الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.

(عاشوراء) موسمُ العطاء الرباني، موسم الفضيلة والتقوى والأخلاق، موسم العلم والمعرفة، ورمز لانتصار مبادىء الحق على جيوش الضلال.. وإذا كان عطاؤه قد بلَغَ (غاندي) محرِّر الهند الذي تعلمَ من الحسين (عليه السلام) كيف يكون مظلوماً لينتصر، فإنّ المسلمين عامة وشيعة الإمام (عليه السلام) خاصة أولى بهذا العطاء.

إنّ المطر الذي ينزل من السماء ليحيي الله به الأرضَ بعدَ موتها، إن استفيد منهُ على الوجه الأكمل، أعطى مختلف الثمار والأزهار، وملأ الأرض بالرياض، والقلوب بالبهجة، فإذا هبطت نسبة الاستفادة من المطر هبطت نسبة الأرباح التي يُتوقّع حصولها أيضاً.

فإن لم يستفد منه فإنّه يتسرّب إلى باطن الأرض، وبذلك يخسر الإنسان النعمةَ التي أسداها الله إليه.

وربّما اجتمع في المنخفضات ليتحوّل إلى ماء راكد وآسن يحملُ الأوبئة والجراثيم التي تكون مصدراً لكثير من الأمراض، وكذلك كثير من نعم الله.

والعنب ـ مثلاً ـ قد يكون طعاماً وغذاءاً وقد يستفاد منه في علاج بعض الأمراض وتقوية الناقهين، وقد يهمل ليلقى في القُمامة، وقد تصنع منه الخمرة الضارّة.

فالأول: من مصاديق (كُلُوا وَاشْرَبُوا..)(1).

والثاني: (يَأخُذوا بِأحْسَنِها..)(2).

والثالث: إسراف وتبذيرٌ وقد نُهي عنه، قال تعالى: (وَلا تُسْرِفُوا)(3) و(إنَّ المُبَذِّرينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطين..)(4).

والرابع: تبديل نعمة الله كفراً، فيكون مصداقاً لقول الله سبحانه: (ألَمْ تَرَ إلى الَّذينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْراً..)(5)، هذا في الجانب المادي، والأمر في الجانب المعنوي أيضاً كذلك، كما قال سبحانه بالنسبة إلى القرآن الحكيم: (ونُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنينَ وَلا يَزيدُ الظّالِمينَ إلاّ خَساراً)(6) و(قُلْ هُوَ لِلَّذينَ آمَنوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمى..)(7).

وعشرة عاشوراء كالمطر، فقد يحوّل العصاة والطغاة هذه المناسبة الدينية إلى نقيض أهدافها المثالية، وذلك حينما تُستغل لقتل الناس الأبرياء وحرق المساجد والحسينيات والمؤسسات والاعتداء على المواكب العزائية وتكريس الفرقة والاختلاف، كما تفعله بعض الجماعات في بعض الدول الإسلامية(8) تنفيذاً لمخطط الاستعمار (فرِّق تَسُد).

وقد يستغلها بعض العصاة ـ والعياذ بالله ـ لاقتراف بعض المحرّمات(9) والإسراف في المأكل والمشرب وتضييع الأوقات في اللهو واللعب(10).

وقد يُستفاد منها لإحياء ذكرى سيد الشهداء (عليه السلام) وما يحتفُ بها من المزايا المتعارفة ـ ولا شك أنّه من أفضل القربات الموجبة لخير الدنيا والآخرة(11) ـ.

لكن قول الله سبحانه: (يَأخُذُوا بِأحْسَنِها..)(12) يقتضي الاستفادة من هذا الشهر الحرام أفضل استفادة وأكمل استثمار وفي شتّى الأبعاد.

