الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

تبديد الثروات

  ان من الأمور التي أشغلت فكر الكثير من عقلاء العالم هو: الضرر الفادح الذي سيلحق بالأجيال القادمة بسبب استنزاف موارد الطبيعة، و تبديد ثرواتها، و تضييع حقوق الأجيال القادمة، فثمة خوف شديد من أن تستنفذ الأرض خيراتها و مواردها غير الدورية، كالنفط، و الغاز، وغيرهما من السوائل الغنية، و قد أشار الله إلى هذه الحقيقة بقوله: ( خلق لكم ما في الأرض جميعا..)(1) ، حيث يصرح جل وعلا: بأن ما في الأرض مخلوق لكل البشرية في كل الأزمان، فمجموع الثروات لجموع البشرية، لا لهذا الجيل فقط(2)، قال سبحانه: ( و قدر فيها أقواتها قي أربعة أيام سواء للسائلين)(3). ‏

 و لكن عندما دق ناقوس الخطر بدء الغربيون الخناق على الناس و سلبوهم حرياتهم، فاصدروا قرارا بتحديد الإنجاب بدعوى انه يوجب التضييق على الناس في مختلف مناحي حياتهم، مع أن التضييق جاء من الغرب ومن فساد قوانينهم، في حين إن القانون العقلي الذي ذكره الشرع أيضا: يحكم بالحرية البشرية إلا في موارد ثلاثة:

الأول: مورد الأهم و المهم، كما إذا دار الأمر- مثلا ـ بين حياة الأم و جنينها، في وقت لا يمكن حفظ حياتهما معا، بحيث إذا أردنا حفظ أحدهما هلك الآخر، فان في مثل هذه الصورة يكون المرجح هو الأهم في نظر الشارع حسب نظر الخبراء النزيهين.

الثالث: مورد غير المقدور عقلا أو شرعا، كما قال سبحانه: ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به)(4) أما ما عدا هذه الموارد الثلاثة، فكل إنسان مخير و له حريته ‏.

‏ و من المعلوم: أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

( تناكحوا تناسلوا)(5) حكم أولي .

 وهذا أيضا حكم عقلاني- مستثنى منه ومستثنى-‏ قبل أن يكون حكما شرعيا، لكن الإشكال لا ينبع من زيادة النسل، بل إن المأساة والفقر والمجاعة تنبع من سوء توزيع الثروة، و الإجحاف ، و الإسراف، و صرف المليارات فيما يضر البشرية .

 و قد أدرك علماء الغرب هذه الحقيقة كما أكدوا ذلك في بعض كلماتهم، وهذا مما يضغط على الغرب في تغيير منهجه الذي نجم عنه المفاسد، و الذي هو عبارة عن:‏

‏ 1- استغلاله للموارد اكثر من الحق الطبيعي لهذا الجيل.

2- تحديد النسل بدون إحدى المبررات الثلاثة.

          ‏3- سوء توزيع الثروة مما أصاب هذا الجيل بالجوع و الحرمان أيضا.‏

و في دعاء الإمام السجاد عليه السلام: ( اللهم صل على محمد و آله و اعصمني و احجبني عن السرف والازدياد، وقومني بالبذل و الاقتصاد، و علمني حسن التقدير، واقبضني بلطفك عن التبذير)(6).

الانفتاح الاقتصادي  

من المخاطر التي تنذر الغرب و تدعوه إلى تغيير سياسته الاقتصادية مجموعة الأخطاء و المثالب التالية:‏

‏ أولا: ركود و تجميد الأسواق العالمية نتيجة للإفراط في إنتاج بعض المواد أكثر من الحاجة إليها، مما يسبب تكديسها في الأسواق فتتعطل على أثرها بعض المعامل عن العمل، و يسرح بعض العمال عن أشغالهم، فتحدث البطالة بما تستلزمه من مشاكل ناجمة عن الفراغ.

ثانيا: الإخلال بالسوق عبر عدم توازن المواد المنتجة مع حاجات الناس، و من الواضح أن كل إنسان يحتاج إلى كمية خاصة من كل شيء، فإذا زادت كمية على حساب كمية أخرى اختل نظام السوق: وهذه الحالة تشبه حالة الإنسان الذي نمت إحدى أعضاءه بغير تناسب، بينما الحياة كلها نسب و مقادير و موازين.

الثالث: إخضاع الأسواق العالمية للعبة الاستعمارية، حيث يضغط المنتجون على الحكام لفتح أسواق لهم في بلاد أخرى، مما يوجب الاستعمار بمختلف ويلاته.

