الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الإضرار عن طريق الإغفال والتضليل 

ذكرنا فيما سبق: ان الغرب خطط للاضرار بالمسلمين في كل مجالات الحياة، في العلم والصنعة، وفي العدد والعدة، وفي الدين والعقيدة، ولأجل مواصلة الإضرار بهم، زرع في قلب بلادهم، ووسط منطقتهم، اسرائيل الغاصبة لتخلق لهم البلابل والمشاكل باستمرار، وتسبب تضررهم دائماً وأبداً.

ولكنه لم يكتف الغرب بذلك كله حتى خطط لاغفال المسلمين والنوم عن مصالحهم، فان من مصلحة كل شعب وأمة ان توفر لنفسها وبيدها ضرورياتها وأوليات حياتها، حتى لا تحتاج فيها إلى غيرها، فإن الاحتياج إلى الغير يولد التبعية، ويفقد الاستقلالية وذلك كما قال الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): «احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره» بعد ان قال (عليه السلام): «افضل على من شئت تكون أميره»(1).

بينما أشاع الغرب في المسلمين ثقافة الكسل والضجر والتقاعس عن العمل، وروج بينهم هذا المنطق الكاذب، الذي يقول: (انا نحن المسلمين والعرب سادة وأشراف، والغرب عبيد واماء، فهم يعملون ويكدحون ويخترعون وينتجون، ونحن نستورد ونستهلك وبفضل أموالنا وثرواتنا فهم عمال ونحن تجار، وهم مستعطون ونحن متفضلون). وبهذا المنطق الخادع أضروا بالمسلمين ضرراً بالغاً، مما أدى إلى تبعيتهم للغرب في كل شيء، بحيث لو اغلق الغرب عليهم أبواب منتجاتهم الزراعية يوماً اختلت حياتهم، وماتوا جوعاً، وهل هناك ضرر يمكن للغرب ان يضر العرب والمسلمين به أكبر من هذا؟

نعم، ان المسلمين على أثر هذه التبعية وعدم استقلاليتهم الناتجة عن اشاعة الغرب في أوساط المسلمين ثقافة الترهل والتقاعس، وترويج المنطق الكاذب: (انهم الغربيون عمال ونحن تجار، وهم عبيد ونحن سادة وأرباب) تراجعوا في كل شيء، وتقهقروا من كل الجهات، واليك مثلاً على ذلك:

تضرر البلاد العربية 

ذكرت المنظمات العالمية تقريراً عن العلماء المعنيين بالبيئة يقول: ان البلاد العربية صالحة من حيث المناخ والمساحة والتربة والماء لأن تستوعب خمسة مليارات انسان، على ان يعيش كل واحد منهم برغد ورخاء، وعائد سنوي كبير، ودخل يومي رفيع، يوفر عليه السكن المريح، والوسيلة الفارهة، والعيش الهنيئ، والرزق الوافر.

بينما اليوم على أثر التضليل الغربي، والدعايات المضللة التي أشاعها الغرب في الأوساط العربية، لم يتجاوز نفوس العرب في البلاد العربية عن الثلاثمائة مليون نسمة، وكلهم سوى الطبقة الحاكمة وعشرة بالمائة من الناس، يعيشون عيشة مزرية، ويعانون من سوء التغذية، وعدم السكن، وقلة الرزق، ووعورة الحياة، وانخفاض مستوى الدخل، وغير ذلك من ضنك العيش وصعوباته.

خسارة دائمة ومستمرة

هذا مع ان هناك تقريرات رسمية أخرى تقول: بان في مصر أياد عاملة كثيرة لكنها عاطلة عن العمل، وفي السودان أراض واسعة وتربة خصبة ومياه كثيرة، حيث النيل الفضفاض يسقي تلك الربوع المستعدة للزرع والضرع، ولكنها متروكة ومهجورة فإذا شغلنا تلك الأيادي العاملة العاطلة في مصر، على زراعة الأرض الخصبة والمستعدة التي بقيت متروكة ومهجورة في السودان، استطعنا ان نوفر من القمح فقط ما يكفي طعاماً لكل البلاد العربية على رمتها.

