الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الساعة المثالية 

نعم إني أتذكر ان شاباً من شباب العراق استطاع ان يصنع ساعة دقيقة ومضبوطة تعمل بلا نابض ولا جهاز نابضي، فلما عرفت به الحكومة العراقية آنذاك، استدعته بحجة إنها تريد مكافأته عليها، فلما ذهب بالساعة إلى بغداد، أخذت الحكومة الساعة وعاقبت الصانع، ثم لم نسمع بعد ذلك عن الصانع الشاب شيئاً، وبالطبع إنه مات بحادث اصطدام مصطنع أو ما أشبه، دبرته له الحكومة للقضاء عليه وعلى صنعته.

محرك بلا وقود 

كما إني أتذكر أيضاً أستاذنا في العراق السيد الكاشاني (رحمه الله)(1) فإنه صنع جهازاً محركاً يعمل بدون وقود، فعرضه على الحكومة العراقية وطلب منها المعونة في تطويره وتكميله، فلم تعبأ به.

فاضطر إلى ان يكاشف به بعض البلاد الغربية ويطلب مساعدتها، لكن الحكومة العراقية منعت من مساعدته وضيّقت عليه حتى توفي رحمه الله تعالى وذلك قبل أربعين سنة تقريباً، فمات ومات علمه معه ودفن مع صاحبه تحت التراب.

طب الأعشاب

كما إني أتذكر أيضاً أن الحكومة العراقية كانت تحارب الطب القديم في العراق الذي كان قد اعتاده الناس ودأبت عليه المجتمعات في ذلك الزمان والذي كان يعالج الناس ببساطة وسهولة، ويعرض عليهم خدماته بلا تكلفة ولا مماطلة، فكانت تسجن الأطباء وتلقي بعقاقيرهم الطبية في الشارع.

كما كانت الحكومة تقضي على (العلق) الدويبة التي تمتص الدم الزائد من الإنسان، بإدعاء إنها خرافة، بينما قرأت في بعض التقريرات الحديثة ان أميركا تشتري لمستشفياتها (العلق) من فرنسا وذلك بمبلغ عشرة دولارات لكل (علق) وفرنسا تشتري هي بنفسها (العلقة) من روسيا كل علقة بدولارين.

وكذلك كان الأمر في إيران، فقد كانت الحكومات الإيرانية هي الأخرى أيضاً تمنع الطب القديم في إيران، مع ان إيران مهد صالح للأعشاب الطبية حتى ذكر خبراء طب الأعشاب في كتبهم الطبية: ان أرض إيران أرض صالحة لزراعة العقاقير وفيها ينبت مائة ألف قسم من الأعشاب الطبية النافعة.

وكان هناك زمن البهلوي الأول طبيباً حاذقاً يعالج المرضى بالعقاقير والأعشاب، ويصدر جريدة خاصة في هذا الشأن، فكانت الحكومة الإيرانية تلاحقه وتطارده حتى اختفى عن الأعين والأبصار، ولم يعلم هل أنها قتلته بحادث اصطدام مفتعل، أو بوسيلة أخرى دبرتها له فقضت عليه.

هذا هو بعض ما اطلعنا عليه من عوامل تضرر المسلمين ووقفنا عليه من أسباب تأخرهم صناعة وطباً في هذين البلدين، ولعل هناك من هو مطلع على أكثر من ذلك وفي مختلف الأبواب والمجالات في هذين البلدين، وفي غيرهما من البلاد الإسلامية الأخرى.

الطب قديمه وحديثه

وإني أتصور كما ذكرت في بعض مباحث الفقه من كتبنا الفقهية ان اللازم على الحكومات فسح المجال أمام كل أنواع الطب وأقسامه، وتشجيعه وترويجه وذلك بتأسيس مستشفيات ذات ست شعب:

شعبة للطب اليوناني، المعالج بالأعشاب والعقاقير الطبية.

وشعبة للطب الصيني، المعالج بوخز الأبر.

وشعبة للطب الهندي القديم، المعالج حسب العناصر الأربعة.

وشعبة للطب الشعبي، المعالج بسبب الأدوية الشعبية المتعارفة بين أهل القرى والأرياف من الكي وغير ذلك.

وشعبة للطب النفسي، المعالج بطريق علم النفس.

وشعبة للطب العصري، المعالج بسبب الأدوية المتطورة التي جاء بها الغرب.

واني قد قرأت جديداً ان حكومات بعض البلاد الغربية قامت بترويج الطب اليوناني القديم إلى جانب الطب العصري الحديث، فمن شاء ان يرجع إلى الطب اليوناني رجع اليه، ومن شاء ان يرجع إلى العصري رجع إليه أيضاً.

ثم انه كما فسح العرب المجال أمام النوعين من الطب في بلادهم، فكذلك فسح المجال أمام نوعين من اللحوم والفواكه والخضر في بلادهم أيضاً، فهناك نوعاً من اللحوم والفواكه والخضر، يكون للأسمدة الكيماوية والأغذية الصناعية دخل في انتاجها وتنشئتها، وتربيتها وتنميتها، فتباع بقيمة أقل وسعر أخفض، بينما هناك نوع آخر من اللحوم والفواكه والخضر، لم يكن للأسمدة الكيماوية ولا للأغذية الصناعية، دخل في انتاجها وتنميتها ولا في تنشئتها وتربيتها، بل نتجت هي حــسب العوامل الطبيعية، ونشأت على الأغذية المتعارفة، ونمت بسبب الهواء والشمس، والماء والتراب، فتباع هذه بقيمة أكبر وبسعر أغلى، وما ذلك إلا للفرق الكبير بين هذين النوعين في الخواص والفوائد، والآثار والنتائج.

 

1 ـ السيد زين العابدين الكاشاني، توفي عام 1375هـ ودفن في قم المقدسة.