 الرابع: احتكار المنتوجات الصناعية و الزراعية، كطريقة لرفع أسعارها، أو إلقاء الفائض منها في البحر حفظا للأسعار، هذا بالإضافة إلى أنها جريمة إنسانية تسبب تضييعا لـ (بيت المال) وهدرا لإمكانياته.

و يضاف إلى ذلك كله إن هذه المشاكل المتشابكة، تتمخض عنها مشاكل أخرى و سلبيات أخرى لا يمكن رفعها إلا بتعديل القوانين الاقتصادية الفاسدة و إبدالها بقوانين الإسلام المتطابقة مع العقل و الفطرة.‏

و أني أتذكر قبل نصف قرن إن العراق لم تكن تعتريه هذه المشاكل، لعدم وجود قوانين مستوردة تدافع عن هذه الألوان من الانحراف و الفوضى و الاحتكار وعندما جاءت القوانين الوضعية عم الفساد الأسواق، و اكتوى الشعب بنيران تلك القوانين اللافحة.  

الغلاء  

يعد الغلاء في عصرنا الحديث أحد أهم الأسباب التي تهدد الدول بالسقوط و تنذرها بالانفجار!.

فقد أصبح الغلاء اليوم شبحا مخيفا، فإذا لم يعالج بمناهج الاقتصاد السليم فانه سيقضي حتما على الرؤساء أنفسهم ، و سيقصم ظهورهم كما قصم ظهر الناس و  الاقتصاد .

و لذا نجد العقلاء في الغرب و غيرهم، قد ارتفعت أصواتهم تطالب: بخفض الأسعار ، و بتحسين الاقتصاد، وبمنح الناس حقهم في نيل أوليات لوازم حياتهم.

فما معنى حرمان الناس من ابسط حاجاتهم، في حين يتمتع الأغنياء فوق حاجتهم على حساب الفقراء بلا رحمة؟!.

إن الغلاء يتفاقم بسبب سوء القوانين التي تدفع إلى ذلك.

ففي العراق- مثلا- ارتفعت أسعار اللحوم خلال نصف قرن إلى ما يزيد عن (12) ألف ضعف.

و السبب أن الأغنام و المواشي كانت تربى في البيوت و البساتين و الصحاري، وكانت الأغنام سائبة تأكل الأعشاب المجانية، و الذي يقوم بتربيتها لا يطمع بأكثر من معيشة عائلته بصورة متواضعة، و لذا كانت اللحوم بأسعارها الواقعية.

أما اليوم فاللحوم و الحنطة وكثير من المواد الاستهلاكية في الكثير من الدول- الراقية منها و المتخلفة- تستورد من الخارج، و يضاف على قيمتها الواقعية عشرة أضعاف سعرها الحقيقي للأسباب التالية:

1- الحمل و النقل.

2- النفقات التي تصرف في الدعاية لهذه البضائع.

3- ارتفاع نفقات العرض بسبب غلاء إيجار المحلات والماء والكهرباء و الهاتف و ما أشبه ذلك.‏

4- ارتفاع قيمة الفائض الناشئ من تفشي الربا بين المستوردين و الأنظمة التي يتعاملون معها.

‏ 5- كثرة الموظفين العاملين في هذا المضمار.

6- الإكثار من القضايا الكمالية و التجميلية.

7- دفع أجور المتقاعدين من الأرباح الحاصلة- بالنتيجة ـ .

8- فرض الضرائب الباهضة على كل ما يستورد من الأغذية و نحوها.

9 - تربية الأغنام في مزارع ترتفع فيها ثمن الأسمدة، وكذلك الحنطة ‏و...

10- رفع الدولة لأسعار اللحوم و غيرها للاستفادة من الأرباح في مجال مصاريفها غير المسؤولة كشراء الأسلحة و ملأ الترسانة العسكرية، و ما أشبه ذلك.

و بالتالي فقد أصاب الغلاء جميع مرافق الحياة، و إذا لم يضع له العقلاء الحلول المناسبة، فسوف تحل الكارثة ويقع الانفجار، و هو أمر لن يفوت أذهان العقلاء في العالم.  

‏ ‏التوظيف اللامسؤول  

إن اكثر الوظائف فن الحكومات الغربية اليوم تافهة بل مضرة، وكثير منها لا يثمر إلا هدر الطاقات و الأوقات والموارد.

