الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

خواء المادية و ضرورة التغيير

ترك الغربيون ما جاء في كتبهم الدينية واستخفوا بما ورد فيها من أفكار واهية لا تتفق مع العقل البشرى(1) ، الذي يطمح إلى التطور و الصعود، و هرولوا وراء المادة حيث لم يعرفوا الدين الصحيح.

صحيح أن الدول الغربية قفزت في صناعاتها إلى مستويات خيالية، لم يكن يتوقعها البشر قبل مائتي عام، لكن الصحيح أيضا أن المادية البحتة كانت سببا في حدوث خلأ روحي رهيب و فراغ فكري هائل، لازال المجتمع الغربي يعاني من آثاره، ولذا كثرت الجرائم الإنسانية و الأخلاقية، و لم يستطيع القانون بقبضته الحديدية من ردع الناس عن اقتراف الموبقات و الجرائم، فان القانون لا يكفي في ردع الإنسان عن الموبقات إذا لم يكن له وازع من داخله، و الشاهد على ذلك هو: وقوع مئات الجرائم في أمريكا بسبب انقطاع الكهرباء لثلاث دقائق فقط !.

إن الإقبال على الحياة المادية البحتة، يسبب التكالب على المادة ، و التنازع على الثروة، حيث أن (المادة و الثروة) محدودة، و طموحات الإنسان غير محدودة وكل واحد يريدها كاملة لنفسه، و من هنا انحرف (القانون) أيضا، ذلك انه يخضع المجتمع المادي للأقوياء ممن بيدهم المال و الجاه، الذين يشترون القانون بأموالهم، و يغيرونه كما تتوخاه مصالحهم كما أن الخلأ الروحي يوجب مختلف المشاكل ويسبب أنواع الجرائم.

و السبب في ذلك: أن الإنسان روح و مادة،فالتفريط في أحدهما له نتيجة معكوسة على الجانب الآخر، كما أن الطائرة التي تفقد أحد جناحيها لا يمكنها أن تطير أو تهبط بسلام ؟!.

و لذلك جاء في الرواية (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا و اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا)(2) ، و قال تعالى في محكم كتابه (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة ..)(3).

أن الكنيسة وكتبها الدينية و الأخلاقية عاجزة عن إملاء الفراغ الروحي، الذي يعيشه المجتمع الغربي،ذلك إن الكنيسة لا توفر إلا جانبا ضئيلا جدا من حاجات الروح، و يتضح ذلك بالمقارنة بين القرآن ا الكريم و الأحاديث الشريفة وكتب الأخلاق عند المسلمين، و بين الإنجيل وكتبهم الأخلاقية(4).

و قد شعر العقلاء في المجتمع الغربي بهذه الحقيقة كما - تجد في كتبهم- و هم اليوم يلتمسون المخرج، ولا مخرج إلا بالرجوع إلى الدين الصحيح الذي يزرع في الإنسان خوف الله سبحانه، و إلى الفطرة الإنسانية الرشيدة، قال تعالى : (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)(5) و الغربيون اهتموا بـ ( ما بقوم )(6) دون ما ، (بأنفسهم).

 

أخطاء الرأسمالية والمصير المحتوم

 لو أحصينا عدد المآسي التي تعصف بالبلاد الغربية و بحثنا في أسبابها، لاكتشفنا إن الرأسمالية كانت سببا أساسيا في كل تلك المشاكل، وفي تفاقم الكثير منها.

 فالرأسمالية أفقدت المجتمع الغربي العدالة الاجتماعية حيث تكدست الأموال في جانب، وانحسرت في جانب الآخر، و هذا التمايز الطبقي أدى إلى الفقر، و بالتالي إلى المرض و الجهل و الفوضى والاضطراب و البطالة و اليباب، و ما إلى ذلك(7).

 فعندما يشح المال ويحل كابوس الفقر على مجتمع من المجتمعات، أو على قطاع واسع من قطاعا ته ، فان نتيجة ذلك : أن يصاب ذلك المجتمع بمختلف المشاكل والأزمات ، ذلك لان الفقر معناه : أن يحرم المواطن من حقه في طلب العلم، و يحرم من حقه في تأمين حاجاته الجسدية و...

ونتيجة لذلك : يحقد المواطن على مجتمعه ويتحين الفرص ليثأر منه، مما يورث الفوضى في كل مرافق الحياة .