ونظير هذا، قول الله سبحانه وتعالى في باب التمثيل: (أجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاجّ وَعِمارَةَ المَسْجِد الحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ واليَوْم الآخِرِ وَجاهَدَ في سَبيلِ اللهِ..) (13)، فإنّ (السقاية) و(العمارة) من أفضل القربات عند الله سبحانه، لكن تكريس الإيمان والجهاد في سبيله سبحانه والعمل وفق سننه، أفضل من السقاية والعمارة، بدرجات كبيرة.

وهذا الكراس يهدف إلى بيان الطريق الأمثل والأشمل للاستفادة من هذه المناسبة ولاستثمارها على الوجه الأحسن لخدمة الدين والإنسانية ولإنقاذ البشرية من التخلّف والضلالة.

(اقتلوا كربلاء) مقولة صرّح بها لينين، الغايةُ منها القضاء على كربلاء المعنوية بتأريخها الحافل بالبطولات وبمقارعة الجبابرة والطغاة، وبمعنوياتها الأخلاقية والإنسانية.

فما دامت (كربلاء) حيّة في القلوب والضمائر، فستبقى مصدراً للإشعاع الديني، ومدرسة للعلماء والخطباء والكتّاب، ومركزاً للفضيلة والإيمان والأخلاق والتقوى و.. كل ذلك مما يناقض أسس الشيوعية(14).

لم يكن ذلك كلام لينين وحدهُ وإنّما صرّح بذلك قبله (يزيد) و(الحجّاج) و(هارون) و(المتوكّل)(15).

و(الحكومة العثمانية)(16).

و(البهلوي الأول)(17) وعشرات الطغاة الآخرين(18)، من أمثال (البكر وصدام) حيث هدما الحوزة العلمية في النجف وكربلاء، وقتل الثاني منهما في (الانتفاضة) أكثر من ثلاثين ألف إنسان، وهدّم المساجد والحسينيات والمدارس والمكتبات والمستوصفات ومقابر العلماء وألوف الدور والبساتين والأسواق والمراكز التجارية، وضرب بمدافعه قبّة الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام(19).

وارتكب مجزرة بشعة في الحرمين المطهّرين يندى لها الجبين، فكانت الدماء تلطخُ كل مكان(20)، كما فعل جيش يزيد بالمدينة المنوّرة وحرم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفعل الحجّاج بالمسجد الحرام بأمر الخليفة الأموي.

لكن سنّة الله في الحياة إعلاء راية الحق وإظهاره وإزهاق الباطل واندحاره، لذا ذهب الطغاة والجبابرة (وأتْبِعُوا في هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيامَةِ) (21) وبقيت كربلاء حيّة نقية، مصدراً للإشعاع الديني والفكري، ومنبعاً للأخلاق والفضيلة والحركة.

وبقيت كربلاء نبراساً للمجاهدين والأحرار، وسراجاً للأمم والشعوب، ومدرسة لتربية العلماء والمبلّغين وحملة الأقلام، منذ استشهاد الإمام (عليه السلام) وإلى يومنا هذا وإلى يوم ظهور الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

وكما قالت عقيلة الهاشميين زينب (سلام الله عليها) للإمام زين العابدين (عليه السلام): (وينصبون ـ الناس ـ لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيّد الشهداء (عليه السلام) لا يُدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيّام، وليجتهدنَّ أئمّة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً وأمره إلاّ علوّاً) (22).

وقالت (عليها السلام) ليزيد:

(فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تُميت وحينا) (23).

وسيذهب صدام قريباً بإذن الله، كما ذهب من قبله الطغاة والجبابرة (وَسَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبونَ)(24).

إن الواجب علينا إن أردنا الله واليومَ الآخر أن نصبّ اهتمامنا لإحياء كربلاء وبقية العتبات المقدسة مادياً ومعنوياً، وأن نكثر الاستفادة من هذا السراج الوهاج، الذي ينير الدربَ لكل من يطلب السعادة في الدنيا، والفوز بالجنّة في الآخرة فـ(الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة).

وعاشوراء أهم موسم لتحقيق كل ذلك، والله المستعان.

محمد الشيرازي

 

1 ـ الأعراف: 31.