لكن تغافل العرب بل المسلمين كلهم ونومهم عن مصالحهم المخطط لهم هذا التنويم من الغربيين، وترك الأيادي العاملة عاطلة عن العمل، والأراضي الخصبة مهجورة عن الزراعة، وكانت النتيجة: ان أصبحت الشعوب العربية فقراء معدمين، تعساء محرومين، لا رزق لهم ولا طعام، ولا سكن ولا مقام، ولا سعادة ولا هناء.

كان هذا بعض ما وصلنا من التقارير الرسمية في خصوص البلاد العربية، وفي مجال طاقاته البشرية المعطلة، وأراضيها الخصبة المهجورة، ومياهها الكثيرة المهدورة، وفي مجال اعتدال مناخها، وسعة مساحتها، وقدرتها على استيعاب خمسة مليارات من البشر، المقصورة بدل ذلك على ثلاثمائة مليون نسمة فقط. وما لم يصلنا من التقارير الرسمية في بقية المجالات الحيوية والهامة، بالنسبة إلى خصوص البلاد العربية، وكذلك بالنسبة إلى عموم البلاد الإسلامية، فهي أكثر بكثير مما وصلنا واطلعنا عليه، وان كان في الذي وصلنا لكفاية في قيام الحجة علينا، وانقطاع العذر منا أمام الله والناس، والتاريخ والأجيال، وذلك كما قال تعالى: (قل فلله الحجة البالغة) (2) فإنه يقال للعاصي يوم القيامة لم عصيت؟ فإذا قال: ما كنت أعلم، يقال له: لم لم تتعلم؟

من وسائل إضرار الغرب بالمسلمين

لم يقنع الغرب بالأضرار التي ألحقها بالمسلمين عرباً وغير عرب في مختلف مجالات الحياة، كما لم يكتف بزرع اسرائيل في قلب منطقتهم، ووسط بلادهم، لتشغلهم بالمشاكل التي تخلقها لهم دائماً وباستمرار، حتى أشاع في الأوساط الإسلامية وبتخطيط مدروس وماكر، ثقافة الانحلال والابتذال، والميوعة والفساد، يعني: على عكس ما يدعو الإسلام المسلمين إليه من ثقافة العفة والسداد والصلاح والرشاد، فان الإسلام يدعو باصرار إلى هذه الثقافة الانسانية والتقدمية، ويحذّر وبتأكيد من الثقافة الحيوانية والارتجاعية التي يروجها الغرب، ويسد كل الأبواب والمنافذ المؤدية اليها.

ان الإسلام بتعاليمه الحكيمة، وقوانينه الراقية، يفرض الحجاب على النساء ويوجب غض البصر على الرجال، كخطوة أولى في الحفاظ على شخصية المرأة وعفتها، وصيانة اصلاح المجتمع وسداده، ثم يحرم المخالطة والمراودة، والمفاكهة والمصادقة، والنظر بخيانة على كل من المرأة والرجل الأجنبيين، كخطوة ثانية في حراسة حقوق المرأة وتقوية شخصيتها، ورعاية سلامة نظام الأسرة وتحكيم روابطها، فان نظام الأسرة الذي رسمه الإسلام وأطّره بإطار النزاهة والقداسة، لهو خير نظام عرفه التاريخ، وتوصل إليه البشر، واكتشفه العلم الحديث فان العلم الحديث أثبت بالأرقام: بأن أفضل طريقة، وأجمل نظام، استطاع ان يسعد كلاً من المرأة والرجل من حيث الروابط الجنسية والاستمتاعات الجسدية، والعلائق الودية والعاطفية، ومن حيث اشباع الرغبات النفسية والغرائز الجسمية وإرواء الروح والقلب بالحب والمودة، ومن حيث سلامة النسل وطيب الولادة، وإنجاب أولاد سالمين وموفقين، وناجحين وفائزين هو النظام الذي رسمه الإسلام للأسرة والاطار الذي أطرها به، حيث ان هذا النظام يجمع سلامة المجتمع وصلاحه وعفته وسداده، إلى جانب ارضاء كل فرد من أفراد المجتمع رجلاً وامرأة في عواطفه وأحاسيسه، واشباع غرائزه ورغباته، وارواء عطشه الجنسي والنفسي، والروحي والمعنوي إرضاءاً واملاءاً وكذلك إشباعاً وإرواءاً لا يتحقق مثله في أي نظام آخر.

