ان يقابل ذلك بالشكر، ومن اقسام شكر هذه النعم: القيام بحوائج الناس، وحل مشكلاتهم، وانقاذهم من المعاضل والنكبات فقد قال سبحانه: ( اعملوا آل داود شكرا )(4) فإن الشكر له مركز في القلب ومركز في اللسان ومركز في الجوارح..

وإذا قام العالم بحل المشاكل التف الناس ـ ببركة ذلك ـ حول الإسلام، وكان ذلك من اسباب خدمته لهدفه الذي هو ترويج الدين ونشر الشريعة وترسيخ الإسلام في القلوب.

معاشرة الناس 

يحتاج العالم، إلى اكبر قدر من حسن المعاشرة، فانه يعاشر مختلف الفئات والإتجاهات والميول والرغبات، فإذا كان مزوداً بالعشرة الحسنة، والأخلاق الطيبة، كان انجح في تأدية رسالة الإسلام، واقدر على جمع الناس حول كلمة التوحيد، والعشرة بالحسنى ملكة في النفس، قبل ان تكون عملاً على الجوارح.

فالعالم يلزم عليه بيان الأحكام والمسائل بكل لطف، والدعوة إلى اللّه وإلي الفضيلة، وتشييع الجنائز، وزيارة القادمين، والإشتراك في افراح الناس واحزانهم، وتحمل سوء أخلاق العامة وغلظتهم، والصبر على الثقلاء من الناس، إلى غيرها مما يتفق للعالم في كل يوم عدة مرات.

وقد قال تعالى: ( فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك)(5).

وقال جلّ وعلا: ( خذ العفو وأمُرْ بالعرف واعرض عن الجاهلين)(6).

احترام الضيوف 

ينبغي لعالم البلد، أو القرية، ان يهتم باحترام الضيوف، فإن العالم يكون محل التوقع من الزائرين، ولهم الحق في الإستضافة ، وفي الحديث ورد : ( اطعام الضيف واحترام الضيف)(7) مما يوجب التفاف الناس حول العالم، وكثيراً ما يكون ذلك سبيلاً لإنجاح المهمة، أو تسهيلها.

والضيف على قسمين:

الأول : ضيوف الطعام والمنام.

والثاني : ضيوف اللقاء والكلام.

فليهيّء عالم البلد، للأولين المكان اللائق، والاُمور التي هم بحاجة اليها، وللآخرين ديواناً وما يتعارف لديهم تحضيره لهم من المأكل والمشارب وغيرهما، واللازم ان يخطط لمقدار الزمان، ومقدار المال الذي ينبغي صرفهما للضيوف، ويأخذ في ذلك الوسط بلا افراط ولا تفريط..

نشر الآداب الإسلامية والعامة 

لقد أعدّ الإسلام جمهرة كبيرة من الأحاديث بصدد الآداب الإسلامية، كآداب الكلام، والمجلس، والزواج، والعبادة، والسلام، والصداقة، والجوار، والعائلة، والكسب، وغيرها، مما يجدها الإنسان في كتاب ( الوسائل) و( المستدرك) و( البحار) و ( مكارم الأخلاق ) وغيرها.

وهذه الآداب بالإضافة إلى فوائدها الجمة الدينية والدنيوية، إذا التزم بها الإنسان، يكون مثاراً لإحترام الجماهير.. فاللازم على العالم مراعاتها، ولا يقول انها مستحبات فلا بأس بتركها، فان قسماً كبيراً من نجاحه متوقف عليها.

كما يلزم على العالم ان ينشر هذه الآداب في المجتمع، فانها قسم من الإسلام، وفي نشرها نشر الإسلام، بالإضافة إلى كونها ذات فوائد كبيرة تعود إلى دين المجتمع ودنياه.

العالم اسوة وقدوة 

ينبغي للعالم الإلتزام حسب الإمكان بالحج وبزيارة المشاهد المشرّفة، في المواسم الخاصة فإن في ذلك ترويجاً للإسلام، وتعليماً للناس، إذ العالم اُسوة، فما فعله يفعله الناس تلقائياً، وما تركه يتركه الناس تلقائياً. فإن الناس ينظرون إلى الأعمال أكثر مما ينظرون إلى الأقوال.

ومن المعلوم ان تعوّد الناس على الحج والزيارة يوجب توجههم إلى اللّه سبحانه وإلى اولياءه، أكثر فأكثر، وذلك بدوره تقوية للدين واقامة لعماد الإسلام، وتعويد للناس على السير في طريق الهداية والصلاح.