2 ـ الأعراف: 145.

3 ـ الأعراف: 31.

4 ـ الإسراء: 27.

5 ـ ابراهيم: 28.

6 ـ الإسراء: 82.

7 ـ فصّلت : 44.

8 ـ كالوهّابيين في الباكستان.

9 ـ كالاختلاط بين الفتيان والفتيات على وجه الحرام.

10 ـ كما يفعله بعض الشباب المتجمهرين خارج الحسينيّات والمساجد وأطراف المواكب.

11 ـ حول الشعائر الحسينية وأقسامها وضرورتها وأهميتها راجع كتاب: (الشعائر الحسينية) للشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي وبحار الأنوار: ج45 للعلاّمة المجلسي، ونفس المهموم للمحدّث القمّي.

12 ـ الأعراف: 145.

13 ـ التوبة: 19.

14 ـ إن طبيعة المبادىء المنحرفة تكون خلاف العقل والفطرة والإنسانية، وخلاف الأديان السماوية، ومن هذه المبادىء التي حكمت بالحديد والنار وقتلت عشرات الملايين من الناس وسجنت الملايين من الأحرار وسببت في إفقار الشعوب ونهب ثرواتها سواء في الاتحاد السوفياتي السابق وأوربا الشرقية والصين وعلى مدى نصف قرن من الزمن هو النظام الشيوعي وينص هذا المبدأ على اللاءات الخمسة: (لا إيمان) و(لا أخلاق) و(لا عائلة) و(لا ثروة) و(لا حرية).

15 ـ إن السلوك العملي للجبابرة والطواغيت لا يختلف، وإن تعدّدت أسماءهم، وتفاوتت أزمانهم، واختلفت خارطتهم الجغرافية، فإنّ الكفر ملّة واحدة والتاريخ يُعيد نفسه.

فسياستهم مبنية على العداء لرسالات السماء ومحو الأخلاق والفضيلة في المجتمع وتكبيل الحريات والحظر للشعائر والمقدّسات.

فيزيد وخلال فترة حكمه ثلاث سنوات ارتكب ثلاث جرائم يندى لها الجبين وتقشعرّ لها الإنسانية: 1 ـ قتل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته واصحابه وأسر عياله وأطفاله وسعى لإخماد لهيب الثورة وصداها ولكن (وَمَكروا وَمَكَرَ الله وَاللهُ خَيْرُ الماكِرينَ). 2 ـ أباح مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثة أيام لعسكره وتجاوزوا على النساء حتّى أنه ولد في ذلك العام ألف طفل أو أكثر من الحرام. 3 ـ أرسل جيشاً ومعهم المنجنيق لهدم الكعبة وفعل ذلك.

والحجّاج الأموي: صبّ جلّ اهتمامه للقضاء على أتباع وأنصار مدرسة الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسين (عليه السلام) والقضاء على كربلاء، وكتب السيرة والتاريخ خير شاهد على هذه الحقيقة.

وهارون العباسي: سعى لمحو كربلاء وآثارها وكرب قبر الإمام الحسين (عليه السلام) وهدم الأبنية التي كانت محيطة به، وقطع السدرة التي كان يستدل بها الزوّار موضع القبر ـ والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن قاطع السدرة ثلاثة مرّات، أُنظر البحار ج45 ص398ـ ومنع بناء البيوت في كربلاء وفتح الأسواق فيها.

(أُنظر تراث كربلاء ص34 والبحار ج45).