و الدول الإسلامية قد قلدت الغرب في مجال التوظيف اللامسؤول، و شحن الدوائر أكثر فأكثر بالموظفين، بل فاقت على الغرب في ذلك ‏!!..

فان دوائر الدولة بحاجة إلى تغيير أساسي في نظام التوظيف و العمل الإداري ، فقد فاق عدد الموظفين مئات المرات حاجة إدارة الحكم- و هذا نابع من فساد منهاج الغرب، الذي يرى ضرورة توظيف المجتمع بحيث يكون لكل دارس وظيفة من دون النظر إلى كمية الاحتياج- مما يسبب أضرارا جسيمة و متعددة أهمها ما يلي:

أولا: بطالة عدد كبير من خريجي الكليات بسبب حرمانهم من العمل، نظرا لتزايد الموظفين و ضياع فرص العمل.

 و يؤكد ذلك: أن هؤلاء الخريجين الجدد ذوي الشهادات الجامعية، تأبى نفوسهم العمل في العديد من ألوان المهن و الحرف الحرة نتيجة التثقيف الخاطئ،والمنهج غير السليم، الذي يفرض على الكل الدارسة حتى التخرج كمقدمة للتوظيف المريح في إحدى الدوائر!.

‏ ثانيا: إن زيادة الموظفين بشكل اعتباطي، يوجب تعطيل القوة الإنتاجية ، و اتساع القوة الاستهلاكية المصرفية، و في ذلك ضرر مضاعف على قدرات المجتمع، فإذا استخدمت الدولة- مثلا- ألفين من مواطنيها في الوظيفة وكانت محتاجة إلى ألف موظف كان معنى ذلك: أن تخسر الأمة توفير فيئها، ورقي اقتصادها، بمقدار ما تدره الدولة من الأموال العامة على هؤلاء الموظفين، و بقدر ما سيخسره هؤلاء الموظفون أنفسهم من عدم الإنتاج و التوفير - و في هذه الحالة سيكون الموظف الزائد كلا على الناس و وبالا للاقتصاد العام.

ثالثا: إتلاف الوقت وضياعه بسبب الروتين الإداري ، فإذا كان موظف واحد في المطار احتاج المسافر إلى ساعة واحدة لكي يسافر، أما إذا زودت الدولة المطار بموظف ثان ليقوم بعمل روتيني تأخر المسافر فترة أطول.‏

رابعا: الكبت و مصادرت الحريات، إذ كثير من الوظائف الموظفين- عند المحصلة النهائية- لا تجده إلا وسيلة لتحديد حريات الناس!.

وكلما زاد عدد الموظفين كانت الخسارة اكبر و الحل أصعب.

و طالما بقيت العلاجات وقتية فان المشكلة سترمم بدلا من أن تحل وتعالج.  

آثار مشكلة البطالة

في السنوات الأخيرة الماضية، أحس الغربيون ‏- وأكثر من أي وقت مضى- أن البطالة لها أثر كبير في تأجيج الاضطرابات و الصراعات الداخلية.

فثورة الزنوج التي اشتعلت في ولاية ( لوس انجلس) الأمريكية ، و التي امتدت داخليا إلى معظم الولايات الكبرى، و خارجيا إلى بريطانيا، أكدت: إن البطالة إلى جوار العنصرية و.. اشد خطرا على المعسكر الغربي من روسيا و صواريخها العابرة للقارات.

ذلك لان المعسكر الشرقي و رغم معداته العسكرية لم يتمكن من اختراق النظام الغربي كما اخترقت رصاصة البطالة في جسمه.

من هنا فقد أخذ النظام الغربي بالتفكير الجاد في اقتصاده المتصدع بسبب البطالة القاتلة.

فقد ذكرت بعض الإحصاءات أن في أروبا (20) مليون عاطل عن العمل، و إذا افترضنا إن كل واحد من هؤلاء يعيل فردين، فقد تحول هو و من يعول ، إلى كل على المجتمع، و هكذا يتضاعف الرقم.

و يضاف إلى ذلك نسبة المتقاعدين عن العمل و ما أكثرهم، حيث يعتمد هؤلاء على أذرع غيرهم في العيش. والبطالة مشكلة مزدوجة، لانه يكثر بسببها الفساد والسرقة و القتل و الاعتداء على الناس.