التعاون في الخير 

على العالم أن يتعاون في الخير، فانه لا بد وان يكون في كل بلد اُناس خيّرون، يعملون لصالح الإسلام والمسلمين، بانفاق أو تأسيس، أو اقامة مراسيم، أو اعانة محاويج أو ما اشبه.

والعالم حيث له المكانة الاُولى في البلد يتمكن ان يخدم بلسانه، وقلمه، وماله، وجاهه في تلك الاُمور الخيرة.

فإذا اعتاد العالم على التعاون في الخير، اخذ البر والتقوى ينتشران في البلد، مما يعود بأفضل الفوائد، له وللإسلام وللمسلمين، وإذا كف يده، كان الأمر بالعكس من ذلك.

وفي بعض الأحيان يأخذ نوع من الأنانية بعض الناس فلا يريدون ان يقوم غيرهم بالخير، ليذهب بالسمعة، ولذلك لا يتعاونون معه، بل أحياناً يطلقون السنتهم بالإستهانة بذلك الخير، وبالقائم به.

واني اذكر مثل هؤلاء انهم بهذا العمل يخسرون سمعة اكثر، ويخسرون اصدقاء كثيرين، ويعوقون الإسلام والخير من التقدم، فيكون ما حسبوه خيراً لانفسهم شراً، وما ظنوه رفعة لانفسهم، مهانة وذلاً.

أعاذنا اللّه وسائر المؤمنين من هذه الأعمال والمواقف

الحضور الدائم للعلماء 

على العالم ان يجند نفسه للقيام بالشؤون الإسلامية، كالقضاء بين الناس واصلاح شؤونهم، والمواظبة على صلاة الجماعة في الاوقات الثلاثة مهما وجد قلة المأمومين، والحضور في الحفلات الدينية، إلى غيرها، فإن للمظاهر والشعائر الأثر الكبير في جلب الناس إلى حظيرة الإسلام.

لكن ينبغي ان يقرن ذلك بالدعاية الواسعة النطاق ـ وليس هذا من الدعوة إلى النفس، بل من الدعوة إلى الإسلام ـ فيدعو الناس إلى الترافع عند العلماء وإلى حضور الجماعة، وإلى حـضور الإحتـفالات، وهـكـذا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائـمة الطاهرين عليهم السلام كانوا يدعون إلى انفسهم ـ لا انانية والعياذ باللّه ـ بل دعوة إلى الإسلام وهداية للناس، وهم اسوة لخلفائهم ـ العلماء ـ فاللازم اتباع العالم لهذه الخطوة المباركة.

المراجع والمؤسسات 

ينبغي للعالم في البلد، ان يوجه الناس إلى المراجع، ويحرضهم للإلتفاف حولهم، والاخذ والعطاء منهم، وزيارتهم في المناسبات، وحل مشاكلهم المستعصية عليهم، عندهم.. كما ينبغي له أن يوجه الناس إلى المؤسسات الدينية كالمساجد، والمدارس والمكتبات والحسينيات والنوادي الإسلامية وما أشبهها.

فإن التفاف الناس حول المراجع والمؤسسات خطوة كبيرة إلى احياء الإسلام والفضيلة، وهادم كبير للمفاسد الخلقية، والزيغ العقيدي والإنحرافات العملية، فإن النفس تكتسب لون المحل الذي ترتاده، ولون الإنسان الذي تزوره، فإن داوم الإرتياد والزيارة، صار اللون ملكة وثابتاً، وان لم يداوم بقيت في نفسه منهما ذكريات خيّرة.

كالريح آخـذة مما تمـر به نتناً من النتن أو طيباً من الطيبِ

هذا بالإضافة إلى ثواب الآخرة، ففي الحديث: ( من جلس عند العالم لحظتين، وتعلم منه مسألتين بنى اللّه له جنّتين، كل جنة أكبر من الدنيا مرتين).

وفي حديث آخر: ( النظر إلى وجه العالم عبادة)(8).

عدم الدخول في الخلافات الاجتماعية

لابّد في كل مجتمع أن يكون هناك خلافات بين الناس، خلافات تافهة، أو خلافات عميقة.

فمثلاً: من الخلافات: ان الرزق بالقسمة أو بالهمّة، أو أن الزوجة بالحظ أو بالإختيار أو ما أشبه، وكذلك قد يكون الخلاف من قبيل الخلاف في ان العالم الفلاني الذي مات منذ قرن انسان طيب أو خبيث، أو من قبيل ان هذه المحلة أفضل ام تلك، إلى غيرها.

