الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

تكريس المثل والقيم

يلزم الاستفادة من ذكرى عاشوراء لتركيز الإيمان والفضيلة والتقوى والمثل الأخلاقية الرفيعة في المسلمين، وتوسعة دائرتها.

إنّ تحلي المسلمين بالصفات النفسية الرفيعة يمنحهم الحصانة من الأمراض النفسية التي انتشرت في العالم المادي؛ كما ويجب توسعة دائرة هذه المثل والقيم لاشتمالها على مراتب ودرجات.

ومن الضروري أن يجعل هذا الموسم منطلقاً للإرشاد والتبليغ ونشر أحكام الله وتعاليم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الداعية إلى الحياة الطيّبة عبر تطبيق الشورى وإطلاق الحريات الإسلامية والأمة الواحدة والأخوّة الإسلاميّة والسلام، وعبر تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن (عليهما السلام) جاهداً من أجل تطبيق هذه المفاهيم وتركيزها في المجتمع، وسار على خطاهم الإمام الحسين (عليه السلام) في ثورته المباركة.

فقال الإمام الحسين (عليه السلام): (إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي وشيعة أبي علي بن أبي طالب (عليه السلام)(1).

وقال (عليه السلام): (نحن وبنو أميّة اختصمنا في الله عزّ وجلّ قلنا: صدق الله، وقالوا: كذب الله، فنحن وإياهما الخصمان يوم القيامة)(2).

وقال (عليه السلام) أيضاً: (اللهم إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنرى المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك..)(3).

فمثلاً إذا فرضنا أن مليون مجلس حسيني ـ على الأقل ـ يُعقد في شهر محرم وصفر في كل البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، وتكفلت الهيئة الإدارية لكل مجلس بطبع كتاب تثقيفي أخلاقي أو عقائدي أو ما أشبه، وتوزيعه مجاناً.

وإذا فرضنا أن كل مؤسسة اهتمّت بأن تجعل لها امتداداً في المناطق الأخرى بأن تؤسّس حسينية أو مسجداً أو تعقد مجلساً حسينياً أو تقوم بإنشاء مركز في المناطق الأخرى ـ قريبة كانت أم بعيدة ـ.

فمعنى ذلك إسهام الهيئة الإدارية في توعية الناس وإرشادهم وهدايتهم، وتخفيف آلامهم ومعاناتهم من المشاكل العالقة بهم.

قال الإمام علي (عليه السلام): (الناس صنفان: إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)(4).

إن الشهرين المباركين ـ محرّم وصفر ـ من أفضل الأوقات للدعوة للإسلام ومذهب التشيّع ونشر مبادىء الحق وقيمه، وتوسيع دائرتهما، إذا كان للمسلمين القائمين بالعزاء هذا الهدف.

ففي الحديث الشريف: (ما أخذ الله على الجهّال أن يتعلّموا إلاّ وقد أخذ على العلماء أن يعلّموا)(5).

وقال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا ظهرت البدع في أمّتي فليظهر العالم علمه وإلاّ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)(6).

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم وسغب مظلوم)(7).

الاهتمام بالإنسان

على المؤسسات الدينية والمجالس الحسينية والمواكب العزائية الاهتمام بالشباب والنساء والعجزة والأطفال.

أما الشباب فهم عماد المستقبل، والغفلة عنهم توجب انحرافهم عن المنهج السليم والأفكار الصحيحة، وانحرافهم مع التيارات السقيمة، ووقوعهم في شبكات الإلحاد والفساد والإفساد، فتتحول الطاقات الشبابية الخيرة إلى معاول للهدم.

والاهتمام بالشباب معناه الاهتمام بتربيتهم وتعليمهم وتوفير العمل الشريف لهم وتزويج عزابهم و..

أما النساء: فلكونهنّ عاطفيات، فإنهنّ معرّضات للاستغلال من قبل المفسدين في الأمور المحرّمة والمنافية للعفّة الاجتماعية(8)، فتكون أنوثتهنّ سلعة لاستدرار المال للمنحرفين.

ومن الضروري تزويج النساء لئلا يتركن عوانس، فإن العنوسة توجب الأمراض النفسية والجسدية فضلاً عن الاجتماعية.

ومن الضروري توجيههنّ ـ وتوجيه آبائهنّ وأزواجهنّ أيضاً ـ لكي يكون التعامل بين الزوجين إنسانياً وفقاً للضوابط الإســـلامية التي تكفل حقوقهنّ المشروعة وتوفّر للطرفين الحياة السعيدة(9)، وفي الحديث: (عَلِمَ الله ضعفهنّ فرحمهن).

