الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

أول حكومة في الباكستان

وفي باكستان ــ مثلاً ــ عندما انفصلت من الهـــند وصارت مستقلة لذاتها وشكلت حكومة إسلامية لنفسها، طلب رئيس حكومتها الرئيس محمد علي جناح(1) من أحد أصدقائه المتخصصين في علم الاقتصاد، والذي كان قد غادر باكستان وسكن الغرب، ليعود إلى باكستان فيشاركه في حكومته الجديدة، ويشغل منصب وزارة المالية والاقتصاد.

فلبى الصديق المسلم، والمتخصص في علم الاقتصاد طلب صديقه القديم الرئيس محمد علي جناح، وعاد إلى باكستان ـ بعد ان صفى أموره هناك في المهجر ـ لكنه عندما هبطت به الطائرة في مطار باكستان فوجئ قبل نزوله من الطائرة بتسليم رسالة رسمية من الرئيس محمد علي جناح جاء فيها ما مضمونه:

صديقي العزيز‍! لقد تحملت عناء السفر والعودة إلى بلدك باكستان الإسلامية، فأهلاً ومرحباً بك، غير إني انصرفت عما كنت قد اقترحته عليك من اشغال منصب وزارة المالية والاقتصاد، وفضلت ان تكون مواطناً لنا كبقية المواطنين، ثم وقع تحته بالتوقيع التالي:

أخوك: الرئيس محمد علي جناح.

كانت هذه الرسالة كالصاعقة تنزل على قلب هذا الصديق المسلم، والمتخصص في علم الاقتصاد، وكالعاصفة تعصف بروحه ونفسه، وتأخذ بهواجسه وعواطفه، وتدعوه إلى الرجوع الى أرض المهجر، والعودة إلى بلاد الغرب، فرجع من حيث أتى، وهو متألم مما جرى، ومتأسف على ذلك، وأخذ يتحرى عن الحقيقة الكامنة وراء دعوته، ويتطلع إلى الأسباب التي انتهت بالاعتذار منه، انه يعرف صديقه الرئيس جناح كاملاً، ويعلم بأنه وفي وشفيق، فلماذا دعاه للوزارة ثم اعتذر منه قبل ان يلتقي به ؟ انه أمر مريب، يتطلب التحقيق والتعقيب، فعقب ذلك وواصل تحقيقاته عنه حتى وصل إلى النتيجة التالية:

انه لما درس الاقتصاد في الجامعة وأكمل دراسته بنجاح قدم حينئذ للحصول على شهادته الجامعية في الاقتصاد، تحقيقاً دقيقاً كتبه عن الاقتصاد الربوي وآثاره السيئة في المجتمعات، واضراره الفادحة على الناس، وأثبت بالأرقام انه من الأسباب الرئيسية لسيطرة البلاد الاستعمارية على البلاد الإسلامية، حيث ان المستعمرين يفقرون البلاد الإسلامية بسبب الحروب وغيرها، ويضطرونهم إلى أخذ السلفة من الدول الاستعمارية والاستقراض منها مع فوائد كبيرة وباهضة، وبمجرد الاستقراض يدخل البلد المستقرض بشعبه وثرواته في سيطرة البلاد المقرضة، ويكون من مستعمراته لكن مغلفاً وتحت ستار الاستقلالية، وذلك لما يفرض عليه من فوائد ضخمة وأرباح مضاعفة، وخاصة إذا تأخر موعد تسديد الديون، حيث تتضاعف الفوائد إلى عدة أضعاف مقدار أصل الدين.

ثم يرى انه قد واصل بحثه في تحقيقه ذلك بقوله: ان الإسلام كان يعرف هذه الويلات التي تجرها الربا على الشعوب، ولذلك حرمها وحرم التعامل بها، وجعل معاطيها معلناً للحرب على الله ورسوله.

ثم انه بعد أخذ شهادته العالية في الاقتصاد، يقدم دراسته التحقيقية هذه، التي كتبها في فلسفة تحريم الإسلام الاقتصاد الربوي، التي تعرض فيها لبعض الأضرار والويلات الناجمة من تعاطي الربا، إلى الطبع والنشر.