والمتوكّل العباسي: كان أكثر عنفاً وأكثر ضراوة وقسوة في العداء لأهل البيت (عليهم السلام) ومواليهم فكان يتبع آل أبي طالب وشيعة الإمام الحسين (عليه السلام) وزوّاره في كل مكان، ومنع زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وأصدر حكم الإعدام على زوّار قبره، وأقام في المسالح أناساً يتربّصون لزيارة القبر أو يهتدي لموضع القبر، ولكن شيعة الإمام ومحبيه كان نداءهم: (لو قُتِلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منّا عن زيارته)، وأمر بتهديم قبر الإمام (عليه السلام) وحرث أرضه سبع عشرة مرّة وأسال الماء عليه، وفي إحدى المرّات أمر المتوكل بالأبقار لتمرّ على قبر شهداء كربلاء فلمّا بلغت قبر الإمام الحسين (عليه السلام) لم تمر عليه وضربوا الأبقار بالعصي وتكسّرت العصي وما جازت على قبر الإمام (عليه السلام) ولا تخطّته؛ كما أنّ التاريخ يحدّثنا أنّه لم يستطع علوي واحد أن يستوطن كربلاء من بعد مصرع الإمام الحسين (عليه السلام) عام 61 هجرية حتى وفاة المتوكل عام 247هـ: (أنظر تراث كربلاء وتاريخ الطبري ج11 والبحار ج45 ص397).

16 ـ تعرضت مدينة كربلاء ـ كبقية الولايات الأخرى ـ لأطماع الولاة العثمانيين ونزواتهم وصراعاتهم الشخصية، فنهبوا خيراتها وفرضوا الضرائب والمكوس على أهلها، وحاصرها الوالي العثماني داود باشا عام 1241هـ ولمدة أربع سنوات، وكرّ عليها عدة مرات وقطع نخيلها وأغار على مياهها وقتل من الأهالي (6) آلاف نسمة وأضحى الناس في مجاعة شديدة.

كما وتعرضت لحصار من قبل نجيب باشا في عهد السلطان عبد المجيد الثاني عام 1258هـ حيث دخل المدينة بعد أن ضربها بالمدافع، واستباحها ثلاثة أيام سلباً ونهباً وقتلاً، وارتكب فيها كل فضاعة وشناعة، وعمل السيف في رقاب الناس الآمنين، فقتل (20) ألف شخص ـ كما في كتاب شهداء الفضيلة ـ، ولجأ الناس إلى ضريح الإمام الحسين (عليه السلام) يستنجدونه ويستغيثوا به، لكن الجيش دخل الحرم، وقتل كل من لاذ بالقبر. (أنظر تراث كربلاء ص376 وص385 وكتاب السلاسل الذهبية للسيد محمد صادق بحر العلوم) وكما تعرضت المدينة المقدسة لحوادث أخرى وعلى مدى حكم آل عثمان.

17 ـ اتّبع الطاغية رضا بهلوي سياسة التعلمن ـ محو الدين ـ، فقتل رجال الدين وهداة الأمة، ومنع من ارتياد الزيّ الديني، ومنع بناء الحسينيات والمساجد والمدارس الدينية، وأجبر النساء على التبرّج والاختلاط، وسلب الحريات وصادر الأموال، وحارب الشعائر والمقدّسات ومنع عقد المآتم والبكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) وتخليد ذكراه، ومنع توزيع الماء في الشوارع والأزقة مواساة لشهيد الطف (عليه السلام)، ومنع نصب الرايات السوداء على البيوت في إحياء ذكرى سيد الشهداء (عليه السلام).

18 ـ وهكذا دأب كل جبار متكبّر لمحاربة كربلاء ومقدساتها وشعائرها وبشتّى الوسائل والطرق لأنها تكشف زيفهم وانحرافهم ودجلهم (يُريدون أنْ يطفئوا نورَ الله بِأفْواهِهِمْ ويأبَى اللهُ إلاّ أنْ يُتِمَّ نُورَه ولو كره الكافرون) (التوبة: 32).

19 ـ وأضرحتهما.

20 ـ عن الانتفاضة وأهدافها وأبعادها وما حققته من مكاسب وإنجازات وما اقترف النظام الصدامي من جرائم وموبقات راجع كتاب (العراق بين الماضي والحاضر والمستقبل).

21 ـ هود: 60.

22 ـ كامل الزيارات: ص362.

23 ـ ورد في زيارة السيدة زينب (عليها السلام).

24 ـ الشعراء: 277.