 و لذا نجد في الولايات المتحدة (ذات النظام الرأسمالي) أكثر من ثلاثين مليون فقير، كما اعترفوا هم بذلك، بينما نجد في التأريخ : انه لم يكن يوجد فقير واحد في حكومة الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام الشاسعة، التي امتدت لتشمل منطقة واسعة من الكرة الأرضية .

و في مستعمرات فرنسا يموت الناس جوعا، بينما في فرنسا تصرف أموال تكفي لسد جوع خمسة و عشرين مليون إنسان على (الكلاب) فقط.. إلى غير ذلك من الأرقام المذهلة و العجيبة في الدول الرأسمالية !.

و مثل هذه الأرقام الغريبة لابد لها أن تحرك مشاعر المصلحين فيضعوا حدا لها، كما وضعوا قبل ذلك حدا للدكتاتورية و استبدلوها بالديمقراطية(8) التي هي أقرب إلى الحرية.

فالاستبداد هلكة للراعي و الرعية، وكما قال الأمام علي عليه السلام : (من استبد برأيه هلك)(9)، بينما الديمقراطية تحمل في أهم جوانبها : الاستشارة كما يقول القرآن الحكيم :

( وآمرهم شورى بينهم)(10) و ( شاورهم في الأمر)(11) و ( تشاور)(12) ، و إن كان بين الشورى عندهم و بين الشورى في الإسلام بونا كبيرا، حيث أن الشورى في الإسلام أقرب للفطرة(13). ‏

من هنا فان أحد أسباب تقدم الغربيين رجوعهم إلى (الفطرة في إدارة الحكم)، فقد أخذوا بالشورى نوعا ما، وتركوا الاستبداد، فتقدموا على غيرهم و سادوا العالم بإمكاناتهم.

و بناء على ذلك فاني أتنبأ : بانهيار الرأسمالية لأنها تتعارض مع الديمقراطية التي يدعونها حيث أنهم يستخدمونها كعامل حاسم في الانتخابات و غيرها لصالح الطبقة الأكثر ثراءً، و هذا ممّا لا يتفق مع الفطرة الإنسانية السليمة. 

أثر السياسية الأستعمارية على الشعوب

 ليس في طبع الإنسان وفطرته أن يسمح لنفسه في الاعتداء على الآخرين و الاستيلاء- عبر التآمر أو الخداع أو القوة- على ممتلكاتهم و ثرواتهم و دولهم،كما بين ذلك في علم الأخلاق، وإذا وجدت هذه الحالة العدائية في ذهنية الإنسان و سلوكه، فإنها حالة استثنائية لا أساس لها في واقع الإنسان و وجدانه، و لذلك ترى السراق و قطاع الطرق و المجرمين و أمثالهم يعدون من شواذ المجتمع، وترى المجرم يوبخه ضميره و يؤنبه وجدانه عندما يعود إلى وعيه و فطرته، و قد اعترف بهذا الانقلاب الباطني الكثير من المجرمين و المذنبين، حينما امتثلوا أمام القضاء وحينما ثابوا إلى رشدهم.

و لا شك أن في عالمنا المعاصر نماذج شريرة تضاهي في طبعها و سلوكها الفراعنة، و الحجاج،وهارون العباسي، و أشباههم من الطغاة، لكن هؤلاء أيضا أنبهم ضميرهم في لحظة معينة، عندما عادوا إلى وعيهم ورشدهم و فطرتهم الإنسانية، فقد قال فرعون قبل موته بلحظات : ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل)(14) و قال هارون : ( يا ليتني كنت قصارا و لم آل الخلافة )، بينما صاحب الفطرة السليمة كالإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام، قال عكس ذلك : ( فزت و رب الكعبة)(15). ‏

بهذه المقاييس تتضح أن الحالة الاستعمارية، هي الأخرى تخالف طبيعة نفس المستعمر، و تخالف طبيعة عقلاء بلاد المستعمرين كما تخالف طبيعة الشعوب الواقعة تحت سلطة الاستعمار و لذلك سقطت الأنظمة الاستعمارية العسكرية في أغلب الدول، و لم يبق بعد زوال الاستعمار العسكري سوى الاستعمار الاقتصادي والاستعمار الثقافي- بما انهما أسوء من الاستعمار العسكري ‏ـ.