فلما خرج إلى عالم النور وانتشر في الأسواق، وصلت نسخة منه إلى وزارة الاستعمارات البريطانية آنذاك، وذلك عبر أياديهم المتسللة في الأوساط الاجتماعية، والمنتشرة في كل البلاد الإسلامية حتى هذا اليوم، أو إلى وزارة الخارجية عبر السفارات المتواجدة اليوم في كل العواصم، فإنهم قد أوكلوا فيها من يبعث لهم كل كتاب جديد يصدر إلى الأسواق، وقد وصل بالفعل هذا الكتاب إلى وزارة الاستعمارات البريطانية، وبعد المطالعة والتعرف على موضوعه الذي رأوه يناقض مصالحهم الاستعمارية خطوا عليه بالقلم الأحمر، وحذروا من وصول صاحب الكتاب إلى منصب وزاري، أو مقام اقتصادي، خوفاً من تطبيق الاقتصاد الإسلامي المناهض للاقتصاد الربوي الاستعماري والذي يعرض منافعهم الاستعمارية وأطماعهم السياسة للخطر.

ولما أرسل الرئيس جناح، طلباً إليه، يدعوه لتصدي منــصب وزارة الاقتصاد، اطلعت وزارة الاستعمارات البريطانية عبر أياديها المتـــسللة في الأوساط الحاكمة على ذلك، فعملت وبكل جدية وخفاء ـ وبواسطة عملائها المتسللين في صفوف القيادات العليا والمقدسين من كافة الطبقات وخاصة الحاكمة منها ــ على تغيير رأي جناح بالنسبة إلى صديقه، حتى استطاعت وبكل حذاقة وشيطنة، ومكر وخداع، من إقناع جناح على إعلان انصرافه عما كان ينويه من تسليم حقيبة وزارة المالية والاقتصاد إلى صديقه المتخصص في الاقتصاد، وإبلاغ انصرافه وبسرعة فائقة إلى ذلك الصديق، وهو بعد لم ينزل على أرض المطار ولم يواجهه بعد أو يلتق به.

وهكذا اكتشف هذا العالم الاقتصادي الذي كان صديقاً لجناح، أسرار المؤامرة الاستعمارية، التي استهدفته بالذات، وتمكنت من اقصائه عن استلام حقيبة وزارة المالية والاقتصاد في حكومة إسلامية يرأسها صديقه القديم جناح، فقضت السلطات الاستعمارية بذلك على طاقاته بعد تجميدها، وحرمت الشعب الباكستاني المسلم من اصلاحاته الاقتصادية.

نعم، هكذا يخطط الاستعمار للاضرار بالمسلمين، وتضررهم، وللقضاء على مواهبهم وطاقاتهم، وسلب أموالهم وثرواتهم، علماً بأن هذه قضية واحدة من آلاف القضايا المحاكة ضد المسلمين، والتي بقيت تـــحت الستار لم تكتشف بعد، فعلى المسلمين ان يكتشفوها ويفشلوها، وعليهم ان يعلموا بأن هذا الاخصائي الذي حرموه من التصدي لوزارة المالية، كان يهدد مصالح الاستعمار في مجال واحد، وهو مجال الاقتصاد لأنه كان عالماً اقتصاديا فكيف بمن يهددون كل المصالح الاستعمارية في كل المجالات، كمراجع الدين، والفقهاء الأعلام ؟!

وهذا مما لا يمكن للمسلمين تداركه، إلا في ظل نظام شورى المراجع، ووجود التعددية، والمؤسسات الدستورية، والأخوة الإسلامية، والأمة الواحدة، والحريات.

الإضرار بدين المسلمين وعقيدتهم

لقد عمل الغرب إضافة إلى الإضرار بالمســـلمين من حيث العلم والصنعة، ومن حيث تحديد النسل وتقليل عددهم، على الإضرار بهم من حيث الدين والعقيدة، فسعى جاداً في تشويه الإسلام وتوجيه نصوصه وتأويل مسلماته وإلقاء الشبهات حوله، ولم يكتف بذلك كله وإنما حاول سلخ المسلمين عن إسلامهم وقذفهم ولو إلى الإلحاد.

على أثر ذلك رأينا في العراق كيف جاء الغرب وعملائهم بالمبادئ الإلحادية من الشرق تارة، ومن الغرب أخرى، وكيف عمموا الانحلال والميوعة بين فتيان العراق وفتياته، مما سبب تحطيم العراق وتضرر شعبه، وكذلك فعلوا في مصر، وفي ايران، وفي تركيا، وفي كل البلاد الإسلامية الأخرى.