و لعل التفكير الجاد في إلغاء البطالة و قلعها من جذورها في العالم يتلخص في أربعة أمور:

الأول: إعادة تنظيم و تربية المجتمع بشكل ينتزع عنه الغرور، فان الغرور يدفع بصاحبه إلى استصغار شأن العمل، و إن يرى نفسه ارفع مستوى من الأعمال الموكلة إليه، و قد بعث الله أنبيائه ليعلموا الناس التواضع و الرضوخ للعمل ،‏ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفترة من الزمن راعيا للأغنام، رغم جلالة شأنه و عظم مقامه و منزلته عند الله، وكان النبي سليمان بن داود عليه السلام رغم ملكه العظيم يرتزق من كد يمينه و عرق جبينه، وكان علي عليه السلام يشتغل بالزراعة والسقي، كما أن الزهراء عليها السلام كانت في البيت تغزل و تخبز وهي سيدة نساء العالمين، و في التاريخ أن الإمام الباقر عليه السلام و غيره من الأئمة المعصومين عليهم السلام كانوا يعملون في البستان حرثا و سقيا وما أشبه ذلك.

الثاني: سبق و أن ذكرنا و أكدنا على ضرورة إجراء المرتبات الشهرية أو المساعدات للمحتاجين العاجزين عن العمل بدلا من دفع رواتب للمتقاعدين سواء كانوا فقراء أو أغنياء قادرين على العمل أم لا.

الثالث: إلغاء القوانين التي تمنع حيازة الناس للمباحات كالأراضي، و الغابات، و الأجمة ، و البحار، والمعادن، وكل شيء يدخل في إطار( لكم..).

الرابع: إلغاء القوانين التي تقف أمام العمل،كقانون الحدود الجغرافية، و الوطنية، و اللونية و الإقليمية ، وغيرها، و التي عن طريقها تفرض الضرائب.

و بدون إرساء هذه الأسس لا يمكن إلغاء البطالة في العالم، حتى بالنسبة إلى البلاد الغنية و الصناعية، فانه بحاجة إلى هذه الأسس، و إلا لما كان في اليابان بطالة، وهي اكثر البلاد الصناعية تقدما في العالم.

مشروعية الميزانيات الحالية وتجربة(بيت المال)الإسلامي ‏

‏من مقومات ما نراه من التغيير في الغرب: انحراف بيت المال (ميزانية الدولة) عن موازين العقل و الفطرة فان بيت المال وضع لامرين:

الأول: سد حاجة الناس المعوزين.

الثاني: دفع عجلة الأمة نحو الأمام.

و يشمل الأول الحاجات الروحية كالتربية و التزكية والتعليم. كما يشمل أيضا الحاجات الجسدية كالدواء والكساء و المسكن و الزواج لمن لا يتمكن بالفعل أو بالقوة على ذلك، كما و يستفاد من المال في عملية الإصلاح بين الناس و حل نزاعاتهم أيضا.

و المراد بتقديم الأمة و دفعها نحو الأمام في شتى ميادين الحياة، لأن الأمم تحب بفطرتها أن تتجه دوما نحو الأعلى و نحو الرقي و التقدم، و ذلك هو العامل الأساسي في تسابق الأمم و تنافسها نحو المعالي، و قد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

( الإسلام يعلو و لا يعلى عليه)(7). ‏

حيث انه الدين الوحيد المتطابق مع العقل و الفطرة تماما، و قال الله تعالى: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة)(8) و إطلاقه يشمل القوة البدنية و النفسية و العلمية و الصناعية و الحربية وغيرها.

و لم يذكر سبحانه تحديدا أو إطارا خاصا للـ(قوة) ، كما لم يحصر التقوى في قوله: ( فاتقوا الله ما استطعتم )(9)بشيء معين. بخلاف سائر العبادات و المعاملات حيث أنها محددة بالفرائض اليومية كالصلاة، و الفرائض الأخرى كالصيام في رمضان والحج مرة في الحياة، وكذا الزواج بأربع، و الطلاق ثلاثة و الحدود و الديات و ما أشبه.

 ذلك لان التقوى لا يعرف لها حد لا كما و لا كيفا إلى ا لموت .

و لذا قال سبحانه:

( انك كادح إلى ربك كدحا )(10) ، وكذلك الحال بالنسبة للتقدم؟ إذ درجات الكمال لا تقف عند حد، وكلما تقدم الإنسان اكثر تجلى له: الله اكبر أكثر فأكثر، و قد قال تعالى:

( أن إلى ربك المنتهى)(11).