أما الاقتصادي : فلانه يحفظ مصالح المستعمرين ماليا و نقديا فان سقوطه بحاجة إلى نضج و وعي من عقلاء بلادهم لمعالجة أنفسهم من أمراض الطمع و الحرص والجشع، و على المستعمرين أن يستفيدوا من تجربة اليابان بعد خروجها من الحرب العالمية الثانية و دخولها في ميدان التنافس الصناعي .

 فبدلا من سرقة ثروات الدول الأخرى- خاصة في البداية- طورت اليابان صناعاتها حتى احتلت المركز الأول في أسواق التصدير العالمية.

و أما الثقافي : فاللازم على الغرب تصحيح النظرة الخاطئة التي تتصور أن ثقافة المستعمر أفضل من كل الثقافات، فثمة ثقافات لاشك أنها أرقى من ثقافة المستعمر لكنه لم يسمح لها بالتوسع والانتشار.

و لذا فان في الدول الاستعمارية من يدعوا إلى الحرية الثقافية و الاقتصادية، لسائر الدول، و قد طرحوا مشروع ( الاعتماد على الذات) في إدارة عجلة الاقتصاد بدلا من نهب ثروات الآخرين، و مشروع التبادل الثقافي بدلا من خنق الثقافات الأخرى(16) ‏. 

‏سياسة الاستعلاء والقطبية الأحادية

 من العوامل التي تدفع الغرب نحو التغيير الضغط الجماهيري ، ضد حالة الاستعلاء على الشعوب الأخرى ، التي أصيب بها الغرب منذ زمن بعيد و حتى اليوم، ذلك لان الإنسان يرفض بطبعه كل من يستعلي على الأرض، و يتكثر على أبناء جنسه، و لا فرق بين أن يكون المستعلى شخصا، أو حزبا، أو نظاما، أو دولة.

و قد أدرك كثير من الغربيين ذلك من السخط الجماهيري من حالة الاستعلاء، و أصبحوا يرون أنفسهم انهم مخيرون بين أن يتركوا الاستعلاء، ليبقى لهم شيء من السيادة، و بين أن يتحفضوا بهذه الحالة فيفقدوا كل شيء. و لا أظن أن العقلاء في الغرب يرجحون الثاني،فان ترجيح الأهم على المهم هو من دأب كل عاقل.

بهذا المفهوم و لنفس هذه الأسباب، تحولت قديما الدكتاتورية الغربية إلى ديمقراطية، لكن الفرق:إن الدكتاتورية مسألة داخلية، و اللازم أن، تسري هذه المسألة إلى الخارج، لتقضي على شبح الاستعلاء و الاستغلال والاستعمار.

لقد تحطمت قديما كل الدكتاتوريات في العالم ،وكان آخرها :تحطم إيطاليا الفاشستية ،وألمانيا النازية، وروسيا القيصرية ،وبريطانيا التي لم تكن الشمس لتغيب عن مستعمراتها .

 فهل يمكن بعد ذلك أن تبقى أمريكا سيدة الموقف ، وان تكون هي القوة العالمية الوحيدة ، التي تدعو الناس إلى الاعتراف بها كقطب أوحد ‏؟!.

الجواب : كلا ‏!

لان فطرة الناس هي التي تدعوهم إلى التحرر ، كما أشار إلى ذلك علي (عليه السلام ) بقوله (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا )(17) وفطرتهم هذه تجرهم أخيرا إلى خوض المعركة للقضاء على كل أنواع الاستعلاء و على هذا الأساس: فاللازم على الولايات المتحدة و غيرها من نظائرها التخلي عن حالة الاستعلاء قبل فوات الأوان، و قبل السقوط المحتم، الذي انتهى إليه حلفاؤها في السنوات القليلة الماضية، فان التغير من سنن الله في الكون، كما يدركه جميع العقلاء.

و عليه فإذا تحطمت قلاع التكبر و الاستعلاء، فلابد من وضع برامج لتتبدل حالة الاستعلاء إلى حالة التعاون والاخوة، فيتعاون الناس على الخير و المحبة و ذلك كله مع قطع النظر عما نعتقده نحن من أن الإسلام كنظام متكامل هو المنهج الوحيد المتطابق مع العقل و الفطرة في كل جوانبه، و هو الكفيل بإسعاد البشرية في كل الأبعاد، و لابد أن تنتهي البشرية إلى هذه الصيغة الإلهية عاجلا أم آجلا ( ليظهره على الدين كله..)(18). 