الشيوعية

فتارة جاؤوا بالشيوعية الهدامة على ما فيها من الإلحاد وإنكار الله تعالى على ما تدعو إليه من الإباحية والبربرية، والفوضى والدكتاتورية، وعلى ما تنطوي عليه من التراجع والتقهقر، والانتكاس والتأخر في كل مجالات الحياة، صناعة وزراعة وتجارة وثروة وغيرها.

وأول من أتى بهذا المبدأ اللانساني إلى العراق حسب اطلاعنا هو أحد جواسيس الاتحاد السوفيتي السابق العاملين في مؤسسة الأمن والاستخبارات والناقمين على الإسلام والمسلمين وعلى البشرية والناس أجمعين فنظم أحد العراقيين كان يسمى بفهد وعهد إليه تنظيم شباب العراق وتجريدهم من إنسانيتهم ووجدانهم، وتبديلهم إلى وحوش ضارية، وسباع كاسرة، تفتك بالناس وتقتل الأطفال والأبرياء، وتهتك النواميس والأعراض، وتلتهم الأموال والثروات، وتتجاسر على المحارم والمقدسات، وتهتف بالميوعة والتحلل والاباحية والفساد، كما رأينا ذلك في حكومة قاسم(2)، مما أضر بالعراق وأخر العراقيين عن مواكبة الحياة.

القومية

وجاؤوا إلى العراق بالمبدأ القومي وأحيوا فيه القوميات، وأثاروا بينهم النعرات القومية والمدمرة، التي كانت من عادات الجاهلية وقد نهى الإسلام عنها وحاربها أشد محاربة، حتى قال فيها أمير المؤمنين (عليه السلام): «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا»(3).

ومن المعلوم ان الإسلام يدعو إلى السواسية، ويحارب القومية، وذلك على تفصيل مذكور في الكتب المفصلة(4).

الوجودية

وجاؤوا إلى العراق مرة ثالثة بالمبدأ الوجودي الذي هو كالشيوعية في الاباحية والفساد، والميوعة والتحلل، والرجعية والتأخر، لكن هذا المبدأ لم يصل إلى الحكم في العراق بينما المبدءان السابقان: الشيوعية والقومية وصلا إلى الحكم في أيام (قاسم) و(عارف) (5) وسيطرا على العراق ودمراه، ولعل السر الكامن في عدم وصول المبدأ الوجودي الاباحي إلى الحكم في العراق هو: ان المبدأ الوجودي كان منبعثاً عن فرنسا، فوقف سائر المستعمرين المسيطرين على العراق في ذلك اليوم دون شيوع هذا المبدأ، حتى لا يكون منفذاً ينفذ عبره الفرنسيون إلى مشاركتهم لهم في التسلط على العراق.

مبدأ الحكم في العراق

وجاؤوا إلى العراق في المرة الرابعة بالمبدأ البـــعثي العراقي الذي هو كالشيوعية مضافاً إلى القومية، وكان منبعث هذا المبدأ الهزيل من عفلق الصليبي المشهور، فوصل إلى الحكم وفعل ما فعل بالعراق والعراقيين، مما لم يسبق له مثيل، لا في عهد الحجاج(6) ولا في عهد جنكيز(7)، مما أضر بالعراق وشعبه المسلم ضرراً كبيراً لا يمكن تداركه ولا جبره.

الأضرار باسم الدين

وجاؤوا إلى العراق مؤخراً والى بعض البلاد الإسلامية الأخرى أيضاً، بمبادئ هادمة وأحزاب ضالة تحمل في هذه المرة اسم الدين!، وتتسم بسمة الإسلام!، لتستهوي بها بسطاء الناس، وتشوه عبرها صورة الاسلام، وتموه بها معالم الدين..

لكن عراها عن واقعها وكشف عنها قناعها طريقة عمل المنتمين اليها، من ضرب المراجع والحوزات العلمية، وضرب الشعب بعضه ببعض، مما أضر بالمسلمين ضرراً بالغاً لا ينجبر ولا يمكن تداركه ولاتلافيه.

زرع مادة الإضرار في أوساط المسلمين

لم يكتف الغرب بما أورده على المسلمين من الضرر بهم في مجال العلم والصنعة، والعدد والعدة، والدين والعقيدة، فقد عملوا على زرع اسرائيل في قلب المسلمين، وفي وسط البلاد الإسلامية، لتفرز دائماً الضرر والاضرار بالمسلمين.

فإني أتذكر جيداً كيف أنشأ الغرب دولة اسرائيل عن ست وخمسين ألف يهودي فقط، على أرض فلسطين السليبة، وكيف أخذ اسرائيل بدعم من الغرب يتقدم ويتقدم في كل المجالات حتى وصل اليوم في مجال النفوس عدد اليهود فيها إلى ما يقارب من خمسة ملايين يهودي وذلك عن طريق جذب اليهود من كل أقطار العالم، ومنحهم جنسية اسرائيلة وتوفير ضروريات الحياة من شغل ودار ومرتب لهم، وعن طريق تشجيع التوالد والتناسل ومنح جوائز وهدايا وجعل حقوق ومرتب لكل يهودي ينتج أولاداً أكثر.

وفي مجال الصنعة والتقدم الصناعي إلى الاكتفاء الذاتي في كثير مما يحتاجون اليه، وفي مجال الدين والعقيدة إلى الحرية الكاملة في ممارسة طقوسهم الدينية، ومزاولة عقائدهم اليهودية، ونشرها وترويجها بينهم، بلا كبت ولا اضطهاد، ولا مضايقات ولامطاردات.

ومن المعلوم: ان فئة مدعومة من الغرب، وموفوراً لها كل الحريات، تكون على عكس الأمة المحاربة من الغرب، والمحرم عليها كل الحقوق والحريات، فبدرجة تأخر هذه الأمة المحاربة يكون تقدم تلك الفئة المدعومة.

وما أريد ان أبرئ بذلك ساحة الأمة الإسلامية، وأبرر تأخرها، إذ هم شاركوا الغرب في تنفيذ مخططاته التوسعية ومؤامراته الجهنمية، وإنما أريد بيان الحقيقة، والموقف العدائي من الغرب تجاه المسلمين.

وكيف كان: فإني كنت أذكر للأصدقاء في كربلاء المقدسة وذلك قبل نشوب الحرب بين اسرائيل من جهة، والعرب بقيادة عبد الناصر من جهة، بأن اسرائيل لابد وان تكون هي المنتصرة وعبد الناصر لابد وان يكون هو المنهزم، وذلك حسب ما كنت أشاهده من مقدمات العمل وكذلك كان، فإن إسرائيل قد حاربت العرب منذ تواجدها إلى اليوم أربع مرات، ولكن الأمر لم يزد اسرائيل في كل مرة إلا تقدماً ولم يزد المسلمين العرب إلا تأخراً.

 

1 ـ جناح ، محمد علي (1876 ـ 1948م) سياسي وأديب باكستاني، رئيس (الحلف الإسلامي) مؤسس دولة الباكستان وأول رئيس لها (1947م).

2 ـ عبد الكريم قاسم (1332 ـ 1382هـ / 1914ـ 1963م) ولد في احدى محلات بغداد الفقيرة، ضابط عراقي قاد حركة الانقلاب ضد النظام الملكي في العراق، وأطاح به في 14 يوليو 1958م / 1377هـ . انتهج في الحكم نهجاً استبدادياً، ثار في عهده الأكراد في شمالي البلاد، لقي مصرعه في الانقلاب الذي قاده ضده (عبدالسلام عارف) فبراير 1963م / 1382هـ.

3 ـ البهجة المرضية للسيوطي، وفي شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ج13 ب238 ص147، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

4 ـ راجع كتاب (القوميات في خمسين سنة) للإمام المؤلف.

5 ـ عبد السلام عارف، (1921-1966م) ضابط عــــراقي قام بانقلاب عسكري اطاح به عبد الكريم قاسم، رئيس الجمهورية (1963م) قتل في حادث سقوط طائرة، خلف اخوه عبد الرحمان (1966م – 1968م) ثم اطاحه انقلاب عسكري بقيادة احمد حسن البكر.

6 ـ الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95هـ /714م) ولد في الطائف ولاه عبدالملك ابن مروان أمره جيشه، وتولى مكة والمدينة والطائف والعراق وحكم بأشد الاستبداد والقتل والقمع…

7 ـ جنكيز خان (1167 ـ 1227م) فاتح شهير أنشأ الإمبراطورية المغولية وأخضع بالقهر والاستبداد جميع الدول بين الصين والبحر الأسود اسمه الأصلي (تيموجين بن يشوكي) اشتهر من سلالته: باتوخان وهولاكو وتيمورلنك.