لكنه- اليوم- قد انحرف (بيت المال) عن أهدافه الحقيقية فترك حاجات الناس و عمل بمسائل ثانوية(12). فاعطى- مثلا- التقاعد للأغنياء في وقت يعاني فيه الفقراء ضيق المعيشة، مع أن مقتضى القاعدة العكس تماما.

 فالقاعدة تفرض مساعدة الفقير و إن فقد شروط التقاعد، و عدم مساعدة الغني و إن توفرت فيه الشروط.

 فبيت المال بحاجة إلى إعادة نظر فيه و إلى قوانين جديدة تنظم توزيعه، فكلنا قد رأى أن أناسا أثرياء و آخرين يمتلكون القوة الكافية للعمل اخذوا رواتب من ميزانية الدولة رغم أن لهم المال الكافي للعيش أو القوة الكافية للعمل. بينما بقي كثير من الناس الفقراء بلا مأوى و ملبس و منكح!.

و ما تعطية الميزانية للأغنياء إنما يخرج من كيس الأمة، و ذلك اما بالضرائب أو بالأموال المستحصلة من ثروات الأمة- كالمعادن و نحوها- و هي ثروات يجب أن تصرف أساسا في تقديم الأمة للأمام أو بسد حاجاتها ا لضرورية.

و إلى جوار انحراف منهج بيت المال، نجد أن الربا قد ساهم أيضا في فساد الوضع الاقتصادي، فبدلا من أن يعمل الجميع يتحول كثير من الناس إلى عاطلين عن العمل، إذ يكتفي كثير من أصحاب الأموال بوضع أموالهم في البنوك، ليعيشوا على أرباحها، و هذا يولد انحرافا مضاعفا، إذ يبتعد العامل عن العمل، و يتحول القادر عليه إلى عاطل. كما أن الربا الذي تعطيه البنوك أو الشركات أو الأفراد ، يخرج من كيس الأمة- بشكل أو بآخر- و ذلك عبر الضرائب و الرسوم، و الاحتيال و سوء استخدام ثروات الأمة مما يسبب وهن الاقتصاد وضعفه، و فقر الأمة وحرمانها.

وكذلك الربا يسبب مضاعفة العمل على العاملين ، فإذا كان- مثلا- لزيد ألف دينار يعمل أو يتاجر بها و يربح مائة- فرضا- لسد حاجاته، فإذا أعطاه البنك ألفا ثانية ضوعف عليه العمل، مما يشكل ضغطا عليه، كما أن فيه توسعة على الذي لا يستحق التوسعة، وضغطا على من لا يستحق الضغط.

هذا بالنسبة إلى الربا المتداول بين الحكومة و شعبها ، و أما الربا الدولي المتداول بين الدول و البنوك الدولية فحدث عن ويلاته و لا حرج، فانه قد أصبح اليوم أفضل وسيلة لاستعمار الدول المقترضة، و استعباد شعوبها و لا بد للشعوب من يوم تعود فيه إلى فطرتها، فتنتقم لنفسها من المستعمرين و المستعبدين لها.

 فالربا إذن طريقة غير مشروعة في استحصال المال، على عكس العقود الاسلامية مثل المضاربة ، التي هي استقامة كما ذكرنا تفصيلها في كتاب ( الفقه: الاقتصاد)(13).

 إذن لا يبقى أمام الغرب تجربة اصلح من تجربة (بيت المال) و تجربة المضاربة بدل الربا، فالأفضل للشعوب والقادة الغربيين إتباع منهج الإسلام في تحريم الربا و إباحة المضاربة، و هذا ما تدركه الفطرة و يحكم به العقل..  

(1) - البقرة: 29.

(2) - راجع: (الفقه: الاقتصاد) و(الفقه: الدولة الاسلامية) و(الفقه: الإدارة) للإمام المؤلف (دام ظله).

(3)- فصلت: 10.

(4) - البقرة: 286.

(5) - مستدرك الوسائل: ج14 ص153.

(6) - الصحيفة السجادية: دعاء رقم 30.

(7) - بحار الأنوار: ج39 ص47.

(8) - الأنفال: 60.

(9) - التغابن: 16.

(10) - الانشقاق: 6.

(11) - النجم: 42.

(12) - للمزيد من التفصيل راجع (الفقه: الاقتصاد) و(الفقه: الدولة الاسلامية) و(نريدها حكومة اسلامية) للإمام المؤلف دام ظله.

(13) - موسوعة الفقه: ج (107ـ 108).‏