ومن الضروري على العالم ان لا يدخل في أمثال هذه الخلافات فأنها خلافات تضر العالم إذا دخل فيها لانشقاق الناس عليه، ولا تنفعه، فاللازم ان يتجنبها بكل ذكاء ولباقة.

ثمّ: إذا تمكن فاللازم عليه التقليل منها والحد من نشاطها والتوجيه إلى الصحيح الذي ينبغي اتباعه بكل لطف ولين.

ومن هذا القبيل، ان هناك اناساً ـ في المجتمع ـ ينقسم الناس حولهم فمن مؤيّد ومن مخالف فاللازم على العالم أن يجتنبهم بدون محاربة وأن يحفظ لسانه وحركاته من ابداء المخالفة أو الموافقة لهم، فإن ذلك أيضاً يوجب انشقاق الناس عليه بدون ان يستفيد من وراء ذلك أية فائدة.

إصلاح ذات البين 

ورد في الحديث الشريف: ( اصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة )(9) فعلى الوكلاء ان يهتموا للإصلاح بين المؤمنين في اي خلاف قد يحدث بينهم، فيما بين الاخوين، والشريكين والعاملين، وبين هيئتين، وحسينيتين، وتنظيمين، وقبيلتين، وغير ذلك.

ان جمع الكلمة من أهم اسباب رقي الاُمّة، كما ان الخلاف والتفرقه من أهم عوامل السقوط.

قال سبحانه: ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم )(10).

التطهيــرالاجتماعي 

لقد اصبحت حالة المسلمين بحيث تجد في كل بلد وقرية، بل وبرية، منكرات كثيرة أو قليلة، تجاهر بخرق حرمات الإسلام، وتجلب إلى حضيرتها الفتيان والفتيات، بل وكثير من الأحيان الشيوخ والعجائز أيضاً، والمنكر بطبعه توسعي، فاللازم على العالم ان يبدء بمكافحة المنكر، وتطهير البلاد منه، وإذا خطط العالم وفكر واستشار واستعان بالأعوان، في رفع المنكرات، كثيراً ما يوفق لإزالتها أو التقليل منها.

وهذا من اوجب الخدمات التي يلزم على العالم القيام بها، فإن ازالة المنكر خدمة إسلامية، وتضفى على العالم هيبة كبيرة في النفوس، وتوجب التفاف الناس حوله وتحفظ الإجتماع عن الإنزلاق.

المجاملة مع حفظ الموازين الشرعية 

ان المجتمع يسري ويتحرك، ان خيراً فخير، وان شراً فشر، ولا بد من اُناس يتقدَّمون، سواء شاء العالم أم أبى، اما إذا جرى المجتمع نحو تقديم الصالح، وتكمن عالم البلد من تقديمه، فبها ونعمت، واما إذا رأى العالم الإتجاه بما لا تشتهي السفن، وعرف بوادر تدل على تقدم الطالح، فاللازم حينئذ استثمار الفرصة، بأن يلقي السلام معه، ويجامله ـ في حدود لا تضر بدينه أو دنياه ـ حتى إذا وصل إلى المركز المرموق، وأخذ بيده الزمام لا يكون معادياً، أو إذا كان معادياً، لا يكون مظهراً للعداء، فإن المجاملة مع حفظ الموازين الشرعية، من اسباب الحد من نشاط المخرّب ـ غالباً ـ.

وقد قال احد الحكماء: ( إذا رأيت العدو ينافق فلا تجاهره بالعداء، فإن بقائه منافقاً، يظهر الصداقة، ويهدم باطناً، خيرٌ لك من ان تجاهره بالعداء، ليظهر العداء ويهدم ظاهراً وباطناً ).

واننا نجد في التاريخ ان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم صلى على جنازة المنافق المعروف ( اُبيّ بن كعب )، وكان يحضر درس الإمام الصادق عليه السلام مختلف الأصناف فلم يجدوا منه إلاّ الأخلاق الكريمة والمعاملة الحسنة، والأمثلة على ذلك كثيرة.

التزين والبعد عن المنفرات 

من آكد الامور على العالم ان يكون بعيداً عن المنفرات، مهما كان المنفر ضئيلاً، فإن نفرة الناس عن العالم توجب فشله، وعدم وصوله إلى مهمته.

فعليه ان لا يكون بين الناس وقد أكل الثوم والكراث والبصل.ولا يكون وسخ الثياب والجسم والفرش والدار.ولا يكون ذا رائحة كريهة لعرقٍ، أو استعمال صابون يعطي رائحة كريهة، ويواظب على نظافة أسنانه، وتعديل شعر لحيته، واستعمال العطر، ولتكن عمته معتدلة لا بالغة في الكبر، ولا بالغة في الصغر، وإذا اشترى شيئاً، أو أراد أن يبيع شيئاً فلا يداق في المعاملة مما يسقط هيبته، ولا يخوض مع الناس في مباحثات ومجادلات عقيمة، وليواظب على جمال نفسه، وجمال ما يتعلق به. ففي الحديث: ( ان اللّه جميل يحب الجمال)(11).