سياسة التجسس والخيارات البديلة

 مع توسع دائرة المخابرات العالمية، صار الإنسان يشعر بأنه مراقب و مطارد، و مطلوب للتحقيق، و مؤاخذ للتعذيب، بلا سبب أو جرم!.

أن طبيعة الناس و فطرتهم ترفض أن تهدر كل هذه الأموال لمطاردة الإنسان و تخويفه، بدلا من إسعاده واستقراره.

نعم، مراقبة الموظفين كي لا يقصروا في أعمالهم وخدماتهم، كما فعل الإمام علي عليه السلام في فترة حكومته، فقد قال الإمام علي عليه السلام في عهده لواليه على مصر مالك الاشتر: ( ثم تفقد أعمالهم (الولاة) وابعث العيون من أهل الصدق و الوفاء عليهم، فان تعاهدك في السر لأمورهم، حدوة لهم على استعمال الأمانة و الرفق بالرعية. .) (19)  ، و يصح مراقبة- الأعداء الحقيقيين، لا الأعداء الوهميين لاسباب شخصية أو تافهة!- لتوفر الأمن، و حماية الوطن من شرهم وكيدهم و تخريبهم، و لكن هل يصح أن يراقب المواطن و يأخذ بالتهمة و الظنّة؟!.

إن هدر الأموال الطائلة في دائرة التجسس، لهو أشد خطرا على المجتمع الذي يعاني الفقر و الفاقة و الحاجة إلى المال، من خطر الوباء و الأمراض الفتاكة.

لقد صار التجسس في كثير من دول العالم الثالث آلة بيد الحكام الدكتاتوريين لضرب الأحرار من أبناء المجتمع وقمع الأبرياء منهم، بل وأصبح وسيلة لضرب المسلمين و إبقاء عملاء الشرق و الغرب أو الدكتاتوريين في أريكة الحكم.

إن التجسس المتداول في الغرب يعتبر اليوم من مخلفات القرون الوسطى الذي أحكم سيطرته و انتشر بعد الحربين العالميتين الأولى و الثانية، و قد اشتد في فترة قيام الحرب الباردة بين الشرق و الغرب، و غير خفي على المراقب العون الكبير الذي تمده العديد من الدول الغربية بشكل أو بآخر لاستخبارات كثير من دول العالم الثالث.

 لكنه سقطت كل مبررات التجسس- حتى المتوهمة- في الوقت الحاضر، و لذا يلزم للغرب وان يرفض التجسس، و أن يرجع إلى فطرته، ليعود الناس أحرارا كما كانوا وكما شاء الله لهم، و قد قال تعالى: ( ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا)(20) ، و قد وردت روايات كثيرة في الردع عن التجسس، فينبغي أن يوظف المجندون في دوائر الأمن في خدمة برامج البناء و العمران و التصنيع الاقتصادي بدلا من هدر جهودهم، وصرف أموالهم، في قضايا عدوانية وتخريبية تضر بالمجتمع و الوطن.

و يلزم إلغاء هذه ا لدوائر إلا بقدر الضرورة ، و لعل الضرورة لا تتجاوز الواحد بالمأة من الحجم ا لحالي أو اقل من ذلك.

أن الطريقة المثلى لإلغاء هذه الدوائر تتمثل في تعيين لجان لتقليص ذلك تدريجا ، تقسم هؤلاء الموظفين ‏‏ الجدد على دوائر اقتصادية و اجتماعية و سياسية، تحرك عجلة اقتصاد الدولة، و تقدم البشرية إلى الأمام. 

‏الحريات الناقصة

 لا ينكر أحد أن في الغرب ألوانا من الحرية لكنها حرية ناقصة في مقابل الحريات الإسلامية الكاملة و الشاملة(21) ‏.

و لذا فان العديد من عقلاء الغرب يفكرون بطريقة وأخرى: تطبيقها بالكامل، و مع أن ذلك يحتاج إلى جهد كبير، إلا إن بالإمكان تحقيق ذلك.

و يساعد على هذا التطبيق أمور كثيرة، منها : أن الله خلق الإنسان حرا إلا فيما يضر بنفسه أو بالآخرين.فمن حريته التي يصبوا إليها: الحرية في الزراعة، و التجارة، والصناعة، والعمارة، و السفر، و الإقامة، و حيازة المباحات ، و الملبس، و المركب، و المأكل، و المنكح، والمجلس، و التحرك و السكون ،الاستقرار و ما أشبه ذلك، قال تعالى :

( يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(22).