أمّا العجزة: فإنهم أولى بالرحم، قال الإمام علي (عليه السلام) في نصراني يتكفّف: (استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز تركتموه)، وترك العجزة وشأنهم سِمَةُ المجتمع المتخلّف.

ثم أليس الشاب مرشحاً لأن يكون من العجزة في المستقبل فإذا لم يحترم العجزة، فمعناه: أنه لم يحترم نفسه.

قال سبحانه: (إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وإنْ أسَأتُمْ فَلَها..)(10).

أمّا الأطفال: فإن الشعوب التي تبحث عن سعادتها، لا بدّ لها أن تهتمّ بجيلها المستقبلي: بأن يكون صحيح الجسم، خالياً من العقد النفسية.

فالأطفال عون للآباء والأمّهات، فما يأخذونه من قبل آبائهم ومجتمعهم يُسترجع عبرهم بعد سنوات و(من لا يحسن لا يحسن إليه) و(ما أعطيته بيدك اليُمنى تأخذه بيدك اليسرى).

إرجاع الحقوق الإنسانية

يمكن أن يستفاد من واقعة الطف في حل المشاكل السياسية التي تعاني منها الأمة، والتي منها:

أولاً: مشكلة الإستبداد والدكتاتورية السائدة في العالم الثالث، وفضح الطواغيت الذين اتَّخذوا عباد الله خولاً وماله دولاً ودينه دغلاً.

فإن المصالح الشخصية لجملة من الحكّام وبعض الأثرياء المترفين وعلماء السوء تقتضي وجود التمييز والفرقة والعبودية بين الناس؛ فإنّ الإمام الحسين (عليه السلام) جاهد للقضاء على هذه الأمور، أليس هو القائل:

(إنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمَّة جدّي وشيعة أبي علي بن أبي طالب أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر..)(11).

و(على الإسلام السَّلام إذا بُليت الأمّة براع مثل يزيد، ولقد سمعتُ جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان)(12).

وقال أيضاً: (إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة... ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله)(13).

وقال (عليه السلام):

(ألا وإنّ الدّعي بن الدّعي قد ركّز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حميّة ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام)(14).

وفي هذا يكمن سرّ محاربة الطغاة للإمام الحسين (عليه السلام) فكراً ونهجاً وبلداً وحرماً وزيارةً وشعائرَ ومصاباً وبكاءاً وذكراً.

ثانياً: العنصرية التي تعاني منها أغلب بلاد العالم ـ حتى التي تطلق على نفسها المتحضّرة ـ فالتمييز العنصري والفروق اللغوية والجغرافية والقومية والعرقية هي الحاكمة في عالم اليوم(15).

ثالثاً: إخماد نار الحروب في البلاد الإسلامية التي أضرمتها الدوائر الإستعمارية في بلادنا ومنذ خمسين عاماً، فإن 80% من صراعات العالم مسرحها الدول الإسلامية.

رابعاً: إيحاد المؤسسات الإنسانية لإنقاذ بني الإنسان من الجوع والفقر والمرض وأمثال ذلك.

ويتم حل المشاكل ـ إلى حدّ ما ـ عبر قيام الخطباء بأداء دورهم الديني، وقيام الهيئات الإدارية للمساجد والحسينيات بتوزيع الكتب التثقيفية والتوعوية، وقيام وسائل الإعلام بأدوارها الحقيقية، تطبيقاً لقول الله سبحانه: (يَرْفَع اللهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذينَ أوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ...)(16).

وتطبيقاً للآية المباركة: (إنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكرٍ وأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ...)(17).

ومن الضروري توسيع دائرة الإستفادة من محرّم ومعنوياته الهائلة لخدمة الإنسانية ولتحقيق السَّلام في العالم.

ومن الضروري أيضاً أن لا نترك هذه المناسبة تسير سيراً بطيئاً وبدون استفادة كاملة ـ كما هو المعتاد عند بعض المتصدين للمجالس خطيباً كان أو هيئة إدارية ـ. 

إزالة المنكرات

يمكن الاستفادة من موسم عاشوراء في إزالة المنكرات أو التقليل ـ على الأقل ـ من شيوعها وانتشارها، حسب المقدور.

ويتم ذلك بطريقين:

الأول: الطلب من الحكومات بل والضغط عليها(18) لإلغاء القوانين المنكرة المبيحة للمحرّمات(19). ـ فإن ذلك شايع في بلاد الإسلام ـ.