وحيث ترك بعض هذه الاُمور ظن بعض الناس بالعلماء بعض الظنون، وقالوا: ان الدين يصلح للموت لا للحياة، ولو طالع الإنسان سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلم انه كيف كان يواظب على النظافة والاناقة والجمال لرأى شيئاً غير مألوف عند بعض من الناس..

وبالجملة على العالم ان يواظب أكبر المواظبة لان يكون المثل الاعلى في النظافة والاناقة، حتى لا ينفض الناس من حوله، أو يظنوا أن الإسلام لا يراعي هذه الجوانب من الحياة، أو يروا في من عدا المسلمين وعلمائهم، كون النظافة، والجمال والنظام أكثر، فيميلوا إلى اُولئك، ويكون وبال هذا الأعراض على جانب المسلمين.

وينبغي للعالم ان يهتم بعد ذلك بنظافة المسلمين وجمالهم وأناقتهم، كنظافة البلد، وجمال المدينة ـ بالحدائق والعمارات المتراصة والشوارع الفسيحة المبلطة ـ إلى غيرها.. وغيرها..

ليكون مظهر بلاد الإسلام ومظهر المسلمين بالذات، كما أمر الإسلام وجاء في روايات متواترة مذكورة في كتاب ( الطهارة )، وكتاب ( احياء الموات)، والكتب المعدة لذكر الآداب الإسلامية..

والعالم بما انه مطاع يُسمع منه يتمكن ان يؤثر أثراً كبيراً خصوصاً إذا سألهم بنفسه في هذا الجانب المهم من الحياة.

التمسك بالمظاهر المسنونة 

ينبغي للعالم ان يواظب على المظاهر المسنونة، التي تحفز الناس إلى الإعتقاد باللّه، والتمسك بالدين، كأن يواظب على وجود ( الأذان) في المدينة بحيث يسمع كل الأهالي الاذان، فإذا كانت المدينة كبيرة، واحتاجت إلى عدة مؤذنين نصب في كل ركنٍ مؤذناً.. وان يواظب على وجود (التمجيد) في كل ليالي السنة فإن التمجيد يوقظ القلوب، ويقرب الناس إلى اللّه، وان يواظب على قراءة دعاء الندبة في صباح الجمعة، والسمات في عصرها، والكميل في ليلها، وادعية الاشهر خصوصاً أدعية شهر رمضان ليلاً ونهاراً.. وان يواظب على وجود هيئات للمساجد وغيرها، لتعليم القرآن والمسائل الدينية والأخلاق والآداب مجالس ( رجالية ونسائية) إلى غيرها.. وغيرها.. وقد تقدم الالماع إلى ذلك سابقاً.

الإستشارة الدائمة 

ينبغي للعالم ان يكون دائم الإستشارة مع أصحابه الذين انتقاهم ليكونوا امناء سره، ومطلعين على أمره، فإن الإنسان مهما كان عارفاً وملتفتاً، لا بد وان يجهل اشياء كثيرة، وتخفى' علـيه اُمــور متعـددة، والإستشارة تكـشف النـقاب عـن الخفايا والغوامض، فيكون العمل انفع، والوصول إلى الهدف أقرب.

هذا بالإضافة إلى ان الإستشارة تولد في الإنسان روح التواضع، وروح المناقشة الصحيحة، وكلاهما مما يحتاج إليه العالم في أهدافه واعماله، فإن الذي يدخل في الامر بروح التواضع يتبين له ما لايتبيّن للذي يدخل في الأمر بروح الكبرياء والإستعلاء. وكذلك الذي يعتاد مناقشة الاُمور يكون احرى باصابة الحقيقة من الذي يدخل بمجرد ان تعين له امر، أو تظهر له واجهة.

ثم ان المستشير يربح ربحاً كثيراً وهو: انّ عمله إن كان صحيحاً وجد أنصاراً مدافعين مؤيّدين، وإن كان خطأً وجد اُناساً يتحملون عبأ المسؤولية، وأعظم بهما من فائدة.

وقد ورد في الحديث:

(أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله).

و: ( ما خاب من استشار).

و: ( من استبدّ برأيه هلك)(12).