لكن السؤال : هل يوفر الغرب كل هذه الحريات بالوجه الأكمل؟.

الجواب : كلا.

فانه لو قيست الحرية الإسلامية بالحرية الغربية لوجدنا البون الشاسع بين النموذجين(23) ‏.

فالإسلام أعطى الإنسان كل الحريات إلا ما يضر بنفسه دينا و دنيا أو ما يضر بالآخرين و يعرضهم للخطر، بينما الغرب جعل قوانين لتحديد الحرية لا حسب صلاح الفرد و المجتمع و إنما حسب أهواء الحكام و المقننين ومن إليهم .

و قد يرد الإشكال إن أغلب البلاد الإسلامية تفتقر لأبسط الحريات، و هي قياسا للدول الغربية من حيث توفر الحريات، كمن يقيس ضياء عود ثقاب بضياء المصباح الكبير المتوهج.

لكن الإشكال مدفوع: بان أغلب البلاد الإسلامية،التي تسير في ركب السياسة الغربية، لم تطبق الإسلام بوجهه الصحيح، بل لم تعرف من الإسلام شيئا إلا الاسم؟ و إن بعض حكام المسلمين أبخل من الحكام الغربيين في منح الناس حرياتهم، كما يقول المثل ‏:

(السلطان يهب و خادم السلطان لا يهب ).

إن الكلام يدور حول منهج الإسلام و قوانينه التي نزلت من السماء و بينها الرسول و آله المعصومون عليهم السلام وقام بتطبيقها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم و الإمام أمير المؤمنين ،عليه السلام، فترة حكومتهما(24).

ولا زلت أتذكر الأيام التي سبقت الحرب العالمية الثانية التي طبقت فيها قوانين الإسلام في العراق إلى حد ما- حيث كان كل شيء حرا إلا المحرمات و مواردها قليلة جدا، فضلا عن إن المحرمات ليست ضرورية للإنسان بل لها ثمة بدائل أخرى، بإمكان الناس الاستفادة منها بدلا من المحرمات، فبدلا من الخمر و الميسر و الزنا و الربا، ثمة حلول أخرى كالألعاب المسلية و السياحة، و السبق والرماية و الزواج، و المضاربة، و هي أمور لا تضر بالمجتمع، في حين تضر المحرمات بالمجتمع و تدفعه إلى المشاكل و الانقسام.

و إذا وعى الغرب ذلك فانه سيلتزم بقوانين الإسلام التي تتوفر فيها جميع الحريات، كما أخذ سلفهم بقوانين الإسلام في النظام و النظافة و المشورة، و بها توصلوا إلى .ما توصلوا إليه من التقدم الحالي ‏. 

‏أخطار سباق التسلح

 من الأسباب التي تدعوا إلى تغير الغرب عما هو عليه : هو السلاح و التسابق فيه، فانه أينما أحرز وجود السلاح انقطعت لغة الحوار على الأغلب، فضلا عن انه يهدر الأموال، و يفقر البلاد، و يسبب التضخم و.. و أما إذا استخدم السلاح فهو يصيب بنيرانه كافة مرافق الحياة العمرانية و الاقتصادية و البيئية، فهل ذلك من العقل في شيء؟!.

إحدى التقارير التي وردت عن (الاتحاد السوفيتي) السابق ذكرت بأن هذه (الدولة) كانت تملك ما يكفي لإبادة : الحياة على وجه الأرض عشرين مرة!!.

 فهل نفعت هذه الأسلحة في الوقوف أمام تمزق هذه ا لدولة ؟!.

لقد ابتلي العالم في القرن الأخير بحمى سباق التسلح، و هدر المليارات من أجل التفوق العسكري وبذل أرقام خيالية من الثروات العامة لتدمير الحياة تدميرا خياليا .

و لو ضغط الرأي العام العالمي على أن يبدل الرؤساء ، آلة الحرب و الهدم بآلة السلم و البناء لكان للعالم اليوم وجه آخر و صورة أخرى تخلو- إلى حد كبير- من الفقر، و الجهل، و المرض، و الفوضى، و البطالة و.. .

 و قد لا يصدق أحد : أن يتخلى العالم عن ترساناته العسكرية و النووية في الوقت الحاضر، لكن العقل يحكم بذلك في السنوات القادمة، خاصة بعد توقف برنامج حرب النجوم و ذلك النمط من السياق على التسلح، فإذا صار العقل سيد الموقف، انهارت تلك المؤسسات العسكرية، و نشأت مكانها المؤسسات العمرانية و الاقتصادية التي نحن اليوم في أمس الحاجة إليها.

من كان يصدق : أن يتخلى الرئيس عن منصبه كل ‏‏ عدة سنوات بعد أن كان لا يتخلى عنه ألا القبر أو بحدوث انقلاب عسكري أو ثورة جماهيرية فلولا الصحوة الجماهيرية وضغوط الرأي العام الذي ساق الكثير من الدول نحو الديمقراطية، لما رأى أحد من الديمقراطية في بلد عين و لا أثر.

فإذا كان من الممكن في إدارة الحكم، التحول من الاستبداد إلى الحرية، فان من الممكن توفير نفس العوامل و المقومات لنزع السلاح أيضا و ما ذلك على الله بعزيز ببعيد!.

و لقد قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:

 (الناس صنفان: إما أخ لك في الذين، أو نظير لك في الخلق)(25) ، فهل بعد ذلك من (العقل) و (الخلق الكريم) صب و ابل من النيران على هؤلاء الناس الذين هم إما اخوة لنا، أو نظراؤنا في الخلق ‏؟.

‏سياسة الدولة والاحتكار غير المباشر

 كانت الدولة في (الاتحاد السوفياتي) السابق لها اليد الطولى والأولى في كل شيء !.

 فقد كانت تضغط على الناس و تتدخل في كل صغيرة وكبيرة لفرض،سيطرتها الكاملة، وكان الهدف من وراء ذلك الضغط تمركز القوة و القدرة في أيدي فئة قليلة، سلبت حريات الناس و تحكمت في الفئة الكبيرة كيف شاءت، و لذا انفجرت الجماهير في أقرب فرصة ممكنة، لتعلن عن غضبها و سخطها على رجال الدولة الذين ضيقوا عليهم الخناق و حكموهم بالحديد و النار.

 و الغرب و إن لم يكن بهذه القساوة في الحكم، نظرا لمرونة الحكم و توفر جانب من الحريات، و تفويض كثير من الأمور إلى الناس، إلا انه فرض هيمنته على قطاعات عريضة من الشعب عبر تضليل الرأي العام بما يناسب متطلبات الدولة.

كما إن كثيرا من الأمور احتكرها- و لو بطريقة غير مباشرة- كبار الرأسماليين لأنفسهم و حرموا- بطريقة أو بأخرى- عامة الناس منها، و هكذا نجد في الشرق تمركز القدرة بيد واحد، هو رئيس الحزب، أو أفراد يعدون على الأصابع.

و في الغرب نجد تمركز القدرة في العديد من الأبعاد ، بيد ثلة من كبار الرأسماليين، و اصحاب الشركات الكبرى، والفئات الضاغطة (اللوبي)، و لذلك فقد خالف العقلاء السياسة الغربية، و اعتبروها خلافا للفطرة الإنسانية ، والعقل البشري، و صاروا يطمحون إلى التغيير.

أن الدولة في منطق العقل و التشريع الإسلامي(26) مشرفة على أمرين :

 الأول : تحقيق العدالة الاجتماعية في كل جوانب الحياة، و بدء بالعائلة، و مرورا بالمعاملات، و انتماءا بالقضاء، لكي يعيش الإنسان في أمن و سلام .

الثاني : السير بالأمة نحو الأمام ، و قد ورد في الحديث :

 ( الإسلام يعلو و لا يعلى عليه)(27) و العلو الظاهري لا يتم إلا بتوفر الأسباب التكوينية، و من أهم الأسباب : إسهام الدولة- بما للكلمة من معنى- في عملية السير بالأمة نحو الأمام. و قال سبحانه : ( و سارعوا إلى مغفرة من ربكم )‏(28).

و قال جل ذكره : ( فاستبقوا الخيرات )(29) ‏.

أما في غير ذلك، فالأمر موكول إلى الناس وحرياتهم فهي الحاكمة في كل الموازين.

فاللازم أن تكون المطارات و المؤسسات و المعاهد و المعامل و المستشفيات و الحدائق، بل و حتى إدارة السجون بيد الناس، و أن تفتح أبواب التنافس اكثر فاكثر.

 و الفرق بين الناس و الموظفين: أن الأخير لا يعمل بحرارة و شوق الإنسان الذي يعمل لنفسه، كما هو شأن كل موظف يحاول أن يقضي أوقاته بطريقة ما.

فالأمور إذا لم تأخذ طابع الجمود في نظام الوظائف ، فهي على الأقل تأتي متأخرة و بطيئة.

نعم، إذا تعارضت الحرية و التقدم، فاللازم أن يجمع بينهما حسب قاعدة (الأهم و المهم)(30) ، فان النظم يخالف الحرية- و لو من بعض الجهات-، كما إن الحرية تنافي النظم كذلك :

مثلا : حرية المرور تنافى و تخالف قواعد المرور، و بالعكس أيضا..

فاللازم توفير الحرية إلا بمقدار الضرورة و المزاحمة بالأهم ، حيث أن الحرية المطلقة تؤدي إلى الفوضى والاضطراب و الهرج و المرج، و تستلزم أيضا نقض الحرية المطلقة!.

القوانين الدولية ولامنطقية التشريع

 من الضروري على الغرب : أعادة النظر في قوانين الأمم المتحدة، التي هي أقرب في العديد من موادها وبنودها إلى العنف و اللامنطق منها إلى السلام و المنطق، وفي المثل : ( تتمكن أن تصنع بالسلاح كل شيء، لكنك لا تستطيع أن تجلس عليه )!.

 و لابد أن يحصل التغيير من وجوه عديدة.

الوجه الأول : إلغاء قانون حق النقض : (الفيتو) لانه يعتمد على منطق القوة لا قوة المنطق.

الوجه الثاني : إلغاء قرار التساوي بين الحكومات والدول في آراءها و لو كانت إحداها ذات مليون نسمة والأخرى ذات مائة مليون نسمة.

أليس معنى ذلك : أن الواحد يساوي المائة؟ فاللازم ملاحظة النسبة، ومن الواضح : ان الهيئة الاجتماعية ليست شيئا متأصلا بازاء الأفراد.

الوجه الثالث : إلحاق قرار ينص على التصدي لأية حكومة تعتدي على شعبها و بالعكس إلى جانب قرار مجلس الأمم القائل بالتصدي لأية دولة تعتدي على دولة أخرى، فان عدم إلحاق القرار الأول بالقرار الثاني بحجة أنها قضية داخلية، بعيد عن العقل والمنطق ،‏ وشبيه بمن يقول : ( إذا ضرب الأب ولده أو الولد أباه، لا شأن لنا بهما لانهما من بيت واحد، أما إذا ضرب الجار جاره، تدخلنا لإنقاذ المضروب و المعتدى عليه).

 و هذه المآخذ الثلاثة تؤخذ على (التقنين) و (التشريع) بالنسبة إلى قوانين و قرارات مجلس الأمم لكن ألا سوء من ذلك كله هو: (الزيف الدولي)، و النظر إلى الأحداث بمنظارين و الكيل بمكيالين.

و مثل هذا، مثل الحكومة التي تدعي الديمقراطية وتطبق الدكتاتورية، و تدعي الإنسانية و تعمل بالإرهاب، وتهتف بالحرية و تبني السجون، وتتشدق بالتعددية ويحكمها الحزب الواحد، و في لسان المنطق إن الإشكال يجري على الكبرى و الصغرى معا ، يعني على القانون و على التطبيق أيضا.

ثم إن الغرب بإمكانه أن يصلح ما فسد من قوانين الأمم المتحدة، و القوانين الدولية، عبر فتح أبواب المنافسة بين الأطراف المعنية بالمسألة فانه إذا كان الغرب لا يمتلك الوازع الديني و الأخلاقي، فالوازع التعددي الذي يؤمن به، يعد ضروريا لعملية الإصلاح و تجربة الأحزاب السياسية خير دليل على تأثير التعددية و التنافس في إجراء عملية الإصلاح.

وإذا أخطأ الحزب الأول أو ظلم أو أفسد، فان الحزب الثاني كفيل بأن يرده إلى طريق الاعتدال، و إذا لم يرتدع فيسقط في الانتخابات! بينما إذا انفرد الحزب بالحكم فسوف يظلم ويظلم و يظلم دون أي رادع أو مانع أن التنافس الإيجابي أفضل وسيلة لعملية- الإصلاح، فلقد .قال سبحانه و تعالى فيمن يرغب دخول الجنة :

( و في ذلك فليتنافس المتنافسون ‏)(31).