الثاني: الاهتمام الجماعي أو الفردي لإزالة المنكرات ـ بقدر المستطاع ـ.

فمثلاً: تجمع الأموال لتزويج اللاتي اضطررن للبغاء من الفقر أو الحاجة، وشبه ذلك(20).

وقد ورد أن علياً (عليه السلام) زوّج مومسة.

ومثلاً: تجمع الأموال لتبديل حانات الخمور إلى محلات لبيع البضائع المحللة، ولو بدفعها لأصحابها تشويقاً لهم على تغيير المهنة.

وربما يتوهّم البعض أن الأعمال الجزئية لا تعطي النتائج المطلوبة.

ولرفع هذا التوهّم نقول:

أولاً: (ما لا يدرك كله لا يترك كلّه)، وهذه قاعدة عقلية قبل أن تكون شرعية، (والميسور لا يسقط بالمعسور)(21).

ثانياً: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لئن يهدي الله بكَ رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعتْ عليه الشمس)، وهذا الحديث الشريف يشير إلى عظم الفائدة وقيمة العمل الإرشادي وقداسته.

ثالثاً: إن هذه الجزئيات لها امتدادات، وإلغاؤها إلغاءٌ لامتداداتها أيضاً، وهو امتداد هام للمعروف وهو واجب.

فمثلاً: غلق حانة الخمر ومنع المرأة الباغية عن البغاء له امتدادات في الأسرة وفي المجتمع أفقياً وعمودياً في عمق الزمن.

رابعاً: بملاحظة كثرة الجزئيات المنحرفة وتحطيمها ـ كمجموع ـ للمجتمع نكتشف أن استثمار الموسم للحيلولة دونها شيء عظيم وذو فائدة كبيرة مرجوة، فإن إلغاء ألوف المقامـــر والمخامر والمباغي والحانات والملاهي والمراقص ومراكز الاختلاط وأندية الشذوذ الجنسي و.. عمل يؤدي إلى طهارة المجتمع وسلامته إلى درجة كبيرة ثم إنه عمل يحبُه الله ورسوله وصالح المؤمنين فضلاً عن أنّه عمل بالوظيفة الشرعية في النهي عن المنكر.

ومن الضروري أن تتظافر الجهود لإعادة الشباب إلى أحضان الفضيلة والتقوى، وردعهم عن المخدرات بل وحتى عن التدخين(22) ونحوهما من العادات الضارة صحياً، والموجبة لتلف المال والعُمر، أو الداخلة في عنوان اللعب واللهو واللّغو سواء بدرجة الحرمة أم الكراهة.

 

1 ـ ناسخ التواريخ.

2 ـ راجع كتاب الإمام الحسين للسيد علي جلال المصري.

3 ـ تحف العقول.

4 ـ بحار الأنوار: ج33 ص600.

5 ـ بحار الأنوار: ج1.

6 ـ بحار الأنوار: ج54 ص234.

7 ـ نهج البلاغة: الخطبة الشقشقية.

8 ـ كعارضات للأزياء، ولوحات للإعلانات.

9 ـ لقد فصل الإمام المؤلف (دام ظله) الحديث عن الحقوق والواجبات في الأسرة في موسوعة الفقه (كتاب النكاح) و(الفقه: الآداب والسنن).

10 ـ الإسراء: 7.

11 ـ ناسخ التواريخ.

12 ـ قالها الإمام الحسين (عليه السلام) لمروان عندما طلب منه البيعة ليزيد (أنظر نفس المهموم: ص70) للمحدث القمي.

13 ـ قالها الإمام الحسين (عليه السلام) للوليد والي المدينة عندما طلب منه البيعة ليزيد. (أنظر مقتل الخوارزمي).

14 ـ من خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم العاشر من محرم (راجع نفس المهموم: ص247).

15 ـ راجع كتاب (القوميات في خمسين سنة) للإمام المؤلف (دام ظله).

16 ـ المجادلة: 11.

17 ـ الحجرات: 13.

18 ـ عبر الأحزاب والمنظمات والجمعيات والصحافة الحرة والرأي العام.

19 ـ لمزيد من التوضيح عن تلك القوانين راجع كتاب (الصياغة الجديدة) للإمام المؤلف (دام ظله).

20 ـ أو تحريض الشباب للتزويج بهنّ.

21 ـ راجع كتاب (القواعد الفقهية) للإمام المؤلف (دام ظله).

22 ـ فإن (2.5) مليون إنسان في العالم يموتون سنوياً بسبب التبغ. (أنظر جريدة الاتحاد العدد 5150).