تقدير الناس 

من الاُمور اللازمة على العالم، تقدير الناس حق قدرهم، فإن لكل انسان مقداراً، ان جعله العالم فوق قدره، ظلم العالم نفسه، وان جعله دون قدره، ظلم العالم ذلك الإنسان..

بالإضافة إلى ان التقدير المخالف، يوجب تجرئة الصغار، وتجميد الكبار وفي كل ذلك عطبٌ وخبال، فللمثقف مقدار، وللتاجر مقدار، وللواعظ مقدار، وللموظف مقدار، ولشيخ العشيرة مقدار، وللشاعر مقدار، وهكذا.

ثمّ ان معرفة الناس، ومعرفة مقاديرهم وما يليق بهم، صعب لا يتأتّى إلاّ بجهد ومراعاة وطول تفكر واستشارة، فعلى العالم ان يجعل من برنامجه هذا الموضوع، ليتمكن من خدمة الإسلام أكثر فأكثر.

الاطلاع على أحوال المسلمين 

ينبغي للعالِم ان يكون دائم التطلع على أحوال العالَم بمختلف قطاعاته، واتجاهاته، وحركاته، وخصوصاً إلى احوال مسلمي العالم، ثمّ بعد ذلك يجند نفسه لخدمة المسلمين في مختلف شؤونهم وقضاياهم، واسعافهم في مشاكلهم ونكباتهم، بقدر الإمكان، ببرقية أو وساطة، أو لقاء سفير، أو ارسال عون، أو تحريك السلطات المحلية لإسعاف المنكوبين والمظلومين، إلى غيرها من وسائل الدعم والعون.

وأمثال هذه الاُمور وإن كانت سهلة صغيرة بالنسبة إلى العالم ـ خصوصاً إذا كان عالماً ذا مكانة مرموقة ـ لكنها ذات فوائد جمة بالنسبة إلى المظلومين والمنكوبين.

توجيه الناس وقيادتهم لأماكن العبادة ومواسمها 

ينبغي للعالم ان يوجه الناس إلى أمكنة العبادة والطاعة، كالحج ومشاهد الأئمة الطاهرين عليهم السلام والمساجد المهمة: كمسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومسجد القدس، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة، ومشاهد الأنبياء عليهم السلام ، ومقابر المسلمين الموجبة للعبرة والزهد.

كما ينبغي للعالم ان يوجههم إلى أزمنة العبادة، كشهر رمضان المبارك والمواسم الدينية كشهري محرم وصفر، إلى غير ذلك، فإن التفاف الناس حول هذه المراكز، وحول تلك الأزمنة، يعود اليهم بفائدة مزدوجة: فائدة التطهير والتزكية، وفائدة قوة شوكة المسلمين، بالإضافة إلى الثواب الذي أعدّه اللّه سبحانه للحاج والزائر والصائم ومن اشبههم. وفي القرآن الحكيم: ( ومن يعظِّم شع

ائر اللّه فإنَّها من تقوى القلوب)(13).

إقامة الاحتفالات والمناسبات 

ينبغي للعالم حفظ المناسبات الدينية، بعقد احتفالات بمناسبة الأعياد، وتأبينات بمناسبة الوفيات، فانه احياء لذكرى المعصومين عليهم السلام، وبدوره يؤثر في اتخاذ الناس، للائمة عليهم السلام، اسوة وقدوة.

وهذه خطوة نحو الهدف، بالإضافة إلى انه يوجب التفاف الناس حول العالم، مما يساعده على نشر الإسلام وهداية الانام وترويج الأحكام.

(1) بحار الأنوار : ج 95 ص 320 ح 3 ب 4ـ بحار الأنوار : ج 97 ص 342 ح 33 ب 4 .

(2) سورة الأحزاب ، الآية : 21 .

(3) راجع بحار الأنوار : ج 100 ص 219 ح 14 .

(4) سورة السبأ ، الآية : 13.

(5) سورة آل عمران ، الآية : 159 .

(6) سورة الأعراف ، الآية : 199 .

(7) راجع بحار الأنوار : ج 13 ص 21 ب 2 ـ راجع بحار الأنوار : ج 72 ص 458 ب 93 .

(8) بحار الأنوار : ج 1 ص 195 ح 14 ب 2ـ من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 205 ح 2144 ب 2 .

(9) بحار الأنوار : ج 73 ص 43 ح 2 عن الرسول (ص) .

(10) سورة الأنفال ، الآية : 46 .

(11) بحار الأنوار : ج 70 ص 192 ح 1 ب 130 .

(12) بحار الأنوار : ج 72 ص104 ح 38 ب 49 .

(13) سورة الحج ، الآية : 32 .