 (1) - راجع (ماذا في كتب النصارى) و(هؤلاء اليهود) للإمام المؤلف، وقد تحدث الامام المؤلف عن المادية في الفقه: ( الاقتصاد) و(الاقتصاد الاسلامي المقارن) وغيرهما.

(2) - بحار الانوار: ج44 ص139.

(3) - البقرة: 201.

(4) - راجع (الهدى إلى دين المصطفى (للإمام البلاغي)، و (الفضيلة الاسلامية) للإمام المؤلف (دام ظله).

(5) - الرعد: 11.

(6) - أي بالملازمات والأعراض المرضية التي تضرب كل أمة: كالفقر والمرض والجريمة وشبه ذلك.

(7) - تحدث الإمام المؤلف (دام ظله) عن ذلك بتفصيل في: (الفقه: الاقتصاد) و(الاقتصاد الاسلامي المقارن) وغيرهما.

(8) - من النقاط المهمة التي اتبعها عقلاء الغرب للقضاء على الدكتاتورية

أ ـ نشر الوعي العام عن طريق الكتب التي تتكفل بيان مساوئ الدكتاتورية ومحاسن الديمقراطية.

ب ـ التعددية الحزبية.

ج- الاستشارة في أمور الإدارة والحكم.

د ـ تكريس المؤسسات الدستورية ومنها النقابات والتجمعات الضاغطة.

هـ حرية الصحافة.

و- اقرار نظام فصل السلطات واستقلاليتها.

(9) - بحار الانوار: ج72 ص104.

(10) الشورى: 38.

(11) - آل عمران: 159.

(12) البقرة: 233. وقد اسهب الامام المؤلف دام ظله في الحديث عن الشورى وأدلة وجوبها ومقوماتها في العديد من كتبه، منها:  (الشورى في الاسلام) و(الفقه: السياسة) و(الفقه: الدولة الاسلامية)، كما جرى الحديث حول الفكرة في كتاب: (شورى الفقهاء).

(13) - راجع كتب الامام الؤلف في هذا الحقل ومنها (الصياغة الجديدة لعالم الايمان والحرية والرفاه والسلام) و(الشورى في الاسلام) و(الفضيلة الاسلامية) و (الفقه الدولة الاسلامية).

(14) يونس: 90.

(15) - بحار الأنوار: ج20 ص148.

(16) - تحدث الامام المؤلف (دام ظله) عن الاستعمار في (الفقه: السياسة)، و(الصياغة الجديدة لعالم الايمان والحرية والرفاه والسلام).

(17) - بحار الأنوار: ج74 ص228.

(18) التوبة: 33.

(19) - شرح نهج البلاغة: ج3 ص للإمام المؤلف.

(20) الحجرات: 12.

(21) - تطرق الامام المؤلف إلى الحرية في كتاب (الفقه: السياسة) و(الفقه: الحقوق) و(الفقه: الدولة الاسلامية) و(الفقه: الحرية) و(إلى حكومة الف مليون مسلم) و(الحرية الاسلامية).

(22) - الاعراف: 157.

(23) - راجع (الصياغة الجديدة لعالم الايمان والحرية والرفاه والسلام) للإمام المؤلف دام ظله.

(24) - لمزيد من التفصيل راجع كتاب (الحكومة الاسلامية في عهد الامام علي عليه السلام) للإمام المؤلف وكتاب (السياسة من واقع الاسلام) لأخيه آية الله السيد صادق الشيرازي (دام ظله).

(25) - بحار الأنوار: ج33 ص600.

(26) راجع: (الفقه: الدولة الاسلامية) و(الفقه: السياسة) و(الفقه: الحكومة العالمية) و(من أوليات الدولة الاسلامية) للإمام المؤلف (دام ظله).

(27) - بحار الأنوار: ج39 ص47.

(28) - آل عمران: 133.

(29) البقرة: 148.

(30) - تحدث الامام المؤلف عن اصالة الحرية في (الصياغة الجديدة ) و(الفقه: السياسة) و(الفقه: الدولة الاسلامية) و (من اوليات الدولة الإسلامية)وغيرها، كما اشر في العديد من كتبه منها (الشورى في الاسلام).

إلا ان تحديد أية حرية لا يصح الا بقرار يصدر من (من شورى الفقهاء) المنتخبين من قبل اكثرية الامة، ويلزم أن يكون مؤقتا لا دائمياً.

(31) المطففين: 26.