إضرارالغرب بنظام الأسرة

لكن الغرب رغم اعترافه بهذه الحقيقة الانسانية، وتأييده لهذه التجربة العلمية التي أثبتت صلاحية نظام الأسرة في الإسلام لهذا العصر وأفضليته لكل العصور والأمصار المتحضـــرة، والبشرية المتقدمة، فإنه رغم كل ذلك، أشاع في أوساط المسلمين، وروج بينهم ـ للإضرار بهم ـ ثقافة الميوعة والانحلال، والفساد والابتذال، وذلك بشتى الوسائل، ولطائف الحيل، فحاربوا الحجاب، وشجعوا المرأة على التبرج، وحرضوا الرجل على محاربة الغيرة وتخليه عنها كخطوة أولى لإشاعة ثقافة الانحلال والابتذال.

ثم شجعوا كلاً من المرأة والرجل على المصادقة والمفاكهة، وروّجوا بينهم التراود والاختلاط، وحملوهم على تبادل النظرات المريبة والاستمتاعات المحرمة، كخطوة ثانية لتحطيم كيان الأسرة، وتضييع حق المرأة وإفساد النسل، وإهلاك الحرث، وقد تمكنوا من تحقيق أهدافهم الشريرة وتنفيذ مخططاتهم الشيطانية في المسلمين.

نعم لقد نجح الغرب من تنفيذ مخططه هذا، والحق أضراراً فادحة بالمسلمين، حيث ضعف أساس الأسرة، ووهن أركانها، عند المسلمين، فارتفع فيهم نسبة الطلاق(3)، وتقلص بينهم نسبة الزواج، وفشى بينهم الروابط غير المشروعة، وانتشر في أوساطهم الأمراض التناسلية والإيدز وما أشبه ذلك، وشقوا في حياتهم، وخسروا دنياهم حيث تقهقروا في كل شيء وتقدم الغرب عليهم، وفاتتهم آخرتهم، لأن (من لا معاش له لا معاد له).

 

1 ـ شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ج20 ب4 ص255.

2 ـ سورة الأنعام: 149.

3 ـ فمثلا: تشير الإحصائيات إلى ارتفاع نسبة الطلاق في المجتمع السعودي حوالي (30) في المائة مما يشكل ظاهرة اجتماعية خطيرة، وفي آخر إحصائية رسمية لوزارة العدل السعودية بلغت الزيجات في مدينة الرياض خلال 1996م حوالي (8) آلاف و (600) حالة، يقابلها حوالي (3) آلاف حالة طلاق خلال الفترة نفسها، ما يعني إن نسبة الطلاق في ذلك العام بلغت حوالي (30) في المائة تقريباً (زواج كل ساعة وطلاق كل ثلاث ساعات)، ويعتبر شهر حزيران (يونيو) من أكثر الشهور التي تتم فيه حالة الزواج في السعودية لمصادفته بدء الإجازة الصيفية، وتعتبر مشكلة الطلاق ظاهرة في المجتمع الخليجي، ففي الكويت تصل نسبة الطلاق (29) في المائة وفي البحرين (34) في المائة وفي قطر (38) في المائة، وتتعدد أسباب الطلاق في المجتمع الخليجي.

(النبأ: العددان 21و22ـ 1419 هـ ق ص 48)

وقال الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري في تقرير صدر حديثا أن هناك 30حالة طلاق تحدث بين كل 100زواج سنويا، أي أن هناك (227) ألف حالة طلاق سنويا من بين (681) حالة زواج، وترتفع النسبة في القاهرة لتصل إلى 33 %.

(الرأي الآخر/ السنة الثالثة ـ العدد 22ـ 1 ذو الحجة